الفصل 1 | من 5 فصل

رواية معاناة فتاه الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
22
كلمة
1,775
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

عمياء لا أرى شيئاً، دنياي مظلمة، أحتاج لمن يمسك يدي ليعبر بي الطريق، ولكن ما من أحد مستعد لذلك! لأن قلوبهم أصبحت صماء. ولكني أحمد الله لأنه أخذ بصري، لماذا؟ حتى لا أرى معاملتهم لي ولا أعلم بكذبهم. فيكفي أن نبرتهم التي يغلفها الكذب والغل تحطم قلبي. يكفي يا زمن معاناة، فجف قلبي. لا غرو، فأني أقول ذلك لأني حقاً عمياء، عمياء القلب. فأنا لا أرى كذبهم ولا أعلم نواياهم ولا أدري ما بخاطرهم. ورغم ذلك أحبهم وأفضلهم على نفسي!

أنا وفاء، 17 سنة، أدرس بمدرسة تجارية. لا، ليس لأني فاشلة، بل لقد نجحت بامتياز ومجموع عالٍ. ولكن للأسف لم يقبل أبي دخولي الثانوي، ولسبب آخر هو أني أرى بعين واحدة والأخرى ضعيفة النظر. لم أولد هكذا، بل أتيت على هذه الحياة بعيني وكنت أرى. ولكني أملك ضعف النظر. هذه الحياة القاسية وقلوب البشر التي لم تعد تعرف الرحمة جعلتني أفقد إحدى عيني. الحمد لله، أجل الحمد لله، فيكفي أني أرى بقلبي.

قد تتساءلون ما سبب صوتي الحزين، فأسخبركم أني أعاني. فوالدي يعاملني بكره وقسوة ويجبرني على الخروج للشغل خادمة، أشتغل عند هذا وذاك. لقد تعبت، لم أعد أتحمل نظرة الناس.

أبي، إنه يعامل أخواتي بكل حب، ولكن أنا فدائماً ضربي، ولم يرضَ أن يعالج عيني. ولكن الله لا يترك أحداً أبداً. وذادت معاملته لي عندما هربت أختي الكبرى مع ابن عمي. ومن وقتها وأنا والدي يكرهني أكثر من ذي قبل. وهمسات الفتيات علي بالطريق والمدرسة، ما ذنبي أنا أخبروني؟ استمعت لصوت يهتف باسمها لتترك القلم الذي بيدها جانباً وتقف متوجهة لخارج غرفتها. وتقف أمام والدها قائلة: "أجل والدي! قذف تلك الملابس بوجهها وهو يصيح:

"لماذا لم تغسلي ملابسي؟ ولماذا أرى أمي جالسة لوحدها! تقف بصمت وأعين تذرف الدمع. حتى تقدم منها وهو يجذبها من مؤخرة رأسها بقسوة، كره دون رحمة. وأمسك فكها بيده الأخرى وصاح بأعين متسعة: "وعليكي أن تدري، غداً ستذهبين لشغلك، لا يهمني دراستك! بأعين تذرف الدمع وهي تجاهد أن يبعد يده وتتأوه، أومأت برأسها فوراً قائلة: "أجل، سأذهب." أبعد يده وقال ببسمة: "حسناً."

ليبصق بوجهها ويغادر. جثت على ركبتيها باكية، وقلبها ينادي ربها، ويناجيه. كفكفت دموعها وساندت نفسها لتتوضأ. ودلفت غرفتها بقلب مفطور، به نار تكاد تحرقها. وهي لا تدري ما سبب تلك المعاملة. وضعت سجادتها وصّلت. ومن ثم سجدة سجده طويلة وهي تشكو حال قلبها لربها. جلست تصلي حتى أذان الفجر. فصلته وغفت مكانها على الأرض، هذا مكان نومها. غطت بنوم عميق تهرب به من حياة لم تعد حياة.

فتحت عيناها على قدم تركلها بقسوة ويد تلكمها دون رحمة. تأوهت بألم ودموع تذرف منها وهي تعلم أنه والدها. يا الله، كم تشعر بالنعاس. جذبها بحدة من شعرها قائلاً: "استيقظي هيا، لقد تأخرتي للذهاب." أبعدت يده وهي تهتف بتذكر: "أنا لدي امتحان اليوم." صفعها بكره على وجنتها قائلاً: "لا أدري ما الذي ستأخذيه من مدرستك، هيا اذهبي." ضغط على يدها بقسوة ودفعها للحائط لتصرخ بألم من عينيها. نظرة لطيفة بألم شديد وتنهدة بوجع كادت الخروج

فتوقفت على صوت جدتها: "وفاء، أريد الذهاب للمرحاض." ابتسمت برضا وركضت لتساندها قائلة: "حاضر جدتي." ومن ثم توضأت لتصلي وجهزت لهم الطعام. لتشير جدتها بابتسامة: "اجلسي جنبي يا وفاء." ابتسمت وكادت الجلوس، فرمقها والدها بغضب ودفعها للخلف وصاح: "إلى المرحاض جواره وكلي طعامك." بنظرة آمرة هتفت والدته: "عبد الرزاق، لا تعاملها هكذا." فهتف بغيظ: "أمي، لا تدخلي، إنها فتاة لن تجلب سوى العار مثلها مثل أختها."

أنهت فطورها وذهبت للعماره التي تشتغل بها. فهي تمسح الدرج والشقق وتعود بآخر اليوم. كانت تمسح الدرج وقلبها يبكي ألماً وعيناها تكاد أن ترى منها. تعثرت بأحد الدرج لضعف نظرها، لينكسب الدلو دون قصد. فصاح بها رجل كان يصعد: "أيتها العمياء، ألا ترين؟ انتبهي جيداً." يا الله، ما تلك الطعنة؟ هل غرس سكين بأعماق فؤادها؟ يا الله، كم تلك الكلمات جارحة، تترك أثراً بالفؤاد. فهو معه حق، إنها عمياء؟ وستعمى حقاً إن لم تفعل العملية.

أجهشت بالبكاء وأنهت عملها وأخذت أجرتها وغادرت. ما كانت أن تدلف للمنزل حتى رأت والدها يقف أمامها بغضب جامح وابتسامة تكرهها وبشدة. وهتف: "أين المال؟ مدت يدها له بالقليل وقالت: "اترك لي القليل حتى أكمل لعمليتي." جذبها بقسوة من يدها: "ماذا قلتي؟ هل أترك لك المال حقاً؟ أنا لا يهمني عمليتك وأتمنى أن تموتي." جذب من يدها المال وهتف: "اذهبي للداخل وساعدي والدتك." دلفت بألم وهي تشعر بتكسر جسدها جميعه. نظرت

لها والدتها بألم وهتفت: "اذهبي لتستريحي يا ابنتي." هزت رأسها مسرعة بخوف: "لا، سيضربني." كانت تعد الأكل حتى جاء أخاها الصغير وهتف: "يا عمياء، يا خادمة، أريد أن آكل. هل قربتي أن تنهي الأكل؟ تركت ما بيدها بصمت وشاردة بحزن بكل ما مرت به. انتهى يومها، وصلت ودعت ربها، وضعت رأسها لتنام. فجفها النوم وذهب. وأذرفت عيناها الدمع. إلى متى ستظل تعيش هكذا؟ يومياً ضرب وإهانة وشغل. متى ستنتهي معاناتها ونظرة الناس لها؟

لماذا يفكرون بها بالسواء كأختها؟ ما ذنبها؟ لماذا الفرح غادر من قلبها دون رجعة؟ لماذا البسمة فارقتها؟ لماذا طريقها أصبح مظلم هكذا؟ تتمنى بصيص نور فقط. كم تتمنى أن تعمي للأبد حتى لا ترى وجوههم الخبيثة. تتمنى أن لا تسمع حتى لا تستمع لصوتهم وكلماتها الجارحة التي تسكن فؤادها للأبد. كفي أيتها الحياة، أريد أن أفرح قليلاً. أريد أن أحقق أحلامي. هناك أمل ينتظرني، أريد الوصول إليه، لعل حياتي تتغير.

