الفصل 28 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
18
كلمة
4,572
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

في الصباح استيقظت ماسة على رنين هاتفها، فوضعت الوسادة أعلى أذنها، فهي من المفترض أنها إجازة اليوم ولا تريد من يزعجها. ولكن عند تكرار الاتصال، اعتقدت أنها ميار، فاعتدلت بعصبية ممسكة الهاتف ناوية أن تهدر بها. ولكن قبل أن تجيب على الهاتف بعصبيتها المعهودة، وجدت اسم محمد هو من يضيء شاشة هاتفها. فمسحت على وجهها ثم فتحت المكالمة وأجابت عليه بنبرة ناعسة. "صباح الخير يا محمد." "صباح الفل يا قمر، ايه صحيتك؟

أومأت ماسة برأسها وكأنه يراها، ثم أصدرت همهمة تؤكد على ما قاله للتو. ليكمل هو قائلاً بنبرة حانية: "حقك عليا، بس أنا طول الليل كنت مشغول عليكي وعايز أعرف سبب التكشيرة بتاعة امبارح ايه؟ لحسن أنا كنت قربت أشك في نفسي إني مجبر عليكي." شهقت ماسة لتفاجئها بما فهمه محمد من عبوسها بالأمس، لتحاول تصحيح فهمه قائلة: "لا طبعاً مش كده." وكأنه توصل لهدفه، فقد حفزها للتحدث قائلاً: "امال ايه بقي المشكلة؟ فهميني."

سحبت نفساً عميقاً تجاهد ما تذكرته من حديث الأمس، ثم بدأت بسرد ما استمعت إليه من حوار بين عمها ووالدتها، ليتركها محمد تسرد بكامل حريتها دون مقاطعتها حتى تخرج ما تشعر به. حتى انتهت من حديثها فقالت تحثه على الكلام: "أنا بجد مش عارفة اتصرف ازاي؟ قول لي انت المفروض أعمل إيه؟ هل أكلمها وأطلب منها تنهي الموضوع؟ ولا أعمل إيه يا محمد؟ سحب محمد نفساً عميقاً وزفره على مهل، وكأنه يستعد لحرب ما، ثم بدأ حديثه قائلاً:

"أولاً يا ماسة، أنا مش شايف في كل اللي قولتيه أي مشكلة." "ازاي يا محمد ده...... حاولت التحدث بحمقة، فقطع حديثها قائلاً: "أنا سبتك لحد ما فرغتي كل اللي عندك من غير ما أقاطعك، يبقى تسمعيني من غير ما تقاطعيني." سمع زمجرتها على الهاتف، ولكنه لا يبالي، سيكمل ما يريد قوله، لعله كان مرآتها التي ترى من خلالها الحقيقة. تحدث بتروٍ قائلاً:

"أنا عارف إنها مامتك وبتحبيها جداً وبتغيري عليها كمان، ده غير أن والدك بالنسبالك كان شيء عظيم، يعني أكيد مش هترضي تتخيلي حتى إن حد ياخد مكانه. بس إحنا لازم ما نظلمش اللي بنحبهم ونيجي عليهم." استشعر من صمتها أنها رافضة لحديثه، وتخيل منظرها عابسة، فابتسم قليلاً واستطرد قائلاً: "أنا طبعاً عارف إنك مش قابلة الكلام اللي بقوله، بس عايز أسألك على حاجة. تفتكري والدتك بعد والدك تعبت قد إيه وهي لوحدها؟ انطلقت تجيبه باعتراض:

"بس ماما مكنتش لوحدها! استرعى انتباهه الجملة ليبدأ حديثه منها سائلاً: "يعني في كل الأزمات اللي قابلتها في حياتها وحياتك بعد والدك كان في حد واقف معاها؟ من خلال تحليله لجملتها، أدركت فضاحتها لتخجل من روحها قائلة بتلعثم الطفل المخطئ: "ااه.... كان.... كان عمي واقف معاها دايماً." ولكنها حاولت تبرير ما كانت تدركه أو تظن أنها تدركه، فأردفت قائلة: "بس هو عمي وواجبه عليه يعمل كده."

