تحركت يدها بسلاسة لتضعها على فخذ الجالس إلى جوارها أسفل الطاولة دون أن يشعر بها أحد. طالعها أدهم بصدمة من جرأتها لثوان، قبل أن يميل ليهمس إليها: _مش شايفة إنه لسه بدري على الكلام دا! دا النهاردا أول يوم نشوف بعض فيه حتى. أنهى حديثه ليسحب يدها ويبعدها عنه. لم يعجبها تصرفه لذا تحدثت: _مش لسه بدري ولا حاجة. دا اللي بيحصل بين كل المخطوبين دلوقتي عادي مش فاهمة إيه مشكلتك يعني... طالعها بحاجب مرفوع قبل أن يتكلم:
_أستاذة رهف، ممكن أسألك سؤال؟ همهمت بابتسامة ليتحدث: _هو حضرتك مش مسلمة؟ فين حجابك؟ قلبت عينيها بملل قبل أن تجيبه: _أنا مش حابة ألبسه... عادي دي حرية شخصية. ابتسم أدهم بسخرية: _هو الحجاب عندكم بقى حرية شخصية دلوقتي؟ لم يمنحها فرصة لتجيب بمزيد من الهراء. نهض من جوارها ليسير ناحية والده قبل أن يتحدث: _بابا، إزاي عايزني أتجوز واحدة زي دي؟ حضرتك مش شايف شكلها عامل إزاي؟ نظر والده باتجاهها للحظة قبل أن يعود ليتحدث:
_ماله شكلها؟ ما البنت زي القمر أهي. تأوه أدهم بملل: _بابا، دي مش لابسة الحجاب حتى! وفستانها شوية وهيفرتك من على جسمها من كتر ما هو ضيق! _وإيه يعني؟ كل البنات دلوقتي بتعمل كدا. أهو يوم خطوبتها وسيبها تتبسط براحتها متبقاش بوظة. أهم حاجة إنها بنت ناس ومحترمة. ابتسم بسخرية قبل أن يجيب: _محترمة جداً! اه! عن إذن حضرتك أنا ماشي. سحبه والده من ذراعه بقوة قبل أن يتحدث بصرامة: _إياكش تفكر تعمل حاجة تقلل مننا قدام الناس، فاهم؟!
كله بسببك انت.. ما هو لو كنت جيت معايا من البداية لما قابلت أهلها وشفتها مكنتش اتصدمت دلوقتي. تحدث أدهم بغضب: _وحضرتك ليه رايح تخطبلي لوحدك من الأساس؟ أنا العريس ولا انت؟ _أدهم! اعقل كدا وروح اقعد جمب خطيبتك مش هتكلم تاني أن.. قاطعه أدهم: _لا. طالعه والده بصدمة قبل أن يتحدث: _أفندم؟ _بقول لا، مش هخطبها. انت والدي وكلامك فوق راسي لكن قراراتي في الحياة ميحقلكش تدخل فيها وخصوصاً إني كبير مش صغير.
ضغط والده على كتفه بغضب ليتحدث بينما يجز على أسنانه بغيظ: _أنا اللي اتدخلت ولحقتك كذا مرة من كذا مصيبة دلوقتي مبقاش ليا الحق أتدخل في حياتك بمزاجك هو؟ _بابا من فضلك افهمني. أنا اللي هعيش معاها أنا اللي... قاطعه والده: _هتخطبها وهتتجوزوا. طالعه أدهم بعدم تصديق من إصراره. لذا في النهاية سار إلى حيث كانت تجلس العروس ليتحدث بصوت عال وجهوري:
_جماعة، أنا متجوز وعندي بنت. كل دا سوء تفاهم عشان بابا مكانش يعرف. أنا آسف جداً، بس أنا مضطر ألغي الخطوبة. تجمد والده في مكانه بعدم استيعاب وكذا جميع الحضور. استغل أدهم صدمتهم المبدئية ليسير باتجاه الباب ويخرج سريعا. وما إن صار بالخارج حتى تنفس الصعداء. نزل إلى الأسفل ليستقل سيارته قبل أن يجد هاتفه يرن باتصال. في البداية ظنه والده لذا كان على وشك إغلاقه لكنه تفاجأ بكون الظابط مازن من يتصل به لذا أجاب:
_ألو يا مازن في حاجة؟ _أيوا، قدرنا نوصل لمعلومات مهمة جداً في قضية الصيدلاني. لما تخلص الخطوبة كلمني. تحدث أدهم بسرعة قبل أن يغلق: _استنى، خلاص مفيش خطوبة. اتكلم دلوقتي أنا سامعك. _عرفنا إن مصدر بضاعة الصيدلاني واحد اسمه السياف والنهاردا هيق... قاطعه أدهم بصدمة: _السياف؟ انت متأكد من اللي بتقوله دا؟ أجاب مازن بارتباك من نبرة أدهم التي تحولت إلى نبرة جادة فجأة: _أ.. أيوا، هضحك عليك ليه يعني؟
_طيب ثواني وأبقى عندك حالا. أغلق أدهم الهاتف وألقاه بعيدا. ليبتسم ابتسامة واسعة سرعان ما تحولت إلى ضحك مرتفع. لا زال لا يصدق ما سمعه. لقد وجده... أخيراً. بعد كل تلك السنوات من البحث. وجد ياسر الحقير أخيراً! في المستشفى: _شوية بس وتطلع. أبوه حبسه وموصي محدش يدخله خالص. بس عشان صعبان عليا بس إنه محبوس جوا وحده كدا هسيبك المرادي!
تحدث العامل بينما يقود أنس باتجاه غرفة مروان قبل أن يفتح قفلها ليترك أنس وحده أمام الباب الذي ما زال مغلقاً. طرق أنس باب الغرفة في جناح المرضى الخاص في المستشفى مرتين قبل أن يفتح الباب ويدلف إلى الداخل وما إن وقعت عيناه على المشهد الذي قابله حتى وسعهما بصدمة. كان مروان مكبلاً في السرير بأصفاد حديدية من يديه وقدميه بينما كان وجهه هزيلاً وشاحباً للغاية. لقد بدا وكأنه كان قد عاد للحياة من القبر للتو!
ما إن لمحه مروان ولاحظ الدهشة على وجهه حتى تحدث بسخرية: _بعد محاولة الانتحار السابعة توصلوا أخيراً للحل دا. شكلي مضحك مش كدا؟ عارف إنك شماتان متحاولش تمسك نفسك. اضحك بصوت عالي وسمعني. ابتلع أنس قبل أن يتحدث أخيراً: _م.. مروان أنا... أنا مكنتش جاي عشان أشمت فيك! _اومال جاي ليه إن شاء الله؟ _كنت غايب من المدرسة فترة ولما سألت عليك قالولي إنك تعبان في المستشفى فجيت عشان أتطمن عليك. ابتسم مروان بسخرية: _انت؟
جاي تطمن عليا أنا؟ متخلينيش أضحك. اطلع وخد الباب في إيدك لو سمحت. تجاهله أنس بينما يقترب من سريره ليسحب كرسياً ويجلس عليه قبل أن يتحدث بحزن حقيقي: _ر.. ربنا يرحمها. البقاء لله. نظر إليه مروان بصدمة قبل أن تمتلأ عيناه بالدموع ومن ثم بدأ في الصراخ بغضب فجأة: _اخرس! متقولش كدا. ريم لسه عايشة. سامع بقولك إيه؟ لسه عايشة! نظر إليه أنس قبل أن يتحدث: _ولما هي لسه عايشة بتحاول تقتل نفسك ليه؟ أنزل مروان وجهه للأسفل وازدادت
دموعه وشهقاته قبل أن يجيب: _عشان... عشان خايف أطلع ملقهاش موجودة! استنشق ماء أنفه قبل أن يكمل: _اللي حصل كان بسببي. لو كنت وقفت شوية... لو كنت سمعتها. لو متسرعتش من البداية. لو بس... لو... أمسك أنس بوجهه ليرفعه ناحيته قبل أن يتحدث بصرامة: _لو من الشيطان! اللي حصل حصل ومش هتقدر ترجع حاجة. ريم ماتت عشان دا كان عمرها وخلص مش بسبب حد. فاهم؟
ابتلع مروان حلقه بصعوبة بينما توجه أنس لأصفاد يديه وقدميه وبدأ في تجربة المفاتيح بحوزته واحداً تلو الآخر حتى نجح في فتح الأقفال كلها أخيراً. طالع مروان يديه التي تحررت بصدمة لثوان، قبل أن ينطق: _ا.. ازاي عملت كدا؟ جبت المفاتيح دي منين؟ أجاب أنس بابتسامة: _كنت عارف إنك محبوس بالفعل وأخدت المفاتيح من العامل وهو ماشي من غير ما ياخد باله. صمت قليلا. ليحك رقبته بإحراج قبل أن يكمل:
_على الرغم من إني مكنتش متوقع توصل للدرجة دي يعني. عقد مروان حاجبيه معا باستغراب قبل أن يسأله: _بس ليه عملت كدا؟ ليه فكيتهم؟ ابتسم أنس قبل أن يجيبه: _عشان هاخدك لمكان. خبطت على الباب مرتين واستنيت شوية لغاية ما اتفتح. ظهر ياسر وهو مبتسم قبل ما يتكلم: _الصيدلاني! عميلنا المتميز، متعرفش كنت متحمس عشان أقابلك بنفسي قد إيه. ابتسمت تحت الهودي بجانبية قبل ما أرد بصوت حاولت أخليه خشن شوية:
_دا حضرتك اللي متعرفش أنا كنت متحمس عشان أقابلك قد إيه. كنت بحرك يدي بشويش عشان أمسك السلاح من غير ما يحسوا، بس قبل ما أقدر أوصله اتكلم ياسر فجأة: _لا ما هو واضح فعلاً. امسكوه! وسعت عيني بصدمة لما اتنين طلعوا حاصروني فجأة ومسكوا إيديا الاتنين. قرب ياسر ناحيتي وهو بيتكلم: _فاكرني معرفش إن الصديلاني مات وإنها كانت بنت أصلاً؟ أنا كنت بجاريك عشان أعرف انت مين وعايز إيه بس مش أكتر!
بلعت ريقي بقلق وهو قرب مني أكتر قبل ما يرفع كابتشوه الهودي من على وشي ورأسي بسرعة. أول ما شافني وسع عيونه بصدمة في البداية قبل ما يبتسم. _إيه دا؟ يمنى عندنا مرة واحدة؟ كنا جبنا سيرة مليون جنيه يا راجل أحسن. اتكلم وهو بيوجه كلامه لواحد تاني قبل ما يبدأوا يضحكوا هما الاتنين بصوت عالي فجأة وأنا استغربت. اشمعنى كانوا بيتكلموا عني دلوقتي؟ قرب ياسر ناحيتي قبل ما يخلع الطرحة الصغيرة اللي كانت على راسي تحت الكابتشوه واتكلم
أول ما شاف شعري القصير: _آه، ليه قصتيه كدا بس؟ خسارة. كان شعرك أكتر حاجة بحبها. فكرته هيبعد، لكنه لف فجأة وسحبني من شعري جامد. قرب وشه ناحيتي واتكلم بنبرة حادة ومخيفة وهو بيشاور على عينه اللي كان عليها رقعة: _شايفة دي؟ دي بسبب الظابط بتاعك اللي كنتي بتخونيني معاه يا هانم! بلعت ريقي واتكلمت بسخرية: _لـ..لسه ليك عين تتكلم بعد المنظر اللي شفتك فيه آخر مرة انت وصاحبتي؟ إذا كان في خاين هنا فهو انت مش أنا...
لطشني بالقلم جامد قبل ما يحاول يجرني من شعري على الأرض، بس مقدرش بسبب طوله القصير. فسحبني من دراعي لغاية ما رماني على الأرض قدام الراجل التاني واتكلم: _عارفة مين دا؟ دا واحد عنده استعداد يعمل أي حاجة عشان ياخدك ويومها لولا إنك خنتيني وفتنتي للظابط بتاعك علينا كان زماني بعتك ليه من زمان... ابتسم بجانبية ووطى جمبي على الأرض قبل ما يهمس في ودني: _بس عارفة إيه الجميل في الموضوع؟
إنه لسه برضو لغاية دلوقتي مستعد يعمل أي حاجة عشان ياخدك... وقف كلام فجأة لما لاحظ إني مكنتش راضية أرفع راسي من على الأرض. سحب شعري عشان يجبرني أرفع راسي وأبص ناحية الراجل قبل ما يكمل: _شايفة نظراته ناحيتك عاملة إزاي؟ كأنه كلب سعران مستعد يهجم في أي لحظة. حتى وانتِ حتة جرذوعة مش أكتر... بلعت ريقي بخوف وهو بدأ يضحك باستمتاع.
قرب ولمس خدي بيده قبل ما يبدأ يميل بوجه أكتر ناحية شفايفي وأنا مش قادرة أتحرك بسبب الاتنين اللي كانوا مثبتيني. بس في اللحظة الأخيرة قبل ما يقدر يبوسني وقفه ياسر وهو بيتكلم: _تؤتؤ. تدفع الأول وبعدين تقدر تعمل اللي انت عايزه فيها. اتكلم الراجل باعتراض: _وأدفعلك عشان ألمسها بأمارة إيه إن شاء الله؟ هي كانت بتاعتك؟ رد ياسر: _أيوا بتاعتي. نسيت إنها مراتي ولا إيه؟ ومع ذلك أنا مش عايزها... هبيعها لك. شفت أنا كريم معاك إزاي؟
بصت لياسر باستحقار قبل ما أنطق: _أنا مش مراتك! ابتسم بسخرية قبل ما يتكلم: _لا مراتي. تحبي أجيبلك عقد الجواز دلوقتي؟ صرخت بغضب: _دا مش عقد جواز رسمي. اتجوزتني وأنا لسه طفلة يا حقير! ميل عشان يسحبني من شعري جامد وهو بيتكلم: _لسانك طول مش ملاحظة كدا؟ يظهر إنك نسيتي أنا أبقى مين. محتاجاني أفكرك.... بلعت ريقي بخوف من غير ما أرد. فوقف واتكلم: _خدوه احبسوه جوا.
رن تيليفوني في جيبي فجأة فسحبه وابتسم وهو بيوريني الاسم اللي على الشاشة "الظابط أدهم" قبل ما يتكلم: _لسه برضو مصممة تنكري علاقتك بيه؟ بدأ التيليفون يرن تاني فرميه على الأرض وكسره وأنا حسيت دلوقتي بس قد إيه كنت غبية إني مقولتش لأدهم على كل حاجة من البداية. كان أدهم يفتح باب شقته عندما ورد إليه اتصال من مركز الشرطة فأجاب ليتحدث الظابط مازن على الفور: _أدهم، انت فين؟ مش قلت إنك جاي دلوقتي؟
_أيوا، بس عديت على شقتي عشان أجيب منها ورق مهم الأول هيساعدنا في القضية. أجاب بينما بدأ يفتح أدراج مكتبه ليفتش عن الأوراق، لكنه عقد حاجبيه معا عندما لاحظ أن هناك شيئاً ما كان مختلفاً. تحدث مازن مجدداً: _طيب متتأخرش عشان قدرنا نقبض على واحد من اللي كافئهم ياسر النهاردة وهنخ... قاطعه أدهم: _طيب سلام دلوقتي ولما آجي نبقى نتكلم.
أغلق الخط ووقف يطالع الدرج بحيرة. ثمة شيء ما مفقود بالتأكيد فهذا الدرج لم يكن فارغاً هكذا من قبل. وما هي إلا لحظات حتى وسع عينيه بصدمة عندما ضربه الإدراك فجأة أن المفقود كان سلاحاً قديماً يحتفظ به. أول من تبادر إلى ذهنه هي يمنى التي كانت تتصرف بريبة مؤخراً وتقضي وقتاً أطول من المعتاد في مكتبه. لذا أمسك هاتفه ليتصل بها مرة وثانية لكنها لم تجب. وفي المرة الثالثة أغلق الهاتف، لذا بدأ القلق يتسرب إلى قلبه.
أخذ الأوراق التي جاء من أجلها ومن ثم نزل ليستقل سيارته ناحية مركز الشرطة في البداية، لكنه في منتصف الطريق تفاجأ بنفسه يغير الاتجاه نحو منزل يمنى بتلقائية. شيء ما بداخله كان يريد الاطمئنان عليها. لذا قرر أن يمر بها سريعاً أولاً حتى يتأكد من كونها بخير. وقف أمام باب شقتها ليطرق الباب عدة مرات لكن أحداً لم يجب. وعندما أوشك على الاستسلام والذهاب تفاجأ بالباب يفتح أخيراً لتظهر من خلفه يارا التي كانت تبدو عليها آثار النوم.
ابتسم وانحنى ليتحدث بلطف: _أهلاً يا حبيبتي. فين ماما؟ طالعته يارا بشك لثوانٍ قبل أن تجيب: _ليه؟ حضرتك مين وعايز منها إيه؟ شعر أدهم بوخز في قلبه من حقيقة أن ابنته الصغيرة لا تعرفه، لكنها كانت محقة. من هو بالنسبة إليها؟ ما الذي قدمه لها طوال السنين التي مرت؟ لا شيء بالطبع! تحمحم أدهم قبل أن يجيبها: _عايزة تعرفي أنا مين؟ همهمت يارا بالموافقة فتحدث: _أنا... أنا أبقى بابا. طالعته يارا باستغراب قبل أن تنطق أخيراً:
_بابا مين؟ قصدك الراجل اللي ماما قالت إنها هتتجوزه؟ وسع أدهم عينيه بصدمة قبل أن يسألها سريعاً: _هي.. هي ماما قالت إنها هتتجوز؟ _آه، قالت إنها هتتجوز واحد بيحب... سكتت فجأة قبل أن تعود للحديث مجدداً: _لحظة كدا! أنا بقول لك ليه؟ أنا حتى لسه ما عرفت أنت مين! ابتلع أدهم. هو يعرف أن إخبارها بالحقيقة الآن ليس خيارًا صائبًا، لكنه تجاهل ذلك على كل حال بينما يتربع على الأرض أمامها قبل أن يتحدث: _بصي على عيوني...
شايفة لونهم إيه؟ لم تفهم يارا المغزى من سؤاله لكنها أجابت: _أزرق. ابتسم أدهم قبل أن يعود لسؤالها مجددًا: _وأنتِ عيونك لونها إيه؟ _أ.. أزرق برضه. _شفتي؟ عيونا شبه بعض. أنا بابا... بابا الحقيقي يا يارا. أنتِ حتة مني، فاهماني؟ تراجعت يارا إلى الخلف بقلق بينما تجيب: _ب.. بس إزاي ده؟ أنت مش بابا. بابا كان بيضرب ماما و... قاطعها أدهم بينما ينهض من على الأرض:
_ده ما كانش باباكي الحقيقي. ده واحد مجرم وأنا هأتأكد إني هحاسبه على كل اللي عمله فيها... بدأت عيون يارا تدمع: _ب.. بس لو أنت بابا الحقيقي... كنت فين كل ده؟ اقترب أدهم منها ليمسح دموعها بينما يتحدث: _أنا آسف. أنا آسف إني اتأخرت. ممكن تسامحيني وتديني فرصة أعوضك أنتِ وماما؟ تجمّدت يارا في مكانها ولم تجبه فشعر بالإحباط. التف ليغادر لكنه تفاجأ بجسد صغير يحتضنه في اللحظة الأخيرة قبل أن تتحدث الصغيرة بسعادة: _أيوه.
التف ليحملها ويلقيها في الهواء قبل أن يلتقطها مجددًا بفرحة غامرة. على الرغم من أنها أتمت العشر سنوات إلا أن جسدها كان لا يزال صغيرًا وهزيلًا للغاية لذا لم يجد أي صعوبة في ذلك. وضعها على الأرض مجددًا ليتحرك للداخل بينما يتحدث: _خلينا نصحّي ماما دلوقتي ونجرّها إحنا الاتنين غصب عنها للمأذون. تحدثت يارا بحيرة بينما تتبعه: _مأذون؟ أنتوا مش متجوزين! ابتسم أدهم بارتباك: _أ.. أكيد. بس لازم عشان نرجع سوى دلوقتي نتجوز تاني.
صرخت يارا بحماس: _يعني هتعملوا فرح تاني وهحضرُه؟ أجاب أدهم بابتسامة بينما يفتح باب غرفة خمن أنها ليمنى عندما لمح الألعاب ملقاة على الأرض في الغرفة الأخرى: _أيوه. أهم حاجة ن... سكت فجأة عندما لمح الفراش الفارغ ليتحدث: _يارا، دي أوضة ماما. أجابت يارا سريعًا: _أيوه. عقد أدهم حاجبيه معًا قبل أن يتحدث: _هي ما رجعتش ولا إيه؟ _لا رجعت. هي موجودة جوا. فتح أدهم الباب على وسعه ليجيبها: _إزاي؟ ما فيش حد جوا!
طالعت يارا الغرفة الفارغة بحيرة ليتحدث أدهم مجددًا: _يارا، أنتِ متأكدة إنها روحت؟ همهمت يارا: _أيوه، أنا متأكدة. كانت هنا من شوية ودخلتني أنام. معرفش راحت فين. أخرج أدهم هاتفه وحاول الاتصال بها مجددًا لكنه وجد الهاتف لا يزال مغلقًا. بدأ يسير في الصالة ذهابًا وإيابًا بعصبية قبل أن يلمح ورقة على الطاولة. التقطها بدافع الفضول وعندما لمح خط يمنى بدأ في قراءتها سريعًا:
"يارا يا حبيبتي، لو صحيتي ولقيتيني مش موجودة فأنا بعتذر لك. عارفة إنك زهقتي من وعودي ومبقتيش تثقي فيها بس أنا بوعدك إني هحاول أرجع مهما حصل. روحي لطنط آية وخلّيكي عندها مؤقتًا. ماشي؟ بحبك." كور أدهم الورقة بغضب. ما الذي تنوي يمنى فعله تلك المرة أيضًا؟ فكر سريعًا قبل أن تخطر بباله فكرة لذا أخذ يارا وتوجه بها ناحية آية في المبنى المجاور. *** _أنس، واخدني فين؟ الدنيا ضلمة جدًا. المكان مش عاجبني. تنهد أنس قبل أن يجيبه:
_اصبر. حالًا نوصل. تحدث مروان: _جاوبني بصراحة. أنت جايبني هنا عشان تقتلني وتسرق أعضائي مش كده؟ أجاب أنس بسخرية: _أيوه. ده بالظبط اللي هعمله. إزاي عرفت؟ سار إلى الأمام قليلاً لكنه عقد حاجبيه باستغراب عندما لم يسمع خطوات مروان إلى جواره لذا توقف ليوجه كشاف هاتفه إلى الخلف ويتفاجأ بمروان يقف بصدمة في مكانه. ابتسم أنس: _مالك؟ أنت صدقت ولا إيه؟ مش هقتلك، متخافش. اتحرك...
بدأ مروان السير مجددًا بارتباك قبل أن يعقد حاجبيه معًا فجأة عندما أدرك المكان الذي كانا يسيران فيه لذا تحدث: _أنس، دي الجبانة. جايبني هنا ليه؟ تأوه أنس بملل: _قربنا نوصل وهتعرف بنفسك. كانت لدى مروان فكرة بالفعل عن سبب إحضاره إلى هنا لكنه تمنى أن يكون ظنه خاطئًا. في النهاية توقف أنس عن السير قبل أن يقف أمام إحدى المقابر ليحك رقبته بارتباك متحدثًا: _هنا... محضرتش الدفنة ولا الجنازة ففكرت أجيبك تزورها.
نظر إليه مروان بغضب: _مين قال لك إن ريم هنا؟ ريم ما ماتتش. هي في بيتها وأنا رايح لها دلوقتي. سلام... أمسك به أنس سريعًا: _مروان، هي سامعاك دلوقتي وحاسة بيك. اتكلم وقلها كل اللي حابب تقوله... دمعت عيون مروان: _قلتلك هي لسه عايشة. ليه مش عايزين تصدقوني؟ _أنا آسف يا مروان بس لازم تواجه الحقيقة لأن الإنكار مش هيغير حاجة. ريم ماتت في حادثة من أسبوع وأمها ماتت قبلها في المستشفى. والدتي اتوفت على سريرها وعمي اتق.تل...
أيا كانت الطريقة.. كلهم ماتوا في النهاية وإحنا كمان هنموت. أنا جبتك هنا عشان تزورها وتدعي لها، فاهم! خارت قوى مروان ليجلس على الأرض ويبدأ في الصراخ والبكاء بصوت مرتفع في حين جلس أنس إلى جواره ليحتضنه في محاولة منه لمواساته. *** اقتحم أدهم مكتب مازن ليتحدث الأخير سريعًا ما إن رآه: _أدهم، أخيرًا جيت! الولد جوا مش راضي يتكلم. ادخل استجوبه أنت عشان... قاطعه أدهم: _فرّغ لي الكاميرات دي بسرعة. طالعه
مازن بحيرة قبل أن يتحدث: _كاميرات إيه دي؟ ده مش وقته. أدهم في فرصة عظيمة نقبض على ياسر لو قدرنا نعرف مكانه دلوقتي و... _مش فارق معايا ياسر. الكاميرات دي أهم دلوقتي. طالعه مازن بغضب ليتحدث بينما يلتقط الكاميرات: _أنت واحد تعبان في دماغك والله!
خمس دقائق مرت قبل أن يشغل مازن شريط الفيديو ليقوم أدهم بتجريته إلى الوقت الذي يريده. عقد حاجبيه معًا باستغراب عندما شاهد أيوب يتوقف أمام منزل يمنى بسيارته قبل أن تنزل يمنى ليحملها رُغمًا عنها ويذهب بها. شعر أدهم بغضب عارم ليخرج هاتفه على الفور ويتصل بأيوب الذي ما إن أجاب حتى تحدث فورًا: _يمنى فين يا أيوب؟ أجاب أيوب بحيرة: _" قصدك إيه؟ يمنى مش عندك؟ جزّ أدهم على أسنانه بغيظ قبل أن يجيبه: _هتعمل فيها عبيط؟
أنا شفتك وأنت بتركبها في العربية غصب عنها. _"أيوه بس ده كان من بدري جدًا. كنت ناوي أتقدملها لكن هي رفضتني وقالت هتروح لك. أنا سايبها من ساعة. مستحيل تكون كل ده موصلتش! تحدث أدهم بقلق: _أ.. أيوب أنت.. أنت مش بتكذب مش كده؟ _"أيوه. ده كل اللي حصل بالضبط. ليه؟ أوى تقول لي إنك مش لاقيها! لم يجبه أدهم وأغلق الهاتف بقلب مضطرب. قالت يمنى أنها ستذهب إليه لكنها اختفت!
بدأ بتشغيل أشرطة الفيديو مجددًا لعله يستطيع التوصل إلى شيء ما. توقف فجأة عند لقطة لشخص يغادر المبنى الذي كانت تسكن فيه يمنى في وقت مبكر من الصباح بهودي أسود قبل أن يعود مساءً. عاد بالشريط إلى الخلف ليتكرر المشهد مجددًا في نفس الوقت وبنفس الزي، وكأنه روتين معتاد له. على الفور استرجعت ذاكرته صور "الصيدلاني" وعلم أنه نفس الشخص لكنه كان في حيرة من أمره. هل يسكن هذا المجرم في نفس المبنى مع يمنى بالصدفة إذًا؟
لاحظ أن نشاطه كان مقرونًا بالفترة التي منحها ليمنى كإجازة وتذكر فجأة أمر الرسالة والسلاح المفقود وياسر الذي يقف خلف كل شيء ليبدأ دماغه في ربط كل الأمور معًا قبل أن تتوسع عيناه بصدمة فجأة. نهض من مكانه بينما يتحدث بعدم تصديق: _معقول.. معقول تكون يمنى هي الصيدلاني ورايحة تقابل ياسر عشان تنتقم منه؟ _إيه؟ بتبرطم بتقول إيه أنت؟ تحدث مازن الذي كان يجلس أمامه عندما لم يتمكن من سماع حديثه ليجيب أدهم:
_كنت بقول فين الولد اللي حابسينه؟ أنا هعرف أخليه ينطق. نهض مازن ليقلب يديه معًا بقلة حيلة بينما يتحدث: _مش بقولك إنك تعبان في دماغك؟ تعالى ورايا... فتح باب الغرفة ليدخل أدهم قبل أن يغلق الباب عليهما مجددًا. تحدث أدهم ما إن أصبح واقفًا أمام المراهق: _هو سؤال واحد وهتجاوبني عليه من غير لا لف ولا دوران. حلو؟ ابتلع الشاب ريقه بقلق من نبرة أدهم الصارمة وعلم أنه حتمًا سيكون مختلفًا عن باقي الضباط الذين استجوبوه سابقًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!