بغرفة زياد استيقظ من نومه على صوت رنين الهاتف الخاص به، أجاب عليه دون أن ينظر للشاشة وتكلم بصوت ناعس: -السلام عليكم. أتاه صوت أنثى غير مألوف له: -صباح الخير يا زيزو، صحى النوم، يلا هتتأخر على الجامعة. عقد حاجبيه باستغراب ونظر إلى شاشة الهاتف، وجده رقمًا غير معروف. وضعه مرة أخرى على أذنه وقال بتساؤل: -مين معايا؟ أجابته بصوت هامس وقالت: -أنا رحمة، يا زيزو معقولة مش عارف صوتي؟ أغلق عينيه بضيق وتكلم بصوت مختنق: -رحمة!
انتي جبتي رقمي منين؟ تعالت ضحكاتها وقالت بتوضيح: -دي حاجة سهلة أوي يا زيزو، ما أنا معايا تليفون فرح على طول واخدت منه رقمك، مش قصة يعني. ضغط على أسنانه بنفاد صبر وقال: -وخير، متصلة بيا ليه؟ أجابته بصوت هادئ قائلاً: -متصلة أصحيك عشان متتأخرش على الجامعة، وكمان قولت أسمع صوتك بالمرة. رد عليها بصوت منزعج وقال:
-طيب بعد كده متشغليش بالك بصحياي، لأن عندي منبه وماما بتصحيني. أما بقى صوتي اللي عايزة تسمعيه، فأنا مش عايزك تتعشمي بحاجة. لمجرد اتكلمت معاكي كويس ومافيش ما بينا أي حاجة تربطنا ببعض، لأن أنا باختصار بعشق فرح، ياريت يكون وضحتلك الصورة، مع السلامة.
أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يستمع منها ردًا. ولكن تفاجأ بوجود اتصال لفرح، وذلك ما جعل قلبه يتراقص من شدة السعادة. لأول مرة تفعلها، وهذا مؤشر جيد لعلاقتهم. ضغط على الشاشة وأعاد الاتصال بها، ثوانٍ معدودة وسمع صوتها المتحشرج من البكاء تقول له: -انت كنت بتكلم مين في وقت زي ده؟ حاول أن يخفي السعادة الواضحة في نبرته وأجابها بصوت أكثر هدوءًا:
-عادي يا فرح، كنت بكلم رحمة. ولما خلصت مكالمتها ببص لقيت اتصالك على الشاشة، خير فيه حاجة؟ عند سماعها كلماته، شعرت وكأن خنجرًا رشِق بقلبها مزقه إربًا. تكلمت بصوت واضح عليه الحزن وقالت: -رحمة!! هـ هي علاقتكم وصلت لمكالمات التليفون؟ شعر بحزنها، ولكن ما أسعد قلبه الغيرة الواضحة من نبرة صوتها. تكلم بهدوء عكس ما يشعر به: -يعني بتتصل بيا الصبح تصحيني، بليل بنتكلم نطمن على بعض قبل ما ننام، كده يعني.
