وصل عدي إلى الفيلا الخاصة بريان. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء. ضغط على زر الجرس، وفتحت له الخادمة. ابتسمت له بترحاب وقالت: -أستاذ عدي، نورت الدنيا يا باشا. ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال: -بنورك يا دادا. بابا صاحي ولا نايم؟ فسحت له الطريق وقالت: -لا صاحي، وأستاذ أنس عنده جوه. نظر لها باستغراب وقال: -أنس عنده جوه!! ده بيعمل إيه هنا ده؟ تحرك إلى الداخل، وجد والده يجلس على مقعده المتحرك.
شعر بنغزة بقلبه، لكنه حاول أن يهدأ حتى لا يظهر حزنه. اقترب منه ومال بجسده، قبل رأسه وقال: -حبيبي عامل إيه، واحشتني. نظر له بلوم وقال بصوت مختنق: -يا سلام، أخيرًا افتكرت أبوك. طيب الأول لما كنت بتوحشني كنت بجيلك لحد عندك، إنما دلوقتي بقيت واحد مشلول ومش عارف أتحرك بالكرسي ده. أنا عارف إنك عمرك ما هتحبني زي وليد، بس متنساش إن أنا أبوك الحقيقي وليا حقوق عليك، وبالذات في الظروف اللي أنا فيها دي.
جثا على ركبتيه أمام ريان وأمسك يده. قبلها بحب وتكلم بأسف:
-أنا آسف والله، غصب عني. الشغل أخد كل وقتي، والقضية اللي ماسكها بتتعقد أكتر من الأول. وبعدين متقولش كده تاني، أنت غلاوتك في قلبي كبيرة، حبك عندي بالفطرة، ربنا نزله جوايا من أول لحظة جيت فيها الدنيا. أنت الخير والبركة، حبك أنت وبابا وليد واحد زي بعضه. هو الله يرحمه رباني وفضله كبير عليا، وحضرتك كنت السبب في وجودي في الدنيا. ربنا يخليك ليا ويديك الصحة. ووعد مني مش هغيب عنك تاني وهسأل عليك باستمرار. وإن شاء الله لما تيجي تسافر تعمل العملية هكون معاك ومش هسيبك لحظة. أبوس إيدك سامحني ومتزعلش مني.
قبل رأسه بحب وتكلم بنبرة حنونة: -مقدرش أزعل منك يا حبيبي، أنت ابني ضنايا، حتة مني. ومهما عملت هتفضل عايش جوه قلبي ومتربع. ده أنت أول ما العين شافت يا عدي. نظر أنس لهم بحزن شديد. تمنى يعيش هذا الإحساس لو للحظة واحدة. انقسم قلبه نصفين عندما وجد ريان يحتضن عدي ويتكلم معه بحنان. قطع هذا الإحساس عندما دوى جرس الباب. نظر باتجاه، وجدها رهف قد عادت من العمل. ابتسم بسعادة، فهي دائمًا مخرج له من جميع أحزانه.
تكلمت رهف بسعادة وقالت: -أخيرًا سي عدي حن علينا ونور بيتنا المتواضع. كفارة يا أخويا. نهض من على الأرض واحتضنها بحب وقال: -اهدّي يااا ولعة، أنا ما صدقت الراجل سامحني. ابتسمت على كلمات أخيها وقالت بمزاح: -لا غلطان، كان لازم يطلع عينك لحد ما يسامحك علشان تعرف قيمته. بس نقول إيه، سي ريان قلبه حنين. تكلم أنس بنفاذ صبر وقال: -مااا خلاااص يا عم الأمور أنت وهي. ابعد يااااد عن خطيبتي. نظر عدي إليه باستغراب وتكلم بتساؤل:
-هي مين دي اللي خطيبتك؟! أجابه ريان بسعادة وقال: -أنس خطب أختك مني يا عدي، ولسه كنت هقولك بس هو سبقني. احتضن رهف مرة أخرى وقال بسعادة: -مبروك يا قلب أخويا. يعني لو مكنتش جيت دلوقتي كنت هعرف زي زي الغريب. حركت رأسها بالرفض وقالت: -لا والله، طبعًا كنت هكلمك أقولك كل حاجة. بس أصلًا المجنون ده طلعت في دماغه دلوقتي، مستناش حتى لما أروح من الشغل. جه سبقني وطلب إيدي من بابا. وأنت شايف أهو لسه راجعة قصاد عينك.
