الفصل 27 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
17
كلمة
5,391
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

انتهي نضال من دوامه ليذهب إلى المحال حيث اتفق مع أصدقائه أنه هو من سيتواجد بالمحال الليلة. وبرغم أنهم أصروا عليه للذهاب معهم، ولكنه رفض لسبب في نفسه. جلس نضال يراجع بعض الأوراق الخاصة بعمله في المحال من تصريحات وتأمينات، ويرى ما عليه فعله الأيام القادمة. حتى انتبه على صدوح رنين رسالة على هاتفه، فأمسك به متفحصا الرسالة ليجد المعلومات التي كان ينتظرها واعتذر خصيصا عن حضور جلسة التعارف بسببها. ضغط على

شفتيه قبل أن يسب قائلا: "اه يا بنت ال..... ثم ارجع ظهره على المقعد، يرجع رأسه للخلف قليلا ويغلق عينيه يحاول التفكير في كيفية التصرف في هذا الأمر بحكمة. ثم اعتدل وأمسك هاتفه يجري اتصالا بأحدهم قائلا بلهجة آمرة: "راقبلي يا ابني تليفوناتهم وأي جديد تبلغني بيه وكل مكالمة تسجلها وتبعتهالي...... سامع؟ اغلق الهاتف وقد قرر التصرف هو أولا دون إبلاغ أحد، وسيبلغ چواد لاحقا في الوقت المناسب. ***

بينما انتبهت غزل لنظرات الجميع لها وشعرت أنها ستهدم فرحتهم، فابتلعت ريقها ثم حاولت الابتسام قائلة بتوتر: "انا..... انا كنت عايزة اقول.......... تحبوا تشربوا قهوة." انتهت حفلة التعارف على خير وتم الاتفاق على ميعاد الخطبة الرسمية بحضور خال غرام للوقوف على القرارات النهائية وتحديد ميعاد الزواج والتزامات كل طرف للآخر.

بعد الانتهاء قامت فاطمة بتنظيف المكان مع غزل، بينما تركت غرام تنعم ببعض ذكريات جلستها مع خطيبها التي تمت بعد قراءة الفاتحة مباشرة، والتي طلبها يزن لأخيه بجرأته المعهودة ليستقر الحال بغرام ويزن داخل البلكون بمفردهم. دَلَفت غرام إلى حجرتها هائمة في حديث يزيد لها. جلست أمام مرآتها تنظر لنفسها بالمرآة بهيام وابتسام لتتذكر كيف كان رقيق معها. كريم بمشاعره لأقصى حد، فتذكرت حينما أمسك بيدها مقبلا إياها قائلا:

"أنا بجد مش مصدق نفسي أن والدتك وافقت عليا. أنا محظوظ جدا بيكي يا غرامي." رمشت غرام بأهدابها وهي تنظر للأسفل تحاول مداراة خجلها، بينما هو أراد أن ينظر بعيونها فوضع سبابته أسفل ذقنها ليرفع رأسها ناظرا لها قائلا بهيام: "عايز اشوف الفرحة في عيونك زي ما شوفت الخوف والقلق من شوية." ابتسمت غرام قليلا ليكمل مردفا: "كنت قلقانة ليه يا غرام؟ معقولة كنتي فاكرة إني هتنازل عنك مهما حصل." اتسعت

ابتسامة غرام ثم قالت بفخر: "أنا مكنتش متخيلة إنك ممكن توصل لدرجة أنك تتنازل عن نصيبك في محلك علشان." لم يتركها تكمل باقي جملتها بل وضع كفه على فمها مكملا هو: "وأتنازل عن عمري كله عشانك مش بس المحل. انتي متعرفيش قيمتك عندي يا غرام، انتي عوض ربنا اللي بعتهولي بعد شقاء وصبر يبقى لازم يستحق التضحية."

نظرت بعيونه التي تلمع من مجرد رؤيتها، ثم رفع يدها مقبلًا إياها بقبلة أكثر حرارة بث بها مشاعره الجياشة لترتعش أواصرها أثر هذه القبلة. ليقترب منها أكثر هامسا لها بصوته الرخيم قائلا. انتفضت غرام أثر صوت ارتداد الباب بقوة فور دخول غزل للغرفة بتذمر قائلة بحنق وبصوت مرتفع: "اه طبعًا العروسة قاعدة هايمانه قدام المرايه وأنا أمك مطلعة عيني من الصبح." زفرت غرام زفرة عالية ثم قالت: "الله يسامحك يا غزل خضتيني بجد."

انحنت غزل أمام أختها مستندة على مقعد المرآة لتقول بابتسامة لعوبة: "خضيتك ليه ها؟؟؟ كنتي سرحانه صح؟؟ قولي قولي انك كنتي سرحانة متتكسفيش؟ ابتسمت غرام بخجل وأومأت برأسها لتسألها غزل ببجاحة: "قولي لي حالا كنتي سرحانه في ايه؟ ويزيد قالك إيه؟ ثم غمزت بعيونها مردفة: "وعملتوا إيه في البلكون؟ فوجئت غرام بجرأة غزل لتضربها على كف يدها ناهية إياها بمزحة: "بس يا قليلة الأدب هيكون عمل إيه يعني!؟

وكمان إنتي لسه صغيرة على الكلام ده عيب كده، يالا روحي غيري علشان أنا كمان أغير." واستقامت غرام لتدفع غزل أمامها، بينما الأخرى تحاول التملص منها سائلة بإلحاح: "طب قولي لي قالك إيه وأنا هغير بعدها.... والنبي قولي لي قالك إيه بقى.... ظلت غرام تدفعها للأمام حتى وصلت بها إلى باب الغرفة، فأرغمتها على الخروج وأغلقت الباب بوجهها واستندت عليه، يظهرها ثم زفرت بتمهل لتسترجع باقي ذكريات جلستهم.

بينما غزل دبدبت على الأرض فور ولوجها من الغرفة لتذهب إلى غرفتها عابسة الوجه، وفور دخولها للغرفة تذكرت يزن وما فعله بها لتبتسم وهي تقول لنفسها: "قليل الأدب أوي... بس عسل أوي." وأطلقت تنهيدة حارة، ثم اتسعت حدقتاها فور تذكرها ما قاله لها قبل رحيله. بعد خروج الجميع وإغلاق غزل لباب المنزل وقبل أن تستدير فوجئت بمن يطرق رنين المنزل مرة أخرى، فاستدارت تفتح الباب لتجد يزن أمامها

بابتسامته اللعوبة قائلا: "كنت متأكد إنك انتي اللي هتفتحي الباب." تخصرت غزل أمامه وما زالت ممسكة بالباب باليد الأخرى، فقالت بحدة وسخرية: "عايز إيه تاني نسيت حاجة ورجعت تاخدها؟ نظر لها يزن من أعلاها لأسفلها متطلعا وقفتها، فشعرت بالحرج واعتدلت بوقفتها، ليبتسم يزن على استجابتها السريعة وفهمها السريع لنظراته، ثم اقترب قائلا: "لا الصراحة أنا جاي أقولك إنك انتي اللي نسيتي حاجة معايا. هستناكي بكرة قدام الكلية علشان أدهالك."

ثم غمز بعيونه قائلا: "تشااااو يا قمر." زاغت نظراتها تحاول التذكر ماذا نسيت معه، حتى انتبهت على سؤال والدتها قائلة: "فاتحة الباب ليه يا غزل؟ ومين اللي كان بيخبط؟ _"ها ...... ده يزن أخو يزيد كان نسي الفون بتاعه ورجع أخده." ظلت تضيق عيونها وتنظر حولها تحاول أن تتذكر ماذا نسيت معه، حتى وقعت نظراتها على رف مرآتها، فاتسعت حدقتاها عندما لم تجد زجاجة عطرها. لتضرب بكفها على جبينها قائلة: "يا بن العفاريت."

ظلت تزرع أرض الغرفة ذهابا وإيابًا وتقضم في أظافرها، لا تعرف ماذا وكيف ترد له هذا المقلب المضاعف، فقد تطاول عليها بشكل مبالغ فيه، ولكنها قررت مقابلته غدًا وستترك للظروف تحديد ما يتوجب عليها فعله. *** فور هبوط يزن من البناية وقبل أن يستقل السيارة بجوار أخيه، وجد من يمسكه من ياقة قميصه من الخلف، ليجد چواد أمامه متخصرًا ويزيد يقبض عليه من الخلف، ثم سأله چواد: "طلعت تاني ليه بقي؟ بينما يزيد يرجحه للأمام قليلًا قائلًا:

_وسكر إيه يا سكر اللي عندك؟ ثم نطق كلاهما سويًا: "هببت إيه يا يزن؟ زاغت نظرات يزن بينهم، ثم ابتلع لعابه محاولًا ادعاء الثبات، ثم قال: "معملتش حاجة يا جماعة وموضوع السكر حجة علشان كنت عايز أدخل الحمام ومكسوف علشان أول مرة." ليبتسم چواد بسخرية قائلا باستهزاء: "وإنت إن جيت للحق بتتكسف من يومك يا يزن." عقب يزيد قائلًا وما زال ممسكًا

بلياقة قميصه من الخلف: "يزن متبوظش الجوازة أبوس إيدك، أنا ملاحظ استظرافك على أخت غرام ولو حصل حاجة بجد مش هسامحك." ازدرأ يزن ريقه ونظر لأخيه مترددًا أيخبره أم لا، ولكنه فضل أن يصمت، فقال بتوتر: "صدقني مفيش حاجة متقلقش، ويلا بينا علشان ماما إخلاص مستنية بالعربية لوحدها."

توجها كلاهما كلا إلى سيارته ليعود كل منهم إلى منزله، حتى استقر يزن بغرفته، فأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا على نضال، الذي أجابه سريعًا وكأن كلا منهما يريد التفريغ عما يجول بصدرهم للآخر. سرد نضال على يزن ما توصل إليه ليوافقه يزن في ما قرره، ثم بدأ يزن يسرد ما وجده وهو ممسكًا بزجاجة عطر بيده ومبتسمًا، فقال له أنه فوجئ بأن غزل هي شقيقة خطيبة أخيه، لينصحه نضال بألا يتعرض لها ثانية حتى لا يفسد خطبة أخيه.

وبرغم اقتناع يزن برأي نضال، إلا أنه أصر في الاستمرار من ملاحقتها، لا يعرف لماذا، ولكن كل ما يعرفه أنه يريد أن يراها بل ويشعر بالراحة كثيرًا عند إثارة غضبها، ليتذكر تذمرها الدائم، ثم نثر بعضًا من العطر على كفيه وأخذ يستنشق منه نفسًا طويلًا حتى تذكر قبلتهم معًا، فلمعت عيناه معقبًا: "كنتي هتوديني في داهية يا شيخة."

ثم زفر زفرة عالية وبسط ظهره على الفراش، ناظرًا إلى سقف الغرفة مبتسمًا حتى غفاه النوم منعمًا مع بطلة أحلامه. *** على باب الجامعة يتوافد الطلاب للولوج لمقابلة بعضهم وتلقي محاضراتهم. وقفت هي تتلفت يمينًا ويسارًا تبحث عنه بعيون زائغة، ويتأكلها الغضب من داخلها، فمنذ الأمس لم يكحل النوم جفنها من كثرة التفكير فيما ستفعله.

وبرغم أنها توصلت إلى الحل الأسلم والأمثل بالتنازل عن عطرها وعدم إعطاء اهتمام له وشراء غيره، إلا أنها تراجعت عن هذا القرار، فقد تتأكلها نار الثأر ومثلها لا تفضل الاستسلام، وكأنه قرأ شخصيتها المتمردة وتعمد استخدام هذا الأسلوب من أجل إخضاعها له. ظل متخفيًا بالجهة المقابلة يبتسم كلما رآها تبحث عنه، وكأنه يتلذذ بعقابها، فهاهي من تنتظره بل وتبحث عنه. انتظر قليلًا قبل أن يظهر بالعلن ويعبر الطريق هرولة وكأنه وصل للتو.

وأخيرًا رأته يعبر الطريق أمامها، اندهشت عندما لم تر سيارته وغضبت كثيرًا لعدم إحضاره لها، فقد كانت كل مخططاتها تدور حول السيارة لتوقعها من عقابه لها مدى حبه واهتمامه بها. ضيقت عيونها وجزت على أسنانها وتمتمت قائلة: "لسه هفكر له في مصيبة جديدة." استنشقت نفسًا عميقًا، ثم ادعت الابتسامة الصفراء عند اقترابه، ثم تحولت قائلة بنبرة هجومية دون الانتظار لرده: "اتأخرت ليه؟ أنا مستنياك من بدري. فين البرفيام بتاعي؟

هات ه لو سمحت بسرعة ورايا محاضرة؟ وبعد كده متبقاش تاخد حاجة مش بتاعتك علشان كده ميصحش." اقترب يزيد ضاربًا بكل ما قالته عرض الحائط، وأجابها بكل برود وابتسامة واسعة: "وعليكم السلام، أخبارك إيه النهارده؟ اشتعلت نظراتها غضبًا، وكادت أن تخرج دخانًا من أنفها، ولكنها حاولت التمسك والالتزام بأقصى درجات ضبط النفس، فردت عليه وهي تضغط على أسنانها قائلة

بالهدوء الذي يسبق العاصفة: "أنا لحد دلوقتي ماسكة نفسي على الآخر وأحمد ربنا إني متكلمتش امبارح باللي عملته كنت قلبت الليلة على راسك؟ رسم ملامح الدهشة وسألها ببراءة وتعجب: " _إيه اللي عملته امبارح مش فاكر عملت حاجة." ثم اقترب غامزًا بإحدى عينيه واردف بوقاحة مكملًا: "ممكن تفكريني!! استنشقت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة أعصابها من هذا الوقح، وقلبت عيونها للأعلى، ثم قالت بحزم: " _هات البرفيام بتاعي."

اقترب بوجهه منها ناظرًا بداخل عيونها قائلًا ببراءة تامة وابتسامة: "لما تفكريني باللي عملته امبارح الأول." رفعت إحدى حاجبيها واستوحشت نظراتها قائلة: "لا دانت قليل الأدب وبجح كمان." غمز بعيونه وما زال مقرب وجهه قائلا بفخر: "جدًاااا." جن جنونها، فقد حاولت معه كل الطرق الممكنة ولكن بدون فائدة، فارتفع

صوتها قائلة بعصبية زائدة: "لو على البرفيام خلهولك مش عايزاه، بس أنا بقي هعرف آخد حقي كويس وابقي قابلني لو خطوبة أخوك تمت على خير، إن ما حكيت لماما على كل حاجة وفشكلت الجوازة مبقاش أنا." فوجئ يزن برد فعلها، ليعمل عقله سريعًا محاولًا إدراك ما تفوهت به، فاتسعت حدقتاه متمتمًا: "اه يا بنت المجانين." ثم حاول التفكير لاحتواء الموقف، ليري أنها التفتت وعلى وشك الرحيل من أمامه، فأمسك بمعصمها محاولًا تهدئتها قائلًا

بابتسامة متوترة: "استني بس انتي عصبية كده ليه!؟ هنتفاهم الأول." سحبت يدها عنوة من يده قائلة بحدة وسرعة من أثر غضبها: "مفيش تفاهم، أنا غلطانة إني سكت من الأول، بس كنت عاملة خاطر لأختي وأخوك، لكن الظاهر إنت مبيهمكش حد، وأنا بقي هعرفك الجنان على أصوله."

والتفتت لتغادر ثانية، ليحاول الوقوف أمامها بوجه مضطرب وملامح متوسلة، شاهراً كفيه أمامها محاولًا إيقافها واحتواء الموقف، فمن الواضح أنه أوصلها لأعلى درجات العصبية، قائلًا: _طب اهدي واحنا نتفق وهعملك اللي انتي عايزاه، بس أخويا واختك ملهمش ذنب." بدأت أنفاسها تهدأ قليلًا عند رؤيتها لمحاولاته بالتوسل، يكفي أنه تذلل قليلًا أمامها، لترفع

رأسها بشموخ قائلة بتشرط: "أولًا مفيش اتفاق بينا. ثانيًا لو خايف على أخوك أوي كده يبقى تراعي النسب اللي ممكن يكون بينا بدل ما أمحي الموضوع من أساسه، وانت عارف انت عملت إيه كويس، فخلي بالك أنا مجنونة وأعملها." ابتسم معلقًا على آخر جملة: "لا واضح فعلاً." كادت أن تعترض على سخريته، إلا أنه أردف مكملًا: "المهم خلينا في المفيد، اسمحي لي أعزمك على قهوة علشان مشربتش قهوتي الصبح علشان الحقك."

رفعت حاجبيها بتعجب قائلة: "تلحقني وانت جاي متأخر أصلًا." _"معلش المواصلات بقي، تقولي إيه في اللي جرح لي العربية." ابتسمت بانتصار، ليستطرد حديثه قائلًا: "ها قولتي إيه هتشربي قهوة معايا؟ إجابته بابتسامة وترفع: "اكسبريسو لو سمحت." سحب نفسًا مطمئنًا ذاته وابتسم قائلًا: "بس كده عيوني، إنتِ تؤمري."

ظلا صامتين لوقت قصير، كلا منهم متحفز للآخر يفكر ويعد عدته بسيل من الاتهامات، ليكسر يزن الصمت ناطقًا بغير ما كان يريده وبغير ما توقعته غزل، قائلًا: "خلينا نبدأ صفحة جديدة ونحط يزيد وغرام في حياتنا، وعشان كده حبيت أبدأ أنا واعتذرلك، أنا آسف يا ستي." ضيقت غزل عيونها مستشعرة عدم صدقه فيما يقول، ثم رفعت حاجبيها قائلة: "أنا بقي مش آسفة علشان اللي انت عملته مينفعش نبدأ بعده صفحة جديدة."

استند يزن بمرفقيه على المنضدة مقتربًا بوجهه وبابتسامته اللعوبة، غامزًا بإحدى عينيه قائلًا بصوت خافت: "مانا قولتلك أصلح غلطتي وإنتي اللي رفضتي." استوحشت نظراتها، فقد ذكرها بكل وقاحة بما فعله بدون أن تشعر بخجل من ناحيته، قائلة بنبرة حادة: "علشان تعرف إنك قليل الأدب ومينفعش معاك غير الفضيحة."

حاولت أن تقف ليطقطق هو بشفتيه قائلًا: "يا بنتي اتهدي شوية واقعدي لسه مخلصناش كلامنا، اللي يشوف ملامحك الطفولية ميشوفش أسلوبك المتعفرت ده." جلست مرة أخرى قائلة باندهاش جم، وكأنه أخبرها بشيء عجيب الآن، لتقول غير مصدقة: "أنا.... متعفرته!؟ دانا مفيش أهدى مني."

فور استماعه لجملتها خرجت منه ضحكة رنانة أظهر بها كم وسامته التي لطالما قاومت نفسها من الغزل بها، لتسرح قليلًا في ملامحه الجذابة وضحكته التي أسرتها، ليلاحظ صمتها قليلًا فسألها بتعجب: "مالك مساهمة كدة مش كالعادة." أدركت ما تفوه به لتكرر كلمته: "مساهمة قصدك مسهمة." ثم أطلقت ضحكة عالية، لتراه ينظر يمينًا ويسارًا، ثم استوحشت نظراته لتتغير ملامحه الوسيمة لأخرى مرعبة، مما أثار الرعب بقلبها، فذرع ريقها، ثم حاولت

الابتسام سائلة بتلعثم: "إنت بتبصلي كده ليه؟ _علشان مينفعش بنت محترمة تضحك ضحكة زي دي في مكان مفتوح كده، إنتي مش في بيتكوا." شعرت بالخجل من نفسها، فغيرت نبرتها والحوار قائلة: "طب مقلتليش فين البرفيام بتاعي." أدرك أنها تتهرب من نظراته تلك، فأراد أن يلعب على هذا الوتر، وقال وهو يدعي الجدية: "لما أقابلك المرة الجاية هجيبه معايا." أدركت لعبته، فالواضح أنهم يفهمون بعضهم جيدًا،

فابتسمت قائلة بسخرية: "للأسف بنت محترمة زيي مينفعش تقابل واحد متعرفوش مرة تانية." وامسكت بحقيبتها واستقامت واقفة، ثم انحنت قليلًا عليه قائلة: "ابقي خلي لك البرفيام يمكن ينفعك." ثم انطلقت بخطى ثابتة أمامه والجهة من المحال تحت أنظاره المستشيطة، وقد ضاعت كل محاولاته هباءً منثورًا. *** اليوم يوم سعدها، برغم علمها أن هذا الأمر لم يمر بسلام، إلا أنها سعيدة جدًا للوصول لهذه المرحلة.

استيقظت ماسة من نومها وهي تشعر بسعادة غامرة، وبرغم إصرار والدتها بعدم إشغال نفسها في أعمال المنزل وتجهيز الحلوى معها والتاكيد على الاهتمام بذاتها فقط، إلا أن طاقة السعادة التي بداخلها جعلتها تشعر وكأنها فراشة تريد أن تطير هنا وهناك تنثر طاقتها بكل مكان، لا تعرف للهدوء طريق.

انتهت فاطمة من إعداد كل ما لذ وطاب من طعام وحلوى، وبدأت ماسة بتجهيز حالها، إلا أنها تسمرت مكانها أمام المرآة فور استماعها لرنين جرس الباب، فاتسعت حدقتاها تنظر لنفسها بالمرآة لترى أنها ما زالت بملابس المنزل، ولم تزد على نفسها إلا القليل من مستحضرات التجميل، بل ولم تنتهِ أيضًا.

