كانت ليلة تبحث عن معتصم في المنزل فلم تجده، لكنها انتبهت إلى صوت رنين هاتفه. ذهبت لرؤيته فوجدته أعلى منضدة الطعام. أخذته ووجدته رسالة واردة من تطبيق الدردشة الشهير. ترددت في فتحها، ثم بالنهاية قامت بفتحها وقراءة فحواها: "معتصم حبيبي أنا سوزي حبيبتك. آه يا قاسي، ناسيني كل ده ونسيت ليالينا؟ ولا خلاص اتجوزت ونسيتني؟ أخص عليك."
وبأسفل الرسالة صور لسيدة ترتدي ثيابًا فاضحة. اتسعت عيناها وما لحقت أن تستوعب ما قرأته ورأته حتى وجدت طرقًا على الباب بشدة ويتبعه رنين جرس المنزل. ذهبت لترى من هذا الطارق الذي أفزعها. وجدته شقيقها وعيناه تتطاير منها الشر ونيران مشتعلة، يصيح بصوت مخيف: "هي فين؟ شعرت ليلة بالفزع حينما رأت شقيقها في تلك الهيئة المخيفة، ولم يمهلها. فدفعها إلى الداخل وأزاحها عن طريقه، ثم أخذ يبحث عن زوجته ويصيح بغضب عارم: "هي فين؟
وربنا لأقطع جثتها حتت وأرميها للكلاب الحرامية بنت الـ... أشارت له بيديها وقالت: "اهدأ بس يا حبشي وفهمني فيه إيه." قبض على تلابيب منامتها وصاح بها: "إنتي هاتعملي عليا يا روح خالتك! يعني مش عارفة الواطية هدي راحت سرقت فلوسي وهربت بيهم؟ وشكلكم متفقين ومدبرينها مع بعض." صرخت به وتدفع يده عن تلابيبها: "متفقين على إيه يخربيتك؟ أنا وربنا ما شوفت مراتك من وقت ما كنت عندكم آخر مرة." زفر بغضب وأخبرها:
"الهانم خلتني بره ورجعت لقيتها سرقت القرشين اللي كنت محوشهم للزمن وللعيال. وكنت لسه بحكي لها عن مشروع هعمله هناكل منه الشهد، وكنت لسه هاجي لكم عشان أعرض الشراكة على جوزك. أبص ألاقي الحلوة مقلباني وسرقت شقا عمري وتعب سنين. وربنا ما هسيبها ويا ويلها وسواد ليلها." رمقته ليلة بغضب فقالت له: "يعني فضلت حارمني وحارم مراتك وعيالك عشان تحوش وتعمل مشاريع؟
تصدق بالله هي لو فعلاً سرقتهم يبقى حلال عليها، هي بنت حلال وصبرت معاك كتير أوي." كانت كلماتها كالنيران التي اقترب منها الوقود، فازدادت اشتعالاً. ثار وجال فقبض على ذراعيها: "إنتي شمتانة فيا يا بنت الـ... وكاد يصفعها لكن أوقفته يد معتصم الذي عاد للتو من الخارج قائلاً: "أنا المرة اللي فاتت حذرتك إياك تمد إيدك على مراتي، والمرة دي جاي تتهجم عليها وفي بيتي؟ يا بجاحتك ووساختك يا أخي."
