مرت عدة أيام، شعرت بتول بشيء غريب يحدث لابنها. أصبح يأتي متأخرًا عن موعده المعتاد، ويستيقظ قبل ميعاد العمل، ويغادر البيت دون التحدث مع أحد. لذلك قررت أن تتحدث معه لتفهم ما يحدث له. ولجت إلى داخل غرفته، وجدته يجهز لمغادرة البيت كالعادة. نظرت له بضيق وجلست على الأريكة وقالت: "رايح على فين كده إن شاء الله؟ نظر لها باستغراب وأجابها قائلاً: "عدي: رايح الشغل يا ماما، مالك فيه إيه؟ تحدثت بصوت مختنق وقالت:
"بتول: دي مش مواعيد شغلك يا عدي، أنت وضعك اليومين دول غريب قوي وقلبي مش مطمن. لتكون متجوز من ورانا يا عدي؟ تعالت ضحكاته على كلمات والدته، وأمسك يدها وربت عليها بحنو وقال: "عدي: جواز إيه بس يا ماما اللي هتجوزه من وراكم ده، كل الحكاية إن عندنا ضغط شغل اليومين دول، بروح الشغل بدري وبتأخر فيه." نظرت له بعدم تصديق وقالت: "بتول: عدي، أوعى." نهض وقال بنفاذ صبر: "عدي: يا ماما يا حبيبتي، أنا هعمل كده ليه بس؟
ما أنا لو عجبتني واحدة هاجي أبلغكم بده." ثم نظر لساعته واتجه إلى الباب وقال بضيق: "أهو بسببك اتأخرت على الشغل، يلا سلام أشوفك الصبح بقى." وخرج سريعًا من الغرفة وأغلق الباب خلفه وهبط إلى الأسفل. نظرت إلى أثره بعدم تصديق وقالت: "بتول: قلبي برضه مش مرتاح وبيقولي إنك بتعمل حاجة من ورايا يا عدي." ثم نهضت من على الأريكة وهبطت إلى الأسفل. ***
جلست أمام التلفاز تشاهد البرامج حتى يمر الوقت ويأتي لها عدي. لقد تعودت على وجوده دائمًا بجانبها. وفي ذلك الوقت شعرت بشيء غريب يدور بالمكان. نهضت ببطء شديد وتحركت اتجاه الصوت. دلفت الغرفة ونظرت بها، لكنها لم تجد أحد. استدارت حتى تخرج، لكنها تفاجأت بأحد يضع يده على فمها. حاولت الفرار لكنها لم تستطع. سمعت صوتًا يهمس بالقرب من أذنها قائلاً: "متخافيش، أنا نجلاء يا نغم."
تنهدت بارتياح واستدارت لها سريعًا واحتضنتها بدموع. لقد اشتاقت لها منذ أن تركت هذا المكان. ربتت على ظهرها بحنو وقالت بدموع: "نجلاء: واحشاني أوي يا حبيبتي، أخبارك إيه؟ أومأت رأسها بابتسامة هادئة وإشارة بأصابعها أنها بخير. أمسكت يدها وأجلستها على السرير ونظرت لها بأسف وقالت:
"نجلاء: أنا آسفة على كل اللي حصل يا نغم، مش عايزة تزعلي مني. أنا حاولت كتير أحميكي من شر خالك محروس، بس كنتي شايفة بيعمل فيا إيه. بسببك أنا جاية لك بعد ما خليت الولا بولا يعرف مكانك فين علشان أحذرك، خالك مش ناوي يعدي هروبك ده على خير وبيخطط إنه يخلص منك. علشان كده عايزك تفتحي عيونك كويس أوي ونبهي اللي انتي قاعدة عنده ياخد باله وهو جايلك علشان متتراقبي."
