ظنون أنهم يشغلوني عنكِ ولا يعلمون اني مشغولٌ بكِ. لا يدركون مدى فداحة مشاعري ويظنون أن نسيانك بيدي. تمر ساعات اليوم عند الشباب وينقضي يومهم بين العمل واللهو ومحاولة تشتيت فكر جواد عن التفكير بها، ولكن الأخير كان كل ما يشغل باله كيف يلمسها، سواه حبيبته وهو لن يستطيع فعل شيء؟ أي خوف هذا من الأهل على ابنتهم! أهكذا يخافون عليها فيسلمونها لمن لا يقدرها! ولكن هل فعلاً لن يقدرها؟
لم يعرف، فحبيبته طيبة القلب وحنونة تجعل كل من يقابلها يحبها. فكيف لن يحبها من سيمتلكها؟ ولكن هل سيحبها مثله؟ ينطق عقله وقلبه مؤكداً: لا وألف لا. ولكن ما العمل، يكاد يجن وعقله لم يتوقف. برغم محاولة بعده عن موقع الحدث، وبرغم محاولات أصدقائه في لهوه، ولكن الأمر خارج عن سيطرته، فلم يستطع أن يزيحها من تفكيره.
في وسط المقهى الذين كانوا يسهرون فيه، وقف جواد فجأة والدمع يكاد ينفجر من حدقتيه. فنظروا له أصدقاؤه بتعجب من حاله المفاجئ. كانوا يظنون أنه تجاوب معهم وبدأ بالنسيان، لا يعلمون مكنونات صدره. تساءل نضال بتعجب والقلق يتأكله على صديقه وهو بهذه الحالة، قائلاً: "إيه يا جواد؟ وقفت فجأة ليه ورايح فين دلوقتي؟ إحنا لسه هنسهر مع بعض." جواد بضيق ظاهر بملامحه، قال بصوت خافت يخفي به حزنه الدفين:
"مخنوق يا نضال، سيبوني لو سمحتم عايز أبقى لوحدي شوية." حاولوا منعه مراراً من المشي بمفرده، ولكن لم يستطيعوا. تركهم وظل يسير في الطرقات لا يعرف أين يسير ولا كم من المدة ظل سائراً، حتى وجد نفسه عند كليتها. وهو يتذكر كيف كان يراقبها من بعيد بدون علمها، وكيف حاول الحصول على جدول محاضرتها حتى يعرف مواعيدها دائماً. ولكنه في حيرة من أمره، فهو ما بين أمرين، يريد التقرب، ولكن هو يعلم جيداً حقوق الجيرة، فكيف له أن يخونها؟
حتى حدث ما حدث. *** خرجت ماسة وميار من الكلية وكانت ميار تبكي وماسة تعنفها دون مراعاة لبكائها، قائلة: "إنتي إزاي مسبتنيش أربيه؟ ميار كعادتها عند مواجهة أي مشكلة تبكي وتحاول الهروب، فقالت: "يا ماسة يارب يخليكي اسكتي، أنا كنت خايفة وكنت عايزة أجري، مش عايزة ولا أربيه ولا ليا دعوة بيه من أصله." ماسة بغضب شديد من سلبياتها كما تقول لها دائماً:
"ما طول ما إنتي كده هيفضل يزن عليكي، لازم يلاقي حد يقفله ويبهدله، لكن كده هيعرف إنك هبلة ويستقصدك. اسمعي الكلام، خليكي هنا وأنا هدخل أفرّج عليه الكلية بحالها." مسكت يدها ميار ببكاء شديد: "لأ متسبنيش علشان خاطري، أنا عايزة أروح." شاهدهم جواد من الجهة المقابلة وحاول منع نفسه من التدخل، ولكن مع رؤيتها تبكي بهذه الطريقة لم يستطع منع نفسه من الإسراع نحوهم ليقترب منهم سائلاً: "السلام عليكم، مالك يا آنسة ميار؟ حد ضايقك؟
ماسة وقد ظهر على وجهها الضيق، فضغطت على شفتيها السفليتين هامسة لذاتها: "استغفر الله العظيم، هنلاقيها منين ولا منين يا ربي." ثم استدارت بوجهها له قائلة بنبرة عدائية وابتسامة صفراء: "مين حضرتك بس الأول علشان نعرف نرد على سؤالك." جواد باندهاش من طريقة حديثها، قال متهكماً: "هو حد وجّه لكِ كلام يا آنسة؟ ولا إنتي بتقولي شكل للبيع؟ ميار وهي تضغط على ذراع ماسة وتحاول اللحاق بالموقف، فاقتربت من أذن ماسة هامسة لها:
"ماسة ده جواد جاري اللي قولتلك عليه." ماسة وقد تبدل حالها تماماً لتنفرج شفتاها ونظرت تجاهه قائلة بكل أريحية وكأنها وجدت ضالتها: "آه، آسفة يا أستاذ جواد، مكنتش أعرفك. كويس إنك جيت دلوقتي بصراحة، جيت في وقتك." وأسرتعت مكملة وكأنها تريد أن تطلق كل ما بجعبتها مرة واحدة، فاستطردت قائلة: "ده ميار واحد كان بيزن عليها ونرفزها شوية، لا قول شويتين تلاتة الصراحة." ميار وهي تضغط على يدها وتهمس بأذنها: "بس الله يخرب بيتك."
جواد وقد جن جنونه عند استماعه لحديث ماسة واحمر أنفه غضباً، وبصوت عالٍ وحاد وغاضب قال: "مين؟ عرفيني مين وأنا أوقفه عند حده." ميار ببعض التوتر أزاحت دموعها بكفوفها وأرادت أن تنهي الأمر، فقالت له: "لأ... خلاص... شكراً، مفيش حاجة." ماسة وهي تنغز ميار بكوعها، فقد لاحظت ملامح الغضب على وجه جواد، وهذا ما أرادته حتى يعلم من يؤذيها أنها ليست بمفردها ولها من يستطيع أن يردعه، فنظرت تجاه ميار قائلة بغضب: "خلاص إيه يا ميار؟
لأ لازم حد يوقفه. اسمه... هتعمل إيه بقى يا أستاذ جواد؟ لم ينتظر سؤالها جواد وقد أخرج التليفون من جيبه وضغط على عدة أزرار وهو يشير لها بأصابعه قائلاً: "ثواني وهقولك." انتظر قليلاً حتى أتاه الرد ليقول: "ألووو. أيوة. إزيك يا حبيبي. تسلم يا غالي... آه بصراحة عايز خدمة منك... آه ما الخدمة في كلية التربية... حبيبي يا باشا والله، في ولد عندك بيستظرف شوية وعايزين نربيه... ثواني يا باشا."
نزل جواد التليفون من على أذنه ونظر لهن، حيث كانت نظرات ميار تتسع من المفاجأة لما يقوم به، بينما كانت نظرات ماسة فرحة. ليسألهن جواد: "هو إنتوا في سنة كام؟ ماسة بتسرع: "رابعة." جواد: "والولد من نفس دفعتكم؟ ماسة: "آه." ثم أعاد الهاتف على أذنه مكملاً المكالمة: "أيوة يا حبيبي، في ولد في رابعة واسمه... بيستظرف على زميله له وهي تبعي يعني تخصني بصراحة." انتظر برهة ليبتسم قائلاً:
"ماشي، هبقى أكلمك. المهم هو معاها في الدفعة، ياريت لو تشدوهالنا شوية." ثم انتظر برهة وابتسم قائلاً: "تسلم يا حبيبي... إن شاء الله نتقابل بالليل... لأ مش رايح لهم النهاردة... يلا بقى هبقى أكلمك تاني." وأغلق الخط سريعاً حين رأى ميار قد انسحبت تحاول التهرب من الوقوف معه، لتلحق بها ماسة، فانطلق خلفهم جواد ليستوقفهم قبل أن يمشوا ويتركوه. جواد وهو يقف أمامهم ويسد عليهم الطريق، يحاول طمأنتها قائلاً: "يا ميار...
أقصد يا آنسة ميار، متقلقيش خلاص، مش هيقربلك تاني خالص. ولو قربلك قوليلي." ماسة بفضول: "هو إنت كلمت مين؟ جواد وعيونه تتعلق بميار: "ده صديقي ظابط في أمن الكلية." ماسة وهي تصفق: "الله عليك فعلاً يا ميرو، مش هيقربلك خالص. برافوا عليك." جواد وقد عجبه دلع ميرو ونفسه أن يناديها به، نظر إليها وبابتسامة ساحرة منه قال وعيونه مثبتة على خاصتها: "تحت أمر ميرو، إحنا في الخدمة في أي وقت."
ميار وقد صعقت من مناداتها بميرو من قبله، فنظرت له باستغراب، فوجدته يبتسم فخجلت ونظرت أرضاً مرة أخرى. ماسة وقد أعجبتها النظرات بابتسامة وخبث: "تنحنت. طب يا جواد اسمحلي أقولك جواد، لو ضايقنا تاني نعرفك إزاي؟ جواد وما زال ينظر لميار وكأن الحديث صادر منها، فقال موجهاً حديثه لها: "ممكن تاخدي رقم تليفوني وتتصلي في أي وقت، أي وقت هتلاقيني قصادك على طول." وقد قصد تكرار الكلمة لشد انتباهها أنه يقصدها بالحوار.