لم يغفَ لها جفن، حتى أشرقت الشمس لتضيء وتتلالأ. ولكن لماذا لم تضيء حياتها؟ غلبها النعاس لتغفو قليلاً. وما كادت أن تذهب بالنوم حتى شعرت بقدم أحد تركلها بظهرها. أدركت أنه والدها، فهو من يعاملها بذاك الكره. أغمضت عيناها بألم. صاح وهو يجذبها من شعرها: "استيقظي الآن وانهضي لتجهزي لي الفطور والمرحاض." تأوه قلبها من قبضته. كانت الرؤيا مشوشة أمامها، بالكاد تكاد ترى. فهمست بوجع: "ولكن لدي مدرسة، يجب أن أذهب. هكذا سأتأخر."

فهتف غاضباً: "وما شأني أنا؟ انهضي الآن وافعلي ما طلبته منك." رمقها بقرف وغادر. تساندت على نفسها، ونهضت تتهادى بخطاها. ولجت للمطبخ وهي تعد له الفطور على عجل من أجل أن تذهب لمدرستها. عكس ما تشعر به من ألم بعينيها، إلا أنهم لم يشعروا بها، فقد فقدوا الرحمة من أفئدتهم. أنهت سريعاً ما طلبه منها وجهزت نفسها للذهاب لمدرستها. فهي بأخر سنة. أتجهت لوالدها بابتسامة: "أبي، أني أريد بعض المال من أجل المواصلات." أشاح يدها بعنف:

"اغربى عن وجهي، إن أردتي الذهاب فلن أمنعك، ولكن أنسي أن أعطي لك المال." أدمعت عيناها. فهتفت جدتها بحنان: "تعالي يا وفاء، تعالي يا ابنتي." رمقهم عبد الرزاق بقرف وغادر المنزل. كادت أن تذهب إلى جدتها، ولكن الرؤيا تلاشت تماماً من عينيها إلا خفيف. فقالت ببكاء حارق: "جدتي، إني بالكاد أراكي، أين أنتي؟ هل عميت؟ استمعت والدتها حديثها لتهرول ركضاً إليها. جذبتها من بين يدي جدتها قائلة: "ما بك يا وفاء؟ فهتفت الجدة بصراخ:

"ما بها؟ هل حقاً تسألين؟ لم تذهب لطبيبها المختص من فترة، وإن أصابها مكروه فلن أسامحك." ربتت الجدة على كتفها بحنان وجذبتها لتجلس: "اجلسي يا حبيبتي، فاليوم ستذهبين للطبيب." أما هي، فكانت تفكر أنها نسيت الصلاة لتنهض مسرعة بلهفة: "لقد نسيت أن أصلي." توجهت ببطء تتحسس وتوضأت لتصلي الضحى. بعد الظهر كانت تجلس تتلو بشجي وردها اليومي. أغلقت المصحف بتنهيدة وهي تصيح: "آتي الآن يا أمي، انتظري قليلاً."

وضعته جانباً وخرجت للذهاب لطبيبها المعالج بصحبة والدتها. مضوا إلى العيادة. ومن عادتها أن تدلف هي أول. أن توصل بابتسامتها الرقيقة، ولجت له وهي تقول برقة: "السلام عليكم." رد د/ عصام السلام وأشار لهم بالجلوس وقال باسماً: "كيف حالك يا وفاء؟ ردت مبتسمة: "الحمد لله." تمعن النظر بعينها فوجد الضعف يظهر بهما. هز رأسه بأسف وهو يقول: "لا يا وفاء، أنت لست بخير وعلينا أن نستعجل بالعملية حتى لا تفقد بصرك."

نظرت له بخذلان، فوالدها لا يسمح لها أن تفعلها، من أجل التكاليف. أشار لها د/ عصام: "اسمعي جيداً، هناك دكتور سيأتي الأسبوع القادم من أكبر الأطباء، وأني أريد أثناء العملية أن يكون موجوداً. هناك أمل بعينيك، لا تيأسي." فردت بابتسامة: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لا تقلق، لن أيأس وربي موجود."

ابتسم راضياً. بعد الانتهاء من الكشف عادت إلى منزلها. ما كادوا الدلوف للمنزل حتى وقفت وفاء مكانها بخوف يرجف له فؤادها، وعيناها محدقة بوالدها بخوف، الذي الغضب تعلى على وجهه وهو يقترب منها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...