في صباح يوم جديد، استيقظت بتول من نومها واعتدلت على فراشها بابتسامة. نظرت أمامها بدموع وقالت: "يااه يا وليد، واحشني أوي. أنا فرحانة إني حلمت بيك النهاردة، كان نفسي أفضل نايمة ومصحاش من الحلم ده أبداً." في ذلك الوقت، سمعت صوت طرقات على الباب. سمحت له بالدخول، وارتسمت ابتسامة على شفتيها وقالت بنبرة حنونة: "صباح الخير يا حبيبي، تعالى يا عدي." اقترب منها وجلس بجوارها، وأمسك يدها وقبلها بحب وقال:
"صباح النور يا ست الكل. أنا لقيتك اتأخرتي في النوم، جيت أطمن عليكي وأديكي علاجك." ربتت على ظهره بحنو وقالت: "ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي، وميحرمنيش منك ولا من حنيتك عليا أبداً." استقام بجسده وأحضر الدواء لبتول وأعطاه لها، ثم أعطاها المياه وقال: "ربنا يجعله ليكي بالشفا يارب." أخذته منه ووضعته بفمها، وارتشفت من المياه عدة رشفات، ثم أعطتها له وقالت: "تعالى يا حبيبي، عايزة أتكلم معاك كلمتين."
أومأ رأسه بالموافقة وجلس بجوارها، ونظر لها باهتمام وقال بتساؤل: "خير يا ماما، عايزة تقولي إيه؟ أمسكت يده ونظرت له نظرة حنونة وقالت: "مش ناوي تاخد خطوة بقى وتخطب نغم؟ كفاية عليكم كده. أنت كنت رافض فكرة الجواز طول السنين اللي فاتت دي عشان خاطر نغم ضايعة، والحمد لله أهي رجعت وبقت عروسة زي القمر. ودي أمنية أبوك وليد الله يرحمه، كان نفسه يفرح بيك وبيها. شوف يوم نروح لهم ونطلب إيديها، وبالمرة نطلب إيد حور لزين."
ارتسمت ابتسامة عاشقة على شفتيه وتكلم بسعادة: "أنا بحلم باليوم ده من زمان أوي يا ماما، ونفسي يجي اليوم اللي هيتقفل علينا باب واحد وتبقى من نصيبي. بس موت بابا وليد أجل الفكرة دي من دماغي الفترة اللي فاتت. وفعلاً، أنا محتاج وجودها في حياتي الأيام دي أوي." أومأت رأسها بالتأكيد وقالت: "خلاص يا حبيبي، كلم أبوك واتفق مع عمك أيوب على ميعاد نروح نخطبها." احتضنها بقوة وقال بسعادة:
"ربنا يخليكي لينا يا أطيب وأحن قلب في الدنيا دي كلها." ربتت على ظهره بحنو وقالت بسعادة: "ربنا يسعدكم ويفرح قلوبكم يا حبيبي يارب. يلا، روح وأنا جايه وراك أحضرلكم الفطار." ابتسم لها بحب، واستقام بجسده وخرج من الغرفة وتركها. نظرت بتول إلى أثر عدي بحب، ثم نظرت إلى الصورة الخاصة بوليد المتواجدة بالغرفة وقالت: "كل حاجة كان نفسك تعملها في حياتك هحققها ليك وأنت مكانك يا حبيبي. ربنا يرحمك يا وليد."
أنهت كلامها، ثم نهضت واتجهت إلى المرحاض. *** دخلت قمر غرفة حور حتى تيقظها، فوجدت نغم تنام بجوارها. وقفت أمام التخت تنظر لهما بسعادة. كم تمنت أن ترى هذا المشهد منذ أن جاءت حور إلى الدنيا. تراقصت دقات قلبها واقتربت منهما، وربتت على كتف حور وقالت بصوت هامس: "حور يا حبيبتي، اصحي يلا يا حبيبة ماما." فتحت حور عينيها بصعوبة ونظرت إلى والدتها بابتسامة حزينة قائلة: "صباح الخير يا ماما."
