بعد أن أنهى جواد صلاته، خرج من الجامع وهو يرتجف من البرد، ولا يعلم هل هذا من برودة الطقس أم من برودة قلبه. توجه إلى المنزل وفتح الباب ببطء حتى لا يوقظ والدته، ولكن هل ستهنأ لها بال وفلذة كبدها بالخارج وفي هذه الحالة؟ عندما دخل، وجد الأنوار مضاءة ووالدته تجلس على الأريكة. وعند غلق الباب، هبت واقفة للاطمئنان عليه. إخلاص بنبرة يملؤها القلق: جواد، حمد الله على السلامة يا ابني، كده تقلقني عليك؟ جواد وهو يقبل يدها وبصوت
خافت مهتز مما به من حمول: بعد الشر عليكي من القلق يا حبيبتي، مش أنا قولتلك متقلقيش عليا وإني هتأخر؟ إخلاص ودموعها تترقرق في عيونها وتضع يدها حول وجهه: وأنا هيجيلي نوم إزاي وابني حبيبي مش مرتاح البال. ذهب جواد ليجلس على الأريكة، واضعاً رأسه بين راحتيه وبصوت يملأه الحزن: تعبان يا ماما، تعبان ومش عارف أعمل إيه؟ أو أنا ذنبي إيه؟ إيه المشكلة إن سوري وهي مصرية؟ هو السوري مبيحسش ومبيحبش؟ ذنبي إني سبت بلدي غصب عني؟
ولا ذنبي إني حبيت بنت مش من بلدي؟ مش يمكن أكون جيت لحد هنا علشان أشوفها وأحبها؟ ليه يعملوا كده ليبييه؟ جلست إخلاص بجواره وأخذت رأسه على صدرها وأخذت تمسح على شعره: بس يا حبيبي، بس، متعملش في نفسك كده، أنت مغلطتش في حاجة ولا ذنبك حاجة. وأهلها كمان مغلطوش، هما أهلها وحقهم يقلقوا عليها ويدورولها على اللي من وجهة نظرهم له عيلة. يوم ما يغلط يعرفوا يجيبوا كبيره يردوا عليه، ناس كتير بتفكر كده وده ميعيبهمش.
أنت عملت كل اللي عليك يا حبيبي، والباقي ده بتاع ربنا، هو اللي بيقسم النصيب. وربتت على ظهره وأكملت: استعين بالصبر يا حبيبي، وإن شاء الله هيعوضك، بس سلم أمورك لله، فهو نعم المولى ونعم النصير.
وكأنه وجد ضالته في صدر والدته، فأغلق عينيه وراح في سبات عميق، لعله يهدئ من ما في قلبه. ووالدته وجدته قد هدأت انفاسه فعرفت أنه غفى، فلم تريد أن تزعجه ووضعت رأسه على الوسادة وذهبت لجلب غطاء لعل قلبه يدفأ قبل جسده، ودخلت غرفتها لتصلي وتدعو له براحة القلب وراحة البال. -استيقظت ميار على أيدي خشنة تتجول على جسدها، فانفزعت وأطلقت صرخة، فنهرها حسن وضغط على ذراعها وشدها نحوه وبصوت أجش خالي من التعبير: إيه في إيه مالك؟
شفتي عفريت؟ فتنهدت ميار وهي تضع يدها على صدرها: خضتني يا حسن. حسن وهو ينظر لها بجوع قائلاً بابتسامته السمجة: حلوة الخضة، حلوة برضه ومطلوبة، يخرب بيت جمالك، دانتي طلعتي حلوة أوي. ميار بصوت باكي تحاول التخلص من يداه: والنبي يا حسن استنى، أنا تعبانة أوي. حاولت الابتعاد عنه ولكنه أطبق على ذراعها وقربها منه ثم ثبتها بجزعه قائلاً: وماله، ده حلاوته، ده مطلوب برضه، كل ما تتعبي صرخي.
وضحك ضحكة مجلجلة وأكمل ما بدأ به، فلم يسمع لشكواها، واقترب منها بهجوم يغلب عليه الطابع الحيواني ولا يوجد بها أي استحضار للمشاعر أو تهيئة لها، وهي تغلق عينيها ودموعها تسيل على وجنتيها. وعندما فرغ منها، انقلب للجهة الأخرى، وأخذت هي تستر نفسها وترتدي ملابسها وما زالت دموعها تنساب على وجنتيها. ليستمعوا معا لرنين جرس الباب، فسمعته ميار يقول لها: قومي افتحي شوفي مين؟ ولو حد سأل عليا، قوليله نايم تعبان.