تعالت شهقاتها، اخترقت أذنيه عبر الهاتف وتكلمت بصعوبة: -مـ مـ ماشي يا زياد، أنا هقفل عشان أجهز للجامعة. تكلم سريعًا وقال بتساؤل: -استني، هو انتي كنتي متصلة ليه؟ ردت عليه بصوت مختنق وقالت: -خلاص، اللي كنت متصلة عشان أعمله فيه غيري سبقني، سلام. أنهت كلامها وأغلقت الخط دون أن تستمع كلمة أخرى منه. نظر إلى الهاتف بسعادة وتعالت ضحكاته، ونهض من على سريره وظل يدور بغرفته بطريقة كوميدية ويقول بعدم تصديق:
-فرح بتحبني وبتغير عليا، أخيراً! مش مصدق نفسي، حاسس إني طاير من الفرحة. وفى ذلك الوقت انتفض على صوت قمر وهي تقول له بنفاد صبر: -يا ابني انت اتجننت ولا إيه؟ عمال تلف حوالين نفسك في الأوضة كده وعمال تكلم في نفسك شبه المعاتيه كده ليه. نظر لها بخضة وتكلم بصوت كوميدي: -موتيني على إيدك يا قمر، في مرة هتخضيني بالشكل ده؟
قلبي هيطب ساكت منك، فيه اختراع اسمه خبط على الباب، ده كل من هب ودب يدق على باب أنثى السنجاب، وانتي مش عارفة تدقي على بابي قبل ما تدخلي. اقتربت منه وصفعته بخفة على رأسه وقالت: -يا ابني انت هتعقل امتى؟ مش صغير على اللي بتعمله ده والله. جلس على السرير وقال بثقة: -هعقل بس بشرط واحد، جوزيني بنت اختك، أحسن أخطفها وأغتصبها وساعتها هتجوزها برضه غصب عنكم. اتسعت عيناها بصدمة وحركت رأسها بعدم تصديق وقالت:
-انت يا ابني متخلف، إيه اللي بتقوله ده؟ ابتسم ببلاهة وقال بغمزة: -تجوزهالي بما يرضي الله، ولا أخطفها وأتجوزها بما لا يرضيكم. جلست أمامه وتكلمت بنبرة جادة وقالت:
-يا زياد، بتكلم بجد، مش هينفع دلوقتي، لازم الأول تخلصوا دراستكم وكل واحد يمسك مكانه في شركته وتستقروا، وبعد كده تشوفوا موضوع الجواز ده. مش عايزكم تتسرعوا، انتوا لسه صغيرين، مش عايزة يحصلكم زي ما حصل مع خالتك بتول وعمك ريان، وفي الآخر بعد ما اتحدوا العالم واتجوزوا وهما لسه صغيرين، مكملوش أسبوع جواز وطلقها. ولحد دلوقتي الاتنين بيتحملوا نتيجة تسرعهم ده. لو كانوا صبروا شوية لحد ما خلصوا تعليمهم ونضجوا شوية، كان ممكن حياتهم اختلفت دلوقتي. اللي عايزة أقوله ليك يا ابني، التسرع أسوأ حاجة موجودة في الدنيا دي وعواقبه صعبة، هتفضل ندبة موجودة في قلب كل واحد فيكم وعمرها ما هتلتئم. علشان كده بيقولوا في المثل، "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة".
أومأ رأسه بتفهم وتكلم بنبرة هادئة متزنة: -أنا عارف يا ماما إن لسه بدري على الخطوة دي، وإن لسه قصادنا مشوار طويل قبل خطوة الجواز. أنا عايز بس أخطبها دلوقتي عشان أطمن إنها هتبقى ليا وأقدر أكون جنبها بحاجة رسمية، والفرح بقى والجواز هيكون بعد التخرج. ربت على يده بحنو وقالت بنبرة أم: -أنا مش عايزك تزعل مني يا زياد، أنا أمك وعايزة مصلحتك. وشوفت نفس قصتكم دي مع خالتك بتول وعمك ريان، ومن واجبي كأم أنصحك وأوجهك للصح يا حبيبي.
قبل يدها بحب وقال بابتسامة هادئة: -ربنا يخليكي ليا يا ست الكل، وتفضلي ظلي وحمايتي لآخر يوم في عمري. نهضت قمر بابتسامة وقالت: -ويخليكم ليا يا حبيبي، هروح بقى أحضرلكم الفطار على ما تجهزوا. خرجت قمر من عنده، وظل يتابعها حتى اختفت من أمام نظره. قفز بسعادة وقال بعدم تصديق: -فرح بتحبني وبتغير عليا، مش قادر أصدق نفسي. ثم تحرك بسعادة باتجاه المرحاض حتى يجهز حاله. ***
في غرفة حور، استيقظت حور على رنين الهاتف الخاص بها، نظرت به وجدتها رهف. اعتدلت سريعًا وأجابت عليها بقلق وقالت: -الله يخربيتك، كل ده نوم؟ أنا رنيت عليكي كتير أوي امبارح. ردت عليها بنفاد صبر وقالت: -ابلعي ريقك، خليني أقولك الكلمتين بسرعة. ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بتساؤل: -زـ زـ زين كلمك صح؟ ردت عليها بتوضيح وقالت:
-أيوه، صحيت على اتصاله ولاقيته بيسألني إذا كنت كلمتك بليل متأخر ولا لا. المشكلة إن لما رديت عليه مكنتش لسه شفت رسالتك، بس حسيت إن الموضوع فيه حاجة. قولتله أيوه، بس زين مش سهل. سألني الكلام ده كان الساعة كام، فتحت الاسبيكر بسرعة وقولت أكيد انتي بعتي ليا رسالة، وفعلاً شفت وقت الرسالة بتاعتك ونقصت دقيقتين منها وقولتله الوقت. بس برضه كان فيه مشكلة تانية، هو لما قفل معاكي بليل رن عليا على طول، وانتي عارفة إن بعمل الفون سايلنت قبل ما بنام.