إلى هنا ولم يستطع أنس تحمل هذا المشهد. نهض من على مقعده وأمسك رهف من يدها وقال بتهكم: -ما خلااااص يا أخويا، شغال أحضان وتفعيص قصادي ولا كأني موجود. راعي إن أنا محروم منها. رفع إحدى حاجبيه إلى الأعلى وقال بتهكم: -أنت عبيط يلا، دي أختي. وبعدين إيه محروم منها دي؟ وأنت تستجرأ تقرب منها أصلًا قبل ما تبقى مراتك؟ ده أنا أمحيك يا حليوة أنت يا طعم. سيب إيد البت يا ننوس عين أمك. رد عليه بضيق وقال:
-ربنا على المفتري يا شيخ. كل واحد فيكم نحنوح مع اللي بيحبها وتيجي لحد عندي وتنشفوها عليا. كان ريان يتابع ما يحدث بابتسامة وتكلم بنفاذ صبر: -تعالوا اقعدوا يا ولاد المجانين. منك ليه بتتخانقوا على بنتي قصادي. عوض عليا عوض الصابرين. تعالت ضحكات رهف على خناق أنس وعدي. أكثر اثنين مقربين لقلبها. جلست بجوار والدها وقبلت وجنته وقالت: -واحشتني أوي يا ريان قلبي. قبل ريان رأسها وقال بحب: -وأنتي أكتر يا روح قلبي. زفر
أنس بضيق وقال بنفاذ صبر: -اللهم طولك ياروح. ده إيه العيلة دي ياربي. ما ترحموا غيرة أمي. حبكت يعني البوس والأحضان قصاد عيني دلوقتي. رد عليه ريان بغضب مزيف قائلاً: -ما تتلم يا ابن الكلب. أنت يعني لسه جاي تخطبها مننا دلوقتي وعايز تمتلكها مننا. دي بنتنا يا متخلف. هتتعدل ولا أحلف مافيش جواز وأقولك روح لامك. حرك رأسه سريعا وقال بتوتر: -ها لا طبعًا، دي بنتكم وأنتم حرين. ده أنا أموت فيها لو رفضوا الجوازة دي.
تعالت ضحكات عدي وقال: -أيوه كده، ناس متجيش غير بالعين الحمرا. نظرت رهف إلى عدي وقالت باستغراب: -بس إيه سر الزيارة الغريبة دي يا عدي؟ حاسة إن وراها مصلحة. داعب شعرها بابتسامة وقال: -آه منك انتي يا أروبة. ثم نظر إلى والده وقال: -بابا، أنا عايز أتجوّز نغم. أنا استنيت كتير أوي لحد ما رجعت ليا ومش قادر أستحمل بعدها عني أكتر من كده. ابتسم بسعادة وقال:
-يا فرحة قلبي. يعني ابني وبنتي في يوم واحد. ربنا يسعدكم يا ولاد. ومش هلاقي ليك يا عدي أحسن من نغم. وأنتي يا بنتي مش هلاقي ليكي أحسن من أنس. عقبال ما أفرح بأختكم رغد وأبقى اطمنت عليكم قبل ما ربنا يسترد أمانته. تكلمت رهف سريعا وقالت: -متقولش كده تاني يا بابا. ربنا يبارك لنا في عمرك ويديك الصحة يارب. تكلم أنس بسعادة وقال:
-ربنا يخليك لنا يا عم ريان. أنت الخير والبركة. وأنا إن شاء الله هبلغ ماما وعم أيوب. والميعاد اللي هتقول عليه هنيجي نطلب من حضرتك إيد رهف رسمي. نظر ريان له باستغراب وقال بتساؤل: -وأبوك فين يا أنس؟ مش هييجي؟ تنهد بحزن وقال بتوضيح: -لا يا عم ريان، مش هييجي. لأن أنا مش ناوي أقوله. كفاية أوي اللي شوفناه ولسه بنشوفه منه. ربت على ساقه بحنو وقال بتفهم:
-ربنا يهديه ليكم يا حبيبي. أنا كنت ناوي أكلمه وأتصرف معاه على اللي عمله فيكم. بس أديك شايف الظروف والحالة اللي بقيت فيها. ابتسم له بامتنان وقال: -ربنا يخليك يا عم ريان. أنا كلمة إخواته وهما هيتصرفوا معاه علشان يبعد عن السكة اللي ماشي فيها دي. نظرت له رهف باشفاق. شعرت بوجعه وحزنه. ابتسمت له ابتسامة هادئة حتى تواسيه على ما هو فيه. وهو ما عليه غير أنه قابل ابتسامتها بسعادة وغمز لها بعينيه كدعابة، حتى احمرت وجنتاها بخجل.