ارتدت ميار الروب الخاص بها على قميصها وتوجهت إلى الباب لتسأل عن طارقه: مين؟ أم محمد بلهفة: أنا أمك يا ميار، افتحي يا حبيبتي، جايبالك الصباحية. أسرعت ميار في فتح الباب، فدخلت أمها ووضعت الصينية على المنضدة والتفتت إلى ابنتها لتلقي عليها المباركة: صباحية مباركة يا عرو... وضربت على صدرها: يا مصيبتي، إيه ده؟ مالك يا بت؟ فيكي إيه؟
انطلقت ميار في حضن والدتها وأخذت تبكي وتنتحب، ووالدتها تأخذها إلى أريكة الصالون وتربت على ظهرها لعلها تهدأ. أم محمد بمحاولة لتهدئة ابنتها ومعرفة سبب بكاءها فقالت: بس بس، اهدي يا حبيبتي وقوليلي مالك، كفا الله الشر. هدأت ميار قليلاً وأخذت تحكي لوالدتها عن قسوة حسن وسوء المعاملة. حزنت والدتها لا محالة، ولكن حاولت إخفاء حزنها لابنتها، فاليوم الصباحية، فما لها غير أن تنصحها بالصبر. فابتسمت ابتسامة باهتة تخفي خلفها حزنها
عليها وقالت بلامبالاة: خضتيني يا ميار، يخرب عقلك، بقي ده اللي مزعلك يابت؟ يابت اصبري عليه، كل عريس كده في البداية، وبعدين هيهدا ويكون زي الفل. أخذت ميار تجفف دموعها بكفيها وتهدأ قليلاً، لعل كلام والدتها على صواب. ولكن هل يختلف الطبع من وقت لآخر؟ لم تعلق ميار وأرادت تغيير الحوار، فسألت عن أختها: ماجدة مجتش ليه يا ماما؟ أم محمد بابتسامة طفيفة تحاول إخفاء ما بها من حزن:
كلنا هنيجيلك يا قمر، بس أنا قولت أجيبلك الصباحية علشان لو جوعتوا. وأنا وأخواتك وصاحبتك وأبوكي هنيجيلك على بعد المغرب كده، تكونوا فوقتوا وجايبلك الغدا. خلصوا انتوا بس الفطار اللي أنا جايباه. ميار بإيماءة: ربنا يخليكي يا ماما. تلتفت أم محمد يميناً ويساراً سائلة: أمال فين حسن أباركه؟ ميار بوجه عابس: نايم وقالي مصحوش دلوقتي. ابتسمت أم محمد وادعت عدم الاهتمام واستقامت استعداداً للمغادرة قائلة:
وماله يا حبيبتي، خليه مرتاح. طيب يا حبيبتي، ربنا يسعدكوا ويهدي سركوا، مش عايزة حاجة؟ ميار بنبرة صوت حزينة تكاد تقطع بأنيات والدتها قالت: سلميلي على أخواتي وبابا لحد ما يجوا. ثم اخفضت صوتها وقالت: وسلميلي على طنط إخلاص. أم محمد وهي تربت على كتفها وتحاول أن ترسل لها رسالة مبطنة كسؤالها: ميار، انتي دلوقتي يا حبيبتي واحدة متجوزة، متفكريش حتى التفكير في غيره علشان ربنا يباركلك يا حبيبتي.
أومأت ميار برأسها وأخذت تودع أمها عند الباب، ثم دخلت لتأخذ حماماً، لعله يهدأ من ألم جسدها. ومرت الأيام والحال نفس الحال، لم يتغير حسن ولم يسألها في مرة واحدة إذا كانت سعيدة أم لا، حتى اعتقدت ميار أن هذا هو حال كل الرجال كما تخبرها والدتها أن كل الرجال سواء في هذه النقطة، ومن أين لها أن تعلم ميار؟
فهي عديمة الخبرة ولا تتحدث عن هذه الأشياء مع أحد، فسلمت بهذه الحقيقة الباطلة حتى أتموا أسبوعهم الثاني، فاستيقظت ميار على جرس الباب وذهبت لتفتحه، فهي تعودت أنها هي من تفتح الباب دائماً، غير بيت والدها التي كان أخوها يعنفها لو وجدها تفتح الباب هي أو أختها، فتذكرت كلمته عندما يراها تذهب للباب قائلاً: "لما يكون في راجل في البيت، يبقى متفتحيش الباب، افرضي في حد غريب. ولو مفيش راجل، يبقى تردي من ورا الباب وبرضه متفتحيوش".
