المطبخ علي: صحي من النوم، وسمع كل كلام منى ونهى. دخل عليهم. بعد لحظة سكوت طويلة، نهى قاعدة، وعلي واقف قدامها، ومنى بتحاول تهدي الجو. علي (بتنهيدة) : بصي يا نهى... من حقي كأخوكي أعرف، هو بيتصل؟ بيتكلم معاكم؟ بيطمن؟ بيصرف؟ نهى (بمرارة) : كل ده بيحصل بالمكالمات... بس فعليًا، وجوده في حياتنا بقى صوت بس، لا حضن، لا سند، لا تفاصيل. حتى وهو بيكلمني... بحس إني غريبة! منى (بحزن) : طب وانتي كلمتيه في ده؟ قولتيله حاسه بإيه؟ نهى
(بصوت مخنوق) : قلت، وصرخت، وعيطت، ورضيت... ولا كأن حد سامعني. بيتغير كلامه يومين، ويرجع تاني أسوأ من الأول. علي (حاسم) : طيب بصي... الموضوع لازم يتفتح معاه بصراحة. انتي دلوقتي في مرحلة لازم تحمي نفسك وولادك. والكدبة دي، متكملش. (فجأة، موبايل نهى بيرن –بيظهر اسم جوزها "حازم") نهى (اتجمّدت مكانها) : ده هو! منى (بهمس) : ردي...
خليه يسمع صوتك وانتي مش مكسورة، خليكي طبيعية، وقوية، وحنينة برضه، جوزك، عايزين نحل المشكلة، مش نكبرها. ردي. علي (بهدوء) : افتحي الاسبيكر... خليكي شجاعة. (نهى ترد، والمكالمة على الاسبيكر) حازم (بصوت هادي ومش مهتم) : أيوه نهى... إيه الأخبار؟ ولادك عاملين إيه؟ نهى (بهدوء ظاهر، وجواها نار) : كلهم بخير... وانت؟ ولادك، ولادنا ياحازم. حازم: اه اه طبعًا، ولادنا، الحمد لله. كنت بس بطمن...
آه، وأنتِ داخلة على الصيف، شوفي الولاد عايزين إيه وأنا هبعتلك شوية مصاريف كمان يومين. نهى (بجمل قصيرة) : تمام... شكرًا. حازم (بضحكة خفيفة) : إيه يا ستي؟ صوتك كده ليه؟ في حاجة؟ نهى (بجدية) : آه... في. أنا عايزة أكلمك في موضوع مهم جدًا... بس لما ترجع. حازم (بتوتر بسيط) : موضوع إيه؟ احنا في التليفون، قولي. نهى: لا، مش هينفع يتقال كده. في حاجات لازم تتواجه، وتتحسم. لما تيجي، هتلاقيني مستنياك، ومستعدة أقولك كل حاجة...
ودا آخر تأجيل. حازم (صوت اتوتر) : نهى، في إيه؟ إنتي بتخوّفيني! نهى (بهدوء حاد) : لو كنت فعلاً خايف... كنت شفتني مراتك وحبيبتك مش أم ولادك وبس، بعيون غير اللي بتشوف بيها. (تقفل المكالمة بسرعة، ويسود صمت رهيب في المطبخ) علي (بفخر) : برافو يا نهى... دي أختي اللي أعرفها. مش ضعيفة، ومش لعبة في إيده. منى (بابتسامة فخر) : أنا كمان فخورة بيكي... وإحنا جمبك في أي خطوة. نهى (اتنهدت ودموعها في عينيها) : أنا أخدت أول خطوة...
بس الباقي صعب. أنا محتاجة أستعد... أكون جاهزة لكل الاحتمالات. علي (بحزم) : وإحنا معاكِ... من أول خطوة لحد النهاية، لو اختار يرجع راجل، أو لو اضطريتي إنك... منى (بهدوء) : والمرة دي... أنا اللى بقولك لازم وقفة لجوزك قوية، أنا كل مرة كنت بقولك، عيشي واتحملي، بس لكل حاجة حدود. بعد أسبوع نهى، كانت قاعدة في الصالة، ودموعها مغرقة وشها، وفجأة... الجرس رن. صالة البيت –الساعة 10 مساءً (جرس الباب بيرن...
نهى تفتح، تلاقي حازم واقف بشنطة السفر، وشكله تعبان بس مفيهوش أي شوق حقيقي) نهى (بهدوء قاتل) : أهلاً، نورت البيت. حازم (يحاول يضحك) : الله ينور... إزيكم؟ الولاد نايمين؟ نهى: نايمين من بدري... استنوا كتير. (يدخل ويحط الشنطة، ويبص حواليه، الجو تقيل) حازم: مالك؟ مش شايف فرحة برجوعي؟ نهى (واقفة قدامه) : كنت مستنياك... بس مش عشان أفرح، عشان أواجهك. حازم (يشد نفسه) : تواجهيني؟ على إيه؟ نهى: على كل حاجة...
