الفصل 3 | من 6 فصل

رواية ما هو ذنبي الفصل الثالث 3 - بقلم شفق الغروب

المشاهدات
23
كلمة
4,704
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

هدوء... صراخ... دموع... رعب وخوف... صوت صراخي بيعلى في شارع مفهوش حد. دموعي بتزيد، متثبتة، مش عارفة أتحرك. أنا متوقعتش كده. مفيش منقذ، مفيش حد يلحقني، يلحقني من إيدين الوحش اللي عايز ياخد نقاء روحي. معقول؟ انتهت؟ كنت واقفة، سمعت حد بيصفر. رفعت عيني لقيت نادر جاي عليا. تجاهلته وكملت اللي كنت بعمله في فوني. لقيته قرب مني لحد ما وقف قدامي وقال: -بتكرفليني كأنك مش شيفاني جاي. مردتش عليه. كمل وقال: -بحب البنت التقيلة.

-بص يا بتاع أنت، لو جيت تكلمني تاني مش هيحصلك طيب. -هتعملي إيه؟ -متخلينيش أمد إيدي عليك وأكسفك قدام شلة المشردين بتوعك. قال ببرود: -أنتِ قد اللي بتقوليه ده؟ -مكنتش قلتوا لو مكنتش قدو. بص ليا بشهوة وقال: -هعديلك اللي لسه قيلاله عشان جمال ولفت جسمك. -أنت سافل ومقرف. -عارف... وعايز أقولك إني مش بسيب واحدة دخلت دماغي. -دخلت دماغك رصاصة يا بعيد. قال وهو مبتسم: -وأهون عليكي؟ -تتفلق! هو أنا أعرفك أصلاً؟

ده إيه البلاوي دي يا ربي. ضحك وهو بيقول: -هنتعرف يا بر. قال كده ومشي. ولما مشي، تفيت عليه من ورا ظهري. عدى دقيقتين والسواق جه، فروحت. تاني يوم عمل نفس الحاجة. بعد ما اشتريت الشاورما ورجعت قدام المدرسة لقيتوا جه عندي وقال وهو بيمد إيده بهدية: -نبدأ صفحة جديدة. قلت ببرود وأنا موجهة نظري بعيد عنه عشان مقتلهوش: -حرقت الكتاب. -نشتري كتاب جديد وأنا اللي هشتريه، متخفيش. -أنا مش قلتلك لو جيت تكلمني همد إيدي عليك.

-بعيد عن إني هكسرهالك قبل ما تفكري تعمليها... قلبي الحنين نسي تهديدك. -جتك سكته في قلبك. -مش حرام عليكي القمر ده يجيله سكته. -لو القمر شبهك كانوا زمنهم فجروه. -لي؟ هو أنا وحش ولا إيه؟ -لا متزعلش كده، مكنتش قصدي أوصلك الفكرة دي... ده كلمة وحش قليلة على شكلك. وشك يقطع الخميرة من البيت، ده أنت تتحط على الجرح يلتهب. ضحك بصوت عالي. وأنا بصتله بقرف وقلت له: -اتكل ووريني جمال خطوتك. -طب والهداية؟ -اديها لـ your mother

(بين قوسين أمك) قلتها بنظرة قرف وهي بتعمل حركة القوسين بإيديها. -ماتت؟ -ربنا يرحمها ويصلحها على البلوة اللي ابتلتنا بيها، ومشيت. قال بنبرة فيها شوية حزن: -أمين يارب. قال كده ومشي، بس مرجعش للشلة اللي كان واقف معاها. لأ، مشي يروح. كنت حاسة إني جرحته. والغريبة إنه غاب أسبوع من المدرسة. معقول جرحته بكلامي؟ بس أنا كلامي مش جارح (خالص... ده قاتل مش جارح 🙂)

صراحة، ولأول مرة من زمان، اشتقت لشوفه حد. عايزة أتأكد إنه كويس. أنا اشتقت لنومي، وأنا الاشتياق مش جوي. بصراحة كده، مش عايزة أتأكد هو كويس ولا لأ، بس ضميري قرر يصحي. في الأسبوع ده، في معاد نومي يقرفني. ولو نمت، أشوف الواد ده بيجري ورايا وهو منتحر عايز يقتلني. وأنا عايزة أنام. طز في البشرية كلها، أنا عايزاه... أناااااام.

في الأسبوع التاني، وأنا واقفة مستنية، لقيتوا واقف مع الشلة بتعتهم. كنت هزغرط لأني هعرف أنام كويس. واتمنيت إني أكون عرفت أطفشه عشان لو جه يكلمني تاني هفزقه. ده اللي هو حرفياً... ويريتني افتكرت ميت جنية بدل وقفته. لقيتوا جاي عليا ووقف جنبي وقال: -اتوحشتيني الأسبوع ده؟

اتعصبت من لزقته ومحستش بنفسي غير وأنا بطلع الموس من كم هدومي وبسحبه في المدرسة في حتة مخفية عشان الموس ده ممكن يوديني في داهية. كممت بوقي بإيدي وأنا حاطة الموس على بداية واشوه عشان أخدهاله بالطول. كنت واقفة على طرف صوابعي لأنه أطول مني وزنقاه في الحيطة. -أنا قلتلك كام مرة ابعد عني؟ -بعد الأحباب بيوجع. -هو أنا أعرفك أحباب إيه يا متخلف أنتِ؟ -ما أنتِ بقيتي من الأحباب. -يعني بعد الأحباب بيوجع، ما بالك بجرحهم بقى.

قلت كده وأنا بقرب الموس من واشوه. -لعيونك أنتِ أستحمل الجرح حتى لو هتشوه. بصت عليه وبعدها نزلت الموس من على وشوه بضيق. بص ليا وقال: -مالك أضقتي؟ -كلامك خلاني مش عارفة أعورك. بالعكس، عايزاه أقتلك ومعيش حاجة أقتلك بيها للأسف. -أروح أجيبلك مطوة؟ -أنت مستعجل على موتك بقا؟؟!! -الموت على إيدك حسن خاتمة. لو كنت أعرف إني لو هموت يبقى على إيدك، كنت تمنيت الموت من زمان.

غصب عني طلعت ضحكة سخرية من بين شفايفي. عرفت ليه البنات متجننة عليه. بيعرف يثبت أي واحدة بكلامه طبعاً. -ضحكتك وحشة. -بكرهك... قلتها وأنا ببص ليه بقرف. -وأنا بموت فيكي. -المفروض أعمل نفسي مش عارفة إنك جاي عشان استغلال صح؟ -أوعي تفهميني صح. -بص يا نيدو، أنا همشيك النهاردة من غير تشوهات في وشك، بس ابعد عن خلقتي. لو شفتني بموت، سبني. مديت إيدي وقلت: -خلصنا يا زمالة.

حط إيده في إيدي، وقبل ما يتكلم، كنت سحبت إيدي بالموس عشان أعوره. مسك إيده وقال: -ليه عملتي كده يا مجنونة؟ -عشان أنا لما باخد قرار أعمل حاجة، بعملها. المرة الجاية هتبقى في وشك. -طب مش خلصنا وهتلاقيني واقفلك زي اللقمة في الزور. -سكينة لما تشق زورك يا بعيد. -هبقى قريب... أنتِ متعرفيش إني مش بسيب حاجة عجبتني. -براحتك. قلت كده وأنا ماشية وبلف الموس اللي فيه دم في منديل. طلعت من المدرسة لقيت السواق واقف. ركبت معاه وروحت.

بعدها نادر مبقاش يوقفني، بس كنت كل ما أروح أشتري شاورما ألاقي واحد شخص ده معنا في المدرسة، وبعد المدرسة بيروح يشتغل في المحل. مش مهم. المهم الشخص ده كل مرة يكون مجهز طلبي، ولما أديله الفلوس يقول نادر دافع. كنت برميها ليه وأقوله: "خلاص يطفحوها". عملتها أكتر من مرة. بعد كده بقيت آخده عشان آكله ومديش لنادر وش عشان يعرف إنه بيهدر فلوسه. وبعد مرور شهر على نفس الحال، لقيتوا جه وقف عندي تاني وبيقولي: -مش ناوي تحني يا جن؟

-جن لما يلبسك يا بعيد. -مقبولة منك يا حبيبتي. -حبك برص وعشرة خرص. -هو أنتِ كل كلمة ليها عندك دعوة لعنة من اللي قبلها؟ -اممم. -طب مش ناوية تديني رقمك؟ -نعم يا روح your mother (بين قوسين أمك) -ماتت؟ -ربنا رحمها من خلقك. -مش بتحسي إن كلامك ممكن يجرح اللي قدامك؟ -طز في اللي قدامي... محدش كان بيفكر في كلامه قبل ما يجرحني بيه. قالت كده بانفعال. -فأتأملي بالمثل. المفروض عرفتي إحساس الوجع، فمتحسسيهوش لغيرك.