نظر ريان إلى عدي وقال بتساؤل: -حددت ميعاد مع عمك أيوب علشان نروح نتقدم ولا لسه يا عدي؟ حرك رأسه بالرفض وقال: -لا يا بابا، لسه. قولت أجلك الأول وبعد كده أكلمه. أومأ رأسه بتفهم وقال: -خلاص يا حبيبي. أنا هكلم عمك أيوب وأتفق معاه على ميعاد ونروح نطلبها ليك. وأنت يا أنس اعمل حسابك إنك هتتقدم كمان لرهف عند عمك أيوب ونقرأ الفاتحة عنده. وهنحدد الخطوبة ليكم انتوا الاتنين في يوم واحد. اتسعت عينا أنس بعدم تصديق وقال بسعادة:
-بجد؟ احلف كده. يعني كده حضرتك موافق؟ أنا مش مصدق نفسي. ثم فتح ذراعيه ونظر إلى رهف وقال بمزاح: -بالحظن يا فواز. أمسكه عدي من تلابيبه وقال بتهكم: -نعم يا أخويا، هو إيه ده اللي بالحضن. ابتسم له بتوتر وقال: -بقولك أنت بالحضن. مش ليلتنا واحدة. أحضنه ريان بقوة حتى كادت عظامه تنكسر بين ذراعيه وقال بمزاح: -حبيب أخوك يا فواز. تألم بصوت مرتفع وقال: -ربنا ينتقم منك يا عدي يا ابن أم عدي. دقات قلب ريان ازدادت ونظر
إلى رهف وقال بصوت هامس: -عملتي إيه معاها يا حبيبتي؟ طمنيني. نظرت له بأسف وقالت: -للأسف يا بابا، رفضت. وقالت مستحيل تقبل براجل تاني في حياتها بعد عمو وليد. وطلبت مني أقولك تنساه. ولما طلبت منها تيجي تشوفك قالتلي إنكم كده كده هتتقابلوا عند عمو أيوب في خطوبة عدي. تنهد بحزن وقال بصوت مختنق: -كنت عارف إنها هترفض. بس أنا مش هييأس. وعندي أمل في ربنا كبير إن هييجي يوم ويجمعني بيها. حركت رأسها بالرفض وقالت: -معتقدش يا بابا.
نظرت عيونها كانت فيها تحدي وإصرار غريب. وكانت واثقة في كل كلمة بتقولها. هي قالتلي إنها لسه بتحبك، بس إخلاصها لعمو وليد أكبر من حبها ليك. تكلم عدي باستغراب وقال بتساؤل: -أنتوا بتقولوا إيه وبتتكلموا بصوت واطي كده ليه؟ ابتسمت رهف له بتوتر وقالت بتلعثم: -ها د د ده كان بيسألني رأي إيه في موضوع أنس. نظر أنس لها بتوتر وقال بمزاح: -أوعي تكوني رفضيني. ده أنا أروح فيها. ده أنا أنتحر ليكم من فوق الكنبة دي. تعالت ضحكاتهم
وتكلم ريان بنفاذ صبر: -ربنا معاكي يا بنتي ويقويكي على المجنون ده. ابتسمت رهف بخجل وقالت: -أنا طالعة أوضتي. عن إذنكم. وتحركت باتجاه الدرج. ثم استدارت إلى والدها وقالت بتساؤل: -هي ماما هنا ولا مشيت؟ أجابها ريان بصوت مختنق وقال: -أخدت أختك ومشيت. أومأت رأسها بحزن وصعدت إلى غرفتها. نظر أنس إلى أثرها وتنهد بضيق وقال بصوت هامس: -محدش مرتاح. لا اللي معاها أبوها ولا اللي معاه أمه. ثم نظر لهم وقال: -همشي أنا بقى. عايزين حاجة.
تكلم عدي سريعا وقال: -وأنا كمان همشي. نظر لهم ريان وقال: -طيب خلّيكم ناكل لقمة مع بعض. تكلم عدي وقال بابتسامة هادئة: -معلش يا بابا، علشان ماما مش بترضى تاكل غير لما كلنا نتجمع على السفرة. تنهد بوجع وقال بصوت مختنق: -ماشي يا حبيبي. وابقى سلملي عليها. قبل رأسه بحب وقال: -حاضر يا حبيبي. وأنت خلي بالك من صحتك. وأنا هتصل بيك كل يوم أطمن عليك. ابتسم ريان له بحنو وقال: -ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي.