فاقت على صوت الباب العالي فأجابت بصوت عالي وهي ذاهبة له: أيوة جاية، مين على الباب؟ نطقت حماتها أم حسن بسخرية من سؤالها قائلة: ما تفتحي يا عروسة، كل مرة تسألي مين على الباب؟ فتحت ميار الباب ودخلت حماتها وجلست في الصالون، ثم قدمت لها ميار عصير كواجب للضيافة، ولكن كان لحماتها رأي آخر. أخذت تلوح بشفتيها وهي تشرب العصير وتقول: هتفضلي كتير كده في الشقة؟ وعصير إيه اللي بتقدميه، هو أنا ضيفة؟ تحاول ميار أن تبتسم
لتبتلع سخرية حماتها قائلة: العفو يا طنط، ده بيتك طبعاً. أم حسن بنبرة أمر: أيوة يا أختي بيتي، المهم تنزلي من النهارده، هتقعدي معانا تحت، حسن هيروح شغله وانتي معانا. حاولت ميار إقناع أم زوجها برؤيتها: أيوة يا طنط، ما حسن هيروح شغله، وأنا كمان إجازتي هتخلص بكرة وهرجع الشغل تاني، ويادوب هرجع أعمل الأكل عقبال ما حسن ييجي. أم حسن برفض تام لوحت بيدها قائلة:
لا يا ختي، انتي تروحي الشغل وترجعي علينا نعملي الأكل برضه، وتستني حسن عندنا، وبعدين تطلعوا على آخر النهار. ميار وقد تفاجأت بالوضع وكعادتها لم تستطع الرد، فأرادت أن ترجع الأمر لزوجها، لعله يكن لها السند، فقالت: هشوف حسن ونتفق مع بعض يا طنط، حاضر. أم حسن وقد سدت كل الطرق أمامها: لا مانا وحسن متفقين، وهو موافق. وكأن حسن يقف ويستمع لهم، فدخل عليهم الصالون وقال لها:
أيوة يا ميار، انزلي مع أمي يالا، وأنا هروح الشغل وهرجع عليكم. ظلت ميار تنظر له ولوالدته ولسان حالها: لماذا لم تخبرني؟ ولكنها سلمت أمرها وأومأت برأسها ولم تستطع النطق كعادتها، رغم اعتراضها داخلياً، منتظرة منه أن يسألها إذا كانت ترضي بذلك أم لها رأي آخر، ولكن كعادته، فهو لم ولن يسألها عن رأيها واتخذ صمتها موافقة لكل شيء.
-أما عند جواد، أخذ يعمل بجهد مضاعف وعدد ساعات عمل أكثر، لعله ينسى ما مضى أو يتناسى ما يشعر به، ويجهد ذاته ليطغى تعب جسده على تعب روحه وقلبه.
فكان يرجع يومياً من العمل متأخراً، حتى يوم إجازته كان يقضيه مع أصدقائه، فكان لا يترك لنفسه الوقت أو الفرصة في التفكير بها. ولكن مع كل هذا، لم يستطع أن ينساها أو يذهبها عن عقله، فأخذ يتطلع كل يوم لشباك غرفتها بعد أن يأتي من عمله، لعله يراها ولو صدفه. ظل يعافر حنينه حتى ساقته قدماه في ذات يوم وذهب إلى مكان عملها، فتذكر حين ذهب لها ذات مرة ليخبرها عن افتتاح المحل الثاني له ولأصدقائه ويتشارك معها فرحته. Flashback
انتظرها حتى خرجت من المدرسة، فهي تعمل مدرسة ابتدائي، وتوجه لها. فرأته ميار: جواد! إيه اللي جابك؟ مقولتليش إنك جاي؟ جواد بعيون فرحة لرؤيتها قائلاً: علشان تتهربي مني ومنتقابلش، قولت أعملهالك مفاجأة، إيه رأيك؟ ميار ووجهها يكسوه حمرة الخجل، حاولت التهرب من نظراته، فنظرت الجهة المقابلة وهي تقول: طب امشي بقي علشان أروح. أمسك يدها جواد بغتة وسحبها خلفه إلى سيارته، ثم التفت إليها قائلاً:
لا، انتي هتيجي معايا، في حاجة مهمة أوي لازم أقولك عليها. ميار وهي في قمة كسوفها من مسكة يده، حاولت سحب يدها من يده ثم تساءلت: حاجة إيه يا جواد؟ سيب إيدي، مينفعش كده. ترك جواد يدها ثم فتح لها باب السيارة وأشار لها بيده الأخرى: طب سيبت ايدك اهو، بس اتفضلي دلوقتي، لازم أقولك على اللي جايلك عشانه. استقلت ميار السيارة واتجه جواد للناحية الأخرى وركب خلف عجلة القيادة وأدار محرك السيارة ثم توجه في طريقه لمكان ما.
