عاد محمد. عادت ماسة إلى غرفة والدتها التي ظلت تنظر لها دون أن تنطق بكلمة. بينما ماسة تحاول جاهدة التهرب من نظراتها، تشعر وكأنها تقرأ ما في أعماق عينيها وقلبها. حاولت ماسة أن تتوارى من نظرات والدتها، فادعت الذهاب لجلب طعام لها والسؤال عن الطبيب. "اقعدي يا ماسة، أنا لسه واكلة. والدكتور قال هنروح بكرة. مش محتاجة كل ساعة نروح نسأله."
أذعنت ماسة لحديث والدتها وجلست أمامها، تدير حدقتيها يمينا ويسارا حتى لا تنظر بعيني والدتها. "هتفضلي تتهربي كده كتير؟ أنا مستنياكي تتكلمي من نفسك زي ما متعودة منك." خجلت ماسة من حالها ونظرت للأسفل، قائلة بصوت هامس: "والله يا ماما ما كنت هخبي عليكي، بس قلت لما تفوقي بالسلامة."
"والله والله يا ماما، كده كده كنت بطلع الموبايل عشان أتصل بيكي أستأذنك إني هقعد مع محمد نص ساعة بس، لاقيت مكالمتك وجينا على طول. ده كل اللي حصل." ظلت والدتها صامتة تستمع لابنتها، فهي تعلم أنها لم تستطع أن تكذب عليها. ثم سألتها لتكمل ما توقفت عنده: "وبره اتكلمتوا في إيه؟ فركت ماسة بأصابعها وتصبب عرقًا، وهي تجيب عن سؤال والدتها بكلمات معدودة، قائلة بنبرة خجلة:
"كان عايز يجي يتقدملي دلوقتي. وأنا قلت له بلاش عشان حضرتك تعبانة." ضيقت والدتها عينيها وفكرت في شيء ما، مما أثار القلق في نفس ماسة، حتى نطقت والدتها قائلة: "كده أفضل برضه. المواضيع دي مينفعش هنا، لازم يطلبك في بيتك ومن أهلك." زمت ماسة شفتيها جانبا هامسة لذاتها: "أهلي ربنا يستر." ثم تمتمت قائلة: "ياريتني كنت سمعت كلامك يا محمد...
سمع إشعارًا يأتي من هاتفه، فأخرجه سريعًا وفتح الهاتف، لتتسع حدقتاه فور رؤيته لرسالة تحمل اسمها. بدأت تتسع ابتسامته رويدًا رويدًا. كان ينتابه الشك بأنه يتوهم، حتى دخل بالتطبيق ذاته وتأكد بالفعل أنها أرسلت رسالة بها كلمتين: "أنا بخير". كما أنها ما زالت متصلة الآن. حاول الرد عليها، وعندما شرع بالكتابة، لاحظ أنها أغلقت التطبيق. ولكنه لم ييأس، يكفي أنها أجابت عليه ولو مرة واحدة.
بدأ يخط لها رسالة أخرى، محاولًا التعبير عن مدى سعادته برسالتها، ويتمنى لو استجابت لطلبه ولو لمرة واحدة. رأت غرام رسالته دون أن تفتح التطبيق. كانت سعيدة جدًا برسالته، ولكنها متخوفة، فهي لم تجرب من قبل مثل هذه المشاعر، لم تعرف كيف تتصرف. انتظرت حتى انتصف الليل لتجيب عليه إجابة مختصرة، قائلة: "أنا عمري ما قابلت حد بره قبل كده، وعشان أعملها لازم أقول لماما وأشوف رأيها إيه."
لم تتوقع أنه ما زال منتظرًا ردها. فور إرسال رسالتها وإعطاء رنين الإشعار له، فتح الهاتف سريعًا وقرأ رسالتها التي جعلت أساريره تهلل. وأجابها فورًا قائلاً وبدون تفكير: "وأنا موافق وهنتظر رد والدتك، ولو موافقتش أتمنى تيجي تقابلها عندكم."