ثم نظرت بجوارها ووجدت نغم غارقة بأحلامها. ابتسمت بحب وقالت: "نغم نامت هنا امبارح؟ أنا نمت محستش بحاجة وأنا بتكلم معاها، بحسبها بعد ما أنام هتروح أوضتها، معرفش إنها هتنام هنا جنبي." ردت عليها بنبرة حنونة وقالت: "ربنا يخليكم لبعض يا حبيبتي، وتفضلوا سند وقوة بعض." فتحت نغم عينيها بابتسامة وقالت: "اللهم آمين يا أم نغم. صباحكم بيضحك يا قمرات." ردت قمر عليها بابتسامة حنونة: "صباح النور يا قلبي." نظرت
نغم إلى حور وقالت بتساؤل: "عاملة إيه دلوقتي يا حور؟ نظرت إلى والدتها بحزن وقالت بصوت منكسر: "الحمد لله يا نغم، أحسن دلوقتي." نظرت قمر لهما باستغراب وقالت بتساؤل: "مالك يا حور، تعبانة ولا إيه؟ حركت نغم رأسها بالرفض وقالت: "متقلقيش يا قمري، دول كانوا شوية صداع وراحوا لحالهم." أومأت رأسها بتفهم وقالت: "آه، ألف سلامة عليكي يا حبيبتي. يلا، قوموا اتحركوا، جهزوا نفسكم وانزلوا عشان تفطروا وتروحوا الشغل." هبت
نغم واقفة وقالت بتساؤل: "هو بابا أيوب صحي ولا لسه نايم؟ تكلمت قمر سريعاً وقالت بتوضيح: "صحى يا حبيبتي من بدري، وسيبته يجهز عشان يفطر ويروح الشركة." أومأت رأسها بتفهم وقالت: "طيب، أنا نازلة عنده، عايزة أتكلم معاه في موضوع يخصني." ابتسمت لها بحنو وقالت: "انزلي يا حبيبتي، هتلاقيه في أوضتنا." تحركت سريعاً من أمام قمر وهبطت إلى الأسفل، واتجهت عند باب غرفة أيوب وطرقت عليه. سمعت صوته يأذن لها بالدخول، فتحت الباب ودخلت
إلى الداخل وقالت بابتسامة: "صباح الخير يا بابا، ممكن أتكلم حضرتك كلمتين؟ ابتسم لها ابتسامة حنونة وقال: "طبعاً يا حبيبتي، تعالي اقعدي." جلست على الأريكة بجوار أيوب وقالت بتوتر: "أنا جايه أتكلم مع حضرتك في حاجة تخص حور." نظر لها بقلق وتكلم سريعاً وقال: "مالها حور، تعبانة ولا حاجة؟ حركت رأسها بالرفض وتكلمت بابتسامة هادئة:
"هو ده اللي جايه أتكلم فيه. ليه على طول بتقسي عليها رغم خوفك وقلقك عليها وحبك ليها اللي واضحين في عيونك دول؟ هي حاسة إنك بتكرهها. والصراحة، حضرتك كانت طريقة كلامك جافة أوي معاها امبارح، وكذا موقف أحضره ما بينكم يحصل نفس الموضوع ده." تنهد بارتياح وتكلم بابتسامة أبوية حنونة وقال: "وهو فيه أب بيكره ضناه برضه يا نغم؟
الأب يقسي أوقات كتير، يزعق، يسمع كلام صعب. بس بيبقى أول واحد بيفرح بنجاحهم، أول إيد تسند وقت ما يوقعوا ويساعدهم يقفوا من أول وجديد ويحمي ضهرهم. الأب الوحيد اللي بيبقى دايماً عايز يشوف ولاده أحسن منه. الأب الوحيد اللي بيفضل باله مشغول بولاده حتى وهما كبار وليهم بيوتهم. الأب الوحيد اللي مستعد يضحي بعمره كله عشان يحمي ولاده. أنا إذا كنت بقسي عليها دلوقتي، ده لمصلحتها يا نغم. بعمل كده عشان أنشف عضمها وتقدر تستحمل قسوة
السوق وتحارب معاهم بقلب جامد. أنا ببقى فرحان أوي وقلبي بيرقص لما بلاقيها ناجحة في حاجة واسم حور أيوب ليه علامة وسط أتخن شنب. ببقى فخور جداً بيها وأنا شايف نضجها في الشغل بيكبر كل يوم عن اليوم اللي قبله. أنا عارف إن قسوتي عليها صعبة وإنها شايفاني أب مفترى ومبيحبهاش، بس هتعرف قيمة كل اللي بعمله معاها ده بعدين."
كانت تستمع كلماته وقلبها ينزف بقهر عن حرمانه من حب الأب وعطفه. تذكرت معاملة والدها لها وهي طفلة. أخذت نفساً عميقاً حتى تهدأ ولا يشعر بوجعها أحد. ابتسمت له وقالت بصوت مختنق:
"أنا قولتلها الكلام ده امبارح والله، بس صعبت عليا لأنها كانت منهارة. وليا رجاء شخصي عند حضرتك، حاول تبقى أهدأ من كده معاها، حاول تاخدها بالمسايسة. صدقني، كل حاجة ليها علاج في الدنيا دي، إلا اللي قلبها مكسور من قسوة أهلها. بتعيش العقدة في قلبها، ولا ملايين الدنيا هتقدر تنسي الوجع ده وهتفضل نقطة سودة في حياتها." شعر أيوب بوجع نغم وتذكر كلام قمر على معاملة مروان لها وهي طفلة. اقترب منها وأحاطها بذراعه وابتسم
لها ابتسامة حنونة وقال: "انتوا أكبر نعمة ربنا رزقني بيها، وأنا عايش عشان أشوفكم أحسن وأعظم ناس في الدنيا، وبعمل ما في وسعي عشانكم. عشان كده مش عايز أشوف نظرة الكسرة والحزن اللي في عيونك دي يا نغم، فاهمة." ابتسمت له بامتنان وقالت: "حاضر. أنت فعلاً أطيب وأجمل أب في الدنيا، ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك أبداً يارب." ثم وقفت وقالت بترجّي: "أنا هروح أجهز دلوقتي، وعشان خاطري طيب خاطر حور بكلمتين." أومأ رأسه بابتسامة وقال:
"ماشي يا حبيبتي، روحي." خرجت نغم من عند أيوب وصعدت غرفتها، وبدأت تجهز نفسها للذهاب إلى الشركة. وبعد وقت، اجتمعوا حول طاولة الطعام وبدأوا يتناولون في صمت. نظرت نغم إلى أيوب بترجّي أن يفعل كما طلبت منه. تنحنح أيوب برجولية وقال بنبرة جادة:
"حور، أنا واثق في كلامك بتاع امبارح ومقصدش أقل منك يا بنتي، بس أنا عايز أفهمك إن بحكم تجاربي في الحياة ووجودي في السوق، ليا نظرة مستقبلية شايف اللي إنتي مش هتقدري تشوفيه دلوقتي. الحياة العملية تجارب ومكسب وخسارة، ولازم نتعلم من خسارتنا ويكون دافع لينا ونقوى ونرجع أقوى من الأول. شوفي زين ابن عمك، ما شاء الله، قدر يفهم دماغي ووصل لنضج تجاري في سنه الصغير ده، لأنه كان حابب يتعلم كل كبيرة وصغيرة من صغره وهو أخدني قدوته
وصمم إنه يبقى زي في يوم من الأيام وحقق حلمه. قسيت عليه كتير أوي وكنت بدوس عليه في الشغل لدرجة الناس كانت بتنتقدني وزعلانة عليه، بس هو لأ. كان فرحان إنه بيعمل معايا كده، كان بيضغط على نفسه عشان يثبتلي إنه قد المسؤولية. ودلوقتي أنا فخور جداً باللي وصل ليه زين، ومتأكد إنه في فترة صغيرة جداً هيقدر ينقل الشركة بتاعتهم في حتة تانية خالص، ومش ببالغ لو قلتلك إنه هيوصلها للعالمية. أنا بشوف نفسي فيه ومتوقع منه كتير أوي في اللي
جاي. عشان كده مش عايزك تزعلي مني وتفتكري إني بعمل كده عشان بكرهك وحاطك في دماغي ومستقصدك. أنا عايزك أحسن مني مليون مرة، وتعرفي إني بحبك إنتي وأخواتك زي بعض، وعمري ما فرقت ولا هفرق ما بينكم، وربنا يقدرني وأقدم رسالتي معاكم على أكمل وجه."