على سنين الصمت، على اللي شيلته لوحدي، على الوحدة اللي كنت بتخنق فيها كل يوم، وعلى آخر حاجة... حساب الفيك. حازم (يتفاجأ) : فيك؟ إيه الكلام ده؟ نهى (نظرتها ثابتة) : أنا اللي كنت بكلمك عليه... من الحساب التاني. حازم (ينزل عينيه) : انتي... انتي اللي كنتي؟! نهى (بحسرة) : آه أنا... كنت بستناك تحس بيا، حتى وإنت متعرفنيش، تحن... تقول جملة تحسسني إني لسه في قلبك. بس اللي لقيته... خلاني أبصلك تاني. حازم (يتلخبط) : استني...
الموضوع مش كده، انتي اللي عملتي كده ليه أصلاً؟ ما قولتيليش! نهى (بانفجار) : أقولك؟ أقولك إزاي وأنا لما كنت بشتكي كنت بنتهي في آخر المكالمة لوحدي؟ عايز أقولك إنك ما بقيتش تعرفني... ولا عمرك حاولت تفهمني؟ انت غريب... وغريب أوي. حازم (بعصبية) : لا بلاش تقولي غريب، أنا كنت بشقى عشانكم، عشان الولاد، وببعت كل قرش. نهى (بهدوء مرعب) : الفلوس عمرها ما كانت حضن... ولا كلمة طيبة. أنا كنت محتاجة جوزي... مش محوّل. حازم
(يتنفس بعمق، بيحاول يسيطر) : طيب... وهنوصل لإيه دلوقتي؟ انتي ناوية تعملي إيه؟ نهى: أنا قررت أعيش باحترام... يا إما تبقى راجل شريك حقيقي في البيت ده، وفي حياتنا، يا إما تعيش حياتك بعيد عني، وتسيب لي ولادي أربيهم من غير كذب. حازم (ساكت، مش قادر يرد) نهى (تكمل) : والكدبة بتاعتي كانت آخر محاولة، عشان أعرف إذا كنت لسه بتحبني... بس انت حبيتها، مش أنا. (صمت طويل... حازم يفضل واقف، ووشه مش باين إذا حاسس بالذنب ولا مش فاهم)
نهى (بهدوء) : أنا هديلك وقت تفكر... بس مش وقت طويل. إما ترجع راجل عيلة... أو تفضل فيك، وتكمل تمثيلك هناك. (تخرج من الصالة، وتسيبه واقف لوحده، تاخد نفسها أخيرًا، وتبص من باب غرفة الولاد، عالولاد وهما نايمين... وتبتسم بدمعة نازلة على خدها) تاني يوم مساء في شقة علي –مساء –علي قاعد في البلكونة بيشرب شاي، الموبايل بيرن. المتصل: حازم علي (بصوت هادي وهو بيرد) : أيوه يا حازم، منوّر، إزيك؟ حازم (بتنهيدة) : يا علي...
محتاج أكلمك شوية، مخنوق ومتلخبط ومش عارف أفهم اللي بيحصل! علي: خير؟ حصل إيه؟ نهى والأولاد كويسين؟ حازم (بعصبية مكبوتة) : كويسين؟! مراتك دي –أقصد أختك –عاملة عليا قضية تجسس! تخيّل، عاملة حساب مزيف وبترقبني! وكلمتني عليه، وفضلت تحكيلي وتتحايل، وأنا... وأنا اتكلمت، و... اتفضحت. علي (يشد نفسه في الكلام) : استنى كده... انت بتقولي إن نهى كلمتك من حساب فيك، عشان تشوف هتتعامل معاها إزاي وانت مش عارف إنها هي؟ حازم: أيوه!
وصدقتها! واتكلمت وقلت كلام... وحكيت حاجات وكنت وووو....... يمكن مكنتش أقصده كله، بس هي استدرجتني و استفزتني، ودوّرت عليا! هو ده اسمه تصرف زوجة محترمة؟! علي (بصوت ثابت ومليان رجولة) : طب اسمعني يا حازم، وبلاش صوتك يعلى...
أنا استنيت أسمع منك، اسمع انت مني بقى. أختي من 10 سنين وهي شايلة فوق طاقتها، لوحدها، من غير كلمة حلوة ولا حضن ولا سؤال حقيقي، وانت كنت ضيف، يادوب تيجي شهر وتمشي، ونسيت إنها ست، ولها احتياجات ومشاعر، وانت.. كل اللي كانت بتدور عليه، مش خيانة... كانت بتدور على راجلها، جوزها، اللي مفروض يكون أمانها، كانت معاك انت، مش واحد غريب، وانت اللي دفعتها لكده. حازم (يحاول يدافع) : يعني تعمل فيا كده؟ تراقبني؟ تعمل لعبة؟! علي
(بعصبية، وصوت عالي) : اسمعني... يمكن طريقتها كانت غلط، بس هدفها كان يوجع... بس مش عشان تنتقم، عشان تتأكد إنها لسه تستحق تبقى محبوبة. حازم (ساكت لحظة) : طب وأنا؟ أنا اللي اتجرحت؟ أنا اللي وقعت في الفخ! علي (بحزم) : لأ يا حازم... انت وقعت في نفسك، مش في فخ. لو كنت بتحبها بجد، كنت هتحس بيها من أول كلمة... إنما لما تتكلم كلام حنين وغريب مع واحدة متعرفهاش، يبقى لازم تعيد حساباتك. حازم (بصوت واطي) : أنا تايه...
