الفصل 26 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
17
كلمة
4,397
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

جحظت عيون غالية وتمتمت بصوت مسموع قائلة: _الحمد والشكر لك يا رب. سمعها أخيها فاروق من الناحية الأخرى فسأل بلهفة متعجبًا: _بتحمدي ربنا أن ابني اتكسر يا غالية؟ انتبهت غالية لما نطقت به فحاولت تصحيح موقفها فقالت: _لا يا حبيبي بعد الشر عليه. أنا بحمد ربنا إنها جت على قد كده. زفر فاروق زفرة عالية ثم قال بصوت حزين:

_آه صحيح، الحمد لله إنها جت على كده. دي كانت حادثة جامدة ولولا ستر ربنا، كنا هنضطر نعمل عملية ونركب شرائح. بس الحمد لله الدكتور طمنا، متقلقيش. كلها شهرين إن شاء الله وهنخف. أنا بس قولت أتصل بيكي عشان هنأخر الخطوبة شوية. تنفست غالية الصعداء حتى شعرت أنه سمعها ثم أسرعت قائلة: _وماله يا أخويا، براحتكم خالص. أهم حاجة صحة حازم، وألف حمد الله على سلامته تاني.

أنهت المحادثة وكادت أن تقفز من الفرحة، فأجرت هاتفًا آخر بفؤاد الذي أخبرته بالأمر، فقال بصوت فرح لفرحتها: _الحمد لله. دلوقتي تقدر نتكلم ونتفق براحتنا. ولو على طلب كتب الكتاب، هخليه هو اللي يطلبه إن يكون مع الخطوبة. ماهو برضه مش معقول يدخل ويخرج عليكم وأنتوا اتنين حريم لوحدكم، ولا إيه يا غالية؟

شعرت أنها ليست بمفردها من تفكر في هذا الأمر، فهو طلب شائك وسيظل بتاريخ حياة ابنتها الزوجية. انتبهت من غفلتها على حديث فؤاد قائلاً: _هتفضلي لوحدك كتير يا غالية؟ مش آن الأوان بقى تسمحيلي أبقى سندك بعد ربنا؟ بكرة البنت هتروح مع عريسها، وهنفضل إنتي وأنا لوحدنا نتعكز على بعض.

شعرت غالية بتوتر شديد، برغم أنها مازالت تكن لوالد ماسة كل الحب والاشتياق، ولكنها حقيقة تحتاج من تستند عليه، وخاصة أمام أخيها بعد أن تفعل فعلتها الشنعاء من وجهة نظره. فاقت من شرودها على صوته وهو يقول:

_على العموم، أنا بكرر طلبي يا أم ماسة ومش عايز منك رد دلوقتي. هسيبك تفكري وتحسبيها، واعرفي إن اللي فات مش زي اللي جاي. على العموم، بلغي خطيب بنتك إن شاء الله هقابله الأسبوع الجاي يوم الجمعة إن شاء الله، وأتمنى ألاقي ردك في وقتها. أستودعكم الله. أغلقت غالية الهاتف وهي بحالة شرود تام وعقلها مشوش. هل فعلاً السابق ليس كالتالي؟

تعلم أنها ضعيفة أمام أخيها وأولاده وجبروتهم، وأنها تحتاج لمن يقف بجوارها ويكون لها ولابنتها السند بعد الله. فخالها، فهو سيكون ندبة في حياتهم وحياة ابنتها، تحتاج للدرع الواقي تحسبًا لأي ظروف. ولكن هل صبرت كل هذه الأيام حافظة على العهد ووفية لزوجها لتخونه في آخر العمر؟

استقامت لتقف أمام صورة حبيبها وزوجها مراد كما تفعل دائمًا عندما يستصعب عليها الأمر، فهو كان ومازال مرشدها ومنقذها. ففي حياته كان يرددها للصواب، وفي مماته تشعر كأنه يرشدها بأحلامها. ظلت تحدق بصورته وملامحه التي اشتاقت لها كثيرًا، ثم أطلقت تنهيدة حارة ثم قالت: _وحشتني أوي يا مراد، وحشتني يا أبو ماسة. تعبت أوي يا حبيبي بعدك. أخويا اللي كنت بتحنيني منه اتجبر عليا وعلى بنتك أوي. فاكر ماسة؟