كانت حور تستمع كلمات والدها والدموع تنهمر من عينيها. كانت فخورة به جداً وشعرت بتأنيب الضمير لما كانت تفكر به اتجاهه، اعتقاداً منها أنه يكرهها. وعندما أنهى أيوب كلماته، نهضت سريعاً وارتمت داخل أحضانه وأمسكت يده وقبلتها بحب وقالت بأسف: "أنا آسفة يا بابا، مقصدش أزعلك مني والله. ووعد مني، هكون زيك ما أنت عايز وأحسن كمان، وهخليك تفتخر بيا وتقول: دي بنتي حور أيوب." ربت على ظهرها بحنو وقال:
"ربنا يبارك لي فيكي إنتي وأخواتك، وأشوفكم في أعلى المراكز وأسلمكم بإيدي لرجالتكم يارب." تكلم زياد بمرح وقال ببكاء مزيف: "لا لا لا، مش مصدق نفسي. هييجي اليوم اللي تسلمني لعريسي وتفرح بيا. يارب قرب البعيد يارب." تعالت ضحكات قمر ونغم وحور على كلمات زياد. نظر له بغضب وقال بتهكم: "ما تسترجِل يالا وبلاش شغل المياعة ده." وهو يضع الطعام بفمه قال:
"لاااا، حاسب يا أيوب، أنا راجل أوي وأعجبك، إياكش بس القفشة هي اللي بتحكم الواحد في أوقات غلط." حرك رأسه بعدم رضا وقال: "لله الأمر من قبل ومن بعد. من كتر ما عيبت على عمك معاذ، طلعت شبه في الهيافة." تكلم زياد بطريقة كوميدية وقال: "شوف يا أخي، الصدف. لسه ماما كانت بتقولي إن طالع أهطل ليه." اتسعت عين قمر بصدمة وقالت: "أنا!! يا ابن الكدابة." زياد بيحاول يكبت ضحكاته قال:
"أيوه إنتي يا قمري. حتى قولتلي أوعى تقول لأبوك عشان هينفخني وأنا مش حمل نفخ. كفاية النفخة اللي شيفاها معاه." كانت تستمع كلماته الكاذبة بذهول وصدمة، وتكلمت بغضب: "آه يا ابن الـ... أنا اللي قلت كده؟ تكلم أيوب بثقة وقال: "بقى أمك هتقولك كده وهتقولك أبوك هينفخني وهو نافخني." أومأ رأسه بالتأكيد وقال: "وحياة أم خالد حصل يا بوب، وأديله أدي بقي." وفي ذلك الوقت، شعر بألم أثر المعلقة الملقى من يد أيوب على رأسه بنفاذ صبر.
تكلم زياد بألم وقال: "آه يا بوب، دماغي. حرام عليك، فتحت دماغي. هات بقى الفايه عشان أروح أخيطها." مالت قمر بجسدها والتقطت الحذاء البيتي وقالت بتوعد: "من عينيا يا روح أمك، هديك اللي إنت عايزه." عندما رأى زياد الحذاء، هب واقفاً سريعاً وركض إلى الخارج وقال: "طيب يا جماعة، عن إذنكم بقى عشان عندي محاضرات كتير. عنيفة أوي إنتي يا ست الحبايب. يااااارب إنت عارف بقى اللي في قلبي."
قال كلمته الأخيرة وخرج من الباب وأغلقه خلفه. نظروا جميعاً إلى أثره، وتعالت ضحكاتهم على أفعال هذا المختل معهم. *** عند ريان… كان يجلس على مقعده المتحرك داخل غرفته، وسمع صوت طرقات على الباب. أذن لطارق بالدخول. انفتح الباب ودخلت ابنته رهف بابتسامتها الهادئة الجميلة وقالت: "صباح الخير يا بابا." ابتسم لها بحنو وتكلم بنبرة هادئة: "صباح النور يا قلب أبوكي. تعالي يا حبيبتي اقعدي وطمنيني على أحوالك وعاملة إيه في الشركة."