وسدد له لكمة قوية، فتراجع ووقع على الأرض تحت صرخة ليلة. اقترب معتصم منه وأمسك بتلابيبه وكاد يسدد له لكمة أخرى، فأوقفته ليلة بتوسل: "لابلاش والنبي يا معتصم." أشار له معتصم بازدراء: "إكرامًا للنسب اللي بينا وعشان خاطر أختك هاكتفي بطردك من البيت، لكن لو اللي حصل ده اتكرر تاني ها تكون بموتك المرة الجاية." نهض حبشي بثقل ويمسك بخده المصاب، ورمقهما شزرًا ورحل. فأقترب معتصم من ليلة وسألها: "إنتي كويسة؟
أومأت له، فجذبها في عناق قوي وأخذ يربت عليها قائلاً: "ما تخافيش طول ما أنا جنبك." ابتعدت من بين ذراعيه رويدًا وذهبت لتأتي بهاتفه وقامت بوضعه أمام عينيه وسألته: "مين سوزي دي؟ *** وبداخل حافلة متجهة إلى الإسكندرية، كانت تجلس هدى بجوار النافذة وبجوارها ولديها. فسألها ابنها: "إحنا رايحين فين يا ماما؟ ربتت على رأسه وأخبرته:
"أنا رايحة عند خالتي في الإسكندرية. هانقعد عندها هناك كتير وهاشتري لكم كل اللي أنتم عايزينه ونفسكم فيه." فقالت لها ابنتها بصوتها الطفولي البريء: "يعني مش هانرجع بيتنا ونشوف بابا تاني." رمقتها بحزن أليم، فرغم ما يصدر منه، ما زالت تحبه ولا تعلم ماذا ستفعل. وتخشى أن يجدها ويفعل بها شيئًا. فتذكرت أنه لا يعلم أين تعيش خالتها، فتنهدت وحمدت ربها. ثم نظرت إلى صغيرتها وقالت لها:
"دلوقتي مش هينفع. يمكن نرجع بعدين في وقت تاني، بس عايزاكم تعرفوا أنا بحبكم أوي وعملت كده عشانكم." *** تأوه عمار بشدة، وهذا الشاب مفتول العضلات يلكمه بقوة في بطنه، ويمسك به آخر من ذراعيه حتى لا يستطيع التحرك أو الفرار. فقال رجل يجلس أمامهم يزفر دخان الأرجيلة قائلاً:
"إنت لما جيت لي أول مرة من قيمة شهر، قولت شكلك راجل جدع وهتطلع قد المسؤولية وهتعرف تبيع البضاعة اللي معاك، لكن لأول مرة أتخدع في حد. قدامك بكرة وترجع البضاعة، ولو بعتها يكون الـ 200 ألف هنا على الترابيزة، وبرضه بكرة، لإما هاتكون راسك اللي زي راس الحمار هي اللي على الترابيزة." بالطبع لا يريد أن يخبره بأنه تم سرقة البضاعة منذ أيام. التقط أنفاسه بصعوبة وأخبره: "إنت قولت لي 100 ألف بس." ضحك الرجل ذو الملامح الغليظة وقال:
"ده كان من أسبوع يا ننوس عين الحجة، لكن نعمل إيه بقى، الأسعار كل يوم في العالي والصنف اللي معاك مستورد يعني بنستورده بالدولار." رد عمار وجسده قد تراخى بين يدي الذي يمسكه، والآخر يقف استعدادًا للكمة مرة أخرى: "كل اللي أقدر أدبره لك 100 ألف جنيه." ترك الأخر عصا الأرجيلة أعلى المنضدة ونهض يقف أمامه يرمقه بتوعد ويخبره في آن واحد: "لأ، هما 200 ألف. ولو نقصوا جنيه قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. شغلتنا
دي ما بتعرفش غير حاجتين: فلوسك يا روحك." *** "أقسم بالله ما أعرف واحدة بالاسم ده." صاح بها معتصم إلى ليلة التي ترمقه بامتعاض: "يا سلام! لو واحدة متعرفهاش ها تبعت لك صورها بقمصان النوم! زفر بضيق ونفاذ صبر أخبرها: "ما الصور مليانة النت وأقدر أطلع لك ألف صورة زيها. ولو خدتي بالك هتلاقيها هي بدأت المحادثة وأنا ولا رديت بحرف." ابتسمت بسخرية وقالت: "يا سلام على أساس إن مش ممكن تقدر تمسح أي رسايل قديمة بينكم!
أنا مش عيلة صغيرة يا معتصم عشان تضحك عليا بكلمتين." أطلق زفرة وظل يتمتم بالاستغفار ثم قال: "وأنا مش كداب ولا بضحك عليكي يا ليلة، بس واضح إنك مش واثقة فيا وده موضوع تاني، الحمد لله إن عرفته." شعرت بالندم على ما تفوهت به: "بالعكس، أنا واثقة فيك جدًا، بس ما عنديش ثقة في اللي حواليك. وشيء طبيعي أغير لما أشوف حاجة زي كده، حط نفسك مكاني."
