بعد أن وصل محمد وماسة بوالدتها إلى المستشفى، تم الكشف عليها واطمأنت ماسة على والدتها. توصلوا إلى أنها كانت على وشك جلطة وحاولوا التعامل معها حتى تم إذابتها. كل ذلك وكانت ماسة ومحمد ينتقلان هنا وهناك ما بين غرف الأشعة وغرف الكشف ومن طبيب لآخر، حتى وصلا للغرفة الأخيرة التي تتلقى فيها والدتها الدواء بالمحاليل. ظل محمد ينتظر خارج الغرفة يلعن حظه والظروف، متمتماً لنفسه: "يا ربي إيه النحس ده بس؟ مفيش مقابلة تعدي على خير!!
ويوم ما أقرر آخد قرار وأفاتحها فيه تحصل كارثة." ثم وجد من تخرج رأسها من باب غرفة والدتها منادية له. فالتفت لها فقالت: "تعالي يا محمد، ماما عايزة تشكرك." دلف محمد لداخل الغرفة محاولاً رسم ابتسامة واسعة على شفتيه قائلاً: "ألف حمد الله على السلامة يا ست الكل، كده برضه تخضينا عليكي." ثم تمتم بداخله: "مكنتيش قادرة تصبري ساعة واحدة بس." ابتسمت غالية ثم قالت بوهن:
"الله يسلمك يا حبيبي، معلش تعبناك معانا، وألف شكر لك يا ابني." ربت محمد على كفها الملقى بجوارها على الفراش قائلاً: "ولا تعب ولا حاجة، حضرتك زي والدتي بالظبط، ربنا يقومك لينا بالسلامة." ابتسمت غالية ثم نظرت لكلاً من محمد وماسة، ثم باغتتهم بسؤالها قائلة: "بس انتوا اتقابلتوا إزاي يا ابني؟ اتسعت نظرات ماسة والتفتت سريعاً تنظر إلى محمد تحاول إيصال أي معلومة له. والذي نظر بدوره لها وهو مبتسم بسماجة، ثم التفت تجاه
والدتها وقال بكل أريحية: "أبدا يا ماما، كنت رايح لأختي المدرسة وقابلت ماسة، قالت لي إن ميار مجتش، وجه التليفون وقتها على طول." تنهدت ماسة بارتياح وابتسمت لوالدتها وكأنها ترسل لها رسالة: (مش أنا قولتلك) بينما ظلت غالية توزع النظرات بينهم لتستشف مدى صدقهم، فكلاهما أقر بنفس الإجابة. تمتم محمد بداخله وهو على نفس ابتسامته قائلاً: "ما شاء الله، تعبانة ومصحصحة ولا شورلوك هولمز، ليها حق ماسة متتلتفتش من غير ما تقولك."
ثم استقام وهو ما زال محتفظاً بابتسامته السمجة قائلاً: "طب هستأذن أنا بقي." تحججت ماسة بالولوج معه قائلة: "استنى هاجي أوصلك، عن إذنك يا ماما." خرجا سوياً من الغرفة وهما بطريقتهما في ردهة المشفى متوجهين للخارج. قالت ماسة بخفوت وخجل: "شكراً يا محمد." يعلم محمد سبب شكرها، ولكنه يحب أن يطول حديثهم، فقال: "بتشكريني على إيه؟ شبكت ماسة كفيها أمامها وقالت: "على إنك أنقذتني قصاد ماما، أصلها سألتني نفس السؤال وأنت بره." "عارف."
نطق بها محمد وهو مبتسم بطرف شفتيه، فتوقفت ماسة عن السير متعجبة إجابته قائلة باندهاش: "عارف!! وعرفتو منين؟ التفت محمد لها قائلاً: "من شكلك وخضتك أول ما سألت السؤال." "المهم، بما إن الظروف حكمت نتقابل في مستشفى، تعالي نقعد في الكافيه شوية." حركت ماسة كتفيها قائلة: "مش هينفع أسيب ماما فترة طويلة." "ماهو بصي يا بنت الحلال، أنا جبت آخري وربنا، وبحاول بكل الطرق إني أقولك اللي عايز أقوله في جو رومانسي، بس الظروف أقوى مني."