-أنت مش مدرك إني مش بعامل غير زي ما اتعملت. ده حتى ربي عملتوا بالمثل. -تقصدي إيه؟ -ملكش دعوة... يلا وريني جمال خطوتك. -زعلتي؟ -زعلوا عليك وهما شايفينك مهروس تحت سكة قطر. -خلاص خلاص متوقفنيش كده. -ماشي، امشي يلا، زمان السواق جاي. -طب ورقمك؟ -هو أنا قلت هاديدهولك؟ -يعني إيه بقا؟ مش هتديهولي؟ أنت نسيت اللي بينا؟ نسيت اللي في بطنك؟ -يخربيت بطني! إيه أنت اتجننت؟!! -اعملي نفسك من بنها...

الشاورما اللي أكلتيها دي مش في بطنك دلوقتي؟ -أنت هتذلني ولا إيه؟!! -هو أنا أقدر؟ بالهنا. -أيوه كده أظبط... وامشي يلا، شيفه عربية السواق على أول الشارع. -ماشي، نكمل كلام بكرة.

وفعلاً بكرة جه، وبدل ما أروح أشتري شاورما، لقيتوا جايلي ومعاه الطلب. ابتسمت غصب عني من حركته، ولأول مرة أحس إني مش عايزاه وقت الكلام يخلص. حاسة إني لو فضلت أكلمه طول عمري مش هزهق. طبعاً ده من جويا. وبعد ما كنت لابسة من بره قناع البرود، خلعتُه قدامه هو بس. ولأول مرة أحس إن في حد متاح ليا بيسمعني. معرفتش أخبي لمعة عيوني ليه. وهو بيتكلم، عدى أسبوعين وأنا وهو يومياً بنقف قدام المدرسة. وبصراحة صرحت إني عايزة أجرب الفيب اللي بيشربها. كان رافض الأول، بس بعد إلحاحي وافق. جربتها وكانت مقرفة. إزاي بيشربوها؟

معجبتنيش خالص صراحة. لا هي ولا السجاير العادية. في الأسبوع التالت واحنا واقفين بنتكلم قال: -ممكن رقمك؟ -آه الاحترام ده؟ -بر بجد، أنا عايز رقمك بدل ما بنقف دقايق قدام المدرسة نتكلم مع بعض. -لا شكر، مش عايزة أكلمك أو أشوف خلقتك... امشي. -أنتِ لويتي بوزك ليه دلوقتي؟ -اتلوت بين قطرين يا بعيد. -قلتلك بطلي تدعي. -ليه؟ مش يمكن واحدة منهم تستجاب ونخلص منك؟ مع إني أشك في قدرة ربي في استجابة الدعوات.

-بر، مش بحب طريقتك دي، اتعدلي. -عدلوا عربية اتقلبت بيك... عايز إيه؟ -رقمك. -مش هتاخده. -ليه؟ مش عايزة تديهولي؟ -ملكيش فيه، براحتي. -طالما براحتك يبقى أنا ماشي. -مشيت عليك عربية يا بعيد. نادر بص ليها بغيظ ومشي من قدامها. هي وافقت تستنى السواق لحد ما جه أخدها وروحت.