ماسة بحركة جنونية منها فجأة سحبت تليفون ميار من يدها وفتحته وأعطته لجواز لتسجيل رقمه، كل هذا حدث في وسط ذهول ميار مما يحدث ومما يقال. وعند اعتراضها زاجرته ماسة بنظرات غاضبة، فقالت ماسة مبررة موقفها: "الله يا ميرو، افرضي ضايقك وأنا مش معاكي، تبقي معاكي النمرة تتصلي على جواد على طول، ولا إيه يا جواد؟
كان جواد قد سجل نمرته عندها وأجرى اتصالاً على هاتفه ليسجل رقمها وهو في قمة السعادة. فاليوم قابلها وتحدث معها وعرف اسم دلعها وتبادل معها أرقام الهاتف، يا لفرحة قلبه. جواد بابتسامة عريضة موجهاً كلامه لها: "صح يا ميار، اسمحيلي أقولك ميار. دلوقتي معاكي نمرتي، أي وقت احتجتي فيه أي حاجة اتصلي عليا على طول، أرجوكي متتردديش. واتفضلي أوصلكوا أي مكان عايزينه." وكأن ماسة أُرسلت له نجدة من السماء لتحقق له كل ما يتمناه.
ميار وهي تحاول الرفض سبقتها ماسة قائلة: "كنا عايزين نقعد في مكان هادئ تهدّي أعصابها فيه، لحسن ده كانت منهارة خالص." جواد بفرحة سحب نفساً عميقاً واتسعت ابتسامته وانطلق قائلاً: "ثواني وهجيب العربية." وانطلق وكأنه طائر من الفرحة. أطلقت ميار سبابها على ماسة لتعنيفها على جنانها وتهورها، فقالت لها موبخة إياها: "إيه الجنان اللي عملتيه ده يا ماسة؟ بتديله تليفوني وتخليه يسجل نمرتي وكمان عايزاه يعزمنا بره؟
لأ إنتي ضربتي خالص، أنا ماشية خليكي إنتي." ماسة وهي تمسكها من يدها ببرود تام وابتسامة خبث: "الله يا ميرو، أنا لقيتك بتحكيلي عنه وأنه شهم وصاحب مروءة، ولاقيت الراجل متشحتف يا عين أمه على نظره ودمه غلي لما عرف باللي بيضايقك، قولت أقرب راسين في الحلال. بس يا ميرو مقولتليش أنه مز قوي كده ولا طوله وهيبته وشياكته، يخرب عقلك لاقيتيه إزاي ولا جه حتتكوا إزاي ده؟ ميار بهيام: "آه مز قوي، أصلُه سوري مش مصري."
ضحكت ماسة وقالت بدعابة: "آه تاخدي إنتي المستورد وتسيبلنا المحلي، وماله يا أختي، ناس ليها حظ وناس ليها ترتر." ضحكوا سوياً حتى أتى جواد بسيارته ووقف أمامهم وولج منها، ثم فتح لها الباب الأمامي فدخلت ماسة في الخلف وأغلقت الباب ونظرت من النافذة قائلة: "يالا يا ميرو اركبي إنتي قدام علشان أنا بخاف من السواقة."
وقفت ميار وقد اشتعلت غيظاً من ماسة وأيضاً خجلاً من جواد، فكانت عبارة عن أيقونة للحمرة. أما هو فكان سعيداً للغاية، فاستقلت هي السيارة بالمقعد الأمامي بجواره، فاستدار حول السيارة وكله سعادة طاغية، وبدأ ينطلق بهم لمكان قريب. بينما كان من برهة لأخرى يختلس النظرات، والتي كانت تلاحظه ميار فيزداد خجلها، ولكن لم تستطع أن تنظر له. بينما ماسة كانت تلاحظ كل ذلك وتبتسم هامسة بذاتها: "عقبال اللي في بالي يا رب."
حاولت ماسة خلق أي حوار بينهم لتقطع هذا الصمت المتعمد من ميار، فيتجاوب مع حديث ماسة ويبدأ بدوره إلقاء السؤال لميار حتى يستمع لصوتها، ولكن حين أراد النظر لها فجأة ظهرت سيارة تحاول المرور من اليمين، فاضطر الالتفاف سريعاً جهة اليسار، مما جعل ميار تقع على كتفه، ثم اعتدلت بجلستها مرة أخرى سريعاً. وبرغم من صعوبة الموقف بالنسبة لها، إلا أنه كان بالنسبة له سعيداً جداً، ولكن هي كانت تشعر وتتمنى لو أن تنشق الأرض وتبتلعها من كثرة الخجل، ففي قرار نفسها لا تعرف كيف ستنظر له مرة أخرى، حتى توقف بجانب كازينو على النيل ودخلوا جميعاً وجلسوا على طاولة تطل على النيل مباشرة، ليتحدث جواد قاطعاً
لحظات الصمت: "أنا بحب أوي أقعد على النيل، آه أنا سوري بس بحب نيل مصر أوي. ها بقى تحبوا تشربوا إيه؟ ماسة بتلقائية: "أنا برتقان. وإنتي يا ميرو؟ ميار بصوت خفيض: "عصير فراولة؟ جواد وهو ينظر لها معلقاً بصوت واضح: "أكتر من كده فراولة! نظرت له بعدم استيعاب، ثم خجلت ثانياً عندما رأته ينظر لها ونظرت هي للأسفل.
جواد بعد أن نادى على النادل والقى عليه الطلبات، استطرد موضحاً سبب انحرافه بالسيارة، فقد لاحظ زيادة خجلها منذ تلك اللحظة، فأراد أن يطمئنها، فقال: "بعتذر منكم والله، العربية اللي كانت جاية من ناحيتك كسرت عليا فجأة، ولولا شوفته من المرايا كان ممكن يخبط العربية من ناحيتك، فاضطريت أفاديه." ماسة بمحاولة لتركهم معاً، فقالت وهي تستقيم: "حصل خير يا جواد. هستأذنكم أروح التواليت."
ميار بعينين متسعتين وهي تزجر لماسة بعيونها حتى لا تتركها، ولكن تجاهلت ماسة نظرات ميار لتذهب ماسة وهي تتجاهل نظرات ميار لها، وحاولت ميار أن تقف، ولكن جواد أمسك يدها: "اقعدي يا ميار لو سمحت، أنا مش هاكلك." ميار وهي تحاول سحب يدها من أسفل يده، ولكنها لم تستطع، فكان محكماً التمسك بها، فقالت له: "لو سمحت، إيدك مينفعش كده." جواد باستغلال للموقف: "طب اقعدي وأنا أشيل إيدي." جلست ميار فرفع جواد يده، جاء النادل ووضع الطلبات،
وقدم جواد العصير لها: "اتفضلي الفراولة، بالرغم إني شايف إنك مش محتاجة." ظلت ميار تنظر للأسفل خجلة من نظراته وحديثه، حتى قال لها جواد بنبرة حانية: "بصيلي يا ميار، أرجوكي، إنتي ليه مش عايزة تبصيلي أبداً؟ هو أنا وحش أوي كده؟ ميار وهي تحرك رأسها نفياً. جواد بصراحة تامة، فقد حسم أمره بالاعتراف بمشاعره تجاهها، فالفرصة اليوم عظيمة، فقال بجدية: "يعني مش عايزة تبصيلي ولا تتكلمي؟
طب أنا عايزة أقولك إني معجب بيكي من أول يوم جيتوا عندنا." فوجئت ميار، فنظرت له بأعين متسعة. جواد بفرحة لرؤية عينيها: "يااااه أخيراً شفت عنيكي، يااااه تصدقي لونهم حلو أوي." خجلت ميار ونظرت للأسفل مرة أخرى. ظل جواد ناظراً إليها وأردف حديثه وكأنه مسلوب الإرادة، فقال لها متغزلاً: "أنا بصراحة مش عارف أتكلم عن عيونك ولا خدودك اللي بقت زي الفراولة دلوقتي، ولا شفا...
قطع استرسال كلامه ومشاعره خوفاً من أن يفهم خطأ، فاطبق شفتيه ثم تنحنح جواد معللاً: "ميار أنا مش عايزك تفهميني غلط، أنا والله نيتي سليمة وغرضي شريف، وعلى فكرة اللي شدني ليكي أكتر من ملامحه اللي مقدرش أنكر جمالها، هو خجلك ده اللي شدني قبل حتى ما أشوف ملامحك، وأنا إن شاء الله أول ما تخلصي كلية هاجي اتقدملك على طول، ده طبعاً لو إنتي موافقة عليا؟ أنا عارف إنك تستاهلي الأحسن مني، بس هعمل المستحيل علشان أكون جدير بيكي."
ميار بصوت يكاد يسمع: "إنت شاب كويس جداً، وأي واحدة تتمناك." جواد بفرحة عارمة احتضن يدها بين كفيه: "بجد؟ قولي والله، يعني أعتبر ده موافقة؟ يااااه بجد فرحان أوي." وأنزل شفتيه على يدها وطبع قبلة رقيقة، ذابت بها ميار وأغلقت عينيها وذهبت في عالم آخر. جاءت ماسة إليهم لتقطع تلك اللحظات التي كم تمناها جواد، فقالت ماسة: "ها اتأخرت عليكم؟ ميار وقد استعادت وعيها فسحبت يدها من يده ووقفت وأمسكت بيد ماسة قائلة:
"يالا يا ماسة، أنا عايزة أمشي." صدم كلا من جواد وماسة من تسرعها بهذا الشكل، حتى شعر جواد أنه قد تسرع في حكمه ومشاعره. *** فاق جواد على صوت أذان الفجر، فنظر حوله فوجد حاله ما زال جالساً أمام جامعته بمقاعد انتظار سيارات الأجرة، فزفر أنفاسه واستقام ذاهباً إلى الجامع ليصلي، لعل الله يبرد قلبه. ***
بشقة ميار، بعد أن أغلق حسن باب المنزل، استدار ووجدها واقفة مكانها بوسط الردهة، لم تتحرك أنشاً واحداً. ذهب إليها ووضع يده على خصرها، انتفضت ميار، بينما هو يبتسم بابتسامة سمجة، ثم سألها باستنكار لكل مشاعر الخوف والرهبة التي تشعر بها أي عروس: "مالك يا عروسة؟ خايفة مني ولا إيه؟
وأخذ يضحك ضحكة أخافتها. استغربت ميار، واستغربت أكثر عندما وجدته يمسك بمعصمها ويسحبها خلفه تجاه الغرفة. حاولت أن تشد يدها كمحاولة لتنبيه والهروب من براثنه، فقالت بتلعثم بينما عقلها يفكر في أي حجة لإيقافه عما ينتويه، فقالت: "حسن... استني يا حسن... مش هنصلي مع بعض الأول؟ وصل حسن إلى باب غرفتهم وكاد أن يفتحه لولا سؤالها، فتذكر أن عليه أن يصلي معها، فقال متذكراً: "ها! آه صحيح، حاضر. إنتي متوضية؟
أومأت ميار برأسها بعد أن تنفست الصعداء، ثم قالت: "آيوة على وضوء." حسن وهو متوجه ناحية المرحاض قائلاً: "طب استنيني، هتوضى وأجيلك حالا." انتظرته قليلاً وظلت تحاول التفكير في سبب لتتعلل به حتى يتركها اليوم وتعتاد عليه.
وبالفعل توضأ حسن سريعاً وصلى بميار التي لم تكد تنهي سلامها بالصلاة، لتتفاجأ بوقوفه خلفها. وبدون أي مقدمات، وجدت ميار نفسها تُرفع من على الأرض ودلف بها الغرفة واضعاً إياها على الفراش، بينما هو ينظر لها بنظرات جائعة ويحاول التخلص من ملابسه. ظلت ميار تزحف على الفراش إلى الخلف بخوف جم، قائلة بصوت مرتجف: "يا حسن... عايزة أتكلم معاك شوية... استني يا حسن." حسن وهو يخلع قميصه بصورة مريبة، قال كلمتين فقط: "بعدين بعدين."
ثم سحبها حسن من أقدامها مقرباً إياها ومزق فستانها بوحشية، مما أثار الرعب بنفس ميار. ثم هجم عليها دون مراعاة لأي مشاعر رهبة أو خوف، لتعيش ميار لحظات بداية سيئة لم تجد بها سوى الآلام الجسدية والنفسية ودموعها التي تنساب منها وهو لم يشعر بها.
بعد فترة قصيرة، فاقت ميار على صوت شخير حسن بجانبها، وكأنه لم يكن معها منذ لحظات. وكعادتها عند إحساسها بأي ضيق أو ضغط، أخذت تبكي مع نفسها واضعة الوسادة على فمها حتى لا يصدر عنها صوت، لا تعلم أنه لم يأبه بها. ظلت تبكي وتنتحب وهي تسأل نفسها: أهذا الذي يستحق أن أحافظ على نفسي من أجله؟ أم هذا جزاء سلبيتي وعدم ثورتي على أهلي؟ ولكن استغفرت ربها وأقرت أنها تحافظ على نفسها من أجل نفسها ورضى ربها فوق كل شيء.
استقامت ميار وارتدت قميصها، ذهبت للمرحاض واغتسلت وتوضأت وصّلت، ثم توجهت للفراش ونامت وهي تناجي ربها أنه ليس لها سواه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!