جلست أمامه على الأريكة وأمسكت يده بابتسامة وقالت: "أنا تمام، وكل حاجة في الشغل زي الفل. مش ناقصة غير نزولك تاني فيها. الشركة وحشة أوي من غيرك يا بابا." نظر أمامها بحزن شديد وحرك يده على قدميه وقال بوجع: "إزاي بس يا بنتي وأنا مشلول وقاعد على كرسي متحرك؟ وجودي هيكون زي قلته." حركت رأسها سريعاً وقالت بنبرة هادئة: "لا، إيه ده يا أبو عدي؟ مش واخده عليك وانت ضعيف كده. فين ريان القوي اللي عنده إرادة وعزيمة؟
ده أنا اتعلمت الإصرار منك يا بابا." فرت دمعة منه وقال بصوت منكسر: "مش هقدر أستحمل شفقة من حد يا بنتي. بعد ما كنت بروح هنا وأجي هنا وأتحرك بحرية، هبقى محبوس في مكتبي ومحتاج اللي يساعدني. على إيه؟ خليني هنا في أوضتي قافل على نفسي، لا حد يشوفني ولا أشوف حد." حركت رهف أصابعها وأزالت دمعته من على وجنته وتكلمت بحزن وقالت: "ليه يا بابا؟
مش ريان اللي حاجة زي دي تكسره. وبعدين، قعدتك على الكرسي دي حاجة مؤقتة. عمو أيوب بيتفق مع الدكاترة بره عشان يقربوا ميعاد العملية شوية، وإن شاء الله هتعملها وهتبقى زي الفل." ابتسم بوجع وقال: "إن شاء الله يا بنتي. بقولك يا رهف، عايز أطلب منك طلب." نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل: "اتفضل يا بابا، إيه هو الطلب؟ نظر لها بتوتر وقال… *** جلست أسيل وأميرة وأنس حول طاولة الطعام وبدأوا يتناولون بسعادة. وتكلمت أميرة وقالت:
"مامي، هي عمتو دنيا جاية امتى تاني؟ نظرت لها باستغراب وقالت بتساؤل: "مش عارفة يا بنتي، بس بتسألي ليه؟ تنحنحت بتوتر وقالت: "ها و و ولا حاجة، بسأل عادي عشان واحشاني." ابتسمت أسيل على توتر ابنتها وقالت: "هبقى أكلمها تيجي تقعد معانا شوية." أومأت رأسها بخجل عندما شعرت أن والدتها فهمت عليها وقالت: "م م ماشي، أنا هروح الجامعة بقى، باي."
خرجت تركض وصعدت سيارتها، وقبل أن تتحرك بها سمعت صوت فريد ابن دنيا الأصغر وهو ينادي عليها قائلاً: "أميرة يا أميرة، استني." ابتلعت ريقها بصعوبة وترجلت من السيارة بتوتر وقالت: "ف ف فريد، عامل إيه؟ ابتسم لها ابتسامته الساحرة التي تخطف القلوب قائلاً بنبرة رجولية: "الحمد لله. أنا قولت أجي ألحقك قبل ما تروحي على الجامعة." نظرت له بعدم فهم وقالت: "ها، ت ت تلحقني ليه؟ فيه حاجة؟ أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
"اممم، فيه كلام عايز أقوله ليكي بس مش هينفع هنا. تعالي نقعد في أي مكان نتكلم فيه براحتنا." ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "م م ماشي، اركبي معايا." وقبل أن تصعد أميرة أمام المقود، أمسك فريد ذراعها وقال: "لا، اركبي إنتي الجنب التاني. أنا اللي هسوق." أومأت رأسها بالموافقة وتحركت الاتجاه الآخر وصعدت على المقعد الأمامي. صعد فريد أمام المقود وأدار السيارة ونظر إلى أميرة بابتسامة وقال بتساؤل: "ها، نروح على فين؟