لاقيته بيقولي: "ولما انتي اللي كنتي بتكلميها ليه مردتيش عليا لما اتصلت بيكي؟ ". ستر ربنا، جه الرد المناسب على طول على لساني وقولتله إني قفلت معاكي وعملت الفون صامت ونمت على طول ومشوفتش اتصاله. وقتها حسيت إنه مش مقتنع بأي حاجة من اللي قولتها، والشك مالي قلبه. خدي بالك بقى عشان عينه هتفضل عليكي اليومين الجايين من غير ما تحسي. زفرت بضيق وتكلمت بصوت مختنق: -يـ ـياربـ ـي، بقي أعمل إيه في المصيبة السودة دي؟
لو زين شم خبر إن شغالة مع اللي اسمه سيف ده مش هيعديها على خير وهيربط الخيوط ببعضها وهيعرف إن اللي كان بيكلمني امبارح ده سيف. ردت عليها بعدم فهم وقالت بتساؤل: -طيب وده كان بيكلمك امبارح ليه؟ تكلمت بصوت مرتعد وقالت: -معرفش يا رهف، معرفش. أنا خايفة أوي وشكل الزفت ده مش ناوي على خير معايا. قوليلى اتصرف إزاي في الموضوع ده. شعرت بخوف حور الواضح في كلامها وأشفقت عليها وقالت: -طيب ما تروحي تقولي لعمو أيوب وهو يتصرف معاه.
ابتسمت بحزن وقالت: -بابا!! ده أي حاجة بقولها ببقى غلط فيها ومش هيصدقني لو قولته، وهيقول إن بقول كده عشان رافضة وجودهم في الشركة. أنا حاسة إني تايهة أوي يا رهف ومش عارفة أتصرف إزاي. تنهدت بوجع على حال صديقتها حور وقالت: -طيب قومي دلوقتي اجهزي وتعالي الشركة عشان متتأخريش وتحصل مشكلة مع عمو أيوب. ولما تيجي نفكر بهدوء هنعمل إيه في المصيبة دي. تكلمت بحزن وقالت بصوت مختنق: -ماشي، باي.
أغلقت الخط وألقت الهاتف بجوارها، وأرجعت شعرها إلى الوراء وتكلمت بتيه: -يارب حلها من عندك، أنا بحب زين ومقدرش على زعله ولا هستحمل أعيش يوم واحد بعيدة عنه. أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء، ثم نهضت من على فراشها واتجهت إلى المرحاض. *** تجمعت عائلة أيوب حول طاولة الطعام. نظر إلى أبنائه باستغراب، ثم نظر إلى قمر وقال بتساؤل: -اومال نغم فين؟ منزلتش ليه لحد دلوقتي؟ أجابته بعدم فهم وقالت:
-مش عارفة، قالتلي إنها مش هتنزل الشركة اليومين دول. عقد حاجبيه باستغراب وقال: -مش هتنزل الشركة؟! إزاي؟ دي كانت فرحانة أوي بنزولها الشركة، هي اتخانقت مع عدي ولا إيه؟ حركت يدها وقالت بعدم معرفة: -مش عارفة والله يا أيوب، هي مقالتش حاجة غير إنها مش هتقدر تنزل الشركة اليومين دول ونامت. وأنا مرضتش أضغط عليها وسيبتها براحتها. أومأ رأسه بتفهم وقال: -تمام، أنا لما أرجع بليل ابقى أقعد معاها وأعرف السبب إيه. ثم استقام
بجسده ونظر إلى حور وقال: -عايزك تكوني قبلي في الشركة، فاهمة. أنهى كلامه وخرج، صعد سيارته واتجه بها إلى الشركة. نظرت حور إلى أثره بضيق وتكلمت بتهكم وقالت: -ده على أساس إني هروح في طيارة! ما أنا هروح بالعربية زيه، ده إيه الغلب ده يا ربي؟ هلاقيه منين بس ولا منين. نظرت لها قمر بلوم وقالت: -عيب يا حور، اتكلمي على أبوكي بأدب. استقامت بجسدها بحزن شديد وقالت: -حاضر يا ماما، حاضر.
