الفصل 6 | من 20 فصل

رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
26
كلمة
2,087
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

في منزل حبشي، تمكث بداخل غرفتها منذ ليلة الأمس، يجافيها النوم. تحتضن صورة والدتها ووالدها. كم تمنت أنهما يعودا إلى الحياة، ربما لم يحدث لها ما تتلقاه على يد شقيقها الظالم، الذي لديه استعداد لأن يبيع شقيقته دون تردد، ليُزال عنه مسؤوليتها ولا يصرف قرشًا واحدًا. فالبخيل مثله لا يصرف إلا عندما يوقن أن الجنيه عندما يخرج من جيبه سوف يعود إليه أضعافًا مضاعفة. طرقت هدى الباب وقالت من خلفه:

-ليلة، يلا عشان آذان المغرب هيؤذن أهو. أجابت الأخرى: -مليش نفس يا هدي. كولي انتي والعيال، ومعلش سبيني لوحدي، ولا أقولك اعتبروني هوا في البيت. أدارت المقبض وولجت إليها قائلة بعتاب جلي: -طيب أنا ذنبي إيه تخاصميني؟ وأنتي عارفة معزتك ومحبتك في قلبي زي أختي الصغيرة. نظرت إليها بطيف ابتسامة، ثم أخبرتها بنبرة يتخللها الهزيمة والانكسار:

-أنتي أكتر واحدة مصبراني أعيش وأستحمل القرف والذل اللي شايفاه على إيد أخويا. صعبانة عليا أوي إنك وقعتي معاه، ياريتك اتجوزتي واحد أحسن منه، يمكن كان حالك يبقى أحسن وعندك كل اللي نفسك فيه. جلست بجوارها لتري بداخل عينيها تلك النظرة التي طالما كانت بخاصتها نحو عمار، وأخبرتها:

-مش بإيدي يا ليلة. القلب هو اللي بيختار لنا ناس، لو فكرنا بالعقل هنقول استحالة نعيش معاهم. وأنا مهما أخوكي عمل وعلى كل عيوبه دي بحبه أوي وما أقدرش أتخيل أعيش يوم من غيره. قولي عليا مجنونة أو واحدة معنديش كرامة، بس أحكام القلب بتجبرنا نعيش في وسط النار كأنها الجنة ونعيمها. ضحكة قوية أطلقتها ليلة، حتى سألتها الأخرى بحنق: -هو أنا كنت بقول نكت يا ست ليلة؟ توقفت عن الضحك وأجابت:

-معلش يا هدي مش قصدي اللي فهمتيه. بس مستغربة كمية الكلام العميق اللي قولتي، وأنتي ما وراكيش حاجة طول الليل والنهار غير شغل البيت وتجري ورا العيال وطلبات أخويا اللي ما بتخلصش، فاستغربت. أخرجت هاتفها من جيب عباءتها وأخبرتها بابتسامة:

-أكمني يعني معايا دبلوم يبقى مش بعرف أتكلم. عمومًا يا ستي هقولك على السبب. أنا بيني وبينك عاملة حساب على الفيس باسم الولاه محمد ابني، ومشتركة في جروبات بتنشر روايات حلوة أوي. دي اللي علمتني الكلام اللي قولته ده، ومش هعرف أعيده تاني. وبصراحة بتهون عليا، خصوصًا لما بكون مخنوقة بقعد أرفه عن نفسي وأقرأ. عقبت ليلة وتكتم ضحكاتها: -وكمان عاملة فيس؟ ربنا يستر وحبشي لو شم خبر هايمسك التليفون ويفتح بيه دماغك. شهقت

هدى وضربت بكفها على صدرها: -يا مصيبتاي! حرام عليكي يا ليلة، أوعي تكوني بتفيتي ليه عليا! ضحكت وقالت: -جوزك أصلاً لا يفقه أي حاجة في التكنولوجيا، وكل فكرته عن الفيس إنه بتاع العيال الفاشلة والبنات اللي بتدخل عليه مش محترمة. جوزك دماغه تعبانة خالص، تحسي إنهم شالوا مخه وحطوا له بطاطس بدالها. أخذت تضحك الأخرى قائلة:

-يخرب شيطانك يا ليلة، ده أنتي فظيعة. بمناسبة البطاطس يلا بقي تعالي أفطري قبل ما الأكل يبرد، عاملالك صينية بطاطس في الفرن. أي نعم قرديحي بس هتاكلي صوابعك وراها، وجمبها بتنجان مخلل زبدة يستاهل بوقك. وقبل أن تذهب ليلة وتغادر غرفتها، أوقفتها هدى وأردفت: -بصي هقولك نصيحة، ولو مش عجباكي ماتعمليش بيها. أنا لو مكانك وجالي واحد زي معتصم شاريني وينجدني من جحيم أخويا، هوافق على طول. عاد الحزن إلى ملامح ليلة، التي