تكلمت بتلعثم وقالت: "ا ا اتحرك و و وأنا هقولك تمشي إزاي." تحرك بالسيارة مسرعاً واتجه بها إلى إحدى الكافيهات. نظر أنس إلى أسيل وتكلم بتوتر وقال: "ماما، أنا عايز أسألك سؤال بس تجاوبيني بصراحة." نظرت له باستغراب وأومأت رأسها بالموافقة وقالت: "اسأل يا حبيبي." أغلق عينيه حتى يهدأ قليلاً وقال بتساؤل: "هو إنتي اتعرفتي على بابا إزاي؟ اتسعت عين أسيل بصدمة والكلام وقف في حلقها. تنحنحت بتوتر وقالت: "ها، ب ب بتسأل ليه يا أنس؟
تكلم بصوت مختنق وقال: "فضول مش أكتر." أخذت نفساً عميقاً وتكلمت بصوت حزين وقالت: "ع ع عادى، عرفته عن طريق عمك أيوب." نظر لها بحزن وقال بصوت مختنق: "آه، قصدك لما روحتي معاه الشقة يوم الحفلة؟ كاد من الماء أن يُصب فوق رأسها. الكلام وقف بحلقها وقالت بصوت مهزوز: "ها، ش ش شقة إيه دي اللي بتقول عليها؟ أنا مش فاهمة حاجة." تكلم بصوت شبه غاضب:
"عشان جوزك بيعايرني إني جيت من علاقة ما بينكم قبل الجواز، بيعايرني على إني غلطة كلفته إنه يعيش معاكي طول السنين دي غصب، بيعايرني بيكي." كانت تستمع كلماته بدموع وتكلمت بصعوبة:
"حقك عليا يا ابني، غصب عني والله. وقتها كنت صغيرة وفيه مشاكل كتير جداً في حياتي. يومها شربت كتير، محستش بنفسي غير تاني يوم وأنا نايمة في حضن راجل معرفهوش. إزاي، وامتى، وليه معرفش. إيه اللي حصل. وبعدها بفترة صغيرة اتعلقت بيه وبقينا نتقابل في الشقة وقت ما أعرف أزوغ من ريان. وفي يوم، اغمي عليا وكشفت عليا مني مرات ريان، قالتله إني حامل. وقتها الدنيا اتقلبت وصمموا إن أبوك يتجوزني عشان الفضيحة. وقتها كان عامر بيعاملني وحش
أوي. ولما جيت إنت، قررنا إننا نفتح صفحة جديدة ونربيك تربية كويسة. بس جدتك حلفت ما تخليني أعيش مبسوطة أبداً. كل ما تشوف وشي، تسمعني كلام زي الزفت زي ما إنت عارف. بس هي دي كل الحكاية، سامحني يا ابني لو أعرف إني هكون وصمة عار ليك في الكبر، كنت غيرت حاجات كتير أوي زمان. سامحني يا حبيبي."
أنهت كلامها. ظلت تبكي بغزارة. أخذها داخل أحضانه وربت على ظهرها بحنو وتكلم بنبرة مختنقة وقال: "إنتي شرف لأي حد يا أمي. أنا اللي وجعني طريقة كلام أبوك عليكي، صعبة عليا لما أسمعه يقول عليكي كده. كان هاين عليا أقتله وقتها، بس للأسف مش هقدر لأنه أبويا مهما حصل." تمسكت به بقوة وقالت بأسف:
"أنا آسفة يا ابني، آسفة إني مكنتش الأم اللي تفتخر بيها. آسفة إني مخترتش ليك الأب اللي تفتخر بيه. آسفة لأن حياتنا وغلطنا القديم وجعك دلوقتي. لو أعرف إن مع الوقت هنندم على أفعالنا، مكنتش عملتها وبقيت شخصية تانية تفتخر بيها إنت وأختك يا أنس." قبل رأسها بحب وقال بصوت مختنق:
"متتأسفيش يا ماما، أبوس إيدك. أنا مش هقدر أشوف كسرتك دي. كفاية تعبك معانا لحد ما كبرتينا. محدش معصوم من الغلط، وإنتي مع أول فرصة بجد جاتلك اتغيرتي. عملتي كل حاجة عشان تبقي أم عظيمة. ولآخر نفس فيا، هحبك وأحترمك وأحطك تاج فوق راسي يا أجمل الناس في الدنيا دي." نظرت له بفخر وقالت من بين دموعها:
"ده أنا اللي محظوظة بجد إن ربنا عوضني بأجمل اتنين في الدنيا، إنت وأختك. ربنا يفرحني بيكم وأشوفكم أسعد الناس يارب. يلا يا حبيبي، روح شغلك عشان متتأخرش." استقام بجسده وقبل رأس والدته وقال: "خلي بالك على نفسك يا ماما. لو محتاجة حاجة، اتصلي بيا أجبهالك وأنا جاي." أنهى كلامه وخرج، صعد سيارته وتحرك بها إلى العمل. *** بالفيلا الخاصة بعامر… استيقظ من نومه على صوت دنيا الغاضب. فتح عينيه بصعوبة وزفر بضيق وقال بنفاذ صبر:
"يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم. مش هنخلص بقى من زنك كل شوية؟ هتغوري امتى وترجعي مكان ما جيتي." عقدت ذراعيها على صدرها وقالت: "قاعدة على قلبك لحد ما يتصلح حالك وتبعد عن السكة القرف اللي ماشي فيها دي، وتنتبه لمراتك وعيالك، اللي راميّهم دول." اعتدل على فراشه بغضب ونظر لها وتكلم بتحذير: "أقسم بالله كلمة تانية لكون مكسر سنانك. غوري يا بت، جتك القرف." وفي ذلك الوقت، سمع صوت معاذ الغاضب:
"ما تحترم سنك يا أخي. ده إحنا الأصغر منك منقدرش نعمل ربع أفعالك دي. فكر في ابنك ومنظره قصاد الناس. فكر في بنتك لما ربنا يرزقها بابن الحلال، فكر وقتها إيه مصيرها لما يعرفوا إن أبوها سكري بتاع نسوان. اااايه، إنت طول عمرك زبالة، بس الواحد كان عشمان في ربنا إنك تتغير مع الزمن، بس للأسف بقيت أزبل من الأول." نهض بغضب وأمسك معاذ من تلبيبه وتكلم بتحذير: "وممكن كمان أدفنك مكانك لو محترمتش نفسك. إنتوا مالكم بيا؟
دي حياتي وأنا حر فيها، أعمل اللي أنا عايزه، محدش ليه عندي حاجة، فاهمين." دفعه معاذ بقوة، أبعده عنه وتكلم بغضب: "لا، لينا لما يبقى اللي بتعمله ده يأثر على سمعتنا إحنا وأولادنا، يبقى لينا. لما نشوفك ماشي في طريق غلط وبدوس على مراتك وأولادك، يبقى لينا. إنت أخونا، وكل فعل بتعمله بيأثر على حياتنا إحنا." ابتسم بتهكم وقال بصوت غاضب:
"قولوا بقى إنكم خايفين على سمعتكم. أصل مش في يوم وليلة هتحبوني كده وتخافوا عليا. إنتوا طول عمركم بتكرهوني وبتحبوا أخوكم التاني. بتهزقوني وتحترموا أخوكم التاني. شايفني واحد زبالة وبتفتخروا بالتاني. عموماً، دي حياتي وأعمل فيها اللي أنا عايزه، وإنتوا ابقوا اتبروا مني وانكروا إن أنا أخوكم. ويلا بقى من غير مطرود، عايز أجهز عشان أروح شغلي." كان أيوب يستمع كلماته وهو يقف على الباب وعاقد ذراعيه على صدره وتكلم بنفاذ صبر:
"إيه السواد ده كله اللي في قلبك ليا ده يا ابني؟ لسه زي ما إنت بعد السنين دي كلها متغيرتش؟ ده أنا عملت ما في وسعي عشان أغيرك وأحببك فيا. طيب قولي، أعملك إيه تاني عشان الكره اللي في قلبك ليا ده يتشال؟
رد عليا. لو اللي بتعمله في حياتك ده قصد عشان تسوء سمعتي أنا، يبقى متحاولش، لأن عمرك ما هتعرف تعمل كده. لأن باختصار، معروف إن في كل شجرة عيلة جزع فاسد غير الباقين، وده بقى بيبقى ناتج عن غيرة وحقد وممكن سواد، أو حتى شيطنة مسيطرة عليه. إنت بس وصمة عار في حياة مراتك وأولادك. هما دول اللي هيتأذوا بجد من أفعالك. فوق يا عامر قبل فوات الأوان، فوق وانتبه لحياتك ولأم ولادك. شوف ريان ووليد واتعظ منهم. واحد في يوم وليلة فارق الحياة، والتاني قاعد على كرسي متحرك بعد ما كان منتشر في كل مكان. الدنيا مش مضمونة. ولو النهارده اديتك وشها، في ثانية هتكون مديالك ضهرها."
أنهى كلامه ونظر إلى دنيا ومعاذ وخرجوا الثلاثة من الغرفة وتركوه بمفرده. انتابه حالة من الهيجان وبدأ يفقد أعصابه ويكسر كل شيء أمامه، حتى شعر بأنفاسه تقطعت. جلس على الأرض وظل يصرخ بدموع. *** وصل عدي نغم إلى الشركة ووقف بسيارته أمامها. نظر إليها بحب وقال: "حبيبتي، أنا هكلم عمو أيوب عشان نيجي نطلب إيدك خلاص. مش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده. كفاية السنين اللي عيشتيها بعيد عني." نظرت له بدموع وقالت بصوت مختنق:
"أنا خايفة تندم بعد كده يا عدي. أنا اتربيت في بيئة قذرة غير البيئة بتاعتك، خايفة ده يعمل فرق ما بينا بعد الجواز." امسك يدها بضيق وقبلها بحب وقال:
"حسك عينك تقولي الكلام ده يا نغم. إنتي حبيبتي وخطيبتي وهتبقي مراتي وكل ما ليا. أنا واثق إن عمرك ما عملتي ولا هتعملي حاجة غلط. واثق إن مهما كان البيئة اللي اتربيتي فيها زمان، إلا إن البذرة اللي أنا زرعتها جواكي من واحنا صغير اديتك دافع إنك تحافظي على نفسك وتفضلي بنوتي البريئة. أنا هندم فعلاً، بس هندم لو مبقتيش في حضني في أقرب وقت. أنا مستحيل أبقى لأي حد تاني غيرك، وإنتي مستحيل تبقي لأي حد غيري. أنا بعشقك يا نغم."
ابتسمت له بحب وتكلمت من بين شهقاتها: "وأنا بموت فيك والله العظيم، بحبك بطريقة مجنونة، مهووسة بكل حاجة فيك. بس خوفي من إنك ممكن تتغير معايا وتكرهني في يوم من الأيام، منغصة عليا حياتي وتعباني أوي يا عدي. إنت لو بعدت عني في يوم من الأيام، هيكون موتي، فاهم." ضم عدي وجهها بين يديه ونظر لها بعينيها وقال:
"لو الأب يقدر يكره بنته، عمري ما هقدر أكرهك. إنتي بنوتي اللي عشنا مع بعض أجمل أيام طفولتنا قبل ما تتسرق مننا فرحتنا. ولو الزمن عاد نفسه، هفضل أحبك تاني وتالت ورابع، وهستناكي لآخر نفس فيا. اياكي تقولي الكلام ده تاني يا عمري اللي راح وعمري اللي جاي." تراقصت دقات قلبها بسعادة ونظرت إلى عينيه بحب وقالت: "بعشقك ومش عايزة حاجة من الدنيا غير وجودك جنبي." اقترب من وجنتيها وقبلها بحب وابتسم لها وقال:
"دي حاجة بسيطة لحد ما ربنا يكرمنا ويتقفل علينا باب واحد." احمرت وجنتيها من شدة الخجل ودفعته بقوة وتكلمت بضيق: "والله العظيم إنت غلس وقليل الأدب. حسك عينك تعملها تاني، فاهم." أنهت كلامها وترجلت من السيارة سريعاً. تعالت ضحكاته على انفعالها المحبب لقلبه، وظل يتابعها حتى دخلت إلى داخل الشركة، وأدار السيارة وتحرك بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!