وتركتها وخرجت بغضب شديد. صعدت السيارة الخاصة بها واتجهت إلى الشركة بسرعة جنونية. نظر زياد إلى أثر حور باستغراب وقال: -ماما، حور شكلها مضايقة بجد وفيه حاجة مزعلاها وضغطة على أعصابها. ابقي اقعدي معاها أو نغم تقعد معاها، شوفوها مالها. أومأت رأسها بالموافقة وقالت: -ماشي يا حبيبي، بليل لما ترجع من الشغل ابقى أقعد معاها وأشوف مالها. ابتسم لها بحب وهب واقفًا وقال:
-هروح أنا بقى يا قمري وهبقى أكلمك وأنا راجع آخر النهار عشان لو محتاجة حاجة. ومال بجسده مقبلاً رأسها وتحرك إلى الخارج. صعد سيارته واتجه إلى الجامعة. *** استيقظ عامر بوجه عابس، فهو ظل حبيسًا بغرفته طوال اليوم السابق حتى لم يذهب إلى الأماكن المشبوهة كالمعتاد. نهض من على فراشه واتجه إلى المرحاض، أخذ حمامًا دافئًا وخرج. ارتدى ملابسه ومشط شعره وهبط إلى الأسفل. وجد والدته تجلس على الأريكة، تكلم بصوت مختنق وقال: -صباح الخير.
نظرت له بابتسامة وقالت سريعًا: -صباح النور يا حبيبي، هقوم أحضرلك الفطار بسرعة قبل ما تمشي. حرك رأسه بالرفض واتجه إلى الباب وتكلم بصوت مختنق: -مش عايز، ماليش نفس. أنهى كلامه وصعد سيارته وتحرك باتجاه الشركة الخاصة بسيف السيوفي حتى يستلم مكتبه الجديد بهذه الشركة كما اتفقوا في الاجتماع. وعندما ذهب هناك، تم الترحيب به ورافقته إحدى الموظفات العاملات بالمكان إلى غرفة مكتبه، وقالت بترحاب:
-منور يا أستاذ عامر، أستاذ سيف مأكد علينا كلنا إننا نكون تحت أمرك وننفذ طلباتك بالحرف. نظر لها نظرات ذات معنى، لم يترك انش بها إلا وعلق نظره عليه. ابتسمت هذه الفتاة من نظرات عامر الجريئة واقتربت منه أكثر وقالت: -بتمنى يكون أستاذ عامر راضي عن المكتب ده، ذوقي على فكرة. ابتسم لها وقال بصوت هامس: -عجبني المكتب واللي نفذته أوي، وشكل الأيام الجاية هتكون مسلية أوي. أنهى كلامه بغمزة. تعالت ضحكاتها الرقيقة
وقالت بنبرة ذات معنى: -شكلك مش سهل خالص، وهشوف منك كتير الفترة الجاية. حرك يده على ذراعها العاري وتكلم بغمزة: -وانتي شكلك شقية وهستنى منك كتير. تعالت ضحكاتهم، وكل منهما ينوي شيئًا ما بداخله، وكأن لعب الشيطان دوره ليعقد اتفاقًا فاسدًا كالمعتاد مع بني آدم غير مبالٍ بعقاب الله الشديد المنتظر. ***
وصلت حور إلى الشركة وتحركت سريعًا إلى المكتب الخاص بها. وجدت زين يجلس بداخلها بوجه عابس ينتظرها. ابتلعت ريقها بتوتر وابتسمت له خوفًا وتكلمت بتلعثم: -زـ زـ زين، نـ نـ نورت المكان يا حبيبي، بس خير، إـ إـ إيه سر الزيارة المفاجئة دي؟ نهض من على مقعده واقترب منها ونظر لها بتعمق وتكلم بهدوء حذر وقال بتساؤل: -لآخر مرة هسألك يا حور، مخبية إيه عني؟ تعالت دقات قلبها بخوف شديد وتكلمت بصعوبة:
-وـ وـ وأنا لآخر مرة بقولك، مـ مـ مافيش حاجة مخبيها عـ عـ عليك يا زين، وـ وـ وبعدين إيه شغل قلة الثقة ده؟ إزاي تتصل برهف وتسألها إذا كانت هي اللي بكلمها ولا لا؟ لدرجاتي انت مش واثق فيا يا زين. تكلم بغضب وقال: -بلاش شغل قلب الترابيزة ده يا حور، انتي عارفة ومتأكدة إن أنا بثق فيكي وعارفة برضه إن أنا بفهمك من نبرة صوتك كويس أوي، وده اللي مأكدلي إنك مخبية حاجة عني، وانتي عمرك ما عملتيها يا حور. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
-لـ لـ لا يا زين، شغل قلب الترابيزة ده انت اللي بتعمله مش أنا. وبعدين يعنى هخبي عنك إيه بس؟ ما انت عارف كل حاجة وعمري ما داريت حاجة عليك. متجيش بقى تراقبني وتسأل من ورايا بتكلم مين في التليفون؟ طيب لو أنا اللي عملت كده واتصلت بأنس بعد ما قولتلي بتكلمه وسألته زين كان بيكلمك انت ولا لا؟ مش هتزعل إن مش واثقة فيك وبكذب كلامك وبسأل من وراك؟ قول كلمة الحق يا زين. زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
-لو كذبت عليكي من حقك تشكي فيا وتسألي من ورايا، بس أنا براعي ربنا فيكي وعمري ما خبيت عنك حاجة. حياتي كتاب مفتوح ليكي يا حور، وانتي كنتي كده لحد امبارح. الكتاب اتقفل ومش قادر أفك شفرته، وده اللي مجنني. تجمعت الدموع في عينيها واقتربت منه وأمسكت يده وقالت بصوت مختنق:
-زين، أنا بحبك والله العظيم بموت فيك. متخليش الشك يدخل ما بينا ويدمر حبنا. أنا فتحت عيني على حبك، انت كبرت وكبر جوايا. ورجالة العالم ده كلها متمليش عيني، انت وبس اللي مستحوذ على كل حاجة فيا ومستحيل ضفر واحد مني يبقى لغيرك. بس ثق فيا، أرجوك. أغلق عينيه حتى يهدأ قليلاً وأخذ نفسًا عميقًا ثم اقترب منها وكوب وجهها بين يديه ونظر لها بوجع وقال:
-دموعك غاليين أوي عليا يا حور. أنا متأكد من أخلاقك لأنك متربية على إيدي وعارف تربيتي عاملة إزاي، بس إحساسي هيجنني. متأكد إنك مدارية عني حاجة. بصي أنا مش هضغط عليكي وهسيبك تاخدي وقتك، بس مش كتير. تعالي قوليلي ومهما كانت الغلطة كبيرة هسامحك عليها لو عرفتها منك، بس أقسم بالله لو عرفت اللي مخبياه عليا من بره ما هرحمك وهتنسي إن كان في حياتك واحد اسمه زين نهائي، عشان هتبقى كتبتي نهاية حكاياتنا بإيدك، ماشي.
زاغت ببصرها بعيدًا عنه وأومأت رأسها بالطاعة. أومأ رأسه بعدم ارتياح وقال بصوت مختنق: -ماشي، هروح أنا عشان اتأخرت على الشركة وهستناكي تقوليلي كل حاجة. متتأخريش عليا. وخرج من عند حور، هبط إلى الأسفل، وعند وقوف المصعد تحرك زين إلى الخارج متزامنًا مع دخول سيف إلى الداخل. نظر له زين باستغراب حتى انغلق الباب وبدأ المصعد يتحرك إلى الأعلى. شعر زين بعدم الارتياح، حرك رأسه بالرفض واتجه إلى سيارته وتحرك بها مسرعًا إلى الشركة.
*** وصل مهاب عند منزل معاذ بعدما هاتفه على المحمول وطلب منه أن يحضر إلى منزله كما اتفقوا. ضغط على زر الجرس وثوانٍ معدودة فتح له معاذ بترحاب. احتضنه بقوة مطالبًا منه إنقاذ ابنته الوحيدة. تحرك إلى الداخل وجد زوجة خاله، ابتسم لها وصافحها باحترام وتكلم بتساؤل: -هي فين؟ ممكن أقابلها؟ حركت زوجة معاذ رأسها بحزن وقالت: -للأسف يا ابني، هي بترفض تخرج من أوضتها أو تتكلم مع أي حد. ابتسم لها ابتسامة مطمئنة وقال:
-متقلقيش يا طنط، أنا هعمل ما في وسعي عشان تبقى كويسة. ممكن بس تقولي لها إن ابن عمتها عايز يقعد معاها. أومأت رأسها بالموافقة ونهضت من على مقعدها واتجهت إلى غرفة ابنتها وطرق على الباب وقالت بصوت هامس: -ريفال، مهاب ابن عمتك بره وعايز يقابلك. حركت رأسها بالرفض وقالت: -مـ مـ مش عايزة، اـ اـ أقابل حد، ممكن؟ تكلمت بترجي وقالت: -عشان خاطري يا ريفال. تكلمت بغضب وقالت: -قولتلك لـ لـ لا يا ماما. وفي ذلك الوقت تفاجأوا
بصوت مهاب يقول لهم: -خلاص يا طنط، روحي انتي. اتسعت عيناها بصدمة ووقفت بغضب شديد وقالت: -اـ اـ انت إزاي يا بني آدم تـ ـتدخل عليا اـ اـ أوضتي كده؟ اـ اـ انت اتجننت. نظر إلى زوجة خاله وقال بابتسامة هادئة: -روحي انتي يا طنط، متقلقيش ولا تشغلي بالك. أومأت رأسها بالطاعة وتحركت إلى الخارج وأغلقت الباب خلفها. نظرت له بغضب شديد وتكلمت بصراخ: -اطلع برررره بقولك، مش عايزة أتكلم مـ مـ مع حد، اتفضل بره أوضتي احسنلك.
جلس على المقعد الخشبي أمام المكتب الخاص بها بابتسامة هادئة وقال: -اقعدي يا ريفال، أنا ابن عمتك وعايز أتكلم معاكي كلمتين، مش هاكلك يعني. شعرت بارتياح من طريقة كلامه وجلست على السرير دون أن تتكلم بحرف واحد، لكنها كان يظهر عليها الارتباك الشديد. أخرج حباية من جيب بنطاله وقال بتساؤل: -تحبي تاخدي حباية تهديكي شوية؟ هدرت به بغضب وقالت: -تهديني!! ليه؟ حد قالك عليا إني مجنونة وبشد في شعري. ظل محتفظًا بابتسامته
الهادئة الجميلة وقال: -وأنا مقولتش إنك مجنونة، بالعكس انتي عاقلة وست العاقلين، بس الحباية دي بتساعدك تكوني هادية جدًا. أنا أصلاً باخد منها على طول، وعلشان تصدقي هاخد واحدة منها قصادك. وأوهمها أنه وضع حباية داخل فمه وارتشف من الماء المتواجد أمامه وقال: -امم، إيه رأيك كده؟ يلا خدي انتي كمان. نظرت له بتوتر وأخذت من يده الحباية ووضعتها بفمها وابتلعتها بالماء. ظل يتابعها بهدوء تام حتى شعر بارتخاء أعصابها.