وضعت غرام يدها على فمها تحاول مداراة خجلها، ونسيت أنها ما زالت تظهر له أنها متصلة الآن. حتى انتبهت على بداية كتابته لتغلق الهاتف سريعًا، وكأنها تخفي وجهها الخجول عنه. ثم وضعت الهاتف على الكومود بجوارها، وظلت تنظر للخلاء حتى غفت على فراشها تستمتع بأحلامها العذبة.
ظلت في فراشها تتذكر الوقت القليل الذي مر بينهما. وبرغم أن الوقت مر سريعًا، وبرغم أنهم لم يكونا بمفردهما، إلا أنه كان مميزًا في كل شيء، حتى أنها لم تشعر بوجود أحد معهم، بل شعرت وكأنهم بمفردهما. ظلت تارة تبتسم وتارة تعبس بوجهها وتستشيط عيناها غضبًا، حتى أنها لم تشعر بحال أختها وانشغالها بالهاتف كما كانت تفعل معها كل مرة. "بس كلمة حق، اللون التوتي مع الأصفر الكناري تحفة عليكي."
نطق بها يزن أثناء قيادة نضال للسيارة. لتنظر غزل له بالمرآة وعيناها يملؤها الغضب، فتثور قائلة محاولة إثبات فعلته: "أهو سامعين بيعترف إن كان قاصدها أهو." ابتسم يزن ابتسامته السمجة قائلاً: "إنتي هتتبلي عليا ولا إيه؟ أنا بقول رأيي في اللونين مع بعض. ده أنا حتى بفكر أقترح عليكي متغسليش البلوزة بصراحة، بقت تحفة فنية." "عاااااااااااااااااااااا!
أطلقت غزل صرخة مدوية تعبيرًا عن غضبها الشديد، مما جعل نضال ينتفض وهو أمام إطار القيادة. ولا إراديًا كان بدأ في إغلاق النوافذ سريعًا، في حين كارما ما زالت تدقق بكل أفعاله وحركاته. ثم قال نضال بحزم: "مش هينفع لعب العيال اللي انتوا فيه ده." ثم نظر ليزن قائلاً: "لو سمحت يا يزن يا ريت تسكت شوية، كفاية كده." ثم نظر تجاه غزل بالمرآة قائلاً: "آنسة غزل، ياريت تتحكمي في انفعالاتك أكتر من كده شوية."
حتى لاحظ نظرات كارما الهائمة به، فسلط أنظاره تجاه الطريق، حتى وصلا. وكاد أن يصرخ بكل من غزل ويزن، فكلاهما لم يصمتا أبرهة واحدة. ترجلت غزل من السيارة وصفقت الباب خلفها بشدة. فقال يزن مناديًا لها بطريقة تحمل سخرية، مما جعلها تلتفت له، فقال بطريقته المستفزة: "مبتتكسفيش لو حد كان ينادي عليكي ويكون قصده... غزل."
وغمز بطرف عينه حتى يصلها ما يقصد، وبالفعل وصل لها ما يشير إليه، فقد كان يريد التغزل بها ولكن بطريقة ساخرة حتى لا يثبت عليه تهمة التغزل. جزت غزل على أسنانها، ثم استدعت الروح الباردة لديها لتبتسم قائلة: "أكيد إجابة السؤال عندك، لما كل اللي حواليك ينادوا عليك بـ... يزن، وأنت بعيد كل البعد عن الاتزان."
ضغطت على حروف اسمه لتوصيل المعنى، ثم التفتت وتوجهت إلى طريقها هي وصديقتها. ولا تعرف كيف ردت عليه، ولكن كل ما تجزم به أنه يكاد يشتعل غيظًا الآن، فقد انتهى فقرة تراشقهم بالضربة القاضية من جهتها. عادت غزل لواقعها بعد أن تذكرت كيف انتهى لقائهم، ولكن هل سيلتقون مجددًا؟ لا تعلم، حتى أنهم أنهوا لقاءهم بجملة تحمل معاني أسمائهم وصفات شخصيتهم التي تكاد تكون مقتبسة من أسمائهم. وهل إذا التقوا سيظلون بمبدأ القط والفأر؟
أم حتى هنا وقد انتهت اللعبة!؟ أمسك يزيد بالهاتف فور وصول إشعار منها، وفتح التطبيق سريعًا ليرى ردها. وسريعًا دون إجابته، دون أدنى تفكير منه، وكاد أن يكمل حواره معها، فأخيرًا حصل عليها وهي متصلة الآن. ولكن وجدها وقد أغلقت التطبيق. ليزم شفتيه معلقًا بصوت مسموع: "ليه بس؟ ما كنتي بعقلك." سمعه يزن الذي كان لم يزل مستيقظًا، فاستدار ينظر له بتعجب، ثم اعتدل من رقدته على إحدى جانبيه مستندًا على مرفقيه، قائلاً بسخرية:
"لا بقى ده الموضوع كده ميتسكتش عليه، وصلت إنك تكلم نفسك. ده حتى تبقى عيبة في حقي." زفر يزيد أنفاسه ورفع نظره للسقف بملل، ثم قال معلقًا: "إنت يا ابني مش كنت نايم من شوية؟ إيه اللي صحاك دلوقتي؟ اعتدل يزن وجلس متربعًا، وكأنه وجد من ينبش عما بداخله، فقال سريعًا والإبتسامة تملأ وجهه: "اسكت يا يزيد، ده أنا النهارده عملت حتة مقلب في... ثم صمت ليجد ذاته من يسترسل بالحوار، فعقد حاجبيه قائلاً: "إيه ده؟
أنا قايم أسألك مش أتكلم أنا. مش هتكلم إلا لما تعترف انت الأول." سرح يزيد قليلاً والإبتسامة بدأت تشق ثغره، ليصفق يزن قائلاً: "أيوة بقى هي الضحكة دي وراها بلاوي." ازدادت ابتسامة يزيد وحرك رأسه تعبيرًا عن عدم الفائدة، ثم اعتدل جالسًا وبدأ يسرد لأخيه بداية الموضوع حتى انتهى برسالته لها. ليعلق يزن ناهراً إياه: "إيه ده يا ابني ده!! تدلق كده على طول، وأول ما تقولك ماما تقولها هقابلها؟ ابتسم بسخرية بجانب فمه:
"أدبست رسمي يا خفيف. طب كنت اسألني الأول، كنت قلتلك البنت دي بترسم عليك." عقد يزيد جبينه وزفر أنفاسه بغضب، قائلاً باعتراض عما بدر من أخيه: "تصدق أنا ما كنتش عايز أقولك عشان كده. نام يا يزن نام، ينوبك ثواب." تمدد يزيد بالفراش والتف معطيًا ليزن ظهره، مدثرًا حاله بغطاء من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه. تعجب يزن من غضب أخيه، معلقًا: "الحق عليا كنت عايز ألحقك. يالا أنا نصحتك وانت حر."
ثم تمدد هو الآخر واستعاد ما كان يفكر به قبل حديثه مع أخيه، ليبتسم مرة أخرى حين تذكر ملامحها الطفولية ومواقفها وردودها الشقية، حتى شعر برجفة من أعماق قلبه. لا يعرف أهي من تفكيره في صاحبة المقلب أم أنها من برودة الجو؟ ليسحب غطاءه عليه ويسبح في عالم أحلامه مستضيفًا به بطلته الجديدة.
مر يوم الخطبة على خير. وفي صباح اليوم التالي لها، كانت أنوار وغادة تعزمان على التحقق من أمر حمل ميار، فهم لن يقبلوا بأن يدعوا الأمر يمر مرور الكرام. فقبل أن تذهب ميار لعملها، صعدا كليهما طارقين باب الشقة. ففتحت ميار بابتسامتها المعتادة تزين وجهها، ثم قالت لهم بعد أن دلفوا للداخل سويا: "كويس إنكم طلعتم، أنا محضرة الفطار لحسن ابقوا افطروا معاه." تشدقت أنوار وتصنعت الرأفة على حالها قائلة:
"إنتي يا بنتي مش كنتي تعبانة امبارح ومش قادرة تقومي من مكانك! هتروحي الشغل إزاي بس دلوقتي؟ رمشت ميار بأهدابها وابتلعت ريقها وزمت شفتيها، ثم قالت بنبرة مضطربة: "مانا بقيت كويسة دلوقتي الحمد لله." نطقت غادة وهي تضيق عينيها لتستشعر صدق ميار ولترد لها ما صنعته أختها بالأمس: "لا مينفعش يا مرات أخويا...... لازم نوديكي لدكتور تطمني وتطمني عليكي وعلى الحمل، ولا إيه يا ماما!؟
ظلت ميار تحرك حدقتيها بينهم، ومن داخلها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. ثم فجأة تذكرت أمر العمل الذي حقًا كان المنقذ الحالي. فنظرت في هاتفها فجأة لتشهق، وسحبت حقيبتها بسرعة قائلة وهي تتجه مسرعة لباب الشقة: "معلش يا جماعة، لما أرجع نتكلم. أنا اتاخرت أوي.... عن إذنكم."
نطقت بآخر جملتها وهي تهرول هابطة على الدرج، واستمرت بالعدو متناسية أن تستقل سيارة، حتى خرجت من الشارع تمامًا. فتنفست الصعداء ووقفت واضعة يدها موضع قلبها لتهدأ من روعها وتطمئنه أنها تخطت مرحلة الخطر. ثم أشارت لسيارة تقلّها لمحل عملها، وهي تخرج هاتفها لتستعين بأختها ماجدة حتى تخرجها من هذا المأزق.
فعلاً وصلت وقد بدأ على وجهها الشحوب. وبعد انقضاء أول الحصص وقابلت ماسة بفترة الراحة، فسألتها عن سبب شحوب وجهها، فسردت لها ما حدث بالصباح وأنها استعانت لأختها. فسألتها ماسة بفضول: "يخرب عقلك يا ماسة إنتي وماجدة. المهم المصيبة، أختك قالتلك إيه؟ حركت ميار وجهها يمينا ويسارا وامتعض وجهها بسخط على أختها، قائلة بقلة حيلة: "الباردة
بكل هدوء قالتلي: وماله، أهو تطمني على نفسك ولو في حمل بالرغم إني هزعل، بس أهو نطلع مش كدابين. ولو مفيش يبقى خير وبركة، وقولي كان إجهاد عادي جدًا. ويا ستي وانتي رايحة قوليلي أجي معاكي." ضحكت ماسة حتى ظهرت نواغزها وصفقت بيدها تعبيرًا عن إعجابها بالفكرة، قائلة في وسط ضحكاتها: "طب والله البت أختك دي نرفع لها القبعة، عليها دماغ متكلفة." تعجبت ميار من رد فعلها لتضرب كفًا بالآخر معلقة بكلمة واحدة: "مجانين، والله مجانين."
انتهى اليوم لتعود ميار إلى منزلها لتجدهم ما زالوا على رأيهم، بل إنهم اتخذوا قرارهم وارتدوا ملابسهم ومنتظرونها. حتى حسن زوجها جلس مرتديًا ملابسه، وفور حضورها قال لها: "حمد الله على السلامة، قبل ما تقعدي يالا بينا، كلنا مستنينك. إحنا حجزنا عند دكتور شاطر أوي وميعادنا دلوقتي، يالا بينا." جحظت عيون ميار وتسمرت مكانها، حتى وجدت من يمسك بذراعها ويجبرها على التحرك، وابتسامتها السمجة تزين وجهها، قائلة بنبرة ساخرة:
"يالا بينا يا مرات أخويا عشان نفرح بجد بقى." أرادت أن تبلغهم بضرورة تواجد أختها معها. أرادت أن تبلغهم بقلقها العارم واعترافها بالموضوع برمته، ولكنها وجدت فجأة نفسها بداخل السيارة وعقلها مشتت، لا تعلم ماذا تفعل وكيف تتصرف. حتى فاقت على كلمة حماتها وهي تحثها على الترجل من السيارة، فقد وصلوا إلى العيادة المنشودة. "حسب الكشف المبدئي الواضح قدامي بيؤكد إنك مش حامل يا مدام ميار."
نطق بها الطبيب بعد أن استدار بكرسيه من أمام جهاز الأشعة، معطيًا لميار مئزرًا ورقيًا لتزيل آثار المادة الجيلاتينية من عليها. اتجه الطبيب إلى مكتبه وبدأ يدون بعض ملاحظاته بالورق أمامه لحين انتهاء ميار من هندمة ملابسها. بينما كان ينتظره حسن أن يتحدث عن سبب عدم وجود حمل. فنطق حسن متسائلاً غير عابئ بميار: "ويا ترى يا دكتور إيه اللي عندها آخر الحمل؟ إحنا تقريبًا بقالنا ٦ شهور متجوزين ومحصلش حاجة."
استمعت ميار لسؤال حسن الذي شعرت وكأنه يسدد لها ضربة قوية، فأغمضت عيونها. ثم خرجت من خلف الحاجز لتجلس بالمقعد المقابل لحسن، وتنظر تجاه الطبيب بتوتر واضطراب، منتظرة إجابته. وقد شعرت بسهام النظرات تصوب ناحيتها، تمنت لو أن أختها معها الآن لكانت شعرت بقليل من الاطمئنان. رفع الطبيب رأسه عما يدونه وقال بابتسامة:
"هو المفروض إن المدة دي مش كتير ومتخليناش نقلق. بس حسب شكوى المدام والأعراض اللي قالتها يخليني أشك في موضوع كده، بس الأول لازم نعمل شوية تحاليل عشان نطمن على كل حاجة، وبعدين أشوف الشك بتاعي في محله ولا لأ. فأنا كتبت بالفعل بعض التحاليل ليكم انتوا الاتنين، وبعدها نقدر نحدد لو فيه مشكلة ولا الوضع تمام ومش محتاج غير الانتظار." نطق حسن وكأنه ينفض غبارًا علق بستره قائلاً:
"لا أنا تمام يا دكتور ومتأكد من نفسي. بس هعمل التحاليل للاطمئنان مش أكتر. بس هو سيادتك يعني شاكك في إيه؟ ابتسم الطبيب بعملية ثم قال: "لما تعملوا الأشعة وبعدين نتكلم." ظلت ميار صامتة، غير عابئة بما يدور. كل ما يدور بذهنها ما ينتظرها بعد العودة للمنزل من قبل أنوار وغادة. ولكن أنوار لم تنتظر كثيرًا لتتحدث متسائلة بتعجب: "أمال يا دكتور أغمى عليها امبارح ليه لما هي مش حامل!؟
زاد ضربات قلب ميار حتى كاد أن يتوقف، وارتفع صوت أنفاسها، حتى تحدث الطبيب بعملية موضحًا: "من ناحية الحمل لا مفيش، بس لو على الإغماء فأنا ملاحظ إن المدام ضعيفة جدًا وباين عليها الإرهاق جامد. وعشان كده أنا طلبت برضه تحليل أنيميا، فممكن يكون ده سببه." أطلقت ميار زفرة راحة وأغلقت عيونها، تود أن تقبل الطبيب على حجته ورده المنقذ لها.
نظرت أنوار وغادة لبعضهما وكأن خطتهما قد فشلت، فرد الطبيب يؤكد أن من الممكن أن يحدث ما حدث بالأمس. انتهى الكشف ليتوجهوا جميعًا إلى المنزل، وجميعهم الصمت يحلق عليهم.