"أيوه عليك نور، شوفتي كان عندي حق أتضايق لما شوفت الرسايل اللي كانت بتتبعت لك من الواد الوسـ... وأنا عشان بحبك وواثق فيكي صدقت دفاعك، برغم لو راجل غيري وروحنا بعيد ليه، ده لو واحد زي حبشي أخوكي كان زمانه وراكي النجوم في عز الضهر وضرب وإهانة." جزت على شفتها السفلى بحنق، وكان لكبريائها السيطرة عليها في هذا الموقف، لذا قالت له: "يعني بتعملها واحدة قصاد واحدة؟ ماشي." أشار لها بسبابته بتحذير:
"أحذري كلامك يا ليلة، إنتِ فعلاً لو مش عيلة صغيرة زي ما بتقولي كنتِ فهمت قصدي إيه من الأول. يا أستاذة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة، أنا كان قصدي ملخص الحوار كله إنك ماعندكيش ثقة فيا." كان صوته مرتفعًا كفاية أن يصل إلى عايدة التي وقفت لدى النافذة المطلة على المسقط وتبتسم بانتصار، وتمسك بهاتفها وأرسلت إلى عمار رسالة فحواها رقم الهاتف الجديد الخاص بليلة. *** يتمدد حبشي على الفراش ويمسك بكيس ملء بقطع
الثلج يضعه على كدمات وجهه: "آه يا ناري لو أعرف خدتي الفلوس وهربتي على فين، وديني ما أنا سايبك. هخليكي توطي تبوسي رجلي عشان أرحمك عن اللي هاعمله فيكي، بس ترجعي لي الفلوس الأول." طرق على باب منزله فتأفف بضجر وقال: "وده مين الرذل اللي جاي في وقت شبه وشه." نهض وذهب ليفتح الباب: "اتفضل يا حاج نصر." قال الأخر بضيق:
"أنا مش جاي أُتضاف يا سطا حبشي، أنا جاي لك آخد إيجار الورشة المكسور عليك بقالك خمس شهور، وكل مرة تقولي لما ربنا يفرجها وتطلع لي بمليون حجة." تمتم الأخر بصوت غير مسموع: "هي المصايب كلها بتيجي مرة واحدة فوق دماغي ليه كده." انتبه على صياح الرجل: "بقولك إيه، فيه واحد هيأجرها وهايدفع أضعاف الملاليم اللي مش قادر تدفعهالي." بادله حبشي الصياح بصوت جهوري: "آه قول كده بقى، عايز من الآخر تطفشني؟
لأ يا عم الحاج بيني وبينك عقد تلات سنين فات منهم سنة ونص ولسه فاضل زيهم كمان." "ما إنت بقالك كام شهر ما بتدفعش عايزني أعملك إيه! عندي عيال بتتجهز ومحتاجين لكل قرش." لم يتحمل حبشي وقال له: "وأنا كنت هدفعلك بالليل وأديك شايف اللي في وشي، شوية عيال ولاد حرام طلعوا عليا وقلبوني. قولي هدفع لك منين دلوقتي، ده حتى الولية والعيال بعتهم على حماتي عشان معيش فلوس أجيب لهم أكل وأنت جاي تكمل عليا."
عقد الأخر حاجبيه ورمقه بازدراء قائلاً: "عيب عليك لما تكذب وتعمل عليا حوار عشان تصعب عليا. إزاي معكش فلوس ومراتك وعيالك سافروا في السوبر چيت اللي رايح إسكندرية؟ الواد زيزو ابني لسه شايفهم من قيمة كام ساعة في الموقف." انتبهت كل حواسه إلى ما وصل إلى مسامعه فسأله للتأكيد: "إنت قلت سافرت فين؟ أجاب الرجل بتهكم: "شوفت إنت إزاي كداب وبتاع حوارات، بقولك ابني شافها هي وعيالك بيركبوا السوبر چيت اللي رايح إسكندرية."
دفع الرجل من أمامه وركض إلى الخارج، مما أثار غضب الأخر الذي صاح بتوعد: "بتزوقني يا حبشي؟ طب وربنا لأفضي لك المخروبة بتاعتك وأطردك منها إنت وحبة الخردة بتاعتك." *** أصبحت بمفردها بعدما ترك لها المنزل وغادر قبل أن يحتدم بينهما العراك أكثر من ذلك، بينما هي ما زالت تبكي كلما تتذكر حديثه ومعايرته لها. صدح رنين هاتفها فقالت قبل أن ترى هوية المتصل: "ياسلام! تتخانق معايا وتبهدلني وتيجي في الآخر تكلمني في التليفون؟
طب شوف مين اللي هاترد عليك." وبعدما انتهى الرنين تكرر مرة أخرى فأردفت: "طب إيه رأيك هكنسل في وشك." وعندما أمسكت بالهاتف رأت رقمًا غير مسجل، داهمها شعور غريب. تكرر الرنين للمرة الثالثة، ترددت في الإجابة وبالنهاية قامت بالرد: "الو." جاء لها صوته ذو النبرة التي يشوبها التهديد: "إيه يا لولا غيرتي رقمك عشان معرفش أوصلك؟ غلبانة أوي." وأطلق ضحكة، فصاحت بغضب والخوف يسيطر عليها: "إنت معندكش دم ولا كرامة، عايز مني إيه يا عمار!
"100 ألف جنيه." "أنا ما بهزرش وإياك تتصل بيا تاني... قاطعها قائلاً: "وأنا ما بهزرش، أنا فعلاً محتاج الـ 100 ألف ضروري." صمت لثوانٍ وأردف بنبرة رجاء حتى ينال عطفها: "أنا والله مش بكدب عليكي، أنا فعلاً محتاجهم ضروري خلال 24 ساعة، يا إما أدفع يا إما رقبتي." شهقت ووضعت كفها على فمها ثم سألته: "إنت ورطت نفسك في إيه المرة دي! وبعدين هجيب لك المبلغ ده منين؟ أنا معيش فلوس."
"بس جوزك معاه وما شاء الله كان شغال كام سنة بره. أنا هاخدهم منك على سبيل السلف وهابقي أرجعهم لك تاني. قولي له إن مرات أخوكي محتاجة المبلغ ده أو اخترعي له أي حوار، بس بالله عليك ضروري محتاجهم." كانت في تردد أن تنهي المكالمة على الفور، لكن هنا تغلبت العاطفة لديها على عقلها، كما يخبرها قلبها بأن حديثه صحيح، وبالفعل هو في مأزق وخطر إذا لم تقم بمساعدته. أطلقت زفرة عميقة وانتبهت إلى ندائه عليها في الهاتف: "ليلة، يا ليلة."
أجابت: "معاك، بص أنا هاتصرف وربنا يستر، بس أقسم بالله لو طلع حوار نصب واشتغالة أنا بنفسي اللي هاطلع روحك في إيدي. ويا ريت بعد ما يخلص حوارك ده ما أشوفش وشك تاني ولا رقمك على الموبايل عندي." انتبهت إلى صوت رنين جرس المنزل فأخبرت الأخر بهمس: "الفلوس هاتكون عندك بكرة الصبح. سلام." وأنهت المكالمة على الفور وقلبها يخفق بشدة. خرجت وظنت معتصم من جاء، لكنها وجدت والدته تقول لها: "إزيك يا حبيبتي."
وكانت تبتسم لها على غير عادتها. أشارت لها ليلة للدخول: "اتفضلي يا خالتي." ولجت إلى الداخل وقالت: "أنا عارفة إن معتصم مش هنا، كنت في البلكونة وشوفته رايح ناحية القهوة، قولت ما أطلع وأقعد معاكِ حبة. أفضفض شوية وعايزاكِ في موضوع كده." ابتسمت ليلة وسألتها: "خير يا خالتي، أنا تحت أمرك."
"ما يأمرش عليكي عدو أبدًا يا حبيبتي. أنا عارفة إنك شايلة مني من أول الجواز لحد ما مات جلال ابني الله يرحمه. معلش بقى اعتبريها غيرة حماه على ابنها، بس الحمد لله دلوقتي ربنا يعلم أنا بحبك قد إيه وبعتبرك بنتي اللي ما خلفتهاش." "تسلمي يا خالتي." ردت ليلة باقتضاب وبشبه ابتسامة، لأن لديها شعور أن هذا الحديث من المؤكد خلفه أمر آخر.
"تسلمي يا حبيبتي، أنا كنت عايزة آخد رأيك في موضوع وأنا عارفاكِ عاقلة وما شاء الله عليكِ متعلمة وبنت أصول. بصي، فيه واحدة جارتنا كان عندها ولدين اللهم بارك رجالة قد الدنيا، والاتنين متجوزين. واحد منهم الله يرحمه والتاني ربنا يبارك لها فيه. أرملة ابنها اللي توفى طلعت حامل، وجارتي خايفة إن مرات ابنها بعد ما تقوم بالسلامة تروح تتجوز وتاخد الواد يتربى عند واحد غريب الله أعلم هايعمله إزاي. فهي فكرت إنها تلم الشمل، وهي إنها تجوز مرات ابنها اللي مات لأخوه، هو أولى بتربيته وكمان في مقام أبوه."
كانت تستمع ليلة إليها باتمعن، وعندما أدركت ما ترمي إليه تلك السيدة، اتسعت عيناها ووقفت بصوت هادر: "يخربيتك! عايزة جوزي يتجوز عايدة الحرباية! نهضت وأمسكت يدها برفق: "اهدأ واسمعيني بس يا بنتي... نفضت يد الأخرى عن يدها:
"بنتك إيه بس يا شيخة، ده أنا من ساعة ما دخلت البيت ده وأنتِ مش طيقاني واستحملت كتير عشان خاطر ابنك وقولت يا بت عدي واسكتي يمكن مع الوقت تحبك وتعتبرك زي بنتها، ولما حسيت منك بكده بقالي فترة مكنش حب. أتاريكي بتنيميني في العسل عشان تديني الخازوق المتين وتجوزي ابنك لعايدة حبيبتك ومش مهم أنا أتحرق ولا أولع بجاز. روحي يا شيخة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ." وفي تلك اللحظة أتى صوت آخر يصيح باسمها بنبرة تنذر أن
هناك كارثة على وشك الحدوث: "ليلة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!