خرج كلا من أنس وعدي وصعدوا السيارات الخاصة بهم واتجهوا إلى منازلهم. *** عند عامر. جلست دنيا بضيق. وجلس بجوارها معاذ وتكلم بنفاذ صبر: -أنا مش عارف ابنك ده إيه اللي في دماغه. الواحد فكر إن ربنا هداه وبقى عنده عيلة واحترم نفسه. بس نقول إيه، ديل الكلب عمره ما يتعدل أبدًا. نظرت له هدي بضيق وقالت: -خلاص، أخوكم عامر بقى وحش والكل جاي عليه؟
ما هو معذور برضه، لا اتهنى بجوازه ولا شاف يوم حلو مع مقصوفة الرقبة دي. يمكن لو ربنا كان كرمه بواحدة بنت حلال كويسة وتحبه مكانش ده بقى حاله. نظرت دنيا لها وتكلمت بضيق:
-يا ماما، قولي كلمة حق. مش علشان يعني إنتي مكنتيش طايقة أسيل يبقى تقولي عليها كده. شهادة لله، كانت قايدة صوابعها العشرة شمع لابنك. وهو اللي كان على طول يكسرها ويجرحها. يكفي إنها جابت ليه قمرين يملوا حياته ويكونوا سند ليه. والصراحة بقى، حضرتك اللي قسيتي قلبه عليها من كتر كرهك ليها وكلامك الوحش عنها. نظرت لها بغضب وقالت: -أنا يا دنيا!! يعني المشكلة كلها فيا أنا دلوقتي؟
طيب أه، مش بطيق اللي اسمها أسيل دي ومكنتش أتمناها لابني. وطول السنين دي كنت بزن على ودان أخوكي علشان يطلقها وأجوزه ست ستها، واحدة تستاهله بجد. مش الصفرا اللي قلبها شبه وشها دي. حرك معاذ رأسه بعدم رضا وقال:
-بس أسيل مش وحشة يا ماما. واحدة تانية غيرها كانت ردت فيكي كل اللي بتعمليه فيها. بس طول عمرها تسمع منك الإهانة وابنك يمد إيده عليها. وهي كانت تتقبل ده منكم وتسكت. اتقوا الله بقى وكفاية ظلم. وعقلي ابنك وخليه يرجع مراته وعياله بدل السكة الوسخة اللي ماشي فيها دي. أكملت دنيا بضيق وقالت: -عجبك منظره وهو راجعلك الفجر سكران؟ وأنتي عارفة طبعًا كان سهران فين وبيعمل إيه؟
إنه أحسن لك يبقى عايش متهني مع مراته وسط عياله وباحترامه. ولا كل يوم سهران في الشقق المشبوهة وبيعمل كل اللي ربنا محرمه. وتبقى سيرته على كل لسان. نظرت هدي لهم بتوتر وقالت: -و و وأنا يعني عايزة تعبه؟ ما أنا نفسي أشوفه أحسن الناس ويبقى مبسوط وسعيد. تكلم معاذ بتوضيح وقال:
-إحنا عارفين يا ماما. بس حبك لعامر الزيادة وصله للي هو فيه ده. عقلي وامنعيه يروح الأماكن دي تاني. وقوليله كلمتين حلوين على مراته واقنعيه يرجعها هي وعياله. ويبقى شخص محترم لو لمرة واحدة في حياته. أومأت رأسها بحزن وقالت: -ربنا يهديه ويصلح حاله. لما أقوم أحضر الأكل على السفرة. تحركت هدي واتجهت إلى المطبخ. ونظرت دنيا إلى معاذ وقالت بمرح: -تعتقد يلا أمك هتغير أسلوبها من حماتي قنبلة ذرية للحموات الفاتنات؟ نظر
اتجاه المطبخ وقال بمزاح: -دي مش بعيد تولعها أكتر. أمي وأنا عارفها. تعالت ضحكات دنيا وقالت: -والله زمان يا معاذ. واحشتني أوي قعدتنا مع بعض وهزارنا. فاكر. ابتسم لها وقال بتمني: -ياريت الأيام دي ترجع تاني. بس سفرك بره وبعدك عننا ضيع الأيام الحلوة دي. يلا المهم ربنا يسعدك في حياتك ويفرحك بولادك. نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل: -هو إنت ليه مجبتش غير بنتك ريفال يا معاذ؟ زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
-معرفش. حاولنا كتير وروحنا لدكاترة مالهمش حصر. وكلهم نفس الكلام. مفيش أي مانع عندكم. بس هو إرادة ربنا فوق كل شيء. لحد ما رضينا بالأمر الواقع. وبقت ريفال هي كل حياتنا. وبنعوضها وحدتها لأنها على طول حاسة بالنقص. وكان نفسها يبقى عندها اخت أو أخ. حتى حاولنا كتير نقربها لحور بنت عمها ورهف بنت عامر. قولنا تبقى وسطهم. بس هي رفضت. وخدت جنب مع نفسها كده. نظرت له باشفاق وقالت:
-ربنا يعوض صبركم خير يا حبيبي. أنا كل إجازة أحاول أشوفها. بس هي حابسة نفسها في أوضتها. مشوفتهاش غير مرة أو اتنين من زمان أوي. أومأ رأسه بالتأكيد وقال: -أيوه، ما هي مع كله كده. حتى معانا كده في البيت. قليل أوي لما تطلع تاكل معانا ولا تشاركنا مناسبة. تكلمت بقلق وقالت: -بس هي كده محتاجة تتعرض لدكتور أمراض نفسية. لأن اللي هي فيه ده مش طبيعي يا معاذ. إنتوا إزاي ساكتين عليها كده. رد عليها بعدم فهم وقال: -أمراض نفسية!!