بعد برهة من انطلاقها تساءلت ميار قائلة: ها يا سيدي، ادينا مشينا، كنت عايزني في إيه بقي؟ أمسك جواد يدها وقربها لفمه ليطبع قبلة حانية بث بها مشاعر المتدفقة، ثم قال وبصوت دافئ: وحشتيني. اضطربت ميار وتسارعت دقات قلبها حتى تكاد تجزم أنه يسمع دقات قلبها من مكانه، فأخذت تسحب يدها من يده وتكلمت بتلعثم وارتباك: جواد، مش معقولة كده، كل شوية أقولك مينفعش تمسك إيدي وانت مش بتسمع الكلام خالص.
جواد وهو يشدد على يدها ويتبادل النظرات بينها وبين الطريق قال مبتسماً: متحاوليش يا ميرو تسحبي إيدك من إيدي تاني، علشان مش هسيبها، خليها في إيدي علشان خاطري. ميار وهي تتنهد بصوت عالٍ ثم قالت بصوت منخفض: طب انت جاي تاخدني علشان كده ولا إيه؟ وكمان إحنا رايحين فين مقولتليش يعني؟ طبع جواد قبلة أخرى على كفها ثم قال وهو مبتسم: أولاً، أنا جايلك علشان فعلاً وحشتيني. ثانياً، مكنش ينفع أحس بالفرحة غير وأنا معاكي.
وثالثاً بقي رايحين فين، هقولك دلوقتي، بصي يا ستي، أنا وأصحابي الحمد لله اشترينا محل جديد وهنعمل فرع تاني إن شاء الله للمحل، وهأكلك أحلى حلويات شامية يا أحلى حاجة حلوة في حياتي، ورايحين فين؟ إحنا وصلنا أهو. ميار وهي تنظر إليه بفرحة عارمة لفرحته وحديثه الذي يجعلها تشعر وكأنها تحلق بالسماء من فرحتها، فقالت له وملامحها تشع سعادة: مبروك، مبروك بجد، أحلى خبر سمعته، والاحلى الفرحة اللي شايفاها في عيونك، بجد فرحنالك أوي.
چواد وقد توقف بالسيارة، استدار لينظر بداخل عيونها ويسافر بعيونه على ملامحها الجميلة، ثم قال: طب يالا انزلي علشان أنا قولت لازم أفرحك معايا. ميار وهي تنظر حولها لتري محل ذهب: أنزل فين يا جواد؟ انت عايز تعمل إيه؟ جواد وهو ينظر بداخل عيونها: هتنقي أي حاجة تعجبك، هدية المحل الجديد. ميار بعدم تصديق وبعفوية قالت: يا جواد يا حبيبي، هدية المحل الجديد ده عليا أنا، انت فاهم غلط. جواد وهو ينظر بداخل عينيها وبفرحة يسألها:
انتي قولتي إيه؟ انتي نطقتيها صح؟ أنا سمعتها منك! انتي قولتي حبيبي صح؟ ميار وقد ارتبكت وزاغت حدقتاها، هي حقاً قالتها ولكن كانت في ضمن سياق الجملة، لم تستوعب أنه سيتوقف عندها ويحرجها هكذا، فتلعثمت في الكلام: لا... أقصد مقولتش... انت كنت بتقول إيه؟ جواد وعيونه كلها خبث: يعني انتي مقولتيش يا حبيبي.
أومأت ميار بالنفي، بينما كانت أيدي چواد تضغط على زر إغلاق أبواب السيارة أوتوماتيكياً، ثم اقترب منها، فشهقت ميار وتوسعت حدقتاها وأخذت تنظر لبابها ثم له متسائلة: جواد، مالك بتقفل الأبواب ليه؟ جواد، افتح لو سمحت وارجع، متقربش. جواد بمساومة واضحة وقد اقترب منها بطريقة أرهبتها: قولتي ولا مقولتيش؟ وأخذ يقترب أكثر ببطء أرهبها. فأغلقت عينيها ورجعت للخلف واستنشقت عطره الذي أخذها لعالم آخر قائلة:
خلاص يا جواد، قولتها، قولتها، ارجع بقي. جواد وطمع الحبيب تمالك منه، فأخذ ينظر على ملامحها عن قرب وهي مغمضة العين، والأفكار تثور بعقله بأن يقطف بكرة قبلتها، ولكنه اتخذ وضع ضبط النفس، فهي لا تستحق هذا، وأثر بنفسه أن يحافظ عليها من نفسه. رجع خصلة من شعرها خلف أذنها وبصوت خافت أثرها أكثر وجعلها أكثر ارتباكاً قائلاً بجانب أذنها: مش هرجع غير لما تقوليها تاني، قوليها يا ميرو علشان خاطري.
فتحت ميار عيونها ونظرت إليه وكأنها مغيبة أو مسحورة، فقالت بصوت خافت وببطء هز ثباته: حبيبي، حبيبي. نطقتها ليس كأول مرة، نطقتها وهي مليئة بمعاني الحب كله. ابتسم جواد فرحاً وأخذ يتنهد تنهيدة طويلة ورجع إلى مكانه وأغلق عينيه: ياااااه يا ميار، لو تعرفي بحلم من قد إيه أن أسمعها منك، ياااااه يا ميار، بجد مش مصدق نفسي، النهارده أسعد يوم في حياتي. ميار ولم تكن في حالة أقل من حاله، ولكن حاولت الرجوع لطبيعتها فقالت:
طب يالا يا جواد، أنا كده هتأخر. جواد مسك يدها وطبع قبلة طويلة بباطن يدها أرهقتها، ثم نظر لها قائلاً: يالا يا قلبي، هتنزلي وتنقي اللي انتي عايزاه الأول. ميار باقتراح: لا، لو عايز تجيبلي هدية بجد، هاتوهالي فضة، أنا بحب الفضة أكتر، مبحبش الدهب. جواد وهو ينظر لها بإعجاب: إزاي مفهمتش؟ ده اللي زيك نقي ومبيحبش البهرجة، يبقى لازم يكون بيحب الفضة. ميار باستغراب: إزاي يعني؟ مش فاهمة قصدك. جواد وهو يشغل محرك السيارة استعداداً
للانطلاق بالسيارة:
يعني يا حبيبتي، الفضة معدن نقي أوي ومبيختلطش باللي أقل منه، بيختلط بالمعادن اللي زيه أو الأعلى منه، ده غير إنه مرن ومبيصديش مهما عدى عليه الزمن، ده غير أن اللي بيعشقه هما الناس الأنقي من جوة اللي مش بيهتموا بالبهرجة ولا المظاهر الخداعة، غير الدهب والماس خالص. آه، هما برضه معدن نقي برضه، بس اللي بيحبوه أكتر الناس اللي بتحب تظهر وتبان تلمع، يعني زيهم، وانتي مش كده، انتي نقية من جوة، وبرغم نقاءك إلا إنك مبتحبيش تباني أو تلمعي، إلا لو حد قرب منك هيعرف قد إيه انتي من جوة جميلة جداً، فلازم اللي زيك يكون بيحب الفضة فعلاً.
ميار ووجهها يشع بالسعادة وانفرجت أساريرها قائلة: ياااااه يا جواد، انت بتفصل كل حاجة فيا بطريقة تحببني في نفسي أوي، وأنا نفسي مكنتش أعرف كده. جواد وهو يختطف النظرة بينها وبين الطريق: لازم تحبي نفسك كتير علشان نفسك ده جميلة أوي، جميلة أوي من جوة وبره يا ميرو. وصلا لمحل الفضة ودخلوا، واختارت ميار سلسلة رقيقة جداً يتدلى منها زهرة باللون القرمزي، فكانت غاية في الجمال.
فاق جواد على صوت خروج التلاميذ من المدرسة ووجد ميار وصديقتها يخرجان معاً، فتواری عن الأنظار بالجهة المقابلة حتى لا يسبب لها أي مشكلة أو سمعة سيئة، وخاصة أن زميلتها تعرفه. ولكن فجأة وجد من يربت على كتفه من الخلف، فاستدار ليجد من لم يتوقعه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!