نطق محمد بجملته سريعاً بسبب غضبه من عدم إتاحة الظروف لهم أي فرصة، فتعجبت ماسة من حديثه وسألته: "مش فاهمة، عايز تقول إيه؟ "أنا بحبك."
نطق بها أخيراً ليشعر بتوقف كل عقارب الساعات، بل توقف الزمن بأكمله. نطق بها وهو يلهث أنفاسه كأنه ألقى بحمل كان يحمله لسنين طويلة. نطق بها وهو ينظر بداخل عينيها يتمنى أن يسمع إجابتها، ولكنه يجزم أنه استمع لصوت خفقات قلبها تعلو وتعلو، ووجد وجهاً يكسوه الحمرة، وشفاه قد تمزقت من كثرة الضغط عليها، وأصابع يكاد يسمع صوت تحطيم عظامها من كثرة الفرك بها.
شعرت ماسة أنها تذوب حرفياً أمامه، فلم تستطع التحرك ولو لخطوة واحدة، وكأنها قيدت وعجزت عن الحركة. فاق محمد من شروده بها ليمسك بيدها قائلاً: "حرام عليكي، سيبي إيدك اتكسرت." ثم سحبها خلفه. لتستوقفه ماسة سائلة: "واخدني ورايح فين؟ "رايح أطلبك من الحاجة قبل ما يحصل لحد فينا حاجة تاني." نطق بها محمد وهو يسحب خلفه ماسة، التي أفلتت يدها منه ثم قالت: "مينفعش يا محمد دلوقتي، ماما تعبانة." التفت محمد فور وقوفها وقال لها متوسلاً:
"اسمعي كلامي يا بنت الحلال، نلحق نتجوز قبل ما الموضوع يتعقد أكتر من كده." عقدت حاجبيها تحاول فهمه، ثم قالت: "أنا مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه، بس الأكيد إن مينفعش نكلم ماما دلوقتي، اصبر لما تتحسن وابقى كلمها يا سيدي." زفر أنفاسه وزم شفتيه، ثم حرك رأسه يميناً ويساراً وقال: "أنتي اللي اخترتي، مليش دعوة، استحملي بقى." عقدت حاجبيها مرة أخرى محاولة الفهم، ونظرت له نظرة مستفسرة، ولكنه أجابها بجملة مبهمة:
"بكرة هتعرفي وساعتها هتندمي، على العموم أنا ماشي، لو احتاجتوا حاجة اطلبيني على طول." تركها وذهب، تاركاً بداخلها ألف سؤال: ماذا كان يقصد بحديثه عن الندم؟ لا أحد يعلم إجابة السؤال، لكنها حاولت أن تنفض عن ذهنها أي تفكير حالياً، وعادت أدراجها لغرفة والدتها. ***
استمع نضال جيداً لمخطط يزن، والذي كان كوميدياً أكثر منه كيدياً. ضحك كلاهما وبدأوا في ترتيب خطوات المخطط، فأكدوا على الحارس بالخارج عدم دخول أي أحد للمكتب دون إعلامه أولاً.
وبالفعل، بعد انتظارهم أكثر من ثلاث ساعات بالمكتب أمام شاشة المراقبة، يتنمرون على كل من يرونه وعلى أفعالهم، ويتنقلون بين الكاميرات من منطقة لأخرى بين ضحكات صاخبة من يزن ونضال، حتى رأوا من تقترب من مكتب الأمن، وبدأ خفقان قلب يزن يعلو بالنبضات، ولمعت عيونه بالسعادة لشعوره اقترابه من هدفه. بينما قال نضال متصنعاً الجدية: "هلت يا حلو، استعد بقى."
اعتدل كلاهما بمجلسه حتى دلف الحارس يبلغهم عن رغبة طالبتين بالدخول للمكتب لمقابلة رئيس الحرس بالجامعة. فأبلغه نضال بعدم إدخالهن الآن بحجة انشغاله، والانتظار عشرة دقائق فقط. كما أكد على الحارس بأن يجلب أولاً اثنين من عصير الاسموزي، وأكد أن يكون مثلجاً بالثلج. نظر يزن لشاشة المراقبة ثم نطق مكملاً باقي المواصفات بابتسامة خبيثة: "وياريت، ياريت يكون تووووت." وأطال بآخر كلمة ليؤكد على طلبه.
وبالفعل، بعد خمس دقائق عاد الحارس وهو يحمل اثنين من عصير الاسموزي المثلج بطعم التوت. رأته غزل بالخارج فاشتهته قائلة لصديقتها: "الله، تصدقي نفسي في الاسموزي وكمان توت، فكريني بعد ما نخرج نبقى نجيب واحنا ماشيين." دلف الضابط للمكتب، بينما كارما صديقتها قالت متعجبة: "اسموزي مثلج في البرد ده، حرام عليكي، ابقي انتي، أنا مش هاجيب." ابتسمت غزل قائلة بتلذذ: "ده حلاوته في البرد ده."
استمعتا كلاهما لصوت الحارس يدعوهما للدخول للمكتب، فاستقامتا ودلفا وألقيا التحية، فوجدت نضال يجلس على مكتبه، وأحدهم يقف أمام مكتبه في المنتصف معطياً لهم ظهره، فلم يستطيعوا أن يقدموا للجلوس على المقاعد أمام المكتب، فانتظرا كلاهما اعتقاداً أن هذا الشخص سينهي حديثه وينصرف. فتحدث نضال مجيباً على تحيتهما، ثم نطق باسم غزل لهدف ما قائلاً: "غزل محمود الصاوي، كلية فنون جميلة، شرفتي جامعتنا المتواضعة." ابتسمت غزل وردت قائلة:
"الشرف ليا يا فندم." استمع لصوتها يزن جيداً وحدد موقعها خلفه، فتحرك يميناً قليلاً حتى أصبح أمامها مباشرة. وأثناء حركته، أمسك بكوب العصير وأزال غطاءه، وقبل أن تدرك توقفه أمامها، التفت هو بغتة وتصنع الانشغال بالحديث قائلاً: "همشي أنا بقى يا نض... قطع حديثه عند اصطدامه بها، فانسكب العصير كله على بلوزتها. فأصدرت شهقة طويلة من حلقها تعبيراً عن المفاجأة وشدة برودة العصير معاً، فهو كان مثلجاً بالثلج.
ظلت غزل وكارما يحاولان نثر ما تبقى من آثار العصير عنها، بينما يزن حاول تصنع عدم القصد فقال بنبرة آسفة: "آسف جداً يا آنسة، مكنتش أقصد." رفعت غزل نظرها تجاهه بنظرات شرسة متوعدة له، لتتسع نظراتها فور رؤيته متجسداً أمامها، فنسيت الموقف كله. هو أنه هو من كانت تبحث عنه، هو من تصنعت آلاف الحجج لتحاول رؤيته مجدداً، ولكن لحظة.
عادت لرشدها عند رؤيتها ابتسامته المتشفية ترتسم على وجهه، ولمعان عيونه بالنصر، فالموقف ليس صدفة إذاً، بل خطط له. فاستوحشت نظراتها مجدداً وقالت بصوت عالٍ: "هو أنت تاني؟ إيه اللي عملته ده يا أستاذ؟ أروح إزاي كده؟ اتسعت ابتسامة يزن وقال بكل برودة أعصاب قد تحلت هي بها من قبله: "أنا قولتلك آسف، أعمل إيه تاني، وأكيد مكنش قصدي، ولا عندك شك في ده؟ وكأنه يؤكد حدثها بأن كل هذا مقصود، لتعلو نبرتها أكثر قائلة:
"لأ طبعاً قصدك، وأنا مش هسكت على فكرة." وأقدمت لتمسك بكوب العصير الآخر، ولكن نضال قرأ حركاتها سريعاً وأمسك هو به ملتقطاً إياه بعيداً عن متناول يدها قائلاً بصوت حازم ورخيم: "خلاص يا آنسة غزل، إحنا آسفين لسيادتك، وممكن نهدا كده، واحنا هنحل الموضوع، اتفضلي اقعدي." حاولت غزل أن تنطق معارضة، ليوقفها نضال عن الاسترسال في حديثها قائلاً لها بحزم: "قولتلك اتفضلي اقعدي وهنحل الموضوع." حاولت كارما تهدئتها
فربتت على كتفها هامسة لها: "اقعدي دلوقتي يا غزل، لما نشوف الموضوع هيتحل إزاي." التفتت غزل لها غاضبة، فقالت: "أقعد إزاي وأنا متلجة كده وهروح إزاي كده؟ حركت كارما كتفيها وقالت محاولة كتم ضحكتها: "مش كان نفسك في الاسموزي؟ اشتعلت نظرات غزل، بينما كان يزن يستمع لحديثهم متلذذاً للموقف، فقال متشفياً: "متقلقيش ياااااا غزل، من المرواح ده، حتى لون التوت لايق جداً على بلوزتك الصفراء."
احترقت نظرات غزل، وكادت أن تنطق لولا نضال الذي نظر ليزن محاولاً إنقاذ الموقف قائلاً: "لو سمحت يا آنسة، اتفضلي اقعدي، وقولتلك هنحل كل حاجة." جلست غزل وكارما بالمقعدين التي أمام المكتب، بينما استند يزن بظهره على الدولاب المواجه لغزل، عاقداً ذراعه أمام صدره، كما عقد أقدامه أمامه، ناظراً لها بابتسامة نصر.
نظر نضال ليزن وتذكر عندما نظر تجاه شاشة المراقبة، ثم أكد على أن يكون العصير بطعم التوت، ليعرف الآن لما اختار هذا الطعم خاصة لتكون البقعة واضحة وكبيرة، فلون التوت في وسط الأصفر واضح وضوح الشمس. متمتماً لنفسه: "بيخطط من ورايا كمان، ماشي يا يزن." ابتسم نضال قليلاً، ثم تحمحم ليلفت نظر غزل له، فهي كل نظراتها المشتعلة متسلطة على يزن، ليكمل نضال ما اتفقا عليه قائلاً:
"إحنا طبعاً بنقدم اعتذارنا عن الموقف البايخ ده والغير مقصود." عند ذكره لعدم القصد، نظرت غزل مرة أخرى تجاه يزن، الذي تصنع الانشغال بالنظر لشيء حوله، مع إطلاق بعض التصفير مع محاولة كتم ضحكته. فزفرت أنفاسها بصوت عالٍ، فنظر تجاهها يزن وأشار بيده تجاه نضال بمعني: شوفي هيقولك إيه؟ لاحظ نضال تعلق نظرات صديقتها به، فنظر تجاه غزل محاولاً لفت نظرها، فأكمل موضحاً: "وطبعاً مش هينفع نسيبك تروحي كده."
عقدت غزل حاجبيها تعبيراً عن عدم فهمها لمغزاه، فاستطرد مكملاً: "إحنا هنوصلك لحد البيت بعربيتي، وتبقي شيلنا عنك الإحراج إنك تمشي كده بالشارع، وكمان علشان البرد." هبت غزل من مكانها معارضة فكرته، ثم قالت: "أركب معاكم إزاي يعني؟ وتوصلوني بصفتكم إيه؟ أمسكت كارما كفها وحاولت إجلاسها وتهدئتها، فقالت وهي توزع نظراتها ما بين نضال وغزل: "أنا هكون معاكي يا غزل، مش هسيبك."
ابتسم لها نضال ابتسامة صفراء لم تتعد ثغره، وأومأ لها قليلاً، ثم استغل اقتراح صديقتها قائلاً: "بالظبط يا آنسة غزل، زميلتك هتكون معانا، يعني مش هتركبي لوحدك، متقلقيش." أومأت لها كارما كمحاولة لإقناعها، فنظرت غزل لملابسها، ثم نظرت ليزن، لتراه مرة أخرى يتصنع عدم النظر لها، حتى شفتاها، ووافقت مضطرة، لتنفرج أسارير يزن، واختطف مفاتيح السيارة من فوق المكتب قائلاً بسعادة: "حالا هجيب العربية وجاي."
وانطلق يزن، بينما كارمه حاولت جذب أي حديث مع نضال، حتى وصل يزن وركبا سوياً، وتم إيصال غزل حتى شارعها، وهكذا تمت الجزء الثاني من الخطة، وهو معرفة طريق منزلها، فالآن قد عرف كليتها ومنزلها واسمها. ولم يخلو وقت توصيلهم من التراشق ببعض الألفاظ ما بين يزن وغزل. بينما كارما كانت تحاول إيصال بعض النظرات لنضال من خلال مرآة السيارة. ***
بعد أن أنهوا ميار وماجدة فطورهم ما بين الضحكات المكتومة حتى لا يصل صوتهم لأسفل، استقامت ماجدة وغسلت كل أواني الإفطار، وأحضرت عدة حقائب بلاستيكية جمعت بها كل ما أعدته ميار من طعام من أجل هذه الخطبة، ما عدا اللحوم، ووضعت كل الحقائب بالمبرد. والتفتت لميار قائلة:
"كل الحاجات دي تساعدك لما ترجعي من الشغل، تلاقي الأكل معمول نصه، يعني البشاميل الخرافة ده يا دوب تسلقي له مكرونة وتعصجي اللحمة، والتسبيكة العظيمة دي تاخدي منها شوية وتحطيها على أي خضار جايباه، والبطاطس المقطعة دي هنديها نص قلية ونحطها بالفريزر، والكبد والقوانص واللحمة الباردة اللي مجهزاهم، قال إيه من عندك من امبارح، دول ميستهالوهاش، ولو مش هتشيليها ليكي أخدها والله؟ قال بتساهمي قال، يا أختي ساهمي في صحتك ونفسك."
كل هذا وميار محدقة بعينيها بعدم استيعاب لما يحدث أمامها، حتى نطقت أخيراً سائلة باندهاش: "دانتي مسبتيش حاجة، يخرب عقلك، طب وهما هيعملوا إيه دلوقتي؟ لوحت ماجدة بذراعها قائلة: "إييييه، فين ده اللي مسبتش، أمال صواني الكفتة وحلة الفراخ والشوربة، كل ده مسيبتش!! طب والله لولا إنهم هما اللي جايبين اللحمة والفراخ، وإنتي خلصتي عمايلها، أنا كنت سبتهالهم زي ما هي، وكمان إنتي اسكتي، إنتي تتفرجي وتتعلمي وبس، سامعة؟ كتمت ميار
ضحكتها بيدها وهي تقول: "صحيح، قوية ومستقوية." أومأت ماجدة برأسها وهي مبتسمة وأنهت ما شرعت به، ثم سحبت ميار لداخل الحجرة وأرقدتها على الفراش قائلة: "اعملي اللي قولتهولك." ثم التفتت وبحركة مسرحية وهي تشير بإصبعين من يدها: "الجزء الثاني من الخطة."
كتمت ضحكتها وتصنعت الزعر، ثم انطلقت متوجهة إلى الخارج وهبطت لأسفل وكأنها تهرب من وحش خلفها. طرقت على الباب بذعر، ففتح حسن الباب سريعاً ومندهشاً من طريقة الطرق، لتتصنع ماجدة الزعر وتقول له بين لهثانها وبصوت عالٍ يسمعه الجميع: "الحقني يا حسن، ميار تعبانة أوي، لقيتها وقعت وهي بتعمل الأكل." ثم استدارت مسرعة دون أن ترى ردود الأفعال، ليهرول كل من سمعها إلى الأعلى ما بين متشفي ومستطلع وفضولي.
صعدوا كلهم خلف ماجدة التي قد سبقتهم بخطوات، ونثرت بعض قطرات الماء بالبخاخ على وجه اختها ليبدو كأنه عرق غزير. أما ميار، فلم تحتاج للتصنع، هي حقاً مجهدة، كل ما احتاجت إليه أن تبدو بطبيعتها المجهدة دون أن تحاول إخفاء ما تشعر به. بالفعل تجمع الجميع حول فراش ميار وهم ينظرون لمنظرها، بينما أخذت ماجدة تسرد ما حدث بطريقة تليق بهذا المظهر، وكأنهم يشاهدون فيلماً ما، حتى أنهت ماجدة دورها بالخطة بجملة:
"ولاقتها وقعت قدامي، ولولا ستر ربنا كانت حلة الشوربة وقعت عليها، سندتها بالعافية وهي مش قادرة تقف على رجليها يا عيني، وجبتها الأوضة بالعافية، ومن ساعتها وهي عرقانة جداً وبتنهج وجسمها متلج." وكأنها أشارت لأحدهم بتحسس جبينها، فمد حسن يده على جبينها، ومدت أنوار يدها على إحدى وجنتيها، ليستشعروا برودة جسدها حقاً، والذي كان من أثر نثرات المياه وإجهادها الفعلي.
بينما ميار، كانت نظراتها مذعورة وتتعرق بالفعل من أثر الارتباك وخوفاً من انكشاف أمرها، فهي لم تعتد على مثل هذه الأمور. نظر حسن لوالدته ولسان حاله يسألها عن كيفية التصرف، وهي نظرت له بدورها وضيقت عيونها، ثم بدأت توزع النظرات بين ماجدة وميار، وكأنها تستشف حقيقة الأمر، فهي لا تصدق ماجدة أبداً ولا ترتاح لأفعالها.
ولكن ما أخرجها من شرودها أقاويل من حولها التي تباينت ما بين مستصعب وبين مبارك لتوقع شيء ما. فانفرجت أسارير أنوار عندما لمعت عيونها بهذه المباركة، حتى قالت: "والنبي صحيح، لتكوني حامل يا ميار؟؟ وانطلقت عدة زغاريد وتهنئات لأم حسن وحسن، وأخيراً ميار، التي اتسعت حدقتاها ناظرة تجاه ماجدة، التي نظرت لها بدورها، محركة حاجبيها للأعلى، وحركت كتفيها بمعني لا حيلة لدي.
عند انتهاء التهنئة، أطلقت غادة تهنئتها، ثم سؤالها، والذي غاب عن ذهن الجميع بسبب المفاجأة، ولكن لم يغب عن ذهنها منذ بداية الأمر، فقالت مستفسرة: "طب يا ترى الأكل خلص منه إيه؟ انتبهت أم حسن لسؤال ابنتها، فقالت بذعر: "يا وقعة سودة، ده الوقت بيعدي والضيوف جاية، إحنا لسه هنسأل، هموا معايا بسرعة نشوف إيه اللي ناقص، وأنت يا حسن تعال بسرعة علشان تشوف ناقصنا إيه تكمله من بره."
خرجوا جميعاً من الغرفة مهرولين إلى المطبخ، وبدأت خلية النحل في الانخراط في العمل، كما لم يخلو تجمعهم من التذمر والحنق، وما بين التشدق بالعبارات التي تدل على عدم صنع ميار لشيء، فهم سيبدأون صنع كل شيء من البداية.
بينما بداخل الغرفة، اعتذرت ماجدة للجالسين بالردهة، منهم من يقطف الملوخية، ومنهم من يقطع خضار السلطة، حتى أغلقت باب الغرفة بحجة تغيير ملابس اختها. وفور غلق الباب، وكلاهما وضعا يدهما على فمهما لكتم رنين ضحكاتهما وفرحتهم بالفوز في مخططهم، وجلسا سوياً يحللان المشهد السابق وردود أفعال كل من المتواجدين.
انتهت الخطبة، وظلت ماجدة بجوار أختها منذ بداية الخطبة وزينتها بأفضل زينتها، حتى بدت أجمل بكثير من العروس نفسها، وجذبت جميع الأنظار لديها، حتى العريس وأهله، مما زاد الحنق بكل المتواجدين. انتهت الخطبة وعادت ماجدة لمنزلها وهي تشعر بكم الفخر بنفسها والسعادة لمجرد شعورها بانتصار أختها في جولة ما. *** "الألم، ليس في تلقي الضرب حتى الإغماء. وليس في انغراز قطعة من الزجاج في إحدى قدميك. الألم، هو هذا الشيء الذي يحطّم قلبك.
الألم هو الموت من دون القدرة على البوح بسرنا لأي كان." -جوزيه ماورو "يا ابني يا حبيبي، ليه بتعمل في نفسك كده!؟ ده حتى ظلم النفس شيء عظيم، وأنت أحسن بنت تتمناك."
نطقت بها إخلاص تحاول إقناع جواد بإثنائه عن هذه الخطبة، فهي تلاحظ عدم ارتياح ابنها لها، كما لاحظت بعض السلوكيات على هايدي التي تنم عن عدم المشاركة وعدم الشعور بالآخر، فهي تحب ذاتها كثيراً ولا تفكر في غيرها، وبالتالي لم يرتاح ابنها مع هذه الخصال، ولكنه يرفض أن يستمع لأحد.
حاول جواد إنهاء النقاش الذي كان يصم أذنيه عنه تماماً، فما زالت فكرة واحدة هي المسيطرة على تفكيره وقراراته، وهي أن يبعد عن ميار أي شك، متمنياً لها الراحة والاستقرار، حتى ولو لم تكن من نصيبه، حتى ولو كان هذا فيه ضرراً له وعدم راحة، فما دامت زوجته ستكون فتاة غير التي تمناها، إذاً فالجميع سيان. فقال جواد لوالدته محاولاً التخفيف عنها: "فين بس يا خوخة ظلم النفس؟ هي البنت طلبت إيه غير حقها؟ وأي بنت تانية هتعمل زيها."
قضبت إخلاص حاجبيها متعجبة من مبرره قائلة: "إي بنت هتعمل زيها إزاي؟ ده أنت يا حبة عيني بتاخد إجازة مخصوص من شغلك عشان تلف معاها على فرشكم، وهي ميعجبهاش العجب زي ما بيقولوا، وبتفضل تتمرد على كل حاجة تختارها، ومش مهم عندها الحاجة اللي عجباها دي غالية ولا رخيصة، ومعاك ولا مش معاك، يبقى إزاي زيها زي أي بنت؟ ده غير إنها مبتقدرش إنك راجع من شغلك تعبان وهلكان، طبعاً ماهي قاعدة في بيتها وبتصحى الظهر ومريحة طول الوقت."
ابتسم جواد واقترب من والدته مقبلاً رأسها قائلاً بابتسامة: "كل ده شايلاه في قلبك يا خوخة، يا ستي متقلقيش عليا، أنا مفهمها إني معايا وتطلب اللي هي عايزاه، معلش بقى عروسة ومن حقها تدلع." ثم تركها ودلف لغرفته يغير ملابسه ويريح جسده من أثر الإرهاق، بينما إخلاص زاد احتقان وجهها أكثر وتمتمت مع حالها قائلة: "تيجي الهانم تسمع بيدافع عنها إزاي!!
والله ما تستحقه، هو يقول حقها وهي ترد عليا وتقولي حقي وبراحتي واللي ممعهوش ميلزموش، يا خوفي يا ابني بتظلم نفسك بإيدك وأنت مش حاسس." أراح جواد جسده على الفراش مثبتاً نظره للأعلى، وأخذ يفكر في حديث والدته، يعلم أن هايدي ليست بالمواصفات التي تمناها، ولكن هل من تمناها لو كانت طلبت منه شيء سيبخل عليها؟
أكد لحاله أنه ربما منحها أكثر مما تتمناه، لذلك رأى أن يلبي طلبات هايدي دون تفكير، حتى لا يشعر بالذنب تجاهها، فيكفيها أنه لا يشعر تجاهها بأي مشاعر.