بس أنا بنتي مش مجنونة يا دنيا. هي انطوائية بس مش أكتر. رفعت إحدى حاجبيها إلى الأعلى وقالت: -مجنونة!! أنت عبيط يا ابني. مين قالك إن المريض النفسي مجنون؟ هو بس بيعاني من شوية اضطرابات نفسية ومحتاج تأهيل بطريقة معينة. استنى أناديلك مهاب ابني. هو دكتور أمراض نفسية. ثم هتفت بصوت مرتفع. جاء إليها من الخارج ونظر لها بتساؤل: -خير يا ماما. فيه حاجة؟ أومأت رأسها بالتأكيد وقالت: -أيوه يا حبيبي. تعالى اقعد. عايزاك.
جلس بجوارها ونظر لها باهتمام. قصت دنيا له عن ابنة خاله ثم قالت بتساؤل: -مش كده تبقى محتاجة تأهيل نفسي؟ أومأ رأسه بالتأكيد وقال بتوضيح: -أيوه يا ماما. محتاجة كمان جلسات مكثفة. لأنها واضح جدًا إنها بتعاني من اضطرابات نفسية. وعندها رهاب اجتماعي أو ما يسمى اضطراب القلق الاجتماعي. نظر له بقلق وقال بتساؤل: -يعني إيه اللي قولته ده يا ابني؟ طمني. أجابه بنبرة هادئة وقال بتوضيح:
-يعني يا عمو معاذ، هي حاليًا بتعاني من الرهاب الاجتماعي. هتلاقيها متوترة جدًا. الكلام بيخرج منها بصعوبة أو ممكن تمتنع عن الكلام نهائي بمزاجها. بترفض تروح الكلية بتاعتها علشان بتخاف تتعامل مع أي حد ينتقدها بالسلب. أو مثلًا بتعرق كتير وبتبقى مكسوفة لو غصبوا عليها تقعد في مكان فيه ناس كتير. أو مثلًا تهرب من حالتها دي بشرب كمية كبيرة من الكوفي. على طول عصبية، مش مركزة، عدم الثقة في النفس، التوتر المبالغ فيه. كل دي أعراض عندها. وإهمالكم لعلاجها وصلها لمرحلة متأخرة. بس طبعًا مش هقدر أقولك حالتها إيه بالظبط. غير لما أقعد معاها وأشوف حالتها بنفسي.
تنهد بقلق وقال بتساؤل: -طيب ده فيه خطورة عليها؟ ممكن تأذي نفسها يعني. أومأ رأسه بالتأكيد وقال: -وارد جدًا. بس حالات بسيطة وبتبقى نتيجة إهمال العلاج. وتوصل لكره نفسها وانتقاد أفعالها بنفسها لدرجة إنها أول فكرة بتيجي في دماغها هي إنهاء حياتها والتخلص من حالة التوتر اللي حاسة بيها. حرك رأسه بخوف شديد وقال بترجّي: -طيب ارجوك يا ابني انقذ بنتي. ده أنا وأمها مالناش غيرها. تكلم بنبرة هادئة وقال:
-اهدا يا خالو. متقلقش. أنا هاجي عند حضرتك وأقعد معاها وأعرف حالتها وصلت لإيه بالظبط. والوقت اللي إحنا قاعدين فيه هنا هعمل اللي عليا. وبعد كده هفهم حضرتك تكمل معاها إزاي. ابتسم له بامتنان وقال: -ربنا يبارك لي فيك يا ابني ويحميك لشبابك. استقام بجسده وقال بابتسامة هادئة: -ميرسي يا خالو. عن إذنكم. تكلمت دنيا سريعًا بتساؤل وقالت: -أخوك فريد جه ولا لسه؟ حرك رأسه بالرفض وقال: -لا يا ماما. لسه.