تاني يوم نادر مجاش، كلمها. عدى اليوم التاني وبرضو مكلمهاش ولا بيجي المدرسة أصلاً. كانت عايزة تسأل حد من شلته، بس كانت مش عايزة تختلط بحد. وفي مرة كانت واقفة على باب المدرسة، واحد من شلة نادر جه عندها ووقف جنبها وقال بعد ما وقف ساكت شوية كأنه مستنيها تسأل عن نادر: -نادر بعتلك معايا السلام وبيقولك هيبقا يعوض معاكي الأيام اللي وقفتيها لوحدك. قالت بلهفة وخوف بان عليها: -هو كويس؟ -الحمد لله. -ليه مش بيجي المدرسة؟

-أنتِ معندكيش خبر إنه عمل حادثة؟!!! وشها شحب وقالت بخضة: -حادثة إيه؟ وامتى عملها؟ -آخر مرة وقفتي معاه فيها، لما سابك ومشي. وبعدين متتصدميش كده، ده أنتِ كنتي داعية عليه قبل ما يمشي، "تمشي عليه عربية" واديها اتحققت. -أنت بتقول إيه؟ ربنا أصلاً مش بيستجيب الدعاء، ولو حصل هيستجيب في ثواني؟ -آه، اللي بتقوليه ده حرام!! -آه، الحرام ده رأيي الشخصي. -رأيك إيه وقرف إيه اللي يخليكي تشككي في قدرة الله؟ -مش بشكك، ده واقع. -اخرسي!

إيه القرف اللي بتقوليه ده؟ أنتِ بتتكلمي كده مع نادر؟ -أمال هزين له الكلام؟ -وأنا بقول حاله في النازل ليه؟ عشان ماشي مع واحدة مش مؤمنة بالله وقدرته... وبعدين إزاي نادر مكمل معاكي وإنتِ بتتكلمي عن رب العالمين كده؟ -هو في النازل من أول ما عرفتوا، منحورش على بعض... ومتعملش فيها شيخ، أنا وأنت عارفين اللي فيها. -أنا مش شيخ، ومهما وصل بيا الحال استحالة أوصل للتشكيك في قدرة الله. -اممم... من عرفه. -أنتِ مريضة. -عارفه...

لما قلت له كده، مشي وهو متعصب. وأنا فضلت أفكر، معقول ربنا استجاب لدعائي؟ بس حتى لو استجاب، استجاب في حاجة تأذي أحد عباده؟ استجاب لدعوة هو عارف إني مش قصدها، وساب دعوات سهرت أدعي بيها. كنت حاسة بالذنب تجاه نادر، حاسة إني السبب. رغم تشكيكي، كنت خايفة عليه. لأن الامتحانات فاضل عليها أسبوعين ونص، إزاي هيجي الامتحانات؟ كان صعبان عليا، ومفيش طريقة أطمئن عليه بيها. حاولت أنسى الموضوع وأقول: "وأنا مالي؟ هو أنا اللي خبطته؟

من اليوم ده وأنا بطلت أروح المدرسة. كنت قاعدة بلم في موادي لأني زنقت نفسي زنقة الفيران في المذاكرة. ولكن غصب عني، كنت بسرح وأفكر في حال نادر. أنا معرفش مكان إصاباته، وعقلي بدأ يصوّر ليا إصابات بشعة تمنعه من إنه يمسك قلم حتى يحل بيه الامتحان. صحبه هو سبب إحساسي بالذنب. زرع في دماغي إنه دعوتي عليه هي سبب اللي هو فيه.

عدى الأسبوعين ونص بسرعة خارقة وأنا بلطم زي كل ترم قدام المواد. كل ترم بعمل كده، بس في الآخر بجيب تقديرات عليا جداً. بس كان بيخوفني كلام أهلي إني كده كده فاشلة. رحت أول يوم امتحان، وكنت بدور بعيوني على نادر. عايزاه أتأكد إنه حضر الامتحان. وأنا ببص على بوابة المدرسة، لقيتوا داخل برجله متجبسة وساند بعكازين. وصحابه كانوا بيروحوا عايزين يسندوه، وهو ينفرهم، مش عايز حد يساعده. رحت جريت عنده. وهو لما شافني ابتسم

وقرب مني وهمس في وداني: -وحشتيني على فكرة، وفي كلام كتير عايز أقولهولك. مسكت إيده أسنده وأنا بتجاهل اللي لسه قاله وقلت له: -مراجعة ولا تراجع معايا؟ -لو حافظ المادة صم، عمري ما هرفض المراجعة معاكي، مع إني ضدها. -بالعكس، أنا بأيدها جداً. قلت كده وأنا بحط دراعه على كتفي عشان أسنده ونروح نقعد في حتة نراجع قبل اللجنة. بس لقيته بعد عني وقال: -مش نادر اللي يبقى عبء على حد. أنا بعرف أمشي لوحدي. قدامي أنتِ بس وأنا همشي لوحدي.