ابتسم وكأنه وصل لمبتغاه، فقد أنهت النقاش من مجرد سؤال وإجابة، ليكمل هو مدافعاً، لا يعرف لماذا، ربما اطمئن له من مقابلة واحدة، وربما لتوضيح بعض الرؤى لها قائلاً: "مقولناش حاجة، هو عمك وواجبه عليه يعمل كده فعلاً ويهتم بيكي مكان والدك بالظبط، وبرضه طلبه لاهو حرام ولا عيب، من حقه يطلب، ورفض والدتك أو قبولها ده شيء يرجع لها." "يعني إيه يعني ممكن تقبل ده؟ لا يمكن أبداً!!

نطقت بها كمحاولة لرفض احتمالية قبول أمها بهذا العرض. فسحب محمد نفساً عميقاً وحاول تهدأتها قائلاً:

"بصي يا ماسة، للأسف مجتمعنا بيقبل للراجل إنه يتجوز بعد وفاة زوجته وبيوجد له مبررات كتير، ونفس المجتمع بيجرم ده على الست، بالرغم إن رأيي إن الست أحق، لأنها الجانب الأضعف في مجتمعنا واللي هتكون فعلاً هي اللي محتاجة الظهر والسند، وبالرغم من كده بيحملها فوق طاقتها ويطلب منها تستكمل كافة الظروف ومتشتكيش كمان. أنا رأيي إنك لازم تتكلمي مع والدتك، بس رأيي تسمعيها مش تفرضي رأيك عليها. يعني ممكن يكون في حاجات إنتي مش واخده بالك منها، فالأحسن اسمعيها بدون تعليق عشان متصعبهاش عليها. اسمعيها وفكري، ولو حبيتي تاخدي رأيي بعد كده أنا موجود."

منحها السبيل وهدأ من عصبيتها قليلاً، فقد كانت تائهة، تعبث الأفكار بذهنها فساداً. فقد فكرت أن تتحدث مع عمها وتخبره بعدم تقبل حديثه هذا. كما فكرت بأن تطلب منه عدم التدخل مرة أخرى بحياتهم من الأساس، ولكن تراجعت قليلاً حتى تهدأ، فهو عمها وتكن له كل التقدير ويجب أن تتحدث معه باحترام مهما يكن. فأعدلت عن فكرتها لتفكر في مواجهة والدتها وتخبرها برفضها التام للفكرة. نعم توصلت لهذا القرار، ولكنها حاولت مراراً وتكراراً قبل الولوج لنومها أن تهدأ قليلاً، فيجب أن لا تحدثها بحالتها الغاضبة تلك، لذلك أجلت حوارهم للغد. وها هو محمد قد وجدها مبكراً ليهديها للطريق الصحيح وكيفية التعامل معه.

همت من رقدتها بالفراش واتجهت صوب المطبخ لتجد والدتها تعد الإفطار. فقبلتها من وجنتها سائلة إياها بنبرة حانية: "صباح الفل، بتعملي إيه يا جميل؟ ابتسمت غالية قائلة: "بجهز الفطار يا حبيبتي، محبتش أصحيك، عارفة إني بتحبي النوم." وضعت ماسة غلاية المياه واشعلتها من خلال الزر بها وهي تقول: "سيبك من كل ده، إحنا نشربلنا كوبايتين شاي باللبن مع الجاتوه اللي جابه محمد امبارح." ابتسمت غالية بخبث قائلة: "واشمعنى جاتوه محمد؟

ما عمك برضه جاب جاتوه." توقفت يد ماسة وارتعشت قليلاً، محاولة تماسك ذاتها وتذكرت نصائح محمد، فأغمضت عيونها ثم زفرت أنفاسها على مهل، ثم فتحت عيونها قائلة: "واحد يا ماما، مش هتفرق، يالا أنا جهزت الشاي، هاتي الجاتوه اللي يعجبك."

خرجت ماسة محاولة تهدئة ذاتها حتى تبدأ الحوار بطريقة أفضل، فخرجت الأم خلفها وبدأوا بالتهام إفطارهم، وكلا منهم تلهمه أفكاره. فالأم تفكر كيف تعرض الموضوع على ابنتها، وماسة تفكر كيف تبدأ الحوار مع أمها. حتى نادا كلاهما في صوت واحد: "ماما... ماسة." فابتسما كلاهما، وكعادة الأم، اعتقدت أن ابنتها لديها موضوع هام تريد أخذ رأيها، ففضلتها عن ذاتها قائلة: "قولي يا ماسة، أنا سامعاكي." نظرت ماسة لأسفل وقالت بصوت خافت مهزوز:

"أنا سمعت عمي وهو بيكلمك امبارح." وعت غالية جيداً ما تتحدث عليه ابنتها، فصوتها المرتعش الخافت وعدم النظر لها جعلها تفهم مشاعر ابنتها الرافضة والتي تحاول جاهدة أن لا تظهر. فابتسمت غالية وربتت على كفها تريد أن تطمئنها، ثم رفعت رأسها لتنظر بداخل عيونها، والتي رأت الدموع تتغلغل بها، فقالت وهي مبتسمة:

"دموعك دي غالية عليا أوي يا ماسة. اوعي تفكري إني في يوم من الأيام هنسى أبوكي ولا حبه ليا، ولا تفكري إن ممكن يكون حد أغلى عندي منك." حاولت ابتلاع غصة مريرة بحلقها ثم تابعت قائلة: "الست منا ضعيفة قوي يا بنتي، وخاصة لما أهلها يكونوا سبب ضعفها، وأنا للأسف أخويا بدل ما يكون سندي هو سبب ضعفي، وإنتي السهم اللي بيحاول يقتلني بيه."

تعجبت ماسة من حديثها، برغم معرفتها بشخصية خالها ونيته، ولكن لم يهديها تفكيرها أنه من الممكن أن يؤذيها بعد زواجها، لتسأل بتعجب: "ليه يا ماما بتقولي كده؟ مش خلاص عرفنا هنعمل إيه وهو مش هيقدر يعملي حاجة بعد الجواز؟ زفرت غالية نفساً ساخناً يحمل لهيب قلبها قائلة: "يقدر يا بنتي، يقدر." نظرت للأعلى وكأنها تحاول أن تستمد طاقتها لتكمل:

"البنت بعد الجواز محتاجة أهلها يكونوا عزوتها في ضهرها، الجواز مش كله هنا وسعادة، في مشاكل هتقابليها في حياتكم، ولو أهلك مش في ضهرك هتتعبي. عارفة إن عمك مش هيكل بيكي وهيقف في ضهرك دايماً، بس اللي خايفة منه إنه يقدر يمنعني ويمنع مساعدتي عنك، وده أكيد هيعمله لما يحس إننا خدعناه وجوزناكي من غير موافقته. ساعتها هكون لوحدي وهيقدر ياخدني بحجة الظروف وإن مينفعش أقعد لوحدي وأخويا موجود، وهيحبسني عنده وهنمنعنا من بعض، وساعتها عمك مش هيقدر يقف قصاد أخويا لأنه ملوش حجة."

اتسعت حدقتي ماسة، فهي لم تر الموضوع من هذا الجانب، بل لم تتخيله هكذا، وحقاً فخالها شخصية مسيطرة، من الممكن أن يقدم على هذا كعقاب لهن. فكرت في أن تقترح على والدتها بأن تعيش معها بعد الزواج، ولكن شخصية مثل خالها لم يرتضي بذلك، ليس خوفاً على أخته ولكن عقاباً لها. نظرت غالية لأسفل قائلة بتشتت: "أنا نفسي مش عارفة أعمل إيه؟

"أنا كنت فعلاً هتكلم معاكي النهارده عشان نوصل مع بعض لحل. من قبل عمك ما يعرض عليا الجواز وأنا بفكر في الموضوع، ومن ساعة ما عرفت إني هقف ضد أخويا عشان أجوزك اللي إنتي رايداه، وأنا عارفة إني هدخل في حرب بحاول آجلها من زمان. ولما عمك عرض عليا الجواز كأنه كان عارف بحالي، بس برضو معرفتش أرد عليه." ثم رفعت عيونها، والتي لاحظت ماسة امتلائها بالدموع، وقالت بصوت متحشرج:

"برغم إن عمك كويس وكتر خيره واقف معانا من وقت موت أبوكي، بس......... أبوكي متتنسيش يا ماسة، هيفضل حب عمري." ابتسمت ماسة ابتسامة طفيفة وامتلأت عيونها بدموع الحنين، ثم عانقت والدتها لتنخرط كلاهما بالبكاء، بكاء يحمل الحنين والحيرة وربما الإجبار. .......................................

