في المساء، كانت تجلس نور أمام جهاز التلفزيون تتناول كأسًا من الشاي. سمعت صوت غلق الباب، فعلمت أنه مصطفى، لأن هذا موعد رجوعه من العمل. "مساء الخير." قال مصطفى بابتسامة. "مساء النور يا مصطفى. أجهز لك العشاء؟ " ردت نور. "يا ريت والله، أنا ميت من الجوع." قال مصطفى بابتسامة بعد أن جلس. "حالا، خمس دقائق ويبقى الأكل على السفرة." ذهبت نور إلى المطبخ وأعدت العشاء، ثم وضعته على السفرة. "مش هتتعشي؟ " سأل مصطفى.
"بالهنا، أنت. أنا سبقتك، تعشيت معاهم." أجابت نور. تناول العشاء بصمت، حتى قطع هذا الصمت صوتها: "هو أنا ممكن أسأل سؤال؟ "أكيد طبعًا يا نور." قال مصطفى بابتسامة، ثم أكمل ممازحًا: "وبعدين، متى متى الاحترام ده يا بنتي؟ "يعني هو أنت لي كل شوية بتعمل معايا مشاكل، بالرغم إنني والله ما بكون قاصدة أزعلك." قالت نور. نظر لها مصطفى بحزن وبدأ يتحدث: "أنا يانور بعمل معاكي مشاكل؟
بالعكس، أنتِ اللي مش بتستحملي كلامي، وده مزعلني جدًا. عارفة من يوم ما جيتي سكنتي عندنا وأنا بعزك وبعتبرك زي ريم. ربنا يعلم غلاوتك عندي ومش بكون قاصد أزعلك. أنتِ بتاخدي الموضوع من زاوية واحدة وبتتسرعي، وأنا بصراحة بكرة الغباء. وعموماً يا ستي، أنا آسف على كل حاجة، وأوعدك إني مش هازعلك تاني أبداً يا ست البنات." نظرت له بابتسامة رضا عن حديثه، فبدأت الحديث بارتباك: "أنا اللي آسفة. تحب أعملك شاي؟
"لا، هدخل أنام. تسلمي يا نور، تصبحي على خير." قال مصطفى بابتسامة. "وأنت من أهله." أجابت نور بابتسامة. *** يوم الجمعة –في بيت عائلة ريم بعد صلاة العصر. الجو في البيت مختلف، هدوء يشبه وقار المناسبات الكبيرة. كانت ريم في غرفتها ترتدي عباءة بلون بيج هادئ، وطرحة من الشيفون تغطي شعرها بالكامل، ومكياج خفيف جدًا لا يكاد يُرى. قلبها يدق ليس خوفًا، بل خجلًا وحياءً. طَرقت الأم الباب ودخلت.
"يلا يا ريم، ياسين وصل وقاعد مع بابا. لما تجهزي تعالي معايا." "حاضر يا ماما." قالت ريم بصوت مرتعش. قبل أن تنهض، وقفت أمام المرآة وقالت في نفسها: "يا رب اجعلني سببًا لسعادة عبدٍ من عبادك، واجعل منه سكنًا ولباسًا لي." "ما شاء الله يا ريم، شكلك زي القمر." نظرت لها نور بابتسامة صافية. "تسلمي يا نور، أنتِ اللي جميلة ما شاء الله. عقبالك يا رب." نظرت لها ريم بفرحة. "يا رب يا حبيبتي، يا رب." نظرت لها نور بفرحة. في الصالون
–بعد دقائق. كان ياسين يجلس على كنبة بسيطة بجواره والده، وعيناه إلى الأسفل في وقار. سمع صوت حركة في الغرفة، فرفع بصره للحظة ثم خفضه بسرعة، وعيناه لمعت دون مبالغة. ريم تدخل بخطوات خفيفة، تجلس بجوار والدتها في صمت تام. "ممكن تتكلموا شوية لو تحبوا، طبعًا في وجودنا بس علشان ترتاحوا لبعض." قال الأب مبتسمًا. نظر ياسين إلى ريم نظرة سريعة متأدبة، ثم قال:
"أنا مش هطول، بس حبيت أقولك يا ريم إني من أول مرة شوفتك فيها حسيت إنك دعوة قديمة كنت بدعيها وربنا خبّاها لوقتها. أنا راجل بسيط، حياتي لله، وبدور على زوجة مش بس تعيش معايا، لكن تعينني على طاعة ربنا ونربي سوا جيل صالح." "وهو ده اللي كنت بدور عليه، بيت نبدأه برضا ربنا، ونبني فيه السكينة والمعنى. أنا شخصية هادية ومش دائمًا بتكلم كتير، بس قلبي مليان نية طيبة." قالت ريم بصوت خافت وعينين خجولتين. "قال تعالى:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) . وإن شاء الله تكوني سكني ومودتي." قال ياسين بابتسامة. نظر الأب لريم: "تحبي نكمل في الإجراءات ونحدد كتب الكتاب؟ "لو ده رضا ربنا، يبقى رضاي فيه." قالت ريم بنظرة خجل وسكون. دعا لهم الأب: "اللهم اجعل هذا اللقاء بداية خير، وارزقهما السكينة في الدنيا والجنة في الآخرة." *** في يوم كتب الكتاب.