-خليني أساعدك. -لا... مش عايز مساعدة من حد، مش عاجز أنا. كان عنده إصرار رهيب، عشان كده قلت له: -اعمل اللي يريحك. ومشيت جنبه. راحنا قعدنا في مكان هادي عشان نراجع فيه. كان نادر قاعد وفارد رجله المتجبسة وهو ماسك كتاب المادة بيراجع. وبر ماسكة عكازينو الاتنين. بتلعب بيهم وتمشي بيهم وتحاول تقف عليهم من غير رجليها. نادر بص ليها وقال: -هتتكسري باللي بتعمليه ده. وبعدين مش جبتينا عشان نراجع؟ تعالي رجعي.

-يا عم فكك، أنا أصلاً مش بعرف أراجع. أنا بفضل فاتحة الكتاب قدامي عاملة نفسي براجع عشان أريح ضميري مش أكتر. نادر ضحك وهو بيقفل الكتاب. وهي سابت اللي كانت بتلعب بيه وراحت قعدت جنبه وقالت وهي بتتحسس الجبس:

-الألف سلامة عليك يا نيدو. كنت خايفة لما عرفت إنك عملت حادثة مش هتعرف تيجي الامتحانات. وكنت حاسة بالذنب صراحة. وصحبك اللي قال يدوس عليه قطر جه يلومني وحسسني إني سبب في اللي حصلك وخلى نفسيتي تتنيل تتعب قبل الزفت الامتحانات. -لا، أنتِ ملكيش ذنب في اللي حصلي ده، مكتوب ليا. -ربنا ليه يكتب على خلقه حاجة تأذيهم؟ مش شايف إن كده ربنا مش بيحب عباده؟ -إذا أحب الله عبداً ابتلاه. -عمري ما فهمت الجملة دي ولا عايزاه أفهمها أصلاً.

-نفسي أعرف ليه بتشككي بالشكل ده في عقيدتك ودينك وفي رب العالمين؟ كأنك عدوة ليهم بدل ما تبقي نصير ليهم. -رجلك وجعاك ولا خفت؟ -لا مش وجعاني... ليه؟ -يا خسارة، كنت عايزاه أدوس عليها عشان أزود وجعك. قالت كده وهي بتقوم وبتدي رجله المتجبسة بالشلوت. وهو صرخ عليها متألماً أول ما عملت كده: -آآآآه يا بر، رجلي... خشوع نزلت عنده تاني وقالت بخوف: -وجعتك؟ -لا، بس بشوفك بتخافي عليا ولا لأ.

-اتصدق، أنا اللي غلطانة. أنت خنزير غيني أصلاً. نادر ضحك وبعدها رفع وشها لحد ما بقى مواجه لوشه وقال وهو باصص في عيونها: -أكتر حاجة كانت مضيقاني في قعدتي في البيت الفترة اللي فاتت إني مش هعرف أسمع كلامك الزبالة زي طريقتك.

بر كانت هترد عليه وتوريه إزاي الكلام الزبالة بيكون، بس الجرس رن اللي بيعلن معاد اللجنة. بر نطت من مكانها ومسكت الكتاب تقلب فيه بسرعة تلحق تلم أي معلومة قبل اللجنة. كان باين عليها التوتر اللي مكنش موجود من خمس دقايق. نادر قام من مكانه وراح أخد منها الكتاب وقال: -متوتريش نفسك قبل اللجنة كده، كل معلوماتك هتتلخبط وهتعكي الدنيا. حلو كده، خشي اللجنة وأول ما تاخدي الورقة، سمي الله وتوكلي على الله وحلي. قال كده وقالها:

-قدامي أوصلك لجنتك. -مين اللي المفروض يوصل مين؟ قالت كده وهي باصة على رجله برفعة حاجب. -قدامي يا بردة. وفعلاً راحت لجنتها ونادر مشي. هي كانت متوترة، بس نادر خفف توترها شوية. كانت بتفكر: "أفرد معرفتش أحل؟ ده هينزل مستوايا وهيخليني أهلي يقولوا عليا فاشلة". كانت بتفكر كلام أمها: "أبرار كانت بتجيب درجات أعلى منك". ويزيد توترها. طب طالما بتجيب أحسن منها، إيه الهدف من اللي هي بتعمله؟

طردت الأفكار دي أول ما مسكت ورقة الامتحان. وبعد وقت خلصت الامتحان وسلمت أوراقها ونزلت. بعد انتهاء اللجنة، لما نزلت لقيت نادر واقف مستنيها عن باب المدرسة في المكان اللي هي ديماً بتقف فيه. ولما شافها جاية عليها سألها: -عملتي إيه في الامتحان؟ -كان تحفة، تحفة، تحفة. ده اللي هو بجد. ياريت كل الامتحانات كده. -طب الحمد لله. -وأنت؟ -كان كويس. -شغل الدحيحة كويس، ومحلتش أوي؟ وبعدين يطلع الأول. نادر ضحك وقال:

-قلت كويس، مش محلتش أوي؟ وعملت نفسي ساقط. -طب حليت آخر سؤال إيه؟ -لا، المراجعة مش بحبها. كده كده الامتحان خلص، إيه لازمة المراجعة؟ نركز في امتحان بعد بكرة أحسن. -اممم، ماشي. بر قالت كده وبعدها بصت ليه وقالت: -مش هتمشي؟ -السواق لسه مجاش، أمشي ليه من دلوقتي؟ -قصدي هتفضل واقف على رجلك المدة دي؟ امشي وروح ذاكر المادة بتاعت بعد بكرة. -لسه بعد بكرة، ورجلي مش وجعاني. -متأكد مش هتتعب؟ -لا.

-كويس، كده كده مكنتش عايزاه أقف لوحدي. بر ونادر وقفوا يتكلموا لحد ما السواق جه. بر قبل ما تمشي قالت لنادر: -هات فونك. -ليه؟ -هاتوا بس. -اتفضلي. بر مسكت فونو وسجلت رقمها فيه وبعدها أدتهوله وقالت: -رقمي اهو. -أخيراً... لقد هرمنا من أجل هذا الرقم. ولا كأني بطلب رقم وزير مجلس الوزراء. قال كده بتريقة. -امسح رقمي، أنا اللي غلطانة أصلاً. خنزير غيني زيك ميستاهلش. -خلاص، متوقفنيش كده. بر بصت ليه من فوق لتحت بقرف ومشيت.

عدى أيام الامتحانات وكان خلالها قبل ما يناموا لازم نادر يكلم بر ولو نص ساعة. بس، وفي آخر يوم امتحان كان نادر بيحاول يقنعني أخرج معاهم، بس أنا كنت بقوله: "استحالة أعرف، أنت عارف اللي فيها". هو حاول يجيب حلول، بس رفضتهم كلهم. قالي: "طب بليل تخرجي؟ -دي أنيل من بعد الامتحان. أنا لو دخلت البيت مش هطلع غير لو مت. فهاروح على قبري أو خالتي قالت عايزاني مش أكتر.

-اهربي بليل، أنتِ قلتي عندكم في البيت الساعة 1 الكل بيبقى نام. بعد ما يناموا اخرجي، ولا من شاف ولا من دري.

فكرت في اقتراحه، فكرة حلوة وفيها عصيان كتير لأهلي اللي مش بيخلوني أخرج. هبقى مسمعتش كلامهم وخرجت. بس رغم إن الفكرة عجبتني، رفضت. أهلي لو عرفوا حتى المدرسة هيمنعوني عنها. وأنا مستنية الإجازة تخلص عشان أرجع أشوف نادر. أصلاً مش متخيلة بعد ما كنت بشوفه كل يوم مش هشوفه تاني. نادر مكنش حبيب ولا صديق عادي. نادر حاجة كبيرة بالنسبة ليا. لدرجة إني فكرت: "هو أحن من ربنا عليا؟ هو بيهون، وربنا خلقني في وسط الوجع؟

". نادر الوحيد اللي عرف يطلع الطفلة اللي وأدتها جوايا. الطفلة دي دفنتها بالحياة، وهو جه حفر وخرجها قبل ما تاخد أنفاسها الأخيرة، خرجها وخلى باله عليها، حماها واستحملها رغم عقدها.