سمعت صوت والدتها ترحب بشخص ما، فتوارت خلف باب غرفتها لتفتحه قليلًا وتنظر من خلال فتحته القليلة لترى عمها هو من أتى، فخرجت للتو لترحب به وارتمت بأحضانها وبدأت تجهش بالبكاء وكأنها تمنت حضور والدها في مثل هذا اليوم. أخذ فؤاد يربت على ظهرها ويهدئها، ثم أزاحها عن صدره قليلًا ليبتسم لها ويقبلها من جبينها، ثم مسح دموعها قائلًا: "النهاردة عايزك تفرحي وبس، مش عايز أشوف دموعك دي، واتأكدي إن كل اللي عايزاه وتتمنيه هعملهولك."

ابتسمت ماسة ودعت له بدوام الصحة وطولة العمر، ثم اقترح فؤاد عليها أن تكمل ما بدأته في إعداد ذاتها، ولأنه يريد التحدث مع والدتها في الاتفاق على ما سيدور في حديث الليلة. وبالفعل دلفت ماسة غرفتها لتكمل ما بدأته، لولا أن الفضول سحبها للخارج قليلًا حتى تستمع ما سيتفقون عليه، ربما حاولت بطريقة ما مساعدة محمد ونقل له شروط الاتفاق قبل الجلسة.

ولكنها فور وقوفها خلف الحائط الفاصل بين الصالة والغرف، جحظت عيناها ولم تصدق أذنيها من أثر ما استمعت له. *** بمنزل محمد، كان سعيدًا للغاية بعد أن عاد من عمله، دلف للمرحاض للاستمتاع بحمام دافئ ليزيل مجهود العمل ويستعد لمقابلة اليوم.

أعدت له والدته الملابس التي أوصاها بها كما اقترح عليه والده الحضور معه، ولكن محمد كان يرى أنها جلسة تعارف بعمها وخالها والاتفاق على يوم آخر للذهاب جميعًا للتقديم لها، لذلك أصر الذهاب بمفرده حتى لا يشعر والد ماسة أو عمها بالحرج، ولكنه فضل أن يصطحب أخته ميار بحكم أنها صديقتها وتكون سندًا له ولماسة.

إلا أن زوجها لم يوافق وتحجج بحجج واهية، فغضب محمد كثيرًا، ولكنه لم يرد إخبار أحد بعرضه على ميار الذهاب معه ورفض زوجها لذلك. ارتدى ملابسه ونثر عطره واعتذر من والدته في الجلوس معهم للغداء، فقد اتفقت ماسة معه أنهم ينتظرونه على الغداء.

وبالفعل توجه محمد لشراء علبة جاتوه بالشوكولاتة التي تفضلها ماسة، ثم حاول مرارًا وتكرارًا الاتصال بماسة لسؤالها إذا احتاجت شيئًا آخر يجلبه لها وهو قادم، ولكنها لم تجيب عليه، تعجب قليلًا ولكنه توجه مباشرة إلى منزلهم. بالمنزل، قبل وصول محمد، عادت ماسة أدراجها إلى غرفتها بوجه خالٍ من التعبير بعد أن استمعت للحوار القائم بين عمها ووالدتها.

كل ما يميزها أنها بحالة ذهول، وقفت أمام المرآة لا ترى حالها، استعدت وتزينت بدون اهتمام، وبرغم هذا بدت وكأنها ماسة حقيقية تتلألأ في مرآتها. حتى خرجت من شرودها على صدوح صوت رنين جرس الباب، لم تهتم هذه المرة بل جلست على فراشها، ولم يمر دقيقة إلا ووجدت والدتها تدلف عليها الغرفة تقبلها وتهنئها وتخبرها بقدوم محمد والاستعداد للخروج للترحيب به.

ظلت ماسة تنظر لوالدتها وبعيونها ألف سؤال، لا تعرف بماذا تبدأ منهم، ومن كثرة الأفكار شعرت وكأن لسانها قد لجم. تعجبت الأم من صمت ابنتها، ولكنها أرجعت هذا لتوترها، فاخبرتها بالخروج للترحيب به حتى تعد هي سفرة الطعام.

خرجت ماسة وتقدمت عليهم محاولة أن ترسم الابتسامة، ليرحب بها عمها ويقدمها لمحمد، الذي استقام بفرحة وسعادة ظاهرة بعينيه فور رؤيته لها، ولكنه شعر أنها بها شيء، برغم محاولاتها للابتسامة، إلا أنها ليست سعيدة كما توقع. ما من ثوانٍ حتى استأذن فؤاد ليساعد فاطمة، فهبت ماسة واقفة قائلة: "خليك أنت يا عمي وأنا هساعدها." ابتسم فؤاد وربت على كتفها، ثم قال: "خليكي انتي مع محمد يا حبيبتي، إنتي ساعدتيها طول النهار."

سار فؤاد باتجاه المطبخ لتتبعه ماسة بنظراتها، فتعجب محمد وقال لها محاولًا لفت انتباهها إليه: "مالك يا ماسة في حاجة مضايقاكي." التفتت له ماسة تنظر له باستجداء، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال، فلمعت الدموع في مقلتيها، ولكن عجز لسانها عن ذكر ما بداخلها، فسحبت نفسًا عميقًا وأغمضت عيونها كمحاولة منها لكتم مشاعرها، ولكن قد تمردت عليها دمعة فسقطت على وجنتها. فمد محمد إبهامه ومسحها قائلًا بمزاح: "أنا قولت أم الجوازة ده نحس."

ابتسمت ماسة بعفوية، ثم نظرت له قائلة بهيام وخجل معًا: "ميرسي على الجاتوه جميل جدًا، واه صحيح شكلك شيك أوي." لمعت عيون محمد، ولكنه يراها ما زالت بحالة حزن لم يفهم سببها، ولكن لن يسأل الآن، فأراد أن يخرجها من هذه الحالة، فقال لها ممازحًا: "مش أول واحدة تقولي كده، افتكر ده كان رأي سهيلة كمان؟ استوحشت نظرات ماسة وتغير لونها الأحمر القاني من أثر الغيرة، فقالت من بين أسنانها محاولة خفض صوتها: "وكمان لسه فاكر اسمها!؟

مادام عجبك تغزلها فيك جاي ليه النهارده؟ ابتسم محمد ونظر بداخل عيونها قائلًا باستفزاز، فقد أعجبه حالتها تلك، ومنذ مقابلة سهيلة لم ير لمعة الغيرة بعينها: "تقولي إيه بقي بموت في النكد والمنحوسين. وكمان أنا جاي أتعرف على عمك وخالك مش علشان اللي في بالك، صحيح هو فين خالك؟ كادت أن تجن من استفزازه، وأمسكت بالهاتف الخاص به ومفاتيحه ووضعتها في يده قائلة: "لا أنا بقول تاخد ده وتتفضل."

قطع حديثها عمها الذي دلف للصالون قائلًا: "يتفضل فين يا بنتي، يلا الغدا جاهز اتفضلوا انتوا الاتنين." تلعثمت ماسة في الحوار ثم قالت: "اااه.... مانا قصدي يتفضل على الغدا." ثم التفتت لمحمد تنظر له بتوعد قائلة من بين أسنانها: "اتفضل يا محمد." ابتسم محمد حامدًا ربه أنه تم إنقاذه بالوقت المناسب قبل أن يتطور الأمر. بعد أن انتهوا من الغداء، جلس محمد وفؤاد يتعارفان على بعضهم، بينما ماسة وفاطمة تعدان القهوة والحلوى.

جلس محمد محاولًا إخفاء توتره، فلم يدرك أن جلسة كهذه برغم بساطتها وأنها مجرد تعارف، إلا أنها مهمة صعبة، يشعر بحاله وكأنه باختبار، فأسئلة عم ماسة تكاد تعصره عصرًا. ولكن إحقاقًا للحق، فكان فؤاد هينًا بالحديث وأحيانًا مرح قليلًا، وبرغم حديث فؤاد المرح، إلا أنه لم يستمع منه شيئًا، فكان يشجع حاله، حتى انتبه على سؤال فؤاد: "ولا إنت إيه رأيك يا ابني."