في قاعة بسيطة مزينة بالورود في كل مكان، وكانت العزومة تقتصر على العائلتين فقط بناءً على رغبة العروسين. كانت ريم ترتدي فستانًا بسيطًا من اللون الأبيض، وطرحة من التل، وتاج زادها جمالًا مع بعض لمسات الميكب الخفيفة. وكان ياسين يجلس بجوارها مرتدى حلة من اللون الأسود. المأذون موجه الكلام لريم: "تقبلي الزواج من الشيخ ياسين على سنة الله ورسوله؟ "نعم قبلت." نظرت له ريم بحياء.
ثم نظر إلى ياسين: "تقبل الزواج من ريم على سنة الله ورسوله؟ "نعم قبلت." هز رأسه بموافقة. أكمل المأذون الإجراءات مختتمًا بجملة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." صوت الزغاريد يملأ المكان في بهجة وسرور. "مبارك عليا وجودك في حياتي يا ريم." نظر لها ياسين ثم ابتسم بوقار. "الله يبارك فيك يا ياسين." نظرت له ريم بابتسامة صافية وخجل.
بينما كان مصطفى يمر، سمع صوت شهقات في زاوية القاعة. نظر ووجدها تبكي بحرقة كالطفال. انفطر قلبه لأجلها، ثم اقترب منها وبدأ في الحديث. "مالك بتبكي ليه كده؟ حصل حاجة؟ حد ضايقك؟ " سأل مصطفى بحزن. "ببكي عشان ريم خلاص، كلها شهرين تلاتة بالكتير وهتمشي من البيت وأنا هفضل لوحدي." قالت نور بحزن. مد لها مصطفى منديلًا ثم بدأ الحديث:
"طب ممكن تهدّي وتمسحي دموعك. أولاً، أي بنوتة مصيرها تتجوز وتسيب بيت أهلها. ثانيًا، أنتِ مش لوحدك، أنا معاكي ومش هسيبك أبداً." نظر لها بارتباك مصححًا حديثه: "قصدي كلنا معاكي، أنا وبابا وماما." "شكراً يا مصطفى. وشكراً على المنديل." نظرت له نور بابتسامة. "العفو يا ستي، ويلا بقى أحسن حد يلاحظ إنك بتبكي وكده. ريم ممكن تزعل، تعالي نبارك لهم وعقبالك." نظر لها مازحًا. "وعقبالك أنت كمان." هزت رأسها بموافقة.
ذهب مصطفى بجوار أخته وبارك واحتضنها بكل حب: "مبارك يا ست البنات." "الله يبارك فيك يا مصطفى وعقبالك يا رب يا حبيبي." نظرت له ريم بفرحة وابتسامة. "تسلمي يا قمر." ثم اقترب من ياسين وبارك له وتمنى لهم السعادة. اقتربت نور من ريم واحتضنتها: "مبارك يا حبيبتي، ربنا يسعدكم يا رب. شكلك زي القمر." "الله يبارك فيكي يا حبيبتي وعقبالك يا رب." قالت ريم بفرحة. *** في اليوم التالي. كانت الشمس تميل للغروب والجو لطيف.