أحياناً يطول الظلام حتى تظن أنه لا انقشاع له، ولكن لابد أن يأتي له وقت وينجلي ليحل محله النهار وينثر آماله حتى ينسيك ما ظننت أنه لم يندثر. جاء خطيب غادة لزيارتهم وتحديد موعد لكتب الكتاب، فلاحظ وجود ميار الدائم بالمطبخ، فاستشعر أن هناك خطب ما، ليهمس لغادة قائلاً: "هي مرات أخوكي على طول في المطبخ؟ انتوا مزعلينها ولا إيه؟ اضطربت أنفاس غادة وازدرأت ريقها لتبتسم له ابتسامة باهتة ثم تقول بتلعثم وهي تحاول

أن تفكر في مبرر للوضع: "هاا... ابداً، هنزعلها ليه؟ داحنا ياما طلبنا منها تقعد معانا." ثم طرأت بعقلها فكرة لتردف مكملة: "هي بتحب تفضل في المطبخ، دانا ياما أخويا يقولها تعالي اقعدي معايا لحد ما زهق." ثم اقتربت منه هامسة بلهجة تدعي بها الحزن: "أصلها يا عيني مبتخلفش، فبتحاول تبعد عننا فاكرة إننا هنعايرها." مصمصت شفتاها وكأنها متأثرة من أجلها قائلة بتأثر زائف: "النبي صعبانة عليا." ثم نظرت تجاه خطيبها بطرف عيونها مكملة:

"واخويا صعبان عليا أكتر، يالا حظه قليل في الدنيا." نظر لها خطيبها لا يعلم لماذا لم يتأثر من كلامها، وكأنه يشعر أنه تأثر زائف، فدعا لهم بصلاح الحال وأن يعطيهم على قدر نيتهم.

انتهت الجلسة على تحديد ميعاد الزواج بعد شهر واحد، برغم رفض حسن وأنوار، فهذه المدة قد تغير من خطتهم، ولكن مع إصرار الخطيب وافقوا. وبعد انصرافه أخبر حسن ميار بالصعود حتى ترتاح قليلاً من مجهود اليوم، وفعلاً صعدت هي وجلسوا ثلاثتهم ورابعهم الشيطان الذي كان أقل وطأة منهم، بل أكاد أجزم أنه يرفع القبعة لأمثالهم. جلسوا يتبادلون النظرات لبعضهم وكأنهم ينون على شيء ما، حتى تحدث حسن قائلاً:

"وبعدين بقرار خطيبك ده، هضطر أجل اللي اتفقنا عليه." عقبت أنوار قائلة: "بالعكس." قضب جبينه سائلاً باندهاش: "بالعكس إزاي يا أما؟ يعني أنا أزهق ميار في عيشتها لحد ما تطلب الطلاق وأخليها تتنازل عن كل حقوقها مقابل إنها تطلق؟ وبعدين أجوز أختي؟ طب افرضي جوزها حس بحاجة ومرضيش يتمم الجوازة؟ أبقى وقفت حال أختي." ابتسمت أنوار قائلة:

"يا واد، ده مش خطيب أختك بس اللي هيتعاطف معاك، ده أهل الحتة كلهم هيتعاطفوا معاك لما ننشر خبر إنها مبتخلفش وإن كمان أهلها عارفين من قبل الجواز ومقالوش، يعني الموضوع مش مجرد حظ ونصيب، ده غش ونصب." ابتسمت غادة وقالت معلقة: "أنا فعلاً قولت لخطيبى النهارده إنها مبتخلفش وإنك مستحمل كل ده بالعافية." "وكمان يومين أقوله على موضوع إن أهلها كانوا يعرفوا وداروا علينا، وبعدها هيكون لينا الحق في أي حاجة نعملها."

اقتنع حسن برؤية أنوار وغادة، وخاصة أنه رأى أن الموضوع سينتهي بدون أي خسائر من ناحيته، وخاصة عندما يرغماها على التنازل عن حقها. وأما الفضيحة، فربت والدته على فخذيه قائلة بفخر: "وساعتها أختارلك ست ستها وهتقبل كمان تدخل على فرشها، وتبقى يا بن المحظوظة اتجوزت اتنين، في أحسن من كده."

لاحت الابتسامة على محيا حسن وهو يتخيل زواجه بفتاة أخرى جميلة، ليكرر ذكرياته أول زواجه مع ميار، وما أحلاها من ذكرى لديه، فقد كان مستمتع بخجلها وخوفها، بل ورعبها الذي بدا عليها يومها. ثم توجه للأعلى ليبدأ في زيادة الجرعة من سوء المعاملة والتقليل من شأنها، وفي نفس الوقت الاستمتاع بشتى الطرق دون الأخذ في اعتباره إرهاقها.