لو علاقتي بيه حرام وفيها غضب ربنا، فأنا أختار غضب ربنا على إني أخسر نادر. أنا ما صدقت لقيته. لقيت أخيراً الشخص اللي مش عايز يؤذيني. مش عايز يضربني، مش عايز يجرحني، مش بيقارني بحد، مش بيلومني على كل حاجة. بيشجعني، شايفني ناجحة مش فاشلة. لما أزعل يطبطب عليا. مش بيسبني لوحدي أحارب وجعي وأفكاري. أنا خايفة... خايفة أخسره... إلا هو... إلا الوحيد اللي حس بمعاناتي...

إلا اللي حس بسواد حياتي. أنا مستعدة أضحي بروحي وحياتي حتى أهلي عشانه. بعد آخر لجنة بتاعت آخر امتحان كان عندنا، وقفنا أنا وهو زي كل يوم. ولقيتوا جايب ليا هدية وقال: -كنت ناوي أديهالك لما نخرج، كهدية أول خروجة ليكي من غير أهلك. بس خلاص، مش مهم، خديها دلوقتي. ابتسمت لي وشكرته ببرود لأني متضايقة. وهو حس بكده وحاول يفكني، بس أنا كنت برضه باين عليا الضيق والحزن. -مش عايزة تقولي مالك برضو؟ -...... -طب ردي طيب.

-نادر، هو إحنا كده مش هنتكلم غير السنة الجاية؟ -ليه بتقولي كده؟ -عشان السنة دي خلصت وأنا مش بشوفك غير هنا. -مش يمكن يحصلك إفراج وتعرفي تخرجي؟ وبعدين، ولو محصلش، منا معايا رقمك. ويا ستي، هكرف للعيشة وأشد الفيشة من كل حاجة وأفضل أتكلم معاكي أنتِ بس. -بجد يعني؟ مش هتبلني عشان خلاص مش محتاجني تاني؟ -هو أنا احتجتك أولاني عشان محتاجكش تاني؟ -نظرية تحترم برضو. -شفتي بقا. -شفت، شفت يا نيدو.

وخلال وقفهم، لقوا السواق بتاع بر جاي. مشي على رجليه لعندهم. نادر استغرب وبر برضو. بس قبل ما تسأله السواق قال: -الطريق مقفول، معرفتش أدخل، فـ ركنتها وهنروح ليها مشي. بر هزت راسها بعلامة الفهم. ولكن نادر مكنش مستريح أبداً.

بر مشيت مع السواق اللي كان ممشيها بيلف من حوالين المدرسة في حاجة شبه الزقاق. الشارع ده بر مشيت فيه مرتين مع أبوها بسبب إن الشارع كان مقفول. واللي لحظته إن الشارع ده شبه مهجور. تحسوا إن مفيش حد عايش فيه. منطقة مريبة. بر كانت ماشية بتتلفت وتشوف شكل المباني عشان تحفظ الشارع. لقيت السواق وقف. كانت لسه هتتكلم وهي بصة على إحدى العمارات وتقول: "وقفت ليه؟

". بس فجأة لقيتو بيهجم عليها وهو بيحاول يقطع القميص بتاعها وهو مثبتها على الحائط وبييقرب منها. كانت بتصرخ بأعلى صوتها. حاولت تطلع الموس اللي شيلها ديما في كم هدومها وفعلاً نجحت. بس لما جت تقربه من واشوه عشان تعوره ويتلهي في جرحه ويفلتها عشان تعرف تهرب، بس أخد باله منها قبل ما تجرحه جرح عميق ووقع الموس من إيديها. وبدأ يضربها عشان تسكت وهو بيعمل فعلته القذرة. كانت بتصرخ وبتعيط. بتقومه بتحاول تناجي حد يلحقها. صراخها بيعلى، دموعها بتزيد، متثبتة، مش عارفة تتحرك. مفيش حد يلحقها من إيدين الوحش...

صراخ... دموع... رعب وخوف... هدوء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...