أنت اللي سميتها وقولت تكون ماسة حبنا. حمدت ربنا كتير عليك عشان كنت أكبر نعمة في حياتي، ولحد دلوقتي ذكراك بس أكبر نعمة في حياتي. مش قادرة أعيش مع غيرك عشان مش قادرة أنساك، بس دلني أعمل إيه يا حبيبي قصاد أخويا. خايفة يأذي بنتي لو في يوم اشتكت بعد الجواز ومتلاقيش اللي في ظهرها. أنا عارفة إن أخوكي راجل وهيوقف في ظهرها من غير حاجة، بس حقها اللي معايا من ورثي أنا مش هقدر أحميه من أخويا، وخايفة أظلمها لو في يوم من الأيام أخويا أو أولاده عملوا حاجة وأنا مقدرتش أقف في وشهم. دلني يا مراد زي ما عودتني دائمًا، دلني يا حبيبي.

استمعت على طرق على باب غرفتها، فسمحت لابنتها بالدخول فقالت لها: _تعالي يا ماسة. الحمد لله يا حبيبتي، ربك مكملها معانا بالستر. الفترة امتدت بدل شهر بقت شهرين واحتمال ثلاثة. تساءلت ماسة باندهاش: _إزاي يا ماما؟ ثم أكملت بسخرية قائلة: _إيه خالي رجع في كلامه ولا حازم ابنه قاله مبحبهاش؟ ضحكت غالية بصوت عالٍ، ثم سحبت ابنتها وجلسا على الفراش لتسرد لها ما حدث، وعلى ميعاد مقابلة عمها لمحمد. ***

بعد أن أعاد يزن الطرق مرة أخرى على جرس منزل غرام ولم يجد إجابة، التفت يزن إلى أخيه ناظرًا له بحزن وتأثر قائلاً بسخرية: _للأسف شكلهم غيروا رأيهم يا... قبل أن يكمل جملته، استمع لصوت قفل الباب يفتح وصوت امرأة ترحب بهم: _أهلًا أهلًا، نورتونا.

التفت يزن ليرى امرأة في منتصف الأربعينيات، يبدو أنها كانت تتصف بالجمال في شبابها، تبتسم وترحب بهم، ثم تنحت للخلف قليلاً لتسمح لهم بالدخول. وبالفعل، بدأوا جميعهم بالدخول، وقدموا علبة الشيكولاتة والهدايا الأخرى، ثم أكملوا طريقهم كما أشارت لهم، وجلسوا جميعهم. فرحبت فاطمة أم غرام بهم لترد عليها أخلاص تعرفهم بنفسها: _البيت منور بأصحابه يا حبيبتي. أعرفك بينا أنا أخلاص والدة چواد.

وربتت على قدم ابنها بجوارها، ثم التفتت للجهة الأخرى تقدم يزيد قائلة: _وده يزيد صاحب ابني ويعتبر ابني التاني. ثم مالت قليلاً للأمام تشير ليزن قائلة: _وده بقى يزن حبيبي أخو يزيد وابني برضه. ابتسمت فاطمة أم غرام تود أن تسأل عن والد أو والدة يزيد الحقيقيين، وكأن أخلاص قرأت ما تفكر به فاطمة والدة غرام لتردف قائلة: _أكيد بتسألي عن أم يزيد ويزن!

أنا عايزة أعرفك بينا أكتر، إحنا سوريين وعايشين هنا من زمان وتقريبًا كل قرايبنا في سوريا، يعني تقدري تقولي زي المصريين كدة مقطوعين من شجرة. وبالنسبة ليزيد ويزن، دول زي ولادي وبرضه ملهمش حد هنا غيري أنا وابني، ودول اضمنهم براقبتي.

بدأت فاطمة تشعر بالقلق، فلم تتوقع أن يكون زوج ابنتها سوريًا. فعبست ملامحها قليلاً ليشعر بها يزيد وينظر تجاه چواد وكأنه يطلب المساعدة، لينظر له چواد وقد فهم ما يشير إليه، ثم بدأ بالتحدث قائلاً: _أنا شايفك قلقتي أول ما قولنا إننا سوريين. زمت فاطمة شفتيها ثم ادعت الابتسامة قليلاً وشعرت بالحرج لتجيبه قائلاً: _لا أبدًا يا ابني، إنتوا شرفتونا طبعًا. الموضوع مفاجأة مش أكتر.

ثم استأذنت قليلاً لتذهب لغرفة ابنتها، فدلفت الغرفة عليهم قائلة بنوع من العصبية موجهة حديثها لغزل: _أنا مش قولتلك تيجي ورايا؟ اتفضلي ورايا. ثم التفتت لغرام سائلة إياها سؤال استنكاري: _انتي جبتيلي سيرة أن يزيد سوري قبل كده في كلامنا؟

رمشت غرام بأهدابها، فما كانت قلقة منه قد حدث. فأومأت برأسها بالرفض، فلم تنطق الأم كلمة، غير أنها أشارت لغزل بأن تأتي خلفها مباشرة. بينما بالصالون، ظل يزن وچواد يطمئنان يزيد، حتى دلفت فاطمة مرة أخرى تقدم لهم ابنتها، فقالت: _نورتونا والله. ده بنتي غزل أخت العروسة.

استمع يزن للاسم ليرفع رأسه فيصطدم بها أنها هي، بينما هي تبتسم وتبدأ بالسلام على فرد تلو الآخر، حتى أصبحت أمامه، فجحظت عيناها فور رؤيتها له، وكأن عقلها توقف عن العمل. نكزتها والدتها قائلة: _سلمي على الأستاذ يزن يا غزل وهاتي العصير.

انتبهت غزل على حديث والدتها فسلمت عليه بنظرات خائفة، بينما هو كان يبتسم بشماتة وكأنه قد ظفر ما يتوق إليه. استأذنت غزل لتدلف لغرفة العروس، أو بالأحرى تحاول الهروب بحجة إخبار العروس بحضورهم، ثم تذهب لتحضر العصير كما أمرتها والدتها. فور ولوجها من الصالون، استأذن يزن قائلاً: _بعد إذنك الحمام منين؟ تعجب كل من كان جالسًا، فمعروف عن يزن أنه لا يدلف إلى حمام غريب. وصفت له فاطمة مكان المرحاض، ليعلق يزن معتذرًا:

_بعتذر بس حضرتك عارفة السكر وعمايله، عن إذنك. تأثرت فاطمة لحالته، فهو شاب في مقتبل العمر ويتصف بالوسامة الشديدة، لتجيبه بتأثر قائلة: _لا يا حبيبي، خد راحتك. ربنا يشفيك. جحظت عيون چواد ويزيد مما استمعوا إليه من يزن، لينظروا لبعضهم ويتوقعوا حدوث مصيبة جديدة. فيغلق يزيد عينيه ويمسح على وجهه داعيًا أن يمر اليوم على خير. بينما أخلاص اقتربت من چواد هامسة له: _يزن عنده سكر من إمتى؟ ليجيبها چواد من بين

أسنانه باقتضاب وبصوت خافت: _من النهاردة. اسكتي يا ماما الله يكرمك وادعي اليوم يعدي على خير. رحبت بهم فاطمة مرة أخرى، فحاول چواد أن يشتت فكرها عن يزن وأفعاله، فسألها عن والد غرام، فمنذ أن حضروا لم يجد رجلًا واحدًا، لذلك لم يتحدث أحدهم وتركوا والدته تبدأ بالحديث مع والدة غرام، لتجيبه فاطمة قائلة بتأثر:

_والد غرام وغزل الله يرحمه كان وحيد أسرته، وأنا ليا أخ واحد بس مسافر مع أسرته السعودية. وبصراحة من بعد والدهم حاولت أكون لهم الأم والأب ومختلطتش خوفًا عليهم. أثناء استرسال فاطمة في ذكرياتها، كان يزن قد دلّف من الممر ليجد غرفتين بجوار بعضهم، استمع لصوت صادر عن غرفة منهم، فتوقع أن الفتيات بهذه الغرفة، ليدلف للغرفة المجاورة ووارب الباب قليلاً ووقف خلفه مختبئًا، ينتظر اللحظة الحاسمة، حتى استمع لصوت فتح باب الغرفة

المجاورة وصوتها وهي تقول: _متخافيش، هروح أجيب العصير عقبال ما تطلعي.

وقبل أن تخطو خطوة إضافية، وجدت من يسحبها لداخل غرفتها وأغلق الباب خلفهم، وأسندها عليه، وقبل أن تشهق، كان قد كمم فمها بيده وألصق ظهرها بالباب مقتربًا هو منها، فجحظت عيناها واضطربت أواصرها وارتفع صوت خفقان قلبها، لا تعرف هل من أثر المفاجأة أم من اقترابه المهلك لأواصرها. أما هو، فظل ينظر داخل عينيها عن قرب، وقد شعر برجفة قوية تهز قلبه وشعور ملح بالاقتراب أكثر، فابتلع ريقه بصعوبة وارتفعت صوت أنفاسه، وحاول ادعاء الثبات قائلاً:

_مالك؟ اتفاجئتي؟ أومأت برأسها وما زالت جاحظة عينيها. ليحاول بعثرة مشاعرها أكثر، فنظر لها من أعلاها لأسفلها قائلاً: _بس جوه البيت غييييير. رمشت بأهدابها وشعرت بالخجل الشديد، فحاولت التملص منه، بينما هو يدعي الثبات فقال ببحة مهلكة: _هشيل إيدي لو صوتي هقول إنتي اللي سحبتيني لأوضتك. أومأت برأسها، فإذا به يزيح كفه عنها، فسحبت نفسًا عميقًا ثم قالت بغضب متناسب كل ما مر منذ لحظات: _إنت إزاي تدخل أوضتي بالشكل ده؟

نظر يزن لأركان الغرفة نظرة تقييمية ورفع شفتيه السفلى عالياً وهو يسير بالغرفة قائلاً: _ده بقي أوضتك؟ مش ولا بد. ثم وصل إلى المرآة حيث تضع كل مستحضرات التجميل الخاصة بها، فأمسك بالعطر الخاص بها وكاد أن يفتحه، ولكنها اقتربت منه فجأة لتأخذه منه قائلة: _لو سمحت متمسكش حاجتي. رفع يده لأعلى بزجاجة العطر مختبرًا طولها قائلاً: _لو قادرة تاخديه اتفضلي خديه.

حاولت الارتفاع قليلاً على أطراف أصابع قدميها، ولكن طوله كان فارعًا، فاقتربت فجأة تحاول التشبث به والقفز لأعلى، ولكنها كادت أن تسقط لولا أن لحق بها واجتذبها بسرعة خاطفة من خصرها لينقذها من السقوط، فجاءت يده على فتحة الفستان التي بالظهر، لتشهق وتتقدم للأمام لتلامس يده بجلدها الحريري، لتصبح بداخل أحضانه متلاصقة بصدره، فاختلطت أنفاسهم معًا وتسمرت نظراتهم بعيون بعضهم وتوقف الزمن، لا يعي أحدًا منهم ماذا حدث أو كيف حدث. زاد

التوتر والاضطراب لديه عند تلمسه نعومة ملمسها واقترابها المهلك له، ليرتفع دقات قلبهم معًا ويختلط صوت خفقانه معلنًا عن ناقوس الخطر الذي بدأ يدق في عقل غزل، وخاصة عند تمرير يزن لإبهامه على جلد ظهرها، فأغلقت جفونها لتحاول استعادة ثباتها ولتقلل من تأثير لمساته ونظراته بها التي شوشت عقلها وبعثرت مشاعرها العذراء، ويا ليتها لم تغلق جفونها، فأصبحت أهدابها بمثابة أسهم تشير لاتجاه نظراته لأسفل، فإذا به يتبع الأسهم وتستقر نظراته

على شفاهها، فلم يشعر بحاله إلا وهو منقض عليها يقبلها ويقطف عذريتها.

بعد برهة، استعادت غزل إدراكها ليدب الرعب في أواصرها، فحاولت التملص من أحضانه وظلت تدب بقبضتها على كتفه لعله يفيق. شعر أخيرًا يزن بضرباتها الهشة ليبتعد قليلاً لاهثًا أنفاسه المضطربة، ناظرًا لعيونها بشراسة وغضب، فقد قطعت أجمل لحظات حياته، مدعيًا روح الانتقام قائلاً من بين أنفاسه المضطربة: _عشان... عشان تبقي تلعبي معايا بعد كده.

ثم ابتعد قليلاً والتفت معطيًا إياها ظهره يلتقط أنفاسه ويحاول استعادة ثباته، فأغلق عينيه محاولًا تنظيم نفسه، بينما هي تقف في حالة ذهول مما حدث، كيف له أن يتجرأ لهذا الحد. ظلت تهدأ من روعة أنفاسها وصوت لهثانها يصل إليه، لتقول من بين أنفاسها المضطربة والعالية، مدعية الحزم والغضب: _لو سمحت اطلع بره حالا.

استدار لينظر لها وهو مشتت المشاعر، لا يعرف كيف ومتى حدث هذا، ولا يعرف هل يعتذر أم يكمل ما ادعاه. ولكن قبل أن يتخذ قراره بالرحيل، نظر لها قائلاً: _أنا طالع بس، يا ريت تحطي إيشارب على ضهرك عشان اللي قاعدين بره، وإلا هعتبر أن اللي حصل حالا ده عاجبك وبتقدمي دعوة تاني لتكراره.

ثم خرج مسرعًا تاركًا إياها بعيون جاحظة من تبجحه ووقاحته المتزايدة، لتدب بقدمها على الأرض تحاول إخراج غضبها، ثم تذكرت أختها لتضرب جبهتها وخرجت مسرعة فقد تأخرت عن أختها كثيرًا. دلفت للمطبخ تحضر صينية العصير، ثم خرجت لتقديمها لتجد والدتها مازالت تسرد قصة حبها مع والدها، وضعت الصينية وهي تنظر له بغضب، بينما هو ينظر لها بتشفٍ ويغمز لها بعينه، فتزداد اشتعالًا وغضبًا وتضغط على شفتيها. لاحظت والدتها وقوفها فقالت لها:

_فيه إيه يا غزل؟ أمال فين الجاتوه؟ واستعجلي أختك شوية.

كانت قد نسيت أمر الحلوى نهائيًا، فعادت لتجلبه وتخبر أختها بالاسراع. بينما كان يزن في غاية السعادة، يشعر بنشوة كبيرة كأنه ظفر بمكافأة غالية القيمة، وما أحلاها من مكافأة. كما شعر أنه قد استرد حقه وأكثر، عند تحسسه لجيبه، فابتسم متذكرًا ما فعله. أما يزيد وچواد، كانا يشعران بالجنون، ينظران لبعضهم ثم ليزن، الذي كان يبتسم لهم فقط، فتتزايد لديهم الشعور بالفضول لمعرفة مصائبه الجديدة.

خرجت غرام وكأن الشمس قد أشرقت، فجميعهم لاحظوا يزيد وهو يستقيم واقفًا، ينظر بابتسامة وعيونه تلمع باتجاه ما، لينظروا جميعًا لنفس الاتجاه فيروا قدوم غرام وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل من أثر نظراته، فتقدم هو ليقدم لها بوكيه الورد الخاص بها، وهو ينظر لعيونها التي سلبته لبه، فقال مغازلاً لها: _إيه الجمال ده بجد؟ مقدرش على كده.

رمشت بأهدابها تخفي خجلها وابتسمت قليلاً دون أن ترد بكلمة واحدة، ثم تقدمت لتسلم على أخلاص، التي أزاحت يزيد قليلاً قائلة: _روح شوية كده يا يزيد، أنا عايزة العروسة القمر دي جنبي. لينتقل يزن على أريكة غزل ليصبح هو وهي بالأريكة بمفردهم، بينما يزيد يترك مساحة لغرام بالجلوس بجوار أخلاص لتصبح هي بالمنتصف بينهم. ظلوا فترة للتعارف، حتى قطع يزيد حديثهم موجها حديثه لفاطمة قائلاً: _أنا يسعدني ويشرفني يا طنط أطلب إيد الآنسة غرام.

نظرت فاطمة لابنتها بفرحة، بينما غرام نظرت للأسفل بخجل، ليهمس يزن بأذن من تجاوره قائلاً: _عقبالك. ابتلعت غزل لعابها بصعوبة وادعت أنها لم تستمع إليه. بينما فاطمة، برغم شعورها بالراحة لهم، إلا أنها قلقة بشأن تغيير الجنسية، فقالت بتردد: _إنت يا ابني بسم الله ما شاء الله، متتعيبش بصراحة، بس مسألة إنك سوري مقلقاني حبتين، يعني لو افترضنا حبيت تزور أهلك وأخدت بنتي معاك، أجيبك أنا منين؟

متأخذنيش يا ابني، ده أنا قعدت عمري كله أحابي عليهم. كاد أن ينطق يزيد لولا أن أوقفه چواد وكأنه يدافع عن قضيته التي خفق بها من قبل، فقال: _بعد إذنك يا يزيد، أنا هرد. التفتت فاطمة تنظر لچواد الذي اعتدل بتحفز، وكان حواسه كلها تأهبت، فهو يرى نفس الموقف يتكرر مع تغيير الأشخاص والمكان، فقال بملامح عالية حاول أن يخفيها:

_لو حضرتك بتفكري في الجنسية، أنا شايف إنك تبصي للموضوع من رؤية تانية خالص، تبصي مثلًا من منطلق أن يزيد بيحب بنتك وشاريها ومستعد يعمل عشانها أي حاجة، واللي بيحب بجد متخافيش منه. ولو على الضمانات، حقك تكوني عايزة تضمني لبنتك عيشة كويسة مع راجل بيحبها ويصونها، واعتقد ده أهم حاجة من مجرد إنه يكون نفس الجنسية أو يكون حتى من نفس المنطقة. أعتقد لو حتى من نفس المنطقة وبنتك مش متصانة في بيته، مش هتقدري تحوشي عنها، ولا إيه؟

تحدث دفعة واحدة وكأنه في حرب يريد الفوز فيها. شعر وكأنه يتحدث عن ذاته، ويا ليته تحدث بهذه الجرأة يومها. بدأت تهدأ أنفاسه ويلاحظ نظرات كل المتواجدين توجه إليه، فربتت أخلاص على كتفه تحاول تهدأته، فهي تعلم جيدًا سر هذا التعصب. أما يزن، فقد مال على من تجاوره قائلاً بصوت هامس بتباهٍ وفخر: _چواد صاحبي جامد زيي. ابتسمت غزل قليلاً بعد تأثرها من حديث چواد. بينما فاطمة شعرت بالخجل من تفكيرها، فقالت محاولة التبرير

والدفاع عن وجهة نظرها: _كلامك مظبوط وعلي عيني وراسي، وأهم حاجة فعلًا يكون ابن حلال ويصون بنتي ويراعيها بما يرضي الله. بس متأخذنيش، الكلام سهل. أعرفكم منين عشان أطمن وأتأكد من كل اللي بتقوله ده؟ ابتسم چواد وشعر أنه على وشك الفوز، فيكفي أنه وجه تفكيرها لهذا السبيل، فقال بطريقة أهدأ قليلاً وهو مازال مبتسمًا:

_طبعًا حقك تطمني قبل أي شيء، وهنا أقدر أقول إننا تقريبًا اتفقنا. عشان كده حضرتك تقدري تسألي علينا في مكان العمل ومكان الإقامة كمان، ولو عايزة تسألي عننا في السفارة لو في مننا أي مشاكل ولا لأ، يعني متاح لك تطمني بأي طريقة تريحك، المهم إننا نريح قلوبهم ونفرح بيهم إن شاء الله.

ارتاحت فاطمة لهذه الاقتراحات، والتي تبدو من حديثه كم ثقته في أنفسهم، بينما ظلت غرام تتابع ما يحدث أمامها بقلب قلق وخوفًا من أن يتطور الأمر لشيء آخر. شعر بها يزيد، والذي كان يتابع ملامحها المضطربة، فأراد أن يطمئنها أنه لم ولن يتخلى عنها مهما حدث، فأكمل بعد حديث چواد قائلاً: _چواد تقريبًا قال كل اللي نفسي أقوله، حقيقي. بس اسمحيلي أضيف بعض الأشياء اللي ممكن تعتبريها ضمانات، لكن أنا بعتبرها حقها.

نظر تجاه غرام مع آخر كلمة، ثم التفت لوالدتها واردف مكملاً: _أنا ممكن أكتب لها شقة تمليك باسمها وأتنازل لها عن نص نصيبي في المحلات، لو ده يرضيك ويرضيها وتحسي منه أنه ضمان كفاية أن لا يمكن أبهدلها في يوم من الأيام.

صعق الجميع من هذا العرض المغري، حتى هي لم تتوقع منه هذا، فنظرت له بإعجاب وتباهٍ، بينما چواد نظر له بتشجيع وابتسم، ثم ربت على كتفه ليبث له موافقته ومساندته بالرأي. بالجهة المقابلة، كان يزن يشتعل من كل هذه التنازلات، فهو يرى أن لا شيء يستحق التنازل عن مجهوده ومستقبله مقابل الحب، فاقترب من غزل هامسًا بلهجة ساخرة والحديث يخرج من بين أسنانه باستهجان: _ده بقي أخويا جامد أوي برضه، بس لما بيحب مبيشوفش قدامه.

نظرت غزل تجاه يزيد بفرحة وتقدير لمحاولاته للظفر بأختها، ثم قالت وعيونها تكاد تخرج قلوبًا بفرحة: _باين عليه أوي، كفاية بوكيه الورد اللي جايبه لأختي. نظر لها يزن وشعر بالغيرة من كلماتها ونظراتها تلك، لا يعرف لما، ليقول بحنق: _على فكرة بوكيه الورد أنا اللي مختاره. نظرت له غزل بسخرية وعدم تصديق قائلة: _وسعت منك أوي. رفع يزن حاجبيه قائلاً بتوعد: _شكلك مش مصدقاني، بكرة تشوفي.

لتنظر له غزل وتعي مدى اعتراضه للأمر، فأطلقت زفيرًا ثم همست قائلة: _والله أنا شايفة إنه هو بس اللي بيشوف، مش زي ناس تانية عامية. نظر لها بغضب وتوعد، ثم اعتدل للأمام فوجد فاطمة والدتهم تتحدث قائلة: _والله أنا بعد اللي قولتوه مفيش كلام تاني، ولا إنتي رأيك إيه يا غرام؟ نظرت لغرام التي اشتعلت وجنتيها خجلاً ونظرت للأسفل، لم تنطق بكلمة واحدة، لتردف فاطمة بابتسامة قائلة:

_على البركة إن شاء الله نقرأ الفاتحة دلوقتي على كلامنا ونحدد ميعاد تلبيس الدبل، ويكون أخويا جه إن شاء الله.

تهللت أسارير كل من بالجمع، فچواد سعد كثيرًا لشعوره بالفوز في معركته، متمنيًا ليزيد ولغرام كل خير. بينما يزن، برغم اعتراضه، ولكنه فرح بفرحة أخيه ورأى أنه قد اختار الاختيار الصائب، وغزل كادت أن تخرج قلوبًا من عيونها، واستقامت تحتضن أختها وتبارك لها داعية لها بصلاح الحال، ثم عادت إلى مكانها مرة أخرى، ليتابعها يزن ويشعر بالفرح من مجرد فرحتها. بينما يزيد وغرام ظلوا ينظرون لبعضهم البعض مهنئين أنفسهم بالنظرات، ثم بدأوا ورفعوا أيديهم جميعًا لقراءة الفاتحة، وعند نهايتها استقام كل منهم يهنئ الآخر، ليغتنم يزن فرصة انشغال الجميع ويقترب من غزل واضعًا يده على ظهرها، فشقت وأجحظت عيونها، فإذا به يزيل يده سريعًا، ثم اقترب من أذنها ليهمس لها قائلاً:

_لو عايزاني أصلح غلطتي فورًا، أنا مستعد. أدارت وجهها إليه متفاجئة من كم بجاحته، بينما هو كان يبتسم بساذجة عالية وعيون خبيثة، فإذا بها تصرخ قائلة بصوت عالٍ: _ماااااما! عم الصمت فجأة وانتبه الجميع على صوتها وطريقتها، فاستداروا ينظرون تجاهها. توقف قلب يزن واتسعت حدقتاه متمتمًا لذاته: _يا بنت المجانين...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...