مشفتش الأمور كده خالص. علي (بلطف) : بص يا صاحبي... البيت محتاج راجل يحضن مش يحوّل، الحياة مش كلها فلوس، اه الفلوس لها دور مهم في الحياة، بس مش تنسينا باقي الأدوار. والست محتاجة أمان مش إنترنت... ارجع، وافتح معاها صفحة صدق، مش صفحة فيك. خليك قد المسؤولية، يا إما سيبها تمشي بكرامتها، بدل ما تخسرها وهي لسه بتدور عليك. حازم (بتنهيدة حقيقية) : كلامك صح... بس تقيلة أوي عليا. علي: التقيل مش كلامي...
التقيل إنك تلاقي مراتك بتتمنى تكون غريبة عشان تهتم بيها. فكّر... قبل ما تفقدها للأبد، راجع نفسك يا صاحبي، يا حازم انت قبل ما تكون جوز أختي، انت صاحب عمري، من أول يوم لي في المدرسة سنة أولى ابتدائي واحنا مع بعض، ما فترقناش، حتى السفر مابعدناش. حافظ على بيتك، ولم أولادك في حضنك، وكون راجل وسند لمراتك، ده المكسب الحقيقي في الحياة.... حازم: قفل الاتصال مع علي وقعد يفكر، كتير، ويحاسب نفسه، ويراجعها. قرر يتكلم مع نهى.
في البيت عند نهى –بالليل –الأولاد نايمين، ونهى قاعدة في أوضتها، عيونها متورّمة من البكا، الباب بيخبط خبطتين خفيف. نهى (بصوت واطي وهي تمسح دموعها) : مين؟ حازم (من ورا الباب بصوت هادي) : أنا... ممكن أدخل؟ نهى (بعد لحظة صمت) : الباب مفتوح... (يدخل حازم، شكله متغير، مش بعصبيته المعتادة، واقف ساكت شوية، وبعدين يقرب وهي مش باصة له.) حازم (بصوت مكسور لكنه واضح) : انتي كنتي مستنية تحسي إنك لسه بتحبي...
وإن في حد لسه بيشوفك، صح؟ نهى (تبص له بسرعة) : انت بتتكلم عن إيه؟ حازم (يقعد على طرف السرير) : علي كلّمني... وحسّسني قد إيه أنا كنت غايب، حتى وإنتي شايلاني وشايلة عيالي، وبيت، وأهلي. نهى (بصوت مكسور) : أنا ماكنتش ناوية أوجعك... أنا كنت محتاجة أطمن إني لسه ليا مكان عندك. حازم (بصوت دافي) : وأنا اللي كان لازم أطمنك مش تفتّشي...
أنا آسف يا نهى، مش آسف عشانك عملتي حساب تاني، آسف إني وصلِك للنقطة دي. كنت شايف تعبك، بس ما كنتش حاسس بيه. نهى (دموعها نزلت) : انت اتكلمت معايا كأني واحدة غريبة... وقولت كلام عمري ما سمعته منك. حازم (يمد إيده ويمسك إيديها) : عشان كده، من النهاردة... كل يوم هقولك اللي المفروض كنت أقولك من زمان. إنك ست عظيمة، وإنك بتحملي أكتر من طاقتك، وإنك مش لوحدك. نهى (بصوت مرعوش) : والكلام اللي قلته؟ كنت تقصده؟ حازم (ينزل عينه)
: كنت بحاول أكون لطيف... ونسيت أكون حقيقي. بس دلوقتي، قدامك، مش على فيك... أنا عايز نبدأ من جديد، مش من شك... من صدق. نهى (تبص له وهي تاخد نفس عميق) : أنا مش محتاجة ورد، ولا هدايا... أنا محتاجة راجل يحسسني إنه هنا. حازم (يقرب منها) : وهكون هنا... ومش هسافر تاني غير لما نكون إحنا الاتنين راضيين. ولو رجعت أسافر، هسافر بجسمي بس... قلبي هيفضل جنبك. نهى (بصوت خافت) : نبدأ من أول وجديد؟ حازم (يبتسم لأول مرة)
: من أول يوم حب... مش أول يوم شك. (ينهض، يفتح درفة الدولاب ويطلع علبة صغيرة فيها خاتم قديم بتاع خطوبتهم، يحطه في إيدها من جديد.)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!