احتضنتها بحب وظلت تبكي داخل أحضانها وتمسكت بها بقوة حتى لا تتركها وتغادر. ربتت على ظهرها وأبعدتها عنها وأزالت عبراتها من على وجنتيها وقالت بدموع: "نجلاء: لا يا نغم، مش عايزة تعيطي تاني. كفاية دموع يا حبيبتي، يمكن ربنا عمل كده علشان يريحك من اللي كنتي عايشة مع محروس. حاولي تستمتعي بالحياة وحبي واتحبي وانسى كل اللي فات. حتى أنا انسيني، وإن شاء الله تقدري توصلي لمامتك وترجعي تاني لحضنها." وهبت واقفة ونظرت
لها نظرة مطولة وقالت: "أنا لازم أمشي دلوقتي يا نغم." تمسكت بها بقوة وحركت رأسها بترجي حتى تبقى معها. ابتسمت لها وقالت: "نجلاء: مينفعش يا نغم، انتي عارفة انتي غالية عندي قد إيه وبعدك عني ده بيعذبني. بس مدام في مصلحتك أنا هفرح لك. خلي بالك من نفسك يا حبيبتي." وركت سريعة إلى الخارج وتركتها. ارتمت على السرير وظلت تبكي حتى تقطعت أنفاسها. ***
انتهت حور من العمل الخاص بها. نظرت بساعة يدها، وجدت الوقت تأخر دون أن تشعر. تراجعت إلى الخلف بإرهاق شديد. وفي ذلك الوقت سمعت صوت طرقات على الباب. أذنت لطارق بالدخول. دَلَفَت رهف بابتسامة هادئة وقالت: "إيه يا بنتي لسه قصادك كتير ولا إيه؟ حركت رأسها بالنفي وقالت: "حور: لا طبعًا خلصت." وهبت واقفة وقالت: "تعالي نروح مع بعض، الطريق واحد." وفي ذلك الوقت استمعت إلى صوت زين يقول لها: "لا، انتي هتيجي معايا، عايزك في موضوع."
أومأت رأسها بتوتر وقالت: "حور: م م ماشي." ثم نظرت إلى رهف وقالت: "معلش بقى يا رهف، روحي انتي." ابتسمت لها وقالت: "رهف: ماشي يا حبيبتي، ولا يهمك." وخرجت من المكتب وتركته. نظرت له بتوتر وقالت: "حور: موضوع إيه ده اللي ضروري؟ اقترب منها ونظر بعينيها وقال: "زين: بحبك." نظرت له بخجل وقالت: "حور: ي ي ي سلام، هو ده الموضوع المهم اللي عايزني نتكلم فيه؟ أمسك يدها وقال بحب:
"زين: واحشاني يا حور، من يوم ما كنا عندكم في الفيلا واحنا مش عارفين نتكلم كلمتين على بعض. كل اللي ما بينا الشغل وبس. قولت نخرج مع بعض النهارده ونتغدا بره، ومتقلقيش، أنا استأذنت من باباكِ على إننا هنخرج نخلص شغل خاص بالشركة." ابتسمت له بتوتر وقالت: "حور: م م ماشي، بس بلاش نتأخر بره." ابتسم لها ونظر إلى يدها وقرب يده لها وأمسكها وقال: "زين: يلا بينا." انتفضت مكانها، تفاجأت بما فعله زين. نظرت إلى يده الممسكة بيدها
وابتسمت له بتوتر وقالت: "حور: ي ي يله." هبطوا إلى الأسفل، وقبل أن يصعدوا السيارة، وقف أمامهم أنس وقال بتساؤل: "على فين يا حلوين؟ نظرت له بتوتر وقالت: "حور: ها ر ر رايحين شغل." رفع إحدى حاجبيه وقال باستغراب: "أنس: شغل إيه ده اللي بره الشركة؟ وبعدين إزاي معنديش علم بالشغل ده؟ مش إحنا في نفس القسم ولا إيه؟ نظرت إلى زين بتوتر حتى ينقذها من هذا الموقف وابتلعت ريقها بصعوبة. نظر له بضيق وأمسك يد حور وقال بنبرة جادة:
"زين: مش رايحين شغل يا أنس، إحنا خارجين أنا وحور مع بعض نتغدا. وعلى ما أعتقد إنها بنت خالتي زي ما هي بنت عمك، ولا إيه؟ نظر إلى يدهما بغضب وقال: "أنس: وهي علشان بنت خالتك مسموح ليكم تمسكوا إيد بعض بالشكل ده وتخرجوا مع بعض بره الشركة؟ أغلقت عينيها بخوف وقلق أن يصل هذا الكلام إلى والدها. أبعدت يدها عن يد زين سريعًا وتراجعت إلى الخلف. نظر إلى حور وجدها خائفة، امسك يدها مرة أخرى ونظر إلى أنس وقال بنبرة هادئة:
"زين: أنس، أنا بحب حور وإحنا في فترة إننا نتأكد من مشاعرنا دي. علشان كده مش حابين حد يعرف بالموضوع ده لحد ما نتأكد ونروح نكلم عم أيوب عليه." نظر إليهم نظرة مطولة ثم قال بصوت حاد: "أنس: بما إن أنا عارف أخلاقك عاملة إزاي وإنك صديق عمري، مش هخاف على بنت عمي معاك. بس برضه عيني هتبقى عليكم. ولو شفتكم بتعملوا حاجة كده ولا كده هتلاقيني ناطط في كرشكم، فاهمين؟ تنهدت بارتياح وأومأت رأسها بالطاعة وقالت:
"حور: ف ف فاهمين، ب ب بس أوعى يا أنس، أوعى حد يعرف حاجة." ابتسم لها وقال بمرح: "أنس: لا متقلقيش، اتمنيتيها ولا لقيتيها يا بنت المحظوظة." جحظت عيناها بصدمة ونظرت إلى زين بتوتر وقالت: "حور: م م مش يلا بينا بقى؟ أنا جعانة أوي." نظر إلى أنس باستغراب ثم نظر إلى حور بابتسامة وقال: "زين: يلا بينا." صعدت حور السيارة وأغلق زين الباب خلفها واتجه الجانب الآخر واقترب من أذن أنس وهمس به قائلاً:
"لينا قاعدة مع بعض علشان أفهم قصدك إيه بالجملة اللي قولتها لحور دي." وصعد سيارته وغادر بها المكان سريعًا. ابتسم على ما قاله زين له وتحرك إلى الأعلى. وجد رهف تجهز حتى تغادر الشركة. اقترب إليها وقال باستغراب: "أنس: رهف، انتي لسه هنا!؟ أومأت رأسها بالتأكيد وقالت: "رهف: أكيد يعني، ما أنا قصادك هنا أهو وبرد عليك." حرك يده على رأسه بإحراج وقال: "أنس: آه صح، إيه الغباء ده. ما علينا، تعالي يلا أروحك معايا على السكة."
حركت رأسها بالرفض سريعًا وقالت: "رهف: لا شكرًا يا أستاذ أنس، أنا هروح." تكلم سريعًا وقال بتساؤل: "أنس: إيه أستاذ أنس دي؟ قولي أنس على طول، وأنا هقولك رهف. إحنا مش قرايب ولا إيه؟ ابتسمت له باستغراب وقالت بتهكم: "رهف: قرايب ونسايب، ما أمك كانت طليقة بابا. عن إذنكم." وتركته وغادرت المكان. نظر إلى أثرها بضيق وشعر بإهانة كبيرة من كلماتها. تكلم بتوعد وقال: "أنس: هي بقت كده يا رهف؟ ماشي، هوريكي."
وهبط سريعًا إلى الأسفل وصعد سيارته وغادر بها سريعًا. ***
مر الوقت على عدي في عمله ولم يشعر به. نظر بالساعة، وجد الوقت تأخر كثيرًا. نهض مسرعًا إلى سيارته. صعدها واتجه إلى الفيلا الخاصة به. شعر الوقت ثقيل عليه وحاول أن يصل سريعًا عند نغم. لكنه لاحظ وجود سيارة تتبعه من الخلف. أخذ مسار آخر وتحرك باتجاه مختلف عن طريقه. وجدها ما زالت تتبعه. ظل يتجول حتى نجح في تضليلهم والهروب منهم بسهولة تامة. دقائق معدودة، كان يقف أمام الباب. شعر بدقات قلبه تزداد بسعادة. أغلق عينه وحاول أن يهدأ قليلاً
وقال بصوت هامس: "انت إيه اللي بيحصلك ده يا عدي؟ مالك مبقتش على بعضك ليه؟ دقات قلبك هتخترق ضلوعك بسعادة كل ما تكون جنبها. انت اتجننت؟ طيب ونغم معقول تكون نسيتها؟ معقول تكون حبيت دي ونسيت حب عاش جواك سنين؟ فوق يا عدي، مينفعش اللي بتفكر فيه ده. مليون حاجة تمنعك." ثم أخذ نفسًا عميقًا وفتح الباب ودلف إلى الداخل. أغلق الباب، وجد التلفاز يعمل ولم يوجد أحد أمامه. تحرك إلى الداخل وبحث عنها لم يجدها. صعد إلى الأعلى
وطرق على باب الغرفة وقال: "حنان يا حنان، ردي عليا." وفي ذلك الوقت سمع صوت شهقاتها من الداخل. شعر بقلق عليها. فتح الباب سريعًا، وجدها نائمة على السرير وتبكي. اقترب إليها وقال بلهفة: "حنان، مالك؟ بتعيطي ليه؟ فيكي حاجة تعباكي؟ نهضت سريعًا وارتمت داخل أحضانه. تمسكت به بقوة وظلت تبكي أكثر. تفاجأ بما فعلته هذه الفتاة. ظلت يداه معلقة بالهواء. ابتلع ريقه بتوتر وقال بتساؤل: "ح ح حنان، فيه إيه؟ مالك؟ بلاش تقلقيني عليكي."
تمسكت به أكثر وأكثر. حاولت تحريك شفتيها حتى تتحدث، لكنها لم تستطع. ظلت تصرخ بألم مكبوت داخلها سنين. شعر بألم من شدة تمسكها به. أبعدها عنه ونظر لها بعينيها وحاول أن يهدأ قليلاً وقال:
"عدي: حنان يا حنان، بصي ليا. اهدى شوية. وأي كان اللي حصل هيعدي. ربك موجود وكل اللي بيحصل لينا رسالة ربانية يا عشان نتعلم ونتعظ منها، يا علشان يرزقنا طيبة الخاطر ويجبرنا بعد الشدة. خلي إيمانك بربك كبير وثقي بي، رب الخير لا يأتي إلا بالخير." شعرت بارتياح كبير بعد سماعها حديثه لها. هدأت قليلاً وتراجعت إلى الخلف. نظرت له بألم وأشارت بيدها له أنها كانت متضايقة قليلاً. ابتسم لها ابتسامة وأومأ رأسه بتفهم وقال:
"عدي: المهم إنك بقيتي أحسن دلوقتي." تحركت باتجاه السرير وامسكت وشاح نجلاء. لقد سقط منها أثناء مغادرتها من عندها. وعادت مرة أخرى له وأعطته له. نظر له باستغراب وقال بتساؤل: "عدي: ده بتاع مين ده!؟ أشارت له بيدها على قلبها وحاولت تشرح له ببعض الإشارات. ظل يتابعها باهتمام شديد. تفهم ما تريد قوله له لأنه تابع بعض الفيديوهات المختصة بلغة الإشارة وتعلم قليلاً منهم. تكلم بتوضيح وقال: "فيه حد قريب من قلبك جالك هنا النهارده!؟
أومأت رأسها بالتأكيد وأكملت إشارتها له. تابع مرة أخرى ما تريد قوله وقال: "والشال ده بتاعها وهي كانت جاية تطمن عليكي وسابتك ومشيت. وانتي عايزاني أحميها!! صح؟ ابتسمت بسعادة وحركت رأسها سريعًا له. نظر لها باستغراب وقال بتساؤل: "احميها من مين؟ وهي عرفت مكانك إزاي أصلًا وإزاي دخلت هنا وأنا قافل عليكي كويس؟ نظرت له بتوتر وأشارت بأصابعها على الشرفة المتواجدة بالغرفة. أغلق عينه بضيق وتكلم بصوت متضايق وقال:
"طيب، عايزاني أحميها من مين!؟ جلست على السرير والدموع انهمرت منها مرة أخرى وأشارت على عنقها بيد مرتعشة. جحظت عيناه بصدمة وقال بعدم تصديق...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!