صعدت ميار وقد حسمت أمرها، برغم إنهاكها طوال اليوم، إلا أنها قررت أنها ستعيد التحدث معه مرة أخرى في أمر عمله من أجل العلاج، وخاصة أن زواج أخته بموعد قريب وهو يقضي معظم وقته نوماً. صعد حسن الذي تأفف فور رؤيتها، لماذا تنتظره؟ فهي باتت لا تتحدث إلا بموضوع العمل. ثم قال محاولاً تغيير تفكيرها: "اوف، إنتي لسه صاحية؟ أنا الحق عليا إني خليتك تطلعي بدري عشان ترتاحي شوية."

جلست ميار بجواره محاولة التحدث بطريقة لينة، ربما استمع لها، فقالت: "يا حسن، أختك دلوقتي هتتجوز، يعني محتاجة مصاريف، وأنا العملية بتاعتي.... اقتطع حديثها ملوحاً بيده في الهواء قائلاً بنبرة أكثر حدة:

"ااااه، قولي كده، مليكيش دعوة بأختي، لما تطلب منك حاجة ابقي قولي لها لا. إنتي عمالة تلفي وتدوري عشان موضوع العملية، بصي بقي يا بنت الحلال، عملية ودفع فلوس على الفاضي، مش دافع أنا، مش هشتري سمك في ميه، وحتى لو هتعمليها على حسابك، أنا مش موافق عشان اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وده آخر كلام عندي، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل، كفاية عليا إني مستحمل قرفك."

تعرف عنه أنه غليظ القلب سليط اللسان، ولكنها لم تتوقع أنه سيصل لهذه القدر من النذالة وقلة الأصل والبجاحة، فطالما وقفت بجواره وجوار عائلته، فاستباح أموالها دون وجه حق. تذكرت حديث أختها أنه لا يستحق المساعدة، فتشجعت قائلة: "وأنا لو مش هعمل العملية، مش هصرف مليم واحد على البيت ده، دي بقي فلوسي وأنا حرة فيها."

وكأنها أشعلت شياطينه، فهب واقفا عازماً على تعنيفها جسدياً، فرفع يده لأعلى، ولكنه تذكر أخاها وما فعله به، فأنزل يده ووقف مكانه، ثم ابتسم ابتسامة خبث، فقد طرأت بعقله فكرة أخرى لعقابها لا تستطيع أن تشتكي بها لأحد قائلاً: "شكلك لسه متهدتيش وفيكي طاقة عايزة تطلعيها، وبفكر بدل ما نطلعها في الخناق نطلعها بطريقة تانية ممكن متعجبكيش، بس المهم هتعجبني أنا."

فهمت ميار ما يرمي إليه، لتضطرب أنفاسها محاولة التهرب مما يقصده، ولكنه لم يمهلها التفكير حتى، فامسكها من معصمها وسحبها خلفه كالشاة، ودلف بها الغرفة، صافق بابها بقدميه بقوة، ثم قذفها للخلف بشدة لترتمي على الفراش خلفها، بينما هو أخذ يخلع قميصه بعصبية، واستوحشت نظراته وامتلأت بمزيج من الرغبة الوحشية في آن واحد.

تغلغلت في مقلتيها الدموع تستجديه بألا يفعل. لم تعلم أن بنظراتها المستعطفة تلك تزيده رغبة. ثم لم يلبث لحظات إلا وانقض عليها وكأنه وحش كاسر ينقض على فريسته، كل ما يستمع إليه صوت صراخها وكأنها تعزف موسيقى تطرب آذانه.

انتهى منها ليستلقي بجوارها غير عابئ بحالتها، بينما هي أخذت تلملم ما تطوله يدها لتوري جسدها قليلاً ودموعها تنهمر على وجنتيها، ولكنها زادت إصراراً على تنفيذ ما عزمت عليه، فهي بكل الأحوال تشعر بالإهانة والدونية، إذاً فالصمت والتحمل لم يجدي شيئاً، ربما إذا ستستخدم أسلوب الضغط قليلاً يتغير الأمر.