اكتفت بهز رأسها وعقبت: -هافكر يا هدي، وهابقى أرد عليكم. سبيني بس على راحتي. ــــــــــــــــــــ -عايدة، بت يا عايدة. كان نداء نفيسة على زوجة ابنها التي لم تجب عليها. خرج جلال يتثاءب وقال: -صباح الخير يا ماه. -صباح إيه يا ابني، قول مساء الخير. ده الضهر قرب يأذن. فين المحروسة مراتك؟ رفع كتفيه بعدم معرفة ويحك فروة رأسه: -والله ما عارف، أنا لسه صاحي ما لقتهاش جمبي، يمكن نزلت تشتري حاجة وطالعة.

-أنا صاحية من الفجر صليت وقرأت قرآن. يعني لو صحيت كنت شفتها. أشار إلى والدته وطلب: -معلش والنبي يا ماه ولعي لي فحم، خليني آخد لي نفسين يفوقوني بدل ما أنا قايم مصدع. رمقته بغضب ورفض قائلة: -الناس تصحى تصلي، أنت أول ما تصحي عايز تشرب شيشة. ده أنت لو لاقي صحتك في الشارع مش هاتعمل في نفسك كده. وكأنك ناسي إحنا في رمضان يا موكوس. تأفف وزفر بحنق:

-يوه بقي كل يوم الموال الأخبر ده على الصبح. مش ناوية ترحميني بقي من الأسطوانة الحمضانة دي! -شكراً يا ابني. الحق عليا خايفة عليك وتبقي دي جزاتي في الآخر... ظلت تتمتم بكلمات متكررة حتى شعر ابنها بالضجر وتركها ودلف إلى المرحاض: -يوه بقي مش هانخلص من الموشح.

بينما في مكان آخر، مكان موحش وتفوح منه روائح البخور وروائح أخرى كريهة. يلقي هذا الدجال ذو المظهر المخيف ولحيته التي تشبه لحية السحرة والكهنة قديمًا، حفنة من مادة تجعل الفحم المشتعل ينبعث منه دخانًا كثيفًا، ويتمتم: -حي أرزق يا اللي بترزق. أبعت ياللي بتبعت. دخلت بتردد وتضع طرف وشاحها تخفي به نصف وجهها: -السلام عليكم يا شيخنا. أشار لها للجلوس قائلاً: -اتفضلي يا أختاه، قولي علتك. نظرت إليه بتوجس من

مظهره المخيف ثم قالت له: -علتي هي قلبي يا سيدنا الشيخ. بحب واحد وهو مش حاسس بيا، نفسي يحبني ويبقي يتمنى مني كلمة. وسمعت إنك يا ما جمعت حبايب وجوزت بنات فاتها قطر الجواز. صاح مهللاً: -حي حي، كله بأمره كله بأمره يا بنتي. وعشان تنولي المراد من رب العباد لازم ترضي الأسياد. كانت في حالة ذعر من النيران المشتعلة وزيادة رائحة البخور، فقالت بتوتر: -أنا تحت أمر الأسياد. قولي إيه طلباتهم وهاتكون عندك في الحال. أخرج من جيبه ورقة

مطوية ومد يده بها إليها: -بكرة زي دلوقتي يكون عندي كل الطلبات دي، وهاديكي اللي يخلي حبيبك ما بين إيديك. وما تنسناش في دعواتك. أومأت له وقالت: -من عينيا. وكانت السعادة تتخلل ملامحها وتنضح من عيناها ذات النظرة الشيطانية. ـــــــــــــــــــــ عادت من الخارج وركضت إلى غرفتها وبدأت في خلع عباءتها لتبدلها بأخرى. دخل زوجها ويرمقها بنظرة لم تستشف منها شيئًا: -كنتي فين؟ انتفضت بفزع وأجابت:

-كـ كنت صاحية مخنوقة واحتجت أشم شوية هوا فوق السطوح. أشار إلى ثيابها وسألها بتهكم: -طالعة تشمي هوا بعباية الخروج! حالفها الحظ ووجدت الإسدال على كرسي طاولة الزينة، وأشارت إليه قائلة: -ما أنا كنت لابسة الإسدال ولسه قلعاه. اقترب منها وعانقها: -ما تسبنيش نايم لوحدي تاني وتقومي. وبعدين لو مخنوقة صحيني وأنا أفرفشك. غمز لها بعينه، فابتسمت بشفتيها فقط وقالت: -حاضر. أخذ يستنشق بأنفه رائحتها: -إيه الريحة العفشة دي؟

تذكرت أمر البخور فابتعدت والتوتر يخالج ملامحها، وسرعان تصنعت الدلال: -قصدك إيه يعني؟ على فكرة دي ريحتك أنت من الشيشة بتاعتك، وما كنتش عايزة أقولك عشان ما جرحكش. حك فروة رأسه بحرج وقال: -معلش بقي يا حبي، أصلي كنت سهران مع جماعة صحابي وطلبت معاهم سجاير محشية، ووجبوا معايا. بصراحة مرضتش أكسفهم. قالت له وكأنها تكترث لأمره: -طيب ياريت بلاش تشرب تاني عشان صحتك. جذبها بين ذراعيه وسألها: -خايفة عليا يا دودو؟ ظهرت

أسنانها في ابتسامة مصطنعة: -طبعًا يا روحي، أنا ليا مين غيرك أخاف عليك يا سبعي. -بقولك إيه، ابقي استنيني لما أرجع بالليل عشان عايز أقولك كلمة سر ما ينفعش أقولها لك في الصيام. دفعته عنها دون أن تنظر له: -يا عم إجري، أنت بتفطر من هنا وبتكون بعدها زي الفراخ البيضا اللي مفرهدة في القفص. وقبل أن ينطق، صاحت والدته من الخارج: -واد يا جلال، واد يا معتصم.

-روح شوف مامتك، وأنا هاخد لي هدوم عشان عايزة آخد لي دش وأغير وألحق أحضر للفطار بدل ما أمك تفرج عليا الجيران. خرجت من غرفتها وفي طريقها إلى المرحاض، فوجدت معتصم يخرج من غرفته، وعندما تلاقت أعينهما رمقها بازدراء. رفعت أنفها بكبرياء واهية ولم تهتم، أو ربما تصنعت هذا والحقيقة غرار ذلك. ــــــــــــــــــــــ

وعقب صلاة التراويح بمنزل حبشي، يجلس كل من معتصم وشقيقه وجلال ووالدتهما نفيسة، التي ذهبت بعد عناء ومحايلة من ابنها بعدما رفضت الذهاب وتلك الزيجة، لكن لم تستطع رفض مطلب ابنها الصغير. لكن لم تأت معهم عايدة وتحججت بالتعب ولديها ألم برأسها، لا تريد أن ترى إتمام مراسم الاتفاق. تحمحم معتصم ويبدو كأنه انتهى من طلب يد ليلة وينتظر إجابة شقيقها: -قولت إيه يا حبشي؟ أعتدل الآخر في جلسته وقال:

-طبعًا أنا أتمنى يا صاحبي، بس لما نسمع رأي العروسة الأول. روحي ناديها يا أم محمد. وجه أمره إلى زوجته التي تضع يدها على قلبها وتخشى رفض ليلة التام وينشب عراك مرة أخرى بين زوجها وشقيقته. نهضت على الفور وذهبت لتخبرها، فتفاجئت بخروج ليلة من المطبخ وتحمل صينية يعلوها كؤوس المياه الغازية. -وأنا اللي كنت فاكرة إنك هتقلبي الدنيا زي المرة اللي فاتت! ردت الأخرى وترفع وجهها بكبرياء:

-أطمني يا هدى، هانفذ اللي أخويا عايزه بس بشروطي. ذهبت أمامها والأخرى تتمتم بتوجس: -يا تري ناوية علي أيه؟ ربنا يستر. قامت ليلة بتقديم لكل من الجالسين كأساً. فالأول كانت نفيسة التي رمقتها شزراً وبتوعد، لكن الأخرى لم تعط لها أدنى اهتمام. ثم ذهبت لتعطي الكأس الثانية لجلال الذي لكز شقيقه بمرفقه وهمس إليه: -عروستك قمر ياض يا معتصم، على طول محظوظ.

بينما كان معتصم لم يسمع ولا يرى سواها. فكلما يراها يشعر بشيء غريب يختلج صدره، لكنه لن يوهم نفسه مرة أخرى، فالمتاعب لا تأتي إلا من وراء الحب والغرام، وتستيقظ على حقيقة مرة سوداء لا تعلم متى ستأتيك الضربة. -أتفضل. كان صوتها رقيق عذب. تناول كأسه قائلاً: -تسلم أيدك. تركت الصينية على المنضدة وجلست بجوار شقيقها عاقدة ساعديها أمام صدرها وترمقهم بعنجهية جلية للعيان، مما جعل نفيسة تسألها بتهكم:

-قولي لي يا حبيبتي بتعرفي تطبخي زينا وتعملي شغل البيت، ولا مرات أخوكي هي اللي شايلة البيت كله فوق دماغها لوحدها! رفعت ليلة إحدى حاجبيها وقالت: -أنا والله يا طنط كان عندي ثانوية عامة، يعني وقتي وتركيزي كله للمذاكرة. -أومال هتبقي ست بيت إزاي؟ ده الواحدة فينا مهما أخدت شهادات في الآخر ملهاش غير بيت جوزها. ردت الأخرى عليها بنبرة مماثلة لها: -دي ظروفي وأظن ابنك جاي وفاهم وضعي. عقب معتصم قائلاً:

-آه طبعاً يا عروسة، أنا خلاص اتفقت مع أخوكي على أي طلب أنتي عايزاه. فسألته وتراقب ردة فعل والدته: -وطنت عارفة أي شرطي، ليكون عندها اعتراض ولا حاجة. رمقته والدته على الفور بغضب. فقال: -أمي راحتي من راحتها، وطالما أنا موافق هي موافقة. والتفت إلى والدته وسألها بنظرة أدركت ما يريد قوله لها: -صح يا أمي؟ ردت بتصنع السماحة والطيبة كالعادة: -طبعاً يا حبيبي، أنا كل اللي عايزاه أشوفكم مرتاحين ويبعد عنكم ولاد الحرام.

ونظرت إلى ليلة التي أدركت مقصدها في الحديث فأجابت عليها: -أيوه ربنا يبعد عننا ولاد الحرام. تدخل جلال قائلاً قبل أن ينشب خلاف بين والدته وليلة: -أنا بقول خير البر عاجله، ونقرأ الفاتحة كده بالصلاة على النبي. ردد حبشي: -عليه الصلاة والسلام. رفع جميعهم إيديهم وبدأوا يرتلون آيات سورة الفاتحة. وعندما انتهوا، أطلقت هدي زغاريد الفرح والسعادة. ـــــــــــــــــــــــــــــ

وفي اليوم التالي ذهب الجميع لشراء الحلي، ما عدا عايدة التي تصنعت التعب. كانت ليلة تراقب ملامح معتصم عن قرب وهو يقف بجوارها وينظر إلى قطع الحلي ليختار لها ما سيهديها إياه. -أي رأيك في طقم الكوليه والإسورة بالخاتم بتاعها، أظن هيبقي حلو أوي عليكي. رمقته بوجه متجهم عندما شعرت بإطراء منه: -أنا أصلاً ما بحبش الدهب. كانت والدته تستمع إليهما فسألتها بتهكم: -أومال عايزاه يجيب لك سولتير وعقد ألماس! رمق معتصم والدته

بإمتعاض فأصلح ما أفسدته: -لو عايزة سولتير أنا معنديش مشكلة، الحمد لله خير ربنا كتير، شاوري بس وأنا هاجيب لك اللي أنتي عايزاه.

تعجبت ليلة من هذا المعتصم الذي كلما يحدث شيء لا تجد منه سوى معاملة طيبة يشوبها الحنان. زفرت بضيق حيث شعرت بالاختناق كلما علمت إنها مجرد أيام قليلة وسوف تصبح زوجة لرجل يوجد بينهما فارق ثلاثة عشر عاماً، كما يوجد فرق في التعليم والفكر، وفوق هذا وذاك، لا تعلم عنه سوى إنه جارهم في الحارة وكان إحدى أصحاب شقيقها، وهذا أكثر ما يثير مخاوفها. -أنا كل اللي عايزاه دبلة وخلاص، مش فارقة معايا أي حاجة تانية. همس شقيقها

إلى زوجته من بين أسنانه: -خديها على جنب وعقليها بدل ما أجرها على البيت وأعقلها بقلمين على وشها. بادله هدي هامسة: -أهدي يا حبشي، ما ينفعش تعمل اللي كنت بتعمله فيها، كده أنت بتقلل من كرامتها قدام نسايبها. تحدث معتصم إلى الصائغ ويشير إليه نحو طقم الحلي والمتشكل على هيئة فراشة: -لو سمحت إحنا عايزين الطقم ده ودبلة فضة إيطالي، واحفر لي اسم ليلة بالعربي جواها. نظر جميعهم نحوه بتعجب. وبعد أن جلب الرجل لهم ما قام بطلبه:

-ألف ألف مبروك، ربنا يتمم بخير. أطلقت هدي الزغاريد مثل الأمس ثم قامت بتهنئة ومباركة العروسين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...