نظر محمد لفؤاد وصمت قليلًا، وبدون أي مقدمات أجابه قائلًا: "أنا عايز أتجوز ماسة." فوجئ فؤاد من كيفية طلب محمد، فقد فهم من خلال الحوار معه أنه يبدو عليه أنه رزين ولبق لغويًا، كما كان الاتفاق لهذه الجلسة مجرد تعارف عليه، فكيف قدم طلبه هكذا. شعر محمد بخطئه، فحاول إعادة الطلب بصورة أفضل، ولكن فؤاد أشار له بكفه قائلًا: "أنا مقدر يا ابني توترك وحالتك." ليتمتم محمد داخله: "حالتي!؟

ما شاء الله هيطلعوني مجنون، ميعرفوش إنهم هما اللي جنوني." ليستطرد فؤاد مكملًا: "وطبعًا إنت راجل واضح عليك إنك ذو خلق وزي ما قولت لي إنك شغال محاسب، بس المفروض الجلسة دي نتعرف عليك، بس عمومًا أنا معنديش أي مانع خالص، بس طبعًا ما دام استعجلت وقدمت طلبك يبقى لازم نسأل العروسة عن رأيها الأول؟ اندفع محمد قائلًا: "ما أكيد عارفين رأيها إنها موافقة." _اااااه...... قصدي إن شاء الله توافق."

في هذه اللحظة دلفت ماسة حاملة صينية فناجين القهوة لتقدم أعمالها، ثم لمحمد الذي اقترب بوجهه منها وهو يحمل فنجانه هامسًا لها: "هو إنت مقولتلهمش إنك موافقة عليا." خجلت ماسة وتوترت حتى كادت أن تسقط الصينية من يدها، فتراجعت للخلف قليلًا ووضعت الصينية على المنضدة، ثم جلست تنظر للأسفل لتستمع لحديث عمها قائلًا: "محمد طلب إيدك يا ماسة للجواز إيه رأيك يا بنتي؟ صمتت ماسة بل واطبقت على شفتيها جيدًا وكأنها تتأكد من إغلاق فمها.

تعجب محمد من صمتها وكاد أن يجن، ولكن يكفيه تسرعه في الرد اليوم، فحاول أن يرد بهدوء قائلًا: "السكوت علامة الرضا يا عمي ولا إيه." ابتسمت ماسة لتفهمه موقفها والتحدث عنها، وما زالت تنظر للأسفل. ولكن لفؤاد كان رأي آخر، فقال ردًا على حديث محمد بنبرة آسفة: "أنا آسف يا ابني، السكوت مش كل الأوقات علامة رضا، وأنا مقدرش أوعدك إلا لما أسمعها صريحة من بنت أخويا." فوجئت ماسة برد عمها، فهبت

واقفة قائلة بدون أي خجل: "لا يا عمي هو علامة الرضا." ابتسم فؤاد وفاطمة، ثم استقام فؤاد وتوجه لها مقبلًا إياها من وجنتيها وبارك لها هو ووالدتها، ثم جلس مرة أخرى ليتفق مع محمد في باقي الإجراءات، ليؤكد قائلًا: "بص يا ابني مادام بنتي وافقت، فأنت تقدر تشرفنا إنت وعائلتك وتتقدموا رسمي، بس اعمل حسابك أنا معنديش خطوبة وتدخل وتخرج." اندهش محمد من حديث فؤاد ولم يدركه ليسأله مستوضحًا: "معلش يا عمي أنا مش فاهم تقصد إيه؟

سحب فؤاد نفسًا ثم قال: "أقصد يعني لو هتتخطبوا مفيش كل يوم والتاني تخرجوا مع بعض وتقابلوا بعض وتدخل هنا، وانت عارف إنهم اتنين ستات لحالهم، ولا إنت مش عارف الأصول." ابتسم محمد وسعد كثيرًا وكأنه وصل لمبتغاه، فقال بسعادة ظاهرة: "بالعكس أنا موافقك جدًا، وعلشان كده أفضل إن شاء الله المرة الجاية أجيب والدي ووالدتي وأتقدم رسمي ونقرا الفاتحة، وبعدها بأسبوع إن شاء الله يكون شبكة وكتب كتاب مع بعض."

ثم نظر تجاه ماسة التي تغلغلت دموع الفرحة في عيونها، وقال: "أنا مش هلقي أحسن منها أكمل معاها حياتي." ابتسم فؤاد وسحب نفس الطمأنينة، ونظر تجاه فاطمة التي نظرت له بامتنان، فقد جعل طلب عقد القران يكون من قبل محمد حفاظًا على مكانة ابنتها. ثم نظر تجاه محمد مكملًا: "على خير إن شاء الله هتصل بيك نحدد مع بعض ميعاد قراءة الفاتحة، علشان خلال شهر كده أو شهر ونص بالكتير نعمل الشبكة وكتب الكتاب إن شاء الله."

أومأ محمد بسعادة واستقام يسلم على فؤاد ويشكره كثيرًا، فقط شعر أنه جاء خصيصًا ليسهل له الأمور.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...