قال كلامه وخرج إلى البهو الملحق بالفيلا. نظر معاذ إلى أثر مهاب وقال: -ربنا يبارك لي فيهم يا حبيبتي. بقوا رجالة طول بعرض ماشاء الله. ابتسمت له بحب وقالت: -اللهم آمين. ويخليلك بنتك وتفرح بيها يا حبيبي. وفي ذلك الوقت هتفت هدي عليهم حتى يأتوا إلى الطاولة ليتناولوا الطعام. *** تسطحت حور على فراشها بإرهاق شديد وأغلقت عينيها حتى تنام. لكن في ذلك الوقت أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
نظرت به اعتقادًا منها زين، لكنها تفاجأت برقم غير معروف. أجابت عليه سريعًا وقالت: -السلام عليكم. مين معايا؟ أتاها صوت رجولي غير مألوف لها قائلاً: -عاملة إيه يا آنسة حور. أنا سيف السيوفي. اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بغضب شديد وقالت: -أنت!! أنت جبت رقمي منين وإزاي تتصل بيا في وقت زي ده؟! أجابها بنبرة هادئة وقال:
-جبت رقمك منين دي حاجة سهلة أوي بالنسبالي. أما بقى متصل بيكي دلوقتي ليه، علشان واحشتيني أوي ومش هعرف أنام غير لما أسمع صوتك الأول. اعتدلت على فراشها وتكلمت بنفاذ صبر قائلة: -لآخر مرة هقولها ليك، الزم حدودك واحترم نفسك. أنا مخطوبة، مخطووووبة. مينفعش اللي بتعمله ده. لو خطيبي شم خبر والله ما هيحصل كويس. آخر مرة تكلمني على التليفون فاهم؟ أحسن والله هقول لبابا يتصرف معاك بطريقته بقى.
وفي ذلك الوقت ظهر على الشاشة اتصال زين. تعالت دقات قلبها بخوف شديد وتكلمت بترجّي: -لو سمحت اقفل بقى. خطيبي بيتصل بيا. وأكيد شافني call waiting وهيسألني مليون سؤال. منك لله، عملتلي مشكلة معاه. ثم ضغطت على الشاشة بأصابع مرتعشة وقالت بصوت مرتبك: -خ خ خير يا زين. فيه حاجة؟ رد عليها بغضب وقال بتساؤل: -بتتكلمي مع مين في وقت زي ده؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بتلعثم: -ها ك ك كنت بتكلم م م مع رهف. تكلم بعدم تصديق قائلاً:
-رهف دلوقتي؟! تكلمت بصعوبة وهي تشعر بقلبها سوف يقف عليها من شدة الخوف: -ا ا أيوه يا زين. ي ي يعنى هكون بكلم مين يعني؟ زفر بضيق وقال بصوت مختنق: -حور، أنا حافظك أكتر من نفسي. وخوفك وارتباكك ده بيقول إن فيه حاجة مخبياها عليا. قولي إيه هي وخليني أعرفها منك أحسن ما أعرفها من بره. ووقتها رد فعلي مش هيعجبك. ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بصوت مرتعش: -ق ق قولتلك مفيش حاجة يا زين. م م متكبرش الموضوع على الفاضي. دي كانت رهف. صمت
للحظات ثم تكلم بهدوء حذر: -تمام يا حور. مصدقك خلاص. يلا أنا قولت أسمع صوتك وأطمن عليكي قبل ما أنام. تصبحي على خير. أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يستمع منها رد. نظرت حور إلى الهاتف بخوف شديد وقالت: -أنا متأكدة إنه مقتنعش بكلامي. وهدوئه ده وراه كارثة. ربنا يستر.
ثم قامت بالاتصال على رهف وانتظرت الرد. لكنها لم تجيب عليها. علمت أنها نائمة لأن الوقت متأخر. أرسلت لها رسالة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. ثم وضعت الهاتف بجوارها وأغلقت عينيها وذهبت في سبات عميق. *** تسطح أيوب على فراشه وأخذ قمر داخل أحضانه مقبلًا رأسها بحنان محاوطًا بذراعيه بقوة وقال بسعادة: -ريان كلمني من شوية علشان عايزين يجوا يتقدموا لنغم. إيه رأيك. نظرت له بحزن وقالت:
-عارفة. بتول كلمتني علشان كمان زين وحور. بس بسرعة كده، أنا ملحقتش أشبع منهم. ابتسم لها وبنبرة هادئة: -يا حبيبتي، عدي بيحبها واستناها كتير أوي ورفض يحب ويكون لغيرها. وهي كمان بتحبه. خلينا بقى نجمع الأولاد مع بعض وقلوبنا ترتاح من ناحيتهم. تنهدت بضيق وأومأت رأسها بالموافقة وقالت: -ماشي يا حبيبي. اللي تشوفه. حدد ميعاد معاهم وخليهم يجوا. قبل رأسها بحب وقال:
-ربنا يسعدهم يارب ونشوف ولادهم وتبقى تيته زي القمر. وأحكي لأحفادنا عن أحلى وأجمل قصة حب بتاعتنا. تمسكت به بقوة وقبلت يده بحب وقالت: -وأنا هحكيلهم إن أحن وأطيب راجل في الدنيا اللي دخل قلبي من أول لحظة عيونا اتقبلت فيها. صحيح كنت خايفة منك بسبب الحلم ده. بس قلبي دق ليك أول دقة. ومن وقتها كل دقة في قلبي بدق باسمك أنت. ابتسم لها بحب وقال بمزاح:
-تعرفي أول مقابلة اتقابلنا فيها أنا وأنتي لما كنتي هتوقعي في المترو وأنا لحقتك. اتشديت أوي لعيونك. بس لما شفت حركاتك الغريبة قولت إيه البت المجنونة دي. وبعد كده كترت الصدف ما بينا. وفي كل مرة تشوفيني تهربي. وأنا كنت هتجنن. لحد ما مامتي الله يرحمها تعبت وطلبت تقابلني في أوضتها. وقتها حكت ليا عن الحلم. وقدرت أفهم تصرفاتك معايا وحركاتك الغريبة. آه، اضايقت منكرش. بس في نفس الوقت حبيتك وحسيت إنك ملزمة مني. وأخدت عهد على
نفسي هفضل أحميكي لحد آخر يوم في عمري. لحد بقى اللي حصل وحبس مروان ليا وجوازه منك ومحاولته لقتلي وتهريبي بره مصر ورجوعي تاني ليها. وأنا كانت عندي رغبة انتقام منك ومنه. لحد ما طلبتي حمايتي. الأحداث دي كلها رغم قسوتها إلا إنها قوة حبنا لبعض. راحت أيام كتير حلوة في دموعك وحزنك على غياب نغم عنك. بس في الآخر ربنا عوضنا وجبر بخاطرنا ورجع نغم لحضننا. وأدينا أهو هنجوزها هي وأختها وهسلمهم لرجالتهم بنفسي. ياااه قلبي بيرقص من
الفرحة. صحيح الفرحة لما بتيجي بعد صبر بيبقى إحساسها مختلف وحلو أوي.
لمعت عينيها بعشق أيوب ونظرت له على أنه أعظم انتصاراتها. وقالت بصوت هامس: -بعشقك يا أيوب. كل حتة فيا بتموت فيك. ربنا يخليك ليا، ويديم علينا سعادتنا. ملس بيده على شعرها وتكلم بسعادة: -هتفضلي أعظم انتصاراتي يا قمري. تصبحي على خير يا عمري. دقائق معدودة واستسلم كل منهما إلى النوم. *** في صباح اليوم التالي. استيقظت نغم من نومها على صوت رنين الهاتف الخاص بها. نظرت به بأعين ناعسة وارتسمت ابتسامة على شفتيها.
أجابت بتثاؤب قائلة: -صباح الخير يا عدي. مش ملاحظ إنك صحتني بدري أوي النهارده. ابتسم على كلماتها وقال بنبرة هادئة: -أعمل إيه. لسه راجع من الشغل وكنت هموت وأسمع صوتك قبل ما أنام شوية. اعتدلت على فراشها وتكلمت بحب: -وأنا مضايقتش على فكرة. ده بالعكس. اليوم اللي أصحى فيه على صوتك بحسه إنه جميل ومختلف. تعالت ضحكاته وقال بمزاح: -اومال لو تجربي بقى تصحي وإنتي في حضني. ده بقى إحساس من نوع تاني خالص. اتسعت عينيها
بخجل شديد وتكلمت بصعوبة: -ع ع عدي بطل قلة أدب أحسنلك. زفر بنفاذ صبر وقال: -ياااه. امتى بقى تبقي بتاعتي ومعايا. هتجنن عليك يا نغم قلبي. ردت عليه بخجل وقالت: -ا ا أنت شكلك طالب معاك رومانسية على الصبح. و و وأنا الصراحة نفسي بتجزع. تعالت ضحكات عدي وتكلم بصعوبة: -نفسك إيه يا أختي؟ تجزع!!