وبالفعل، بعد أن تحدثت مع أختها واتفقا على ما ستفعله. أصبحت تضع كل أموالها الخاصة بحقيبة يدها وتغدو إلى عملها بها وتعود لتخفيها عنه. كانت تحاول شراء ما يسد جوعها قبل الوصول للمنزل وتأكله بسرعة قبل وصولها، وتظل بمنزلها لا تأكل لعدم تواجد شيء وعدم شرائها لشئ للمنزل أيضاً. ...................................

مرت فترة تتجاوز الثلاث أسابيع على كل أبطالنا، فقد حاول يزن مجدداً أن يذهب لغزل جامعتها، ولكن بكل مرة كانت تجيد الهروب، برغم رغبتها في المقابلة، ولكنها تعمدت على إثارة غضبه، فقد أصبح هذا هو شغلها الشاغل بدون أن تدرك لما كل هذا الاهتمام من ناحيته، ولا تدرك لما تتمنى في كل مرة أخرى بأن يعيد محاولاته مرة أخرى.

بينما محمد يحاول كل أسبوع بالاتفاق مع عم ماسة على ميعاد للحضور هو ووالده ووالدته لإتمام الخطبة والاتفاق على ميعاد عقد القران، ولكن في كل مرة لم يتم الاتفاق، إما لمرض والدتها أو لمرض عمها ذاته. وأخيراً تم الاتفاق على موعد قد اتفق عليه كلهم بعد يومين فقط.

بينما ظلت معاملة حسن لميار على نفس النحو سيئة، ولكنه لم يفهم أنها اعتادت السوء، فأصبحت هذه الحياة بالنسبة لها طبيعية، ولكن كل ما تغير هو لم يستطع أن يجد طريقة حتى يأخذ أموالاً منها أو أن تشتري للمنزل شيئاً، فأصبح المنزل خاوياً تماماً وأصبح هو من يلجأ إلى والدته لتطعمه، ولا يخلو الأمر من التقريع له بأنه غير قادر على زوجته. دام الأمر لمدة الثلاث أسابيع تلك حتى وصل لمنتهاه، فلم يتحمل هذا الوضع أكثر من ذلك.

بيوم من الأيام دلفت من عملها وصعدت الدرج على أطراف أصابعها حتى لا يعلموا بقدومها، كما تفعل بالأونه الأخيرة، حتى يتسنى لها إخفاء حقيبتها منه، والتي كانت تخفيها داخل إناء طهي موجود داخل خزينة المطبخ. وبما أنها هي فقط من تدخل المطبخ وبما أن المطبخ أصبح خاوياً لا يوجد ما يطبخ به، فلم يتوقع مكان كهذا.

تفتح بابها بحذر حتى لا يستمع أحد لها، فهو في هذا الوقت يجلس لدى والدته ليفطر، حيث اعتاد على النهوض من النوم متأخراً. لا تعلم أنه قد أعد عدته وتأهب لوقت حضورها، وفور رؤيته لظلها تركها حتى صعدت وفتحت الباب، وقبل أن تغلقه جاء هو ووضع قدمه يمنع الباب من الانغلاق. استدارت ميار وجحظت عيونها وتشبثت بحقيبتها، وتذكرت

حديث ماسة منذ قليل قائلة: "مش هيسيبك يا ميرو، هاتي الفلوس اللي معاكي، خليهم معايا وخلي معاكي يدوب قد الأكل والمواصلات بتاعة النهارده والصبح وكل يوم، يا ستي ليكي عندي اديكي مصروفك." ضحكت الفتيات حتى فاقت ميار على صوت حسن وهو يتقدم بخطوات متمهلة يقول لها: "مانا مش هفضل صابر عليكي كتير، أنا سبتك براحتك، لكن إنك تسيبي البيت من غير أكل خالص ده مينفعش."

زادت دقات قلب ميار وارتفع مستوى الأدرينالين لديها، فاذدرأت ريقها تحاول أن تظهر أكثر ثباتاً، فقالت له: "مانا قولتلك انزل اشتغل وانت مش راضي." كان يتحدث ويتقدم لأمام لتتراجع هي خطوة على إثرها للخلف، فقال ومازال يتقدم منها: "طب هاتي فلوس عشان انزل أدور على شغل." تشبثت أكثر بحقيبتها قائلة: "مش معايا غير مواصلاتي، خد من أمك."

حسناً، فقