مع إشراقة جديدة للشمس، قد يتمنى الجميع إشراقة جديدة بحياتهم. فالبعض يخطط ليومه، راسماً آمالاً جديدة قد تتحقق متفائلاً بأحلام رآها في منامه. والبعض يرى أنه يوماً إضافياً لآلامه، التي غالباً ما اعتاد عليها ويرى أنها أصبحت عادة، متوقعاً أنها ستدوم طيلة عمره وليست أمامه إلا التماشي معها. وآخر يرى في اليوم الجديد ما هو إلا فرصة جديدة للنيل من ثأر قد اعتبره مهمته الأولى.
قضت غالية، والدة ماسة، ليلها في قلق عارم بين تفكيرها فيما قاله فؤاد عن ماسة ونتائجه. تعلم أن نتائجه وخيمة وأنها ستقضي أياماً في عراك دائم مع أخيها، ولكنها حسمت قرارها عندما اختارت حياة ابنتها ومستقبلها. فهي تعلم كل العلم أن أبناء أخيها ليس بهم من يصلح لابنتها، فهم تربوا على جني المال بشتى الطرق ولا يعرفون للمشاعر سبيلاً.
مع انبثاق أول شعاع للنهار، ذهبت غالية لغرفة ماسة تحاول إيقاظها. فهزتها قليلاً حتى تململت ماسة في فراشها وتمطت قليلاً. فجلست غالية بجوارها على الفراش تربت على كتفها قائلة لها: "اصحي حبيبتي كدة وفوقي علشان عايزاكي في كلام مهم." استشعرت ماسة جدية حديث والدتها، فتثائبت ماسة وأغلقت فمها بكفها. ثم اعتدلت في جلستها قليلاً لتصبح في مستوى والدتها قائلة بتساؤل وهي تفرك في عيونها من أثر النعاس: "خير يا ماما في ايه؟ ابتلعت
غالية ريقها ثم قالت: "أنا كلمت عمك وخالك علي محمد." اتسعت حدقتا ماسة وارتسمت الابتسامة على محياها، واللمعت عيناها بلمعة الفرحة. ثم تساءلت: "ها يا ماما وقالولك ايه." زاغت نظرات غالية قليلاً تحاول ترتيب كلماتها، ثم سحبت نفساً عميقاً وأخرجته على مهل، بينما ماسة تتوق لسماع نتيجة المحادثة. فقالت غالية بتردد، محاولة إيصال الفكرة لابنتها: "بصي يا بنتي، احنا عارفين موقف خالك من زمان وأنه كان رايدك لحد من اخواته."
قطعت ماسة حديث والدتها وقالت بانزعاج: "بس أنا لا يمكن أتجوز حد منهم، دول ميعرفوش يعني إيه قلب ولا مشاعر، كل حاجة عندهم بكام؟ دول طمعانين فينا مش أكتر يا ماما." حاولت غالية تهدئة ابنتها وطمأنتها أنها تعلم ما تريد قوله، فربتت على فخذها وقالت لها: "عارفه يا حبيبتي ومقدرش أغلطك، وعلشان كده اتصلت بعمك فؤاد واللي بصراحة قالي حل بس مش عارفه هنفذه إزاي." عقدت ماسة حاجبيها سائلة بفضول: "حل إيه ده يا ماما؟
وليه مش عارفه هنفذه إزاي؟ زمت غالية شفتيها ثم أطلقت زفرة عالية وبدأت تقص عليها مخطط عمها: "لما بلغت خالك بموضوع محمد ثار وغضب وقال تعتبري مخطوبة لابنه وهيجي آخر الشهر يلبس دبل ويكتب الكتاب. فاتصلت بعمك اللي رفض كلام خالك وقالي موافق طبعاً على مقابلة محمد وهيجي يقابله، ولو لاقاه كويس وهو عجبك يبقي نكتب الكتاب على طول من غير خطوبة." شقت الابتسامة شفاه ماسة ولمعت عيناها بالفرحة، ثم هبت فجأة تحاول الوقوف.
فامسكتها والدتها سائلة: "رايحة فين؟ لسه مخلصناش كلامنا." رفعت ماسة أكتافها بفرحة ثم قالت: "هبلغ محمد إنه يجي يتقدملي بقي." سحبتها الأم لأسفل لتجلسها قائلة: "بالبساطة دي؟ اقعدي يا هبلة." قضبت ماسة جبينها مندهشة من حديث والدتها لتعلق قائلة: "في إيه تاني يا ماما؟ مش عمي قال هو ده الحل الوحيد!؟ حركت الأم رأسها يميناً ويساراً دليل على عدم الفائدة ثم قالت: "افتكرتك هتفهميني على طول." ثم استطردت بالحوار قائلة:
"هو معنى إن لازم ده يتم وبسرعة إني أرخصك وأنا اللي أطلب منه إنه يستعجل في كتب الكتاب؟ لا طبعاً مينفعش، لازم أعززك ويحس إنه أخيراً خدك بعد ما اتحايل علينا كمان. وفي نفس الوقت منزودش عن الوقت المحدد. بس المشكلة بقي نحقق المعادلة الصعبة دي إزززززززززززززززززززاي؟
انهدلت أكتاف ماسة للأسفل وانطفأ حماسها أمام المعادلة الصعبة التي أوضحتها لها والدتها، لتنظر لوالدتها بعيون زائغة وكأنها لا تعرف حل لهذه المعضلة، وتطلب منها العون. فزمت غالية فمها ثم ربتت على فخذها لتطمئنها وقالت: "ربك هيعدلها إن شاء الله، انتي بس ابقي بلغي محمد إن عمك وافق يقابله وهنبلغه بالمعاد إن شاء الله." أومأت ماسة برأسها دون أن تنطق بكلمة وعقلها في حالة تيه لا تعرف كيف تتصرف. ***
صباحهم اليوم مختلف عن أي يوم. فها هو يستيقظ قبل أخيه منذ الفجر، وهذا على غير العادة. يعد خططه ويرتب أفكاره، فقد قرر أن هذا اليوم هو يوم الثأر. تعجب يزيد عندما رأى أخيه بكامل ملابسه جالساً على الأريكة بالردهة فور ولوجه من غرفته للذهاب للمرحاض. فغير اتجاهه وذهب إليه يسأله بفضول عن سبب هذا التغيير قائلاً: "في حاجة في المحل ولا إيه؟ انتبه يزن من غفلة تفكيره والتفت لأخيه موضحاً موقفه قائلاً بوجه مقتضب وصوت خالٍ
لا ينم على شيء: "لا أبداً، أنا بس ورايا مشوار مهم هخلصه بدري وأرجعلك." تعجب يزيد أكثر من جدية حديث يزن ومنظره ليسأله مجدداً: "مالك؟ شكلك مش طبيعي! لو في مشكلة قولي ونحلها سوا." حاول يزن التخلص من تفكير أخيه حتى يتركه، فحاول الابتسام قليلاً ثم قال: "لا أبداً مفيش مشكلة، عقبال ما تحلق وتجهز أنت أكون أنا ظبطت شوية في العربية علشان تليق بالعريس بتاعنا." ربت يزيد على كتفه قائلاً:
"عيب، دحنا اخوات. على العموم مش هضغط عليك عشان تقولي، بس هستناك متتأخرش، أنت عارف محتاجك إزاي النهارده." ابتسم يزن واستقام قائلاً: "متقلقش، هاجي على طول." ثم خرج مولياً أخيه خلفه يدعو له بصلاح الحال.
وصل يزن إلى الكلية قبل موعدهم الأصلي بنصف ساعة وظل منتظراً داخل سيارته. ولكن لم يأتِ أحد حتى الآن. وحسب جدول المحاضرات، فالمفترض أنها أمامها عشر دقائق فقط على ميعاد المحاضرة الأولى. ولكن لم ييأس، فقد قرر أن يكمل وصلة الانتظار، ربما لم تحضر المحاضرة الأولى. بعد مرور خمس دقائق، لمح فتاة يعتقد أنه رآها مع غزل من قبل تسرع بخطواتها. فهبط من السيارة ووقف أمامها يحاول سد الطريق، ثم قال لها:
"أنا آسف يا آنسة، بس حضرتك زميلة غزل؟ عرفته زميلاتها جيداً، فهو ملامحه مميزة لا تُنسى. فقالت له وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة من أثر العدو: "أيوه أنا، ولو بتسأل عليها هي مش جايه النهارده عشان خطوبة أختها، وعن إذنك عشان متأخرة جدا."
وتركته وهرولت سريعاً داخل الكلية للحاق بميعاد محاضرتها الأولى. بينما هو شعر وكأن مخططه باء بالفشل. ولكن فإن غداً لناظره قريب. فتوعد لها بالغد واستقل سيارته ذاهباً إلى أخيه ليكمل معه استعداده لخطبته. ***
استيقظت ميار تشعر بألم رهيب بجسدها، فولجت إلى المرحاض لتنعم بحمام دافئ يزيح هذه الآلام. ثم ارتدت ملابسها وانطلقت إلى عملها، بينما حسن يغط في نوم عميق لا يشعر بها، فقد اعتاد على النوم بميعاد متأخر بسبب عدم انشغاله بعمل آخر.
وصلت ميار إلى المدرسة وقابلت ماسة، التي شعرت أنها على غير عادتها، فقد كانت صامتة أغلب الوقت وذهنها مشغول دائماً، وهذا مغير لطباع ماسة. بينما ماسة ظلت تفكر بحديث والدتها. وعند رؤيتها لميار، كادت أن تقبل عليها وتخبرها بالمشكلة، ولكنها شعرت بالحرج الشديد، وكأنها تريد أن تقول لها: "أخبري أخيك أن يتقدم لي ويتزوجني بأسرع وقت." شعرت بالتردد حتى سألتها ميار عن حالها وسبب تغيره. فحاولت التهرب قائلة:
"أبداً، أنا بس ماما قالتلي إنها موافقة تقابل محمد هي وعمي." عقدت ميار حاجبيها باندهاش ثم سألتها: "وده حاجة تفرحك ولا تزعلك؟ ازداد توتر ماسة وابتلعت ريقها ثم قالت: "لا طبعاً تفرحني، أنا بس اللي متوترة شوية خايفة عمي يتقل على محمد." ربتت ميار على يدها مطمئنة إياها وقالت: "متخافيش، محمد ناصح وهيعرف إزاي يتفاهم معاه، وكمان أنتِ تتقلي بالدهب ومتقلقيش خالص، خدي وقتك كله وأنا هقول لمحمد ميستعجلش ويسيبك براحتك."
"لا" نطقت بها ماسة محاولة إنقاذ الموقف، فالود ودها بأن تخبرها بضرورة تعجله، ولكن لم تستطع. فابتلعت ريقها وحاولت تصحيح كلمتها قائلة: "آآآآه... قصدي... لا متقولولوش حاجة ليزعل ويفتكرني مش عايزاه وبتحجج، سيبه براحته لما نشوف هيتفق مع عمي على إيه."
ابتسمت ميار وفرحت لشعورها بمحبة ماسة لأخيها ودعت لهم بصلاح الحال وبأن يتم جمعهم على خير. ثم اتجه كل منهم لحصته لإكمال يومهم، بينما أمسكت ميار هاتفها لتخبر أخيها بموافقة والدة ماسة على مقابلته، ولكن عندما يحدد عمها ميعاداً يناسبه. فرح محمد كثيراً وأنهى مكالمة أخته سريعاً حتى يهاتف ماسة ويفرح معها بقرار والدتها.
فور صدوح رنين هاتف ماسة معلناً عن اتصال من محمد، تصببت عرقاً ولم تعرف بماذا تجيب عليه. إذا استمع لصوتها سيعرف تلقائياً أنها تخفي شيئاً ما. ظلت واقفة تنظر للهاتف، بينما هو لم ييأس يعيد الاتصال مراراً وتكراراً حتى قررت أن تجيبه وتتحجج وتحاول إنهاء المكالمة سريعاً بحجة الحصة والأطفال. ففتحت الخط محاولة تغيير نبرة صوتها قائلة بصوت فرح متصنع السعادة: "محمد، عرفت إن ماما وافقت إنك تقابل عمي؟
لم ينتبه محمد لنبرة صوتها بسبب فرحته، بل جاراها في الحوار قائلاً: "أيوه أخيراً، لسه عارف من ميار وقولت أتصل أفرح معاكي." حاولت تصنع الاهتمام بالأطفال فقالت: "بس يا ولد عيب كدة." ثم وجهت حديثه له معتذرة قائلة: "هكلمك تاني يا محمد عشان الولاد هيضربوا بعض، باي."
قبل أن يرد عليها، كانت أنهت هي المحادثة وتنفست الصعداء في أنها نجحت بالخطوة الأولى، وهي إبلاغه بموافقة والدتها دون التطرق لأي حوار آخر. كما أنها أنهت الحوار دون أن يستشف من نبرتها أي شعور.
عادت ماسة من العمل لتبلغ والدتها بأنها أبلغت محمد بموافقة عمها على مقابلته دون التحدث عن كيفية الإسراع في الخطوات. لتربت غالية على كتفها وتطمئنها أنها ستحاول أن تتفق مع عمها في التحدث بهذا الأمر، ولكن بطريقة لا تخجلهم. أمسكت غالية هاتفها لتتحدث مع فؤاد لتحديد موعد لمقابلة محمد، ولكنها وجدت هاتفها يصدح معلناً عن مكالمة من تجاه أخيها قبل أن تشرع في مهاتفة فؤاد.
جحظت عيناها وتسمرت مكانها، لا تعلم ماذا تفعل. هل تنهي المكالمة وتتحدث مع فؤاد أولاً ويتخذوا قرارهم؟ ولكن ماذا لو كان يريد أن يخبرها بتقديم ميعاد الخطبة لولده؟ فقررت أن تجيبه أولاً قبل مهاتفة فؤاد حتى تعلم ماذا يريد وتخبر به فؤاد ليفكر معها كيف تتصرف. ففتحت المكالمة لتجيبه وبعد نصف دقيقة جحظت عيناها وشهقت شهقة عالية ثم قالت: "................... ***
استيقظ جواد في ميعاده وأمسك بهاتفه يتذكر أنها أرسلت له عدة رسائل، ولكنه لا يريد حتى فتح أحدهم. شعر أنه يريد الابتعاد بعد أن كان يوهم ذاته أنه يحاول التقرب. بدأ يستعد للذهاب للمحل، بينما كانت إخلاص تعد الإفطار. جلسا سوياً على المائدة، كلا منهم ينظر للآخر بصمت أكثر من تناول الطعام. هي تريد السؤال عن خطيبته من باب مجاملته، ولكن قلبها ولسانها لم يطاوعها. وإذا تحدثت عن حاله، أنه يبدو لها غير مستقر، فربما كانت السبب في مشكلة ما بينهما، فآثرت أن تصمت عما تريد الإفصاح عنه.
وهو أيضاً يريد التحدث معها حول شعوره تجاه هذه الخطبة، ولكن خوفاً منه أن تؤكد شعوره أنه هناك أمر ما غير عادي في مثل هذه الظروف، وربما حاولت التحدث معها بدلاً منه وقد تستقبل هايدي محاولاتها بطريقتها الفجة. فحبذ أن يصمت من أن يبدأ مناقشة قد يكون متوقع اتجاهها.
ظل كلاهما صامتاً، وبرغم أن هدف كلا منهم إراحة الآخر، شعر كلا منهم بعدم الراحة. فالصمت لم يكن سبيلهم معاً في يوم من الأيام. فتأكد لكلا منهم أن هذا الموضوع قد يكون سبباً للشفاء والبعد وليس للراحة. فعزم كلا منهم على فعل شيء لكسر حاجز الصمت هذا والوصول لنقطة التقاء. ولكن قبل الخوض في هذا، يجب أن يتأكد كلا منهم من شعوره. فعزم جواد من التوصل لسبب هذه التناقضات في معاملته هو وخطيبته. أما إخلاص فعزمت على استمرار الدعاء له بأن يريح باله ويسهل له صالح الأمور ويبعد عنه شرها.
انتهى الإفطار مؤكداً على والدته التجهز لحين العودة، وتوجه جواد إلى المحل، فاليوم يزيد ويزن يعتمدان عليه بسبب خطبة يزيد، والذي أكد على وجود جواد معهم، فهم بدون عائلة ويعتبرونه هو ووالدته عائلتهم. دلف جواد من باب المحل ليرحب بالعمال كعادته، ثم استقر بداخل مكتبه ليخرج هاتفه يحدث نضال بدون أن يطرح عليه السلام قائلاً: "الله يخرب بيت اللي ياخد مشورتك تاني يا أخي." اعتدل نضال على مكتبه وتعجب من بداية المكالمة فسأل باندهاش:
"ليه بس يا جواد باشا؟ إيه اللي حصل للدخلة الجامدة دي." جواد معاتباً: "قعدت تقول اتجوز واخطب وهتنسي، والليلة اسودت أكتر. لانا نسيت ولا فرحت ولا حاسس إني خاطب أصلاً." ضحك نضال بصوت عالٍ وما زالت عيونه تراقب شاشة المراقبة لدخول الطلاب من باب الجامعة، ثم قال بمزح: "طب ما النكد برضه مطلوب يا ابني، وهو ده اللي بينسي اللي مبينساش." تحدث جواد بجدية قليلاً قائلاً:
"أنا بتكلم بجد يا نضال، أنا مش بشكي من طلبات الهانم ولا أسلوبها النكدي والمستفز، أنا بضيف لكل اللي فات ده فتورها الغريب في المعاملة معايا وفي نفس الوقت حماسها الرهيب في إظهار مشاعر مش موجودة أصلاً على السوشيال ميديا. يعني ممكن بكل بساطة متردش على تليفوني وألاقيها بعده تنشر بوست بإحساسها بالحب لما خطيبها يتصل بيها. إيه كم التناقض ده."
استشعر نضال جدية مشاعر جواد واندهاش من حديثه، ليتسرب إليه شعور لا يريد أن يفصح عنه لصديقه، ولكن جواد سبقه وقال ليستطرد جواد حديثه قائلاً: "أنا حاسس إنها بتحاول تضرب بيا حد تاني وتظهرله قد إيه هي سعيدة، يمكن يغير ويتحرك." زم نضال شفتيه ثم قال له: "طب أنت محاولتش تتقرب أو تتكلم معاها؟ وكان بسؤاله أشغل فتيل الغضب لدى جواد ليتحدث الآخر بنبرة غاضبة:
"اتزفت وحاولت وبتصدني بطريقة تغيظ، والمشكلة الأكبر البجاحة في المعاملة، الهانم كمان مبتعترفش إنها غلطانة." "طب ما تسيبها يا جواد، أنت لسه على البر بسيطة يعني." نطق بها نضال محاولاً حل الموضوع بطريقة سلمية برغم عدم ارتياحه لهذا الحل، ولكن جواد نطق بما يجول بخاطره: "ويرضيك أبقى كبر؟ أنا زي ما بقولك حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة، بعد ما أخطبها وتشعلل غيري أسيبها بالبساطة دي؟ أنت ترضاها على نفسك؟
"بصراحة أبداً." نطق بها نضال ثم أردف قائلاً: "طب بص عشان ده سمعة بنت وقبل ما نظلمها لازم نتأكد الأول. سيب الموضوع عليا وأنا هجيبلك أرار أمها ولو عايز أتابعلك تليفونها كمان أتابعه، وليلتها سودة لو طلعت زي ما توقعنا." جواد براحة لهذا الحل: "تمام، تابع تليفونها ولو حصل فعلاً وطلع شكك في محله، يكفي إني أخسرها كل مخططها." ثم تغير اتجاه المكالمة حول خطبة يزيد. ***
ليلاً استعد جواد ووالدته وتوجها لمنزل يزيد ويزن للذهاب لخطبة يزيد، الذي كان متلهفاً ومستعداً منذ فترة ويجلس مشتعلاً من الغيظ على الأريكة منتظراً أخيه يزن، الذي ظل ساعتين يبدل في ملابسه وكأنه هو من سيخطب ليس أخيه. صدح رنين هاتف يزيد بجواره ليجيب على الهاتف قائلاً بنبرة غاضبة: "البيه بيجهز جوه، تقول لي هو العريس! ضحك جواد من الجهة المقابلة للهاتف ثم قال: "طب وقت ما تخلصوا أنا تحت، ولا تحبوا أسبقكم على بيت العروسة؟
"لا، دانتوا قاصدين تفرسوني بقى. ما تتلم يا جواد وكفاية عليا يزن." ضحك جواد بصوتاً عالٍ، بينما أجاب يزن من داخل غرفته بصوتاً عالٍ قائلاً: "الحق عليا عايز أشرفك." أجابه يزيد بصوتاً عالٍ وغاضب وكأنه يكشف مخططه: "عايز تشرفني ولا بتجهز عشان لو لقيت بنت حلوة؟ ثم وجه حديثه لـ جواد عبر الهاتف قائلاً: "قولي أنت كمان جبت الجاتوه؟ أجابه جواد مطمئناً وفي ذات الوقت يذكره بالنواقص:
"جبت يا سيدي متقلقش، بس برضه متنساش لسه هنعدي على محل الورد، فخلصوا عشان منتاخرش على الناس." زفر يزيد زفرة عالية قائلاً بقلة حيلة: "قول للي جوه ده أنا بدأت أفقد الأمل إنه يخلص أصلاً." خرج يزن على آخر جملة قائلاً: "أنا خلصت خلاص يا سيدي، وبكرة تقول أخوك شرفك. واعمل حسابك أنا اللي هختار بوكيه الورد عشان حضرتك متعرفش إيه اللي بيعجب البنات، يلا بينا."
وبالفعل توجه يزن ويزيد بسيارتهم وخلفهم سيارة جواد وإخلاص تجاه محل الزهور يبتاعان بوكيه ورد من اختيار يزن، كما ابتاع جواد علبة شوكولاه من النوع الفاخر، وتوجها جميعهم إلى منزل غرام، التي كانت على أعلى درجة من التوتر والقلق.
فبرغم انقضاء يومها مع أختها في البحث عن فساتين لهم بين المحلات، اختارت غرام فستاناً بسيطاً جداً باللون النحاسي، فهي ترى أن هذا اللون يليق جداً مع بشرتها. بينما اختارت غزل اللون الوردي، حتى عادوا للمنزل بعد العصر تقريباً لتبدأ كل منهن في الاستعداد. فقد رفضت غرام رفضاً تاماً الذهاب لمركز تجميل وقررت الاعتماد على ذاتها، فهي دائماً لا تحب التبرج الزائد برغم أنها عكس أختها تماماً. فقد عادت غزل يبدو عليها الضيق الزائد بسبب
رفض أختها الذهاب لمركز التجميل. وبدأت كل منهن الاعتماد على ذاتها في التزين، بينما والدتهم اهتمت بالمنزل وإعداد بعض الحلوى، برغم إرسال يزن الكثير من الحلوى وبعض المعجنات من أفخر المحلات منذ الصباح، إلا أنها أصرت على تجهيز بعض أنواع الطعام المتميزة بها تعبيراً عن فرحتها بهذا اليوم. وبرغم انشغالهم جميعاً وتقريباً لم يشعروا بانقضاء الوقت، إلا أن غرام كانت في حالة من التوتر والقلق العارم مع إحساسها بالسعادة الغامرة، لا
تعرف كيف امتزج هذان الشعوران معاً!
هل بسبب سرعة القرار برغم تمنيها له؟ أم أنه أمر طبيعي من الموقف ذاته. انتهت غرام من تزين نفسها وجلست على الفراش بغرفة غزل، التي ظلت تغير وتجرب وتبدل في زينتها ثم تزيل ما وضعته لتجرب طلة أخرى. وأختها تجلس بالفراش خلفها تنظر لها بدون أن تراها، كل ما ينتابها مزيداً من التوتر والقلق كلما اقترب الوقت. حتى سمعا كلاهما صوت رنين جرس الباب لتهب غرام واقفة تنظر لأختها بعيون متسعة. والتفتت غزل لها تنظر لها وتقول وهي
تدبدب بقدمها على الأرض: "أنا لسه مخلصتش مكياج، عاجبك كده؟ مش كنا رحنا الكوافير." ثم انفرج باب الغرفة لتجدا والدتهم تدلف عليهم بابتسامة واسعة وتقول: "بس الله ما شاء الله عليكم قمرات، الله أكبر." ثم التفتت لغرام قائلة: "مبروووك يا حبيبتي، خليكي هنا لحد ما أندهلك." ثم التفتت لغزل قائلة: "خلصي وحصليني بسرعة عقبال ما أفتحلهم الباب." ثم انصرفت لتفتح الباب، تاركة خلفها فتاة مضطربة وأخرى متذمرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!