الفصل 26 | من 38 فصل

رواية ما وراء الماضي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دودو محمد

المشاهدات
20
كلمة
5,557
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

في مكان آخر، تسطح محروس على سريره الفخم بغرفته في إحدى القصور، وتعالت ضحكاته الشيطانية قائلاً بتوعد: "اصبروا عليا بس تهدأ الأمور شوية، وهعرفكم مين هو محروس، هشرب من دمكم واحد واحد." أنهى كلامه وظلت ضحكاته تتعالى وتتردد في المكان. نظر حوله بارتياح، وأمسك سيجاراً من أفخم الأنواع وأشعله، وظل يفكر بطرق عديدة لبدء خطة انتقامه في القريب العاجل. وفي ذلك الوقت، انفتح الباب ودلف عليه سيف بابتسامة هادئة قائلاً:

"نورت قصر ابنك يا بابا، من زمان أوي وأنا بحلم باليوم اللي هتعيش معايا فيه." اعتدل محروس على فراشه ونظر له بانتصار وقال: "طلعت ابن أبوك بجد، ونفذت وعدك ليا وخرجتني من المكان اللي كنت فيه بكل سهولة." جلس سيف بجواره وقال بتوعد: "ولسه هتفتخر بيا بجد لما أحرق قلبهم على كل عزيز ليهم." ربت محروس على كتفه وقال بابتسامة شر:

"راجل من ضهر راجل، رغم إني كنت رافض وجودك من الأول، بس بعد كدة عرفت إنك عزوتي وضهري. بس أمك وقتها راحت اتجوزت شريف السيوفي، ده بعد ما أوهمته إنها حامل منه من الليلة اللي قضاها معاها. دي من أحسن الزباين عندي في الشقة، وأمك كانت حلوة وعليها الطلب. وشريف ده لما شافها رِعل عليها. وبعد ما أنت جيت بكام سنة مات، وكل أملاكه بقت باسمك أنت، بما إنه ملوش ولاد غيرك. ومن وقتها أنت قصاد الناس كلها ابن شريف السيوفي، حتى هو كان فاكر كده. إنما الحقيقة أنت ابني أنا، سيف محروس."

ابتسم له سيف بشر وقال بتوعد: "وغلاوتك عندي، كل من كان ليه يد في حبسك هدفعُه التمن غالي أوي، خليك أنت هنا واتفرج على اللي هيعمله ابنك من بعيد، وافتخر إنك جبت راجل بجد." تمدد محروس على فراشه بسعادة وقال: "ياااااه، الواحد ضهره اتكسر من نومة السجن. هنام شوية، ولما أصحى نتكلم مع بعض كتير وأقولك هنبدأ بمين."

أومأ سيف برأسه بالموافقة، واستقام بجسده وتحرك إلى الخارج وأغلق الباب خلفه. اتجه إلى غرفته وتسطح على سريره، وأمسك الهاتف الخاص به وأجرى اتصالاً وانتظر الرد. ثوانٍ معدودة وسمع صوت حور تقول له: "السلام عليكم، مين معايا؟ رد عليها بصوت هامس وقال: "لا أنا أزعل منك أوي كدة، إزاي مش مسجلة رقمي يا حوري؟ تكلمت حور بغضب شديد وقالت: "أنت!! متصل بيا ليه؟

كام مرة أقولك ملكش دعوة بيا، ابعد عن طريقي يا بارد، ده أنت واحد معندكش دم بجد." تعالت ضحكات سيف وتكلم بصعوبة:

"عسل وربنا، بس مش هاخد على كلامك دلوقتي. عارف إنك زعلانة بسبب اللي عمله معاكي زين من شوية، بس تصدقي طلعتي عبيطة، يعني كنتي تديله قلمين تلاتة، واحد قليل أوي عليه. ده بني آدم شكاك، وصلت معاه إنه يصورك وإنتي في حضني ويفرج صورنا لكل. لا يا حوري، مش ده اللي يستاهلك، أنتِ عايزة راجل بجد يصونك ويحفظك، أصلك جوهرة غالية أوي ومحتاجة اللي يقدرك." كانت حور تستمع لكلماته بصدمة. ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بصوت مرتعش:

"ا ا أنت عرفت كل ده إزاي؟ اللي حصل ده كان ما بينا، ما كانش فيه حد غريب؟ سيف يضحك بقوة وقال بتوضيح: "يا حبيبتي، أنا أعرف أنتِ لابسة إيه دلوقتي في أوضتك وبتكلميني وإنتي عاملة إزاي. أصل مدام سيف السيوفي أعجب بيكي وحطك في دماغه، مش هسيبك غير وإنتي في حضني." شعرت حور بالخوف من تصرفات هذا المختل. تكلمت بتوتر وقالت بتحذير: "ط ط طيب، حسك عينك تتصل بيا تاني يا سيف. ولو مبطلتش أسلوبك ده معايا، أنا هخلي بابا يتصرف معاك."