ريم تمشي بجانب ياسين في ممر الحديقة على استحياء، تتلفت أحيانًا وتنظر للأرض. "عارفة يا ريم، وأنا جاي النهارده كنت حاسس كأني داخل على امتحان شفوي." تحدث ياسين بهدوء. "ليه؟ أنت اللي بتعلم الناس، مش المفروض تكون متعود؟ " ابتسمت ريم بخجل. "آه، لكن ده أول امتحان قدام زوجتي اللي بدعي ربنا كل يوم تكون راحتي وسكني." "أنا كمان كنت متوترة، بس طول الوقت بدعي 'رب اجعلني له كما يحب واجعله لي كما أحب وبارك لنا'." نظرت له ريم بخجل.
"جميل قوي دعائك فعلاً." قال ياسين بتأثر. ثم صمت لحظة، نظر حوله ويقول: "شايفة الدنيا هادية إزاي؟ هو ده اللي كنت بحلم بيه، هدوء في القلب، في البيت، وفي المرافقة." "يعني أنا مش بس زوجتك، أنا كمان مرافقتك في طريق الطاعة؟ " سألت ريم بابتسامة. "إنتِ المرافقة والدعاء والنعمة اللي كنت بستناها." نظر لها ياسين بحب. (ثم أضاف بهدوء) "قال النبي ﷺ: 'الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة'. وإنتِ خير متاع رزقني بيه ربنا."
"وإنت نعمة كنت بستحي أطلبها، لكن ربنا أعطاني أكتر مما أتمنى." شعرت ريم بفرحة عارمة. "تفتكري أول مكان نزوره بعد الزواج فين؟ الحرم ولا المدينة؟ " سأل ياسين بابتسامة. "تحب نبدأ حياتنا بعمرة؟ " قالت ريم بدهشة وفرحة. "ليه لأ؟ نبدأها بسجدة في الحرم، بين دموعنا ونقول: 'اللهم بارك لنا في زواجنا واغفر لنا وارزقنا السعادة في الدنيا والآخرة'." "والله حلم جميل وأتمنى يتحقق." قالت ريم بفرحة.
"إن شاء الله مع بعض هحقق لك كل أحلامك." نظر لها ياسين بحب. "وإن شاء الله ربنا يقدرني وأسعدك يا ياسين." نظرت له نظرة رضا. *** في منزل ريم. "خير يا ابني، مجمعنا ليه كده؟ مش عوايدك، قلقتني." قال الأب. "خير إن شاء الله يا بابا، متقلقش." قال مصطفى بابتسامة. "بص يا بابا، بصراحة أنا عايز أتزوج نور." "يا ألف نهار أبيض، ده أحلى خبر يا حبيبي." قالت الأم بفرحة وابتسامة. نظر مصطفى لأبيه بقلق: "جرى إيه يا حاج؟
مش هتقولي أنت كمان يا ألف نهار أبيض ولا إيه؟ "أنا عن نفسي معنديش مشكلة يا ابني، بس الرأي الأول والأخير لصاحبة الشأن، نور. من ساعة باباها ومامتها ماتوفوا وهي مسؤولة مني. أنا هسألها، واللي فيه الخير يقدمه ربنا." قال الأب بضحك. بينما كانت نور تجلس في غرفتها، سمعت طرقات على الباب. "ادخل." "اتفضل يا عمو." قالت نور وما إن رأته ابتسمت بحنان. جلس بجوارها ثم بدأ يتحدث بحنان: "طمنيني عنك يا نور." "أنا بخير الحمد لله يا عمو."
"بصي يا بنتي، بصراحة كده، مصطفى ابني عايز يتجوزك، بس أنا قولت آخد رأيك الأول. صلي استخارة وقولي رأيك، وأنا مش عايزك تتحرجي، أنتوا الاتنين ولادي، وحتى لو رفضتي ليكي حرية الـ... "لا يا عمو، أرفض... قصدي يعني اللي حضرتك تشوفه." قالت نور بابتسامة. استشعر من حديثها أنها موافقة: "يعني نتوكل على الله." هزت رأسها بموافقة. أخذها في حضنه ثم ابتسم وتمنى لها السعادة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!