تكلم بتساؤل وقال: -عاملة إيه دلوقتي. أومأت رأسها بهدوء وقالت: -كـ كـ كويسة. أخرج ورقة وقلم ونظر لها وقال: -ممكن بقى نتكلم مع بعض شوية وتحكيلي حياتك عاملة إزاي، بتفكري في إيه، نفسك تعملي إيه ومعملتيهوش. تنهدت بوجع وقالت بصوت فاقد للحياة: -هتصدقيني لو قولتلك مش نفسي في أي حاجة خالص. حياتي فاضية، لا كان فيها اللي بيشغلها ولا هيكون فيه. نظر لها بترقب وقال بتساؤل: -ولا حتى حبيتي قبل كده؟
تجمعت الدموع في عينيها والتزمت الصمت. أعاد عليها السؤال بصيغة أخرى وقال: -الحب بالنسبة لك إيه؟ تكلمت بصوت مختنق وقالت: -أكبر كذبة موجودة على الأرض. -ليه؟! قالها مهاب وهو يتابعها بترقب. أجابته بدموع وقالت: -عشان الناس كلها بتستخدمه كوسيلة لغرض ما أو لمصلحة أو لتحقيق أهداف شخصية أو... ازدادت دموعها وقالت بصوت متحشرج من شدة البكاء: -أو رهان يلعبوا بـ ـبـ ـبنات الناس. وصل مهاب إلى مبتغاه، أومأ رأسه بابتسامة وقال بتوضيح:
-بس دول مجرد فئة قليلة موجودة في المجتمع عشان تفسده. إنما الناس كلها مش وحشة ولا كلها بتستخدم الحب غلط. فيه ناس الحب ده شيء أساسي في حياتهم. الحب بالنسبة ليهم هو الحياة. بصي على صوابع إيدك، كلها مش زي بعضها. زي الناس بالظبط مش زي بعضها. قبلتك قلة من قاع المجتمع، دوري تاني وتالت هتلاقي ناس تشبهك وبتحبك. وأول ناس دوري عندهم هما أهلك. شاركيهم يومك، اهتماماتك، فرحتك، حتى حزنك. هتلاقي فكرتك اتغيرت عن المجتمع. هتلاقي نفسك
انفتحتِ للحياة، شفتيها بشكل تاني. هتظهر في حياتك ناس جديدة بصدمات جديدة وأحداث جديدة، وكل صدمة هتقابلك هتقويكي أكتر من الأول. لحد ما تلاقي نفسك شخص جديد، فاهمة الدنيا صح، مبيضحكش عليكي بسهولة. ويمكن يجي يوم وانتي اللي تعلمي على الناس دي بشخصيتك القوية وحضورك اللي بيفرض نفسه في أي مكان تروحيه.
شعرت بالطاقة داخلها ترتفع إلى أعلى مستوياتها، وهذا الشيء لم يحدث منذ زمن طويل. ابتسمت له باستغراب وقالت بتساؤل: -هو انت إزاي كده؟ حرك رأسه بعدم فهم وسألها باستغراب: -كده إزاي؟ مش فاهم. أجابته بتوضيح وقالت بابتسامة هادئة: -مش عارفة، طريقة كلامك بتدي طاقة غريبة بتخلي الواحد غصب عنه، نظرته تتغير للحياة. ابتسم لها برجولة وقال بمزاح: -لا أنا كده اتغر بقى. تعالت ضحكاتها وقالت:
-لا والله بتكلم بجد، طريقتك غريبة، عندك حاجة زي المغناطيس بتسحب من جوايا الطاقة السلبية. تنهد بهدوء وتكلم بنبرة جادة وقال: -لو عايزة ترجعي ريفال بتاعة زمان، سيبى ليا نفسك ونفذي اللي هطلبه منك بالحرف. نظرت له بقلق وتراجعت إلى الخلف وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: -قصدك إيه؟ اـ اـ انت عايز إيه مني؟ حرك رأسه بالرفض وقال بابتسامة: -هعوز منك إيه بس؟