آآآه يا بختك المنيل يا عدي. يعني أقعد مستنيكي طول السنين دي كلها. وفي الآخر تقوليلي نفسي بتجزع من الرومانسية. أشوف فيكي يوم يا نغم يا بنت أم نغم. ابتسمت على كلماته وقالت: -لا، نفسي بتجزع من الرومانسية الأوفر. إنما بقى بحبك واحشتني. الكلام المحترم ده بيفتح النفس. تكلم بلؤم وقال بدعابة: -اممم. يعتبر الكلام ده بيجر لحاجة تانية. تكلمت بنفاذ صبر وقالت: -عددددي. بقولك اتلم أحسنلك. ظل يضحك بقوة على رد فعل نغم وتكلم بصعوبة:
-أقسم بالله أحلى ضحكة بتطلع من القلب معاكي انتي. ربنا يديمك في حياتي وميحرمنيش منك يارب. ثم تنحنح بتوتر وقال: -ن ن نغم. عايز أطلب حاجة منك. ممكن. شعرت بتوتر من طريقة كلامه وقالت بتساؤل: -خير يا عدي. إيه هو الطلب؟ أجابها بتوتر وقال بتوضيح: -نغم، مش عايزك تنزلي الشركة اليومين دول. لأن هكون مشغول. عندي قضية مهمة ومش هكون فاضي أحميكي. ومش هكون مطمن ولا هركز طول ما أنا قلقان عليكي. تكلمت بضيق وقالت بتذمر:
-بس أنا فرحانة أوي إن بدأت أستوعب الشغل وأتعلمه. ومش عايزة أرجع أقعد في البيت. ولو على قلقك عليا، أنا ببقى موجودة مع زين و أنس. يعني متقلقش. ولو مش هتقدر توصلني، الصبح انزل مع بابا أيوب يوصلني على سكتُه. وبعد الشغل هخلي زين أو أنس يوصلوني. ارجوك وافق يا عدي. بلاش توقف في طريقي وتمنعني من حاجة بحبها. زفر بضيق وقال بتوضيح:
-يا حبيبتي والله مش عايز أمنعك من حاجة بتحبيها. بس أنا بخاف عليكي أوي وبالي بيبقى مشغول بيكي طول ما انتي بعيدة عني. ولو نزلتِ الشغل ده هيقلل تركيزك ومش هعرف أشوف شغلي. استحملي بس الشهر ده. وبعد كده أخليكي ترجعي تاني براحتك. ظلت صامتة ولم ترد عليه. تكلم عدي مرة أخرى وقال بترجّي: -علشان خاطري يا نغم. استحملي الأيام دي لحد ما أخلص من القضية اللي ماسكها. وبعد كده اعملي اللي عايزه تعمليه. شعرت بدقات قلبها تتسارع بقوة من
شدة الخوف وتكلمت بتساؤل: -هما نفذوا حكم الإعدام في محروس ولا لسه يا عدي؟ ابتلع ريقه بصعوبة وتكلم بتوتر: -ها و و وبتسألي ليه يا نغم؟ تكلمت بضيق وقالت بترجّي: -علشان خاطري رد عليا يا عدي. اتنفذ الحكم ولا لسه؟ تنحنح برجولة وقال بصوت مرتبك: -ل ل لسه يا نغم. أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء وقالت بقلق: -أوعى تكون القضية اللي مشغول بيها دي تكون بتاعة محروس. ا ا أصل إيه هيخليك تخاف عليا أوي كده غير حصل حاجة عندك في قضيته.
رد عليها سريعا وقال بتوتر: -ا ا أنتِ عبيطة يا بنتي. ح ح حاجة إيه دي اللي هتحصل في القضية؟ ده واحد اتحكم عليه بالإعدام خلاص ومنتظر في أي وقت بتنفذ فيه. قلقي عليكي من كتر حبي فيكي يا نغم ملوش دعوة بمحروس خالص. رغم إنها لم تطمئن من طريقة كلام عدى بس ردت عليه بالطاعة وقالت: -حاضر يا عدي. هأجل نزولي الشركة شوية. بس مش كتير. فاهم. تنهد بارتياح وأجابها بسعادة وقال:
-هي دي بنوتي الشاطرة. أخلص بس من شغلي ده وهترجع كل حاجة زي الأول وأحسن. تكلمت بصوت مختنق وقالت: -ماشي. أنا هقفل بقى علشان أجمل نومي. باااي. أغلقت الخط معه ونظرت أمامها بقلق بالغ وقالت بصوت مرتعش: -ربنا يستر. قلبي مش مطمن وحاسة إن الموضوع ده يخص محروس. تمددت مرة أخرى على تختها وظلت تنظر إلى الأعلى تتذكر حوارها مع عدي ودقات قلبها تتعالي بخوف شديد مما هو آتٍ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!