رد عليها سيف سريعاً وقال: "بابا اللي بتخافي تتكلمي معاه كلمتين على بعض من خوفك منه ومن طريقته معاكي، لا خوفتيني الصراحة. بصي بقى يا قطة، اسمعي الكلمتين دول وحطيهم في دماغك، مش سيف السيوفي اللي تعجبه واحدة وتتعزز عليه. علشان أنا مدام عجبتيني مش هعتقك لو حصل إيه، فخليها برضاكي أحسن ما هتبقى غصب عنك، وفي الآخر هتبقى ليا أنا يا حلوة. وأه لو بتحبي زين ده أوي، يبقى ابعدي عنه أحسنلك. بااااااي."

أنهى كلامه وأغلق الخط معها دون أن يستمع كلمة أخيرة منها. ألقى الهاتف بجواره وتعالت ضحكاته الرجولية، ونظر أمامه بتوعد وقال: "دي لسه البداية، واللي جاي هيكون دمااار." *** مرت عدة أيام، ظلت حور بين حزنها على بعد زين عنها، وبين محاولاتها لإثبات نفسها بالعمل حتى تحقق ما يريده أيوب ويفتخر بها. ظلت نغم تؤازر أختها حور في وجعها، ولم تذهب الشركة كما طلب منها عدي.

أما عدي، فكان مشغولاً بالبحث عن محروس، والقلق يزداد في قلبه خوفاً من إيذيته لأسرته كما وعدهم بقاعة المحكمة. ظلت ريفال حبيسة بغرفتها، لم تخرج منها كما طلب منها مهاب، لكنها كانت تريد أن تتحدث معه بشدة، ربما وجدت ضالتها معه. في صباح يوم جديد، استيقظت ريفال من نومها على صوت هتاف والدتها وهي تقول لها: "ريفال اصحي يا حبيبتي، مهاب ابن عمتك برة وعايز يقعد معاكي شوية." عندما سمعت اسم مهاب، نهضت سريعاً من

على فراشها وتكلمت بسعادة: "بجد يا ماما؟ ط ط طيب اصبري أجهز نفسي، وبعد كدة دخليه." حركت والدتها رأسها بالرفض وقالت: "لا، هو قال إنه هيستناكي في أوضة الضيوف." أومأت ريفال رأسها بالموافقة وقالت: "ماشي، روحي وأنا وشوية وجاية."

ابتسمت لها بسعادة وخرجت من الغرفة وتركها. تحركت ريفال سريعاً باتجاه خزانة الملابس الخاصة بها، أخرجت ملابس لها واتجهت إلى المرحاض. أخذت حماماً دافئاً وخرجت، ارتدت ملابسها، ثم خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة الضيوف. عندما رأته ابتسمت له ابتسامة هادئة وقالت بتساؤل: "أتأخرت أوي كدة ليه؟ استنيتك كتير، قلت إنك مش جاى تاني." حرك مهاب رأسه بالرفض وقال بتوضيح:

"لا، متأخرتش عنك ولا حاجة، دول كلهم كام يوم، وبعدين أنا وعدتك هجيلك وكان لازم انفذلك وعدي وجيت فعلاً، بس أنتِ اللي منفذتيش وعدك ليا يا ريفال." نظرت له ريفال بعدم فهم وقالت: "وعدي ليك اللي هو إيه؟ أجابها بتوضيح وقال: "قلتلك اخرجي من أوضك، ساعدي أمك في البيت، اتكلمي مع أبوكي، حسسيهم بوجودك، بس أنتِ معملتيش كده." نظرت له ريفال بحزن وقالت بصوت مختنق: "مقدرتش أعمل كده." شعر مهاب بتوترها، أخرج حباية وأعطاها لها وقال:

"خدي دي الأول يا ريفال." أومأت ريفال بالموافقة وأخذتها منه وارتشفت خلفها قليلاً من الماء، ثم نظرت إلى مهاب وقالت: "حاولت أعمل زي ما قولتلي، بس حاسة إن بره أوضتي ده عالم كبير أوي ومخيف، دقات قلبي بتسرع وببقى خايفة متوترة." ابتسم لها مهاب وقال باستغراب: "طيب ما أنتِ بره أوضك أهو، مخوفتيش ولا حاجة وقاعدة وبتتكلمي معايا عادي، إيه المخيف بقى في كده؟ نظرت له ريفال بتوتر وقالت:

"ما هو ده اللي مستغرباه، إن أنا قاعدة دلوقتي عادي ومش خايفة. بس لما مشيت وحاولت أخرج خوفت، مش عارفة إيه اللي بيحصل ولا فاهمة حاجة." أومأ مهاب رأسه بتفهم وقال: "اممم، طيب خلي الموضوع ده بعدين، خلينا بقى نتكلم عند آخر حاجة وقفنا فيها المرة اللي فاتت. قولتي إنك بتخافي، عايز تكلميني عن مخاوفك دي." تنهدت ريفال بوجع وقالت بصوت مختنق:

"بخاف الناس تنتقد شكلي، كلامي، أسلوبي، تضحك على حاجة بقولها، تستهزأ بيا. لما بكون في مكان فيه ناس بحس الناس كلها مركزة عليا أنا، وده بيخليني أقطع في الكلام أو حتى معرفش أرد أقول إيه على كلام الشخص اللي قصادي. مبقاش مركزة على حاجة من كتر ما أنا عمالة أتلفت حواليا أشوف الناس بتبص عليا ولا لأ، أو مين بيضحك عليا. ده أنا لما بشوف اتنين بيتكلموا مع بعض شوية بحس إنهم بيجيبوا سيرتي وبيستهزأوا عليا، علشان كده بخاف أخرج من أوضتي وأشوف أي حد، حتى لو كان بابا وماما."

نظر لها مهاب باهتمام وقال بتساؤل: "احكيلي يومك كان بيعدي إزاي في مدرستك وإنتي صغيرة، فاكرة؟ نظرت ريفال أمامها بدموع وبدأت تتذكر ما كان يحدث معها في الطفولة قائلة:

"أنا من أول يوم مدرسة كنت خايفة، لأن أول مرة أبعد عن ماما وأكون لوحدي. كنت بعيط كتير وأقولهم عايزة ماما. لحد ما شوية بشوية أخدت على المكان، بس كان فيه لسه رهبة جوايا. كنت لما أجي أتكلم مع أي حد من اللي في سني أحس نفسي خايفة وأتهته في الكلام، كانوا يفضلوا يضحكوا على طريقتي وطلعوا عليا 'ريفال تهته'. كنت أفضل أعيط من طريقة استهزاء الكل عليا، وبقيت آخد جنب لوحدي وأبعد عنهم. وفي تاني سنة جسمي تخن وبقيت قلبوظة، بقوا يقولوا

ليا 'أم كرش أهي، أوعي تاكلينا'. ولما أقعد جنب حد يبعد عني كأني جرثومة هتعديهم. بقيت أتهته أكتر، ومع جسمي كنت عبارة عن أضحوكة لكل الأطفال. حتى أوقات كان فيه مدرسين بيتنمروا عليا، لدرجة إن حالتي النفسية ساءت وطلبوا من ماما إنها تعرضني على دكتور أخصائي بحالتي، بس ماما رفضت وخلت بابا نقلني مدرسة تانية، كانت فيها ناس كويسة أحسن من التانية. آه، كان فيه ناس بتتريق عليا، بس اتعرفت على أصحاب فيها. عدت كام سنة وبقيت أتخن أكتر

من الأول، وأصحابي دول كانوا يقولوا كلام صعب على هيئة هزار، يتنمروا على جسمي وعلى سذاجتي وكده. ومرة واحدة لقيتهم بيبعدوا عني وبقيت وحيدة تاني. دخلت على مرحلة الإعدادي ودي كانت بداية معاناتي اللي بجد. كنا إنسات برضه وفاهمين ودخلنا على سن المراهقة، كنت بشوف البنات والأولاد بيعجبوا بيهم، وأنا يضحكوا على جسمي وطريقة لبسي. أخدت قرار مع نفسي إن أخس عشان أهرب من التنمر على جسمي، وفعلاً خسيت وجسمي بقى مثالي. حسيت بثقتي في

نفسي رجع منها جزء بسيط، بس كل ما أتعرف على أصحاب يومين ويسيبوني بعد ما يتنمروا عليا إني عبيطة ومش بعرف أتكلم كلمتين على بعض. خلصت من مشكلة جسمي دخلت على مشكلة أسلوبي وكلامي، ودي ملهاش حل. دخلت ثانوي ونفس الشيء في الجامعة، بقى مكنش ليا أصحاب خالص. والصراحة أنا اللي كنت بهرب، خوفاً من إني أكون أصحاب يومين تلاتة ويسيبوني عشان طريقة كلامي. وفي يوم حبيته شاب وقولت مستحيل هيبص ليا، أنا طول عمري مافيش شاب أعجب بيا، حتى

البنات بيرفضوا إننا نكون أصدقاء. لاقيت الشاب ده نظراته متعلقة عليا، قلبي كان بيرقص من الفرحة وحسيت إن الدنيا مش سيعاني. وهو بدأ يتقرب مني ويعرفني على نفسه، ولأول مرة اتكلم من غير لخبطة في الكلام، وكنت على طبيعتي الحقيقة معاه. وفي يوم سألني إذا كنت بحبه ولا لأ."

وفي ذلك الوقت، انهمرت دموعها بغزارة ولم تستطع أن تتكلم. تدخل مهاب سريعاً وقال: "خلاص يا ريفال، النهاردة نكمل بعدين. اهدى خلاص." نظرت له ريفال بدموع وقالت: "زهقت أنت كمان مني ومن كلامي وعايز تمشي وتسيبني زيهم." حرك مهاب رأسه بالرفض وقال: "لا طبعاً، مزهقتش منك ولا حاجة، بس حسيت إن انتي كده بتضغطي على أعصابك. وقفتك، وقلت المرة الجاية نكمل تكوني هديتي شوية." تكلمت ريفال بتوتر وقالت بتساؤل: "يعني هتيجي تاني؟ أومأ

مهاب برأسه بالتأكيد وقال: "تاني وتالت ورابع، لحد ما أنتِ بنفسك تقوليللي زهقت منك يا ابن عمتي ومتجيش تاني." ردت عليه ريفال سريعاً وتكلمت باندفاع: "أنا عمري ما أزهق منك، بالعكس أنا بستناك بفارغ الصبر." ابتسم مهاب على كلماتها وقال: "وأنا مش هخليكي تستني كتير المرة الجاية. بس اوعديني المرة دي بجد إنك هتحاولي تخرجي من أوضتك وتنفذي اللي اتفقنا عليه المرة اللي فاتت." أومأت ريفال بالموافقة وقالت: "ح ح حاضر." استقام مهاب

بجسده وقال بابتسامة هادئة: "أنتِ هتخرجي معايا دلوقتي من هنا، لما أمشي مترجعيش أوضتك، خليكي قاعدة مع مامتك، استني رجوع أبوكي من الشغل، صدقيني هيفرحوا أوي بالخطوة دي، جربي ومش هتندمي." أنهى كلامه وتحرك باتجاه باب الغرفة وفتحه، ونظر إلى ريفال حتى تتحرك إلى الخارج. نظرت له ريفال بتوتر وتحركت إلى الخارج بقدم مرتعشة. أغلقت عينيها حتى تهدأ، لكنها شعرت بيد مهاب تربت على ظهرها ويتكلم بهمس بجوار أذنيها:

"افتحي عينك يا ريفال، شوفي نظرة السعادة اللي في عيون مامتك وهي شايفاكي واقفة قصادها." فتحت ريفال عينيها ببطء شديد، ونظرت إلى والدتها وجدتها تنظر لها بابتسامة حنونة. ابتسمت لها، ثم نظرت إلى مهاب الذي حثها على التحرك معه إلى الأريكة. وبالفعل تحركت معه عند الأريكة وجلست عليها، وجلست بجوارها والدتها، وجلس مهاب على المقعد الآخر وقال: "طنط ريفال عندك أهي، وهي مستعدة تساعدك في البيت."

تذكرت حديث مهاب لهم في ذلك اليوم وعن عدم إظهار أي رد فعل. تكلمت والدتها بنبرة هادئة: "ياريت أحسن ضهري اتقضم من شغل البيت اللي مش بيخلص ده." ابتسمت ريفال على كلمات والدتها وقالت بترحاب: "أنا هساعدك في شغل البيت كله، قوليلى عايزة إيه ومش هتندمي." دقات قلب والدتها تراقصت بسعادة وتكلمت بنبرة هادئة: "ياريت يا بنتي تشيلي عني التعب شوية." هبت ريفال واقفة وقالت بابتسامة: "أنتِ تأمري، بس والبيت كله هيبقى فلة."

أنهت كلامها وتحركت سريعاً من أمامهم. نظرت ريفال إلى مهاب وقالت بشكر وامتنان: "شكراً يا مهاب إنك رجعتلي بنتي." حرك مهاب رأسه بالرفض وقال: "لا طبعاً، ريفال متعالجتش، إحنا لسه في أول الطريق، هي بتعمل كده بناءً على طلبي أنا. مش عايز نظرات عيونك يظهر فيها أي تعبيرات، إذا كانت بالسعادة ولا الفرحة ولا حتى تفتحي معاها مواضيع من بتاعة زمان، اتعاملي معاها عاااادي خالص." أومأت والدتها بالموافقة وقالت:

"حاضر يا دكتور، ربنا يحميك لشبابك يا حبيبي." ابتسم مهاب لها بأدب: "شكراً يا طنط، عن إذنك لازم أمشي دلوقتي، سلميلي على خالو مازن." أنهى كلامه وتحرك باتجاه الباب وغادر سريعاً. *** عند حور، استيقظت من نومها على صوت نغم وهي توقظها بسعادة، فاليوم خطبتها على عدي. تكلمت بفرح وقالت: "حور، حوري، اصحي يلا، النهاردة أجمل يوم في حياتي، حوووور اصحي يلا." فتحت حور عينيها المتورمتين من كثرة البكاء وتكلمت بصوت مختنق:

"صباح الخير يا نغم، صحيت خلاص." جلست نغم بجوارها وتكلمت بحزن وقالت: "عجبك منظر عيونك كده يا حور؟ يا بنتي انسى بقى، هو مسألش فيكي من يوم اللي حصل ولا حتى حد فتح الموضوع." انهمرت دموع حور على وجنتيها وقالت بوجع: "الكلام سهل يا نغم، الفعل صعب أوي والله، مش قادرة أنسى زين، لسه بحبه أوي يا نغم، صدقيني الموت أهون مليون مرة من بعده عني." ثم أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بهدوء وقالت:

"بلاش نكد، النهاردة ده أجمل يوم في حياتنا كلها، خطوبة أجمل وأحلى بنوتة على حب عمرها، ربنا يسعدك يا حبيبتي ويفرح قلبك." احتضنتها نغم بقوة وقالت بحزن شديد: "حقك عليا يا ضي عيني، لو بإيدي كنت أجلت كل حاجة لما الأمور اتصلحت بينك وبين زين. بس عدي بيقولي كده أحسن، ربما النهاردة تتقابلوا وقلوبكم تحن على بعض وكل حاجة ترجع زي الأول." حركت حور رأسها بالرفض وتكلمت بغضب:

"لا يا نغم، أنا مش تحت أمر زين، زين ورقة وقطعتها من حياتي، آه بتعذب وبموت كمان من بعده، بس مش حور اللي تستنى حد يعطف عليها." ثم استقامت بجسدها وقالت: "يلا ورانا حاجات كتير، هدخل الحمام وهاجي وراكي على طول." أومأت نغم رأسها بحزن وهبت واقفة وتكلمت بصوت مختنق: "أنا هنزل أستناكي تحت." وتحركت باتجاه الباب وخرجت وتركت حور بمفردها. بمجرد ما أغلقت نغم الباب، انهمرت الدموع مرة أخرى على وجنتيها وتكلمت بوجع وقالت:

"لازم أنساك يا زين، حتى لو هموت من بعدك." وتحركت باتجاه المرحاض وبدأت تتجهز للهبوط للأسفل. *** عند بتول، استيقظ زين من نومه على صوت والدته الغاضب وتكلمت بنفاذ صبر: "قوم يا آخرت صبري، عايزة أتكلم معاك كلمتين." زفر زين بضيق واعتدل على فراشه ونظر إلى والدته وتكلم بصوت مختنق:

"خير يا ماما، لو جاية تتكلمي معايا على نفس الموضوع بلاش منه أحسن، علشان هيكون هو هو نفس الرد، حور خلاص انتهت من حياتي، ولو آخر واحدة مش هفكر فيها تاني." هدّرت به والدته بغضب أفزعته من مكانه وقالت: "هو أنت أصلاً نسيتها؟

بلاااااش تفكر بدماغي، زمان هتندم يا زين. أنا عملت زيك كدة ودفعت تمن عنادي العمر كله. أنا شايفة نفس السيناريو بيتكرر قصاد عيوني، شايفة اتنين بيتعذبوا من البعد والعند مسيطر عليهم، شايفة قصتي أنا وريان. بلاش يا ابني، بترجاك، مش هتقدر تستحمل وجع إنك تشوفها مع واحد تاني، دي هتموتك في اليوم مليون مرة. فوق يا زين، فوق يا حبيبي قبل فوات الأوان." نظر زين لها بوجع وقهراً وتكلم بغضب:

"مش هقدر أغفرها اللي عملته يا ماما، دي كسرت كلمتي وكذبت عليا. كنت هبوس إيديها عشان تتكلم، بس هي فضلت مصرة على موقفها. قولتلها إن هو ده اللي هيحصل بينا لو عرفت حاجة من برة، استهترت بكلامي وكملت طريقها، يبقى محدش يلوم عليا. أنا معملتش كده من فراغ ولا جيت عليها وظلمتها، هي اللي اختارت نهايتنا. آه بتعذب من بعدها، بس لازم أتعود عليه، مش هيبقى عندي ثقة فيها تاني." حركت والدته رأسها رافضة ما قاله وقالت:

"غبي وحمار، فيه مليون طريقة تعاقبها بيها غير الفراق، أنت اخترت الطريقة الغلط، اخترت موتكم يا متخلف." نظر زين الاتجاه الآخر وتكلم بصوت مختنق: "حتى لو الطريق ده فيه موتي، هكمله، مش هرجع في قراري يا ماما." هبت والدته واقفة وتكلمت بغضب: "وأنا مش هقعد وأتفرج على موت ابني، مبقاش أنا لو مكنتش جوزتكم انتوا الاتنين، إن شاء الله ولو بالغصب." أنهت كلامها وخرجت من الغرفة تاركة إياه بين أوجاعه. ***

بالمساء، اجتمعت العائلة وبعض الأصدقاء والمقربين في الفيلا الخاصة بأيوب. تجهزت نغم ورهف، وبدأت الحفلة في الاستعداد لاستقبال العرائس، كانوا في قمة الجمال والرقة. صعد لهم أيوب ونظر لهم بسعادة وقال: "مبروك يا بنات، ماشاء الله قمرات، عقبال الفرحة الكبيرة يارب، وأنا برضه اللي أسلمكم لعرسانكم." تكلمت رهف بحزن وقالت: "الله يبارك فيك يا عمو." شعر أيوب بحزنها، ربت على يدها وقال:

"أنا عارف انتي زعلانة ليه، كان نفسك أبوكي هو اللي يكون مكاني، بس متزعليش، اللي هو فيه ده مؤقت، وبكرة يعمل العملية ويسلمك هو لعريسك في الفرحة الكبيرة." نظرت له رهف بأسف وقالت: "أنا آسفة يا عمو، مش قصدي والله، بس أنا زعلانة على إحساسه دلوقتي، تلاقيه قاعد على كرسيه حاسس بالعجز، كان نفسه يبقى واقف جنبي دلوقتي. أنا عارفة بابا حاسس بإيه." قبل أيوب رأسها بحنو وقال: "معلش يا حبيبتي، ده ظرف مؤقت وكل حاجة هتبقى أحسن من الأول."

نظرت نغم لأيوب بحب وقالت: "بابا أيوب، أنا بحبك أوي، وماما فعلاً محظوظة براجل زيك." احتضنها أيوب بسعادة وربت على ظهرها وتكلم بنبرة حنونة: "وأنا بموت فيكي يا قلب أبوكي، ومحظوظ إني عندي عيلة زيكم. أنتوا أجمل حاجة في حياتي وعايش عشانكم وبس. ربنا يسعدك ويفرح قلبك يا حبيبتي." ابتعدت نغم عن حضنه ونظرت له بترجّي وقالت: "بابا، ممكن أطلب منك طلب؟ أومأ أيوب بالموافقة وقال: "طبعاً يا حبيبتي، اطلبي." تنهدت نغم بحزن وقالت:

"ممكن تحاول تدخل في موضوع حور وزين؟ الاتنين بيموتوا من بعدهم عن بعض، والمشكلة إن الاتنين أعند من بعض. حاولت أتكلم مع الاتنين، نفس الرأي ونفس الكلام. لازم حد حكيم زي حضرتك يتصرف في الموضوع ده." حرك أيوب رأسه بالرفض وقال:

"مقدرش أوعدك بحاجة زي كده يا نغم، لأن دي كرامة بنتي ومستحيل التهاون فيها يا حبيبتي، واللي عمله زين مع حور مش حاجة هينة. بس متقلقيش، في الوقت الصح هتدخل. سيبك أنتِ من أي حاجة دلوقتي ويلا بينا، عدي وانس تحت مستنيين نزولكم."

تنهدت نغم بحزن على حال حور وأومأت رأسها بالموافقة وتحركت معه هي ورهف وخرجوا من الغرفة وهبطوا إلى الأسفل. صافح أيوب كلاً من عدي وانس وأخذوا منه البنات. كانوا منبهرين بجمالهم ونظراتهم العاشقة معلقة عليهم. تكلمت رهف بخجل وقالت: "ا ا انس، ممكن نروح عند بابا؟ أومأ انس بالموافقة وتكلم بسعادة: "طبعاً، أنتِ تأمري يا أجمل ما في حياتي." نظرت رهف إلى الأرض بخجل وتحركت معه عند ريان، وقبلت رأسه وجثت على ركبتيها

ونظرت إليه بحب وقالت: "اوعى تفكر إن ممكن أي حد ياخدني منك، أنت هتفضل في قلبي وفوق راسي، أجمل وأعظم أب في الدنيا. أنت أول حب اللي هيعيش معايا لآخر نفس فيا." قبل ريان يدها بدموع وقال: "حقك عليا يا بنتي، كان نفسي أكون واقف جنبك في فرحتك، بس زي ما أنتِ شايفة، واحد عاجز قاعد على كرسي، لا حول له ولا قوة." أزالت رهف عبراته سريعاً وقالت:

"متقولش كده، وغلاوتك عندي أنت جنبي فعلاً، ولسه فيه الفرحة الكبيرة هتخدني بنفسك تسلمني لعريسي وهمشي جنبك وأنا فخورة إني بنت أعظم راجل في الدنيا دي كلها." احتضنها ريان بقوة، بث لها جميع مشاعره الأبوية وقبل رأسها بحب وقال: "ربنا يسعدك يا بنتي ويفرح قلبك يا حبيبتي." ثم صافح انس واحتضنه وقال: "حسك عينك تزعل بنت قلبي، أنتوا لسه على البر، يعني آخرك دبله هرميها ليك وأنا بتلكك أصلاً." تعالت ضحكات انس الرجولية وتكلم بمرح:

"صلي على النبي في قلبك، أسيب مين بس دي روحي، ولو بعدت عني أموت." ابتسم ريان بسعادة وقال: "أنا واثق فيك يا انس، ربنا يفرح قلوبكم يا حبيبي، يلا روحوا." كان الجميع يشاهدون هذا الموقف المؤثر. نظر عدي إلى نغم بحب وقال: "النهاردة فرحتي فرحتين، فرحتي بأختي وفرحتي بيكي يا نغم حياتي، مش قادر أصدق إن خلاص حلم حياتي بيتحقق جزء منه دلوقتي، أخيراً بقيتي خطيبتي وكلها شهور وتبقى مراتي وفي حضني." نظرت له نغم بخجل وقالت بصوت هامس:

"ا ا أنا اللي مش مصدقة نفسي إن حلمي بيتحقق دلوقتي، تعبت أوي على ما وصلتله بعد ما كنت فاقدة الأمل في إننا نتجمع مع بعض تاني." كوّب عدي وجهها بين يديه وقال بحب: "وعد مني هعوضك عن كل دقيقة بعدنا فيها عن بعض، مش هحسسك إن مر العمر ده كله واحنا بعاد عن بعض أبداً." أومأت نغم بأبتسامة وقالت: "وأنا واثقة فيك إنك هتكون قد وعدك يا حبيبي." ابتسم لها عدي بحب وتكلم بنفاذ صبر:

"والله العظيم لو مكنش عم أيوب هيعلقني دلوقتي، كان زماني حضنك ومكسر عضمك بين دراعي." لكزته نغم بخفة بصدره وقالت بخجل: "اتلم يا قليل الأدب وامشي بقى، الناس مركزة معانا." تعالت ضحكاتهما وتحركوا باتجاه المقعد الخاص بهم وجلسوا عليه. بحث أيوب باستغراب عن قمر ولم يجدها. اتجه إلى غرفتهم وجدها تجلس وتبكي. اقترب منها وجلس بجوارها وربت على ظهرها باستغراب وقال بتساؤل: "قمري مالك يا قلبي؟ تكلمت قمر من بين شهقاتها وقالت:

"مش قادرة أصدق إن نغم بنتي رجعت لحضني وكمان بتتخطب لحب عمرها. خايفة أكون بحلم، خايفة أفرح والدنيا ترجع تاخد مني الفرحة من تاني." حرك أيوب رأسه بنفاذ صبر واحتضنها بقوة وقال: "يا حبيبتي عيشي اللحظة وافرحي، نغم معانا وفي حضننا وبقت عروسة زي القمر أهي. عارف نار الفراق نهشت قلبك طول السنين اللي فاتت دي، بس ربنا عوضك برجوعها وبنشاركها فرحتها دلوقتي، اشكري ربنا على عوضه لينا وانسي كل اللي فات." تمسكت به قمر

بقوة وتكلمت بصوت مختنق: "نفسي كان ربنا كمل فرحتنا على خير مع حور بنتي، بتموت بالبطيء يا أيوب." ابتعد عنها أيوب وكوّب وجهها بين يديه ونظر في عينيها وقال بنبرة هادئة: "حور بنتي قوية، وده الوقت اللي هيظهر فيه اللي زرعته فيها طول السنين اللي فاتت دي. أنا واثق منها ومتأكد إنها هتثبت ليا ولكل إنها بنت أيوب اللي مافيش حاجة تكسرها، والضربة دي هتقويها أكتر من الأول. متقلقيش، واثقي في تربيتي ليها." أومأت قمر بفهم وقالت:

"ربنا يريح قلبها يا رب. يلا يا حبيبي نطلع للناس برة." نهض أيوب وأمسك يد قمر وخرجوا من الغرفة. بحث ريان عن بتول وجدها تجلس على الأريكة بحزن. تحرك بالمقعد اتجاهه وقال بصوت هامس: "مبروك يا أم عدي." ابتسمت له بتول بحزن وقالت: "الله يبارك فيك." تكلم ريان بقلق وقال بتساؤل: "مالك يا بتول، مهمومة ليه وحزينة في يوم زي ده؟ نظرت له والدموع تتجمع في عينيها وقالت:

"كان نفسي وليد يكون معانا في يوم زي ده، كان بيحلم باليوم ده من زمان أوي." شعر ريان بالغيرة في قلبه وتكلم بصوت مختنق: "طبعاً الله يرحمه وكل حاجة، بس ده ابني أنا وفرحتي أنا، ومكانش من حق أي حد يستنى الفرحة دي غيري أنا." نظرت له بتول بضيق وتكلمت بصوت مختنق:

"لا يا ريان، عدي كان ابن وليد زي ما هو ابنك. بالعكس، كان أكتر هو اللي عاش معايا مراحل حمله، تعب معايا كتير أوي وأنا حامل. أول من شاله بين إيديه هو وليد، أول كلمة 'بابا' اتقالت كانت لوليد، أول يوم مدرسة كانت مع وليد، لما كان بيتعب وهو صغير كان وليد هو اللي بيجري بيه، اللي شال هم عدي لحد ما بقى راجل طول بعرض ودخل الشرطة. هو وليد، متجيش بعد مماته تنكر كل ده وتنسبه ليك لوحدك، وليد ليه في عدي أكتر منك كمان، فاهم."

أغلق ريان عينيه بحزن وتكلم بصوت مختنق: "ومين اللي حرمني أعيش كل اللحظات دي؟ مش أنتِ؟ لما مقولتيش ليا إنك حامل. لو كنتي قولتيلي، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت يا بتول، كنت زماني عايش كل لحظة في حياة ابني." ابتسمت بتول بانكسار وقالت: "ومين رماني من أول مشكلة قابلتنا في حياتنا؟ مين كان سبب وجعي ودموعي؟ مين كان بكلمة من أمه يتحرك؟

'طلق مراتك حاضر'، 'انت طالق'، 'اتجوّز بنت خالتك حاضر هتجوز'. ده أنت حتى مهانش عليك تسأل عليا بعد كده. يمكن لو كنت كلفت نفسك وسألت مرة واحدة عليا، كنت هتعرف إن أنا حامل في ابنك. بس لا، إزاي حضرتك مش بتغلط؟ أنا الغلط كله عندي. عارف ليه؟ عشان مسمعتش كلام

ماما عليكي لما قالتلي: 'انتوا فرحانين بمشاعركم دلوقتي، بس لسه عضمكم طري، مع أول مشكلة هتقابلكم هيبان ضعفكم، وكل واحد فيكم هيروح من طريق، بس وقتها الوجع هيكون مضاعف'. كل كلمة قلتها اتنفذت بالحرف. ربنا يرحمك يا أمي، ويرحمك يا وليد اللي كنت دوا لكل جروحي. عن إذنك." ونهضت بتول من على الأريكة وتركته بقلب مفطور من شدة الوجع.

وصل زين بعد وقت بوجه عابس. بارك للعرسان وجلس على مقعده يبحث بعينه عن حور التي لم تظهر بعد. دقائق وكانت تهبط من أعلى الدرج. التفت إليها الجميع بانبهار، فكانت في قمة الجمال وخطفت أنظار الجميع. تعالت دقات قلب زين بشدة، لم يتوقع أن هذا يحدث له عندما يراها بهذه الطلة التي تخطف الأنظار. نهض وتحرك اتجاهها ببطء شديد، كأنه آلة تتحرك دون إدراك منه. ولكن ما جعله يقف مكانه مشدوهاً، عندما رأى سيف يقترب من حور ويستقبلها مقبلاً يديها برقة وهي تبتسم له بترحاب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...