أنا ابن عمتك وانتي بنت خالي وأبوكي قاعد بره وعارف إني معاكي هنا في الأوضة ومديني الثقة الكاملة. وانتي جاية تخافي مني وتسأليني عايز منك إيه؟ شيلي الأفكار دي من دماغك. ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بأسف: -اـ اـ أنا آسفة. تكلم سريعًا وقال بصوت هادئ:
-أول حاجة هطلبها منك هي الثقة بالنفس. أياكي تقولي آسفة لأي حد إلا للشديد القوي. انت أميرة نفسك ومحدش يستحق ضعف أو يستقل بيكي. آه الاعتذار مطلوب بس مش في كل الأوقات ولا لأي حد وخلاص. أومأت رأسها بالموافقة وانتظرت منه المزيد. أكمل كلامه وقال بصوت هادئ: -انتي جميلة أوي وملامحك هادية وشكلك شيك وتتحبي زي ما انتي. خلي قلبك عزيز عليكي وميروحش غير للي يستحقه. ابتسمت له وكأنه وصل لحلقة مفقودة داخلها. تكلمت بتساؤل وقالت:
-يعني أنا فعلاً حلوة ولا انت بتقول كده مجاملة. حرك رأسه بالرفض وقال بتأكيد: -طبعًا حلوة. مافيش إنسان خلقه ربنا وحش، كل واحد فينا ربنا ميزه بميزة. أهم حاجة تحبي نفسك أوي وترضي بشكلك. وقتها الناس هتحبك لحبك لنفسك. نظرت له بعدم فهم وقالت بتساؤل: -يعني إيه أحب نفسي؟ أكون أنانية يعني. ابتسم على سذاجتها وقال بتوضيح:
-لا طبعًا مش ده قصدي. قصدي حبّي ملامحك، شكلك، جسمك، لبسك، شعرك. حبي كل حتة فيكي وشوفي نفسك مميزة كمان. وقتها إحساسك ده هيوصل لناس وهما كمان هيحبوكي لحبك لنفسك. خلي عندك ثقة بالنفس لأن انتي تستحقي تكوني كده. نظرت إلى الأرض وقالت بصوت مختنق: -بس أنا بخاف. لم يريد أن يضغط أكثر من ذلك عليها. استقام بجسده وقال بابتسامة: -إيه رأيك أمشي دلوقتي وابقى أجلك تاني. نظرت له بحزن وقالت بصوت منكسر: -انت كمان هتمشي زيهم وتسيبني؟
زهقت مني زي ما كله بيزهق مني. حرك رأسه بالرفض وتكلم بابتسامة هادئة: -لا طبعًا مزهقتش منك خالص، بالعكس أنا حبيت الكلام معاكي أوي. بس كل الحكاية عمتك دنيا هتنفخني عشان اتأخرت على الأكل وكسرت لوحة القوانين. ابتسمت على كلماته ونظرت له بعدم تصديق وقالت: -يـ يـ يعني هتيجي ليا تاني؟ أجابها سريعًا وقال: -أيوه هجيلك تاني وتالت. إيه رأيك نبقى أصحاب؟ نظرت له بتوتر وقالت بدموع: -بلاش أصحاب عشان كل ما أصاحب حد يزهق مني ويسيبني.
مد يده لها حتى يصافحها وقال بنبرة حماسية: -اللي يسيبك إياكي تزعلي عليه. لأنك كده ربنا بيحبك عشان شاف نيته إيه من ناحيتك وبعده عنك. شاف إن قلبك أبيض ونضيف وتستحقي اللي أحسن منه. ابتسمت له بسعادة وقالت: -هستناك تيجي تاني. أومأ رأسه بالتأكيد قائلاً: -أكيد جاي تاني. ومن هنا لحد ما أجيلك ليا طلب صغير عندك. نظرت له بترقب. فأكمل كلامه قائلاً:
-بلاش جو الأوضة ده. يعني اخرجى منها شوية، شاركي مامتك في البيت، اقعدي اتكلمي مع باباكي شوية. متنسيش إنك بنتهم الوحيدة ومحتاجين وجودك في حياتهم. ابتسمت له وقالت بنبرة هادئة: -حاضر. تحرك باتجاه باب الغرفة وقبل أن يخرج منه وقف مكانه عندما سمع صوتها تقول له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!