أطلق تنهيدة حارة وحاول الضغط على حاله بخلق بعض المشاعر بينهم، ربما تنتظر هي أنه يبدأ في المصارعة بهذه المشاعر، وخاصة عند تصفح صفحتها بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، فوجد أنها يوم الخطبة أعلنت هذا بمنشور يملؤه الفرح والسعادة، وحدثت صفحتها أنها تم خطبتها إليه، كما حدثت صورة الصفحة بصورة دبلتين، وبين الحين والآخر تخط منشوراً ينم عن كم سعادتها بارتباطها به، فماذا ينتظر بعد ذلك أن تسارحه هي؟
فأمسك الهاتف وأجرى اتصالاً عليها، ولكنها لم تجب، فتردد إذا كان يعيد الاتصال مرة أخرى أم لا، ربما غفت من الإرهاق، ولكنه فكر ماذا سيكون حاله في حال رغبته في التواصل بمن كان يريدها؟ وجد نفسه أنه كان سيعيد المحاولة مراراً وتكراراً دون أن يمل، لذلك حاول مجدداً، وقبل انتهاء الرنين أجابته هايدي قائلة بحنق: "أيوة يا جواد، في حاجة؟ بتتصل كتير ليه؟ شعر جواد بالاحراج الشديد من لهجتها، فتوقع أنها كانت نائمة، لذلك وجب الاعتذار،
فقال لها: "أنا صحيتك ولا إيه؟ أنا آسف، كنت عايز بس أطمئن عليكي بس." قالت بلهجة سريعة محاولة إنهاء الحوار: "لأ يا سيدي مصحتنيش، أنا كنت بقيس الحاجة اللي جبتهالي وبوريها لماما، وأنت عمال تتصل ومش صابر. على العموم يا سيدي ألف شكر للسؤال، وأنا كويسة جداً. عايز حاجة تاني؟ انطفأت شرارة المحاولة واتخذ قراره بالعودة بمشاعره إلى حيث كانت، فقال لها منهياً: "لأ مفيش، ومبروك ما جالك، مع السلامة."
أنهى المكالمة دون أن يستمع لسلامها، ثم ترك الهاتف بجواره وأراح جسده للخلف قليلاً، ووضع يده خلف رأسه يفكر ملياً، حتى استمع لإشعار من هاتفه ينم عن صدور منشور من صفحة خطيبته، فأمسك الهاتف فوجدها قد نشرت منشوراً موضحة به أنها تشعر بالسعادة معه، وقد أشارت له بمنشورها وكتبت به: (لما خطيبك يجيبلك كل اللي تتمنيه وكمان يتصل يطمن عليكي ويقولك مبروووك بجد إحساس جميل أوي ربنا يخليك ليا)
. وألحقت بالمنشور وجوه سعيدة وتخرج قلوباً دليل على الحب بينهم، وبدأت تنهال عليها كم من التعليقات، منهم من يدعو لهم بدوام الحب، ومنهم من يحقد في صورة مزحة، فابتسم جواد قائلاً: "للأسف بعتي الغالي بالرخيص." وأغلق هاتفه، يتذكر أفضل ما كان يميز ميار، وهو جمال قلبها وصفاء روحها وعدم حبها للتظاهر، ولكنه أقنع ذاته بحديث نضال، ربما أصبح بينهم تعود فيما بعد، فأصر على الإكمال في هذه الخطبة. أتذكرك...
برغم محاولاتي المستميتة في نسيانك. أتذكرك... برغم علمي باستحالة وجودنا معاً. أتذكرك وكأن كل شيء حولي يرغمني على تذكرك. أتذكرك... في فرحي وحزني. أتذكرك... في يقيني وأحلامي. أتذكرك... في واقعي وآمالي. متى الخلاص يا مالكة القلب والروح؟ متى الخلاص وكل جوارحي قد وهنت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!