كلا يفكر في ليلاه. فميار تحمد ربها بعدم وجود حمل، لا تعرف لماذا، كما أنها تحمد ربها على إنقاذه لموقفها. بينما حسن يحسب حسبته من مصاريف للتحاليل والكشف وخلافه. وغادة وأنوار تتأكلهما نيران الغضب والغيرة، فكانوا يتوعدون لها عند انكشاف أمرها، ولكن الآن لا يستطيعون أن يكذبوها. ولكن يكفيهم أنها ليست بحامل، فأمر تدليلها لم يعد قائمًا.
تجمع الأربعة أصدقاء بالمساء بعد فترة ليست قليلة، ليبدأ كل منهم بسرد ما حدث له في غياب الباقي. فبدأ نضال بذكر موقف يزن الذي أضحك الجميع. وبدأ يزن في التباهي بحاله أنه لا يضيع حقه بتاتًا، ليسخر منه نضال قائلاً: "خلاص بقى متنفخش نفسك أوي بدل ما أقولهم على شحتفتك." ابتسم جواد بطرف شفتيه، بينما أطلق يزيد صفيرًا عاليًا، مما جعل يزن يرفع حاجبيه وينظر تجاه قائلاً بضيق: "عجبتك الكلمة أوي، دورك جاي يا خفيف."
ثم التفت إلى نضال محاولًا تصحيح الأمر، فنظر له محذرًا أثناء حديثه قائلاً: "ولا شحتفة ولا حاجة يا نضال، أنت فهمت غلط. كل الموضوع كنت خايف تطير من إيدي ومنفذش اللي مخطط له من فترة، بس كده." ليبتسم نضال مستهزئًا، بينما قال يزيد ساخرًا: "وعمال تقول استفاد من خبراتي، استفاد من خبراتي، وانت واقع لشوشتك." استوحشت نظرات يزن ليزيد، لينطق قائلاً:
"برضه مصر أشرجك يا ابني. الأستاذ يزيد المؤدب بيحب ومن النظرة الأولى كمان، والكارثة الكبيرة شكله اتأدبس خلاص، البت دبسته، يقابل مامتها." "أوووووو." نطق بها نضال وهو يصفق عاليًا كنوع من التشجيع، وأكمل قائلاً: "دخلت برجلك يا حلو، احكيلنا بقى." نظر يزيد لأخيه شزرًا، ثم قال مصححًا: "ماله الأدب بالحب؟
أنا مبضحكش على بنات الناس وأتسلى يومين وأخلع. الحب مش عيب ولا حرام لو حبينا صح واتعاملنا في حدود الصح. وكمان مسمهاش أدبست، اسمها اخترت صح." ثم بدأت ملامحه في الاسترخاء عند ذكراها، وبدأ يسرد أسباب انجذابه لها. ليستمع له جواد وهو يتذكر معشوقته، حتى انتبه على سؤال نضال قائلاً: "كده تاني واحد هينضم لقائمة المخطوبين، فلازم نسمع لخبرات الخاطب الوحيد اللي فينا. إيه أخبارك مع خطيبتك يا باشا؟
امتعض وجه جواد وزاغت نظراته، يريد أن تكون إجابته غير ما يشعر به، ولكنه لم يستطع. فقال بعد أن أطلق تنهيدة حارة متعجبًا من حاله قبلهم: "والله مش عارف أقول إيه؟ ساعات مبحسش إنها سعيدة خالص وإني مش فارق معاها. وساعات تانية بحسها طايرة من الفرح، بس ده وأنا بشتري لها حاجة بس، أو على السوشيال ميديا بلاقيها بتقوم فرح وتحط صورتي وقلوب وحاجات كتير كده." صمت قليلاً فتعجبوا جميعهم وأشفقوا على حاله، فسأله يزن محاولاً التوضيح:
"معلش يا جواد، إيه اللي بيخليك تقول إنها ساعات مبتبقاش سعيدة أو مش فارق معاها؟ ما يمكن بتداري بس؟ حرك جواد رأسه رافضًا، ثم قال: "مفيش مرة طلبت منها نقعد نتكلم مع بعض عندهم أو نتقابل أو نقعد في مكان نتكلم بعد ما نشتري أو قبل، إلا ورفضت، زي ما يكون نازلة معايا لغرض الشراء بس، بالرغم إن والدها بيكون عارف، بس هي بترفض." "البت دي استغلالية ومبتحبكش."
نطق بها يزن سريعًا معلقًا، ليوكزه كلا من نضال الذي على يساره ويزيد الذي على يمينه. معلقًا نضال: "إنت إيه يا أخي بتنقط دبش." ثم قال يزيد معلقًا: "يحرّق حريشك يا شيخ." لينطق يزن معترضًا من اعتراضهم: "إيه في انت وهو؟ الحق عليا بقوله الحقيقة، ولا لازم نلف وندور لحد ما يلبس؟ يجيب عليه نضال قائلاً:
"لا ولا هنلف ولا هندور، وانت عارفنا إحنا إزاي بنحب بعض وننصح بعض، بس الأمور دي مش بتتاخد كده. يمكن هتتكسف لو قعدت تاكل معاه أو تشرب، يمكن مش اجتماعية ومش عارفة تتكلم لما تكون معاه، كده يعني، فقبل ما نظلمها لازم نتأكد ونسيبه هو يتأكد." ثم التفت لـ جواد قائلاً:
"بص يا ابن الحلال، انتوا متعرفوش بعض من فترة طويلة، وعشان كده مش عايزك تظلم نفسك ولا تظلمها. حاول معاها مرة واتنين وتلاتة وحاول تدوب الفروق اللي بينكم. فيه بنات جريئة جدًا قدام السوشيال ميديا عشان محدش شايفها، لكن في الحقيقة مش كده، ولازم تتأكد من نفسك من كل أحاسيسك دي قبل ما تاخد خطوة واحدة إذا كنت هتكمل ولا لأ. حاول تكلمها دلوقتي أو ابعتلها رسالة إنك محتاج تقابلها ضروري بكرة مثلا، وشوف ردها إيه ومتيأسش."
يعلم جيدًا أنه لو حاول مهاتفتها لم ترد عليه، فحاول الحفاظ على ماء وجهه وتحجج بجلستهم سويًا وقرر أن يرسل رسالة وينتظر ردها، وليعطها الفرصة الأخيرة. لينطق يزن بإصرار على رأيه: "برضه أنا مصر، وبكرة تعرفوا." نظر كلا من نضال ويزيد بغضب تجاه يزن، بينما جواد نظر له ولا يعرف لماذا يطمأن لهذا الرأي. وحاول جواد إنهاء هذه النظرات، لينظر لنضال قائلاً: "طب يزيد وقرب يدخل القفص معايا، ويزن مجنناه مجنونته. إنت بقى هتفضل كده؟
لينطق يزن قبله قائلاً: "ميفضلش كده ليه وهو منعم بين بنات الجامعة، مفيش يوم يعدي من غير حلويات." ابتسم نضال ونظر تجاه جواد قائلاً: "يا ابني أنا اللي اختارها، لازم تكون ملاك كده وبترفرف ورقيقة جدًا. من كتر رقتها تكون مبتعرفش تتكلم كلمتين على بعض." ثم يلتفت نضال تجاه يزن ويحاول أن يزيده اشتعالاً، فيقول والإبتسامة تملأ ثغره: "صحيح يا يزن، هو أنا مقلتلكش يا حبيبي مش أنا قدمت نقل لمباحث الآداب؟ حسسها هتكون الطف هناك."
"عاااااااااااااااا! صرخ بها يزن عاليًا، ليقهقه جميعهم على حاله، وتستمر الجلسة في تراشق بالغيظ من قبل نضال ليزن، وحسد وحقد من قبل يزن لنضال، حتى انتهت جلستهم. وجواد ينظر من فترة لأخرى بهاتفه لعلها ترد على رسالته، ولكن دون جدوى. بينما كان نضال يتابعه وعلم من ملامحه أنها لا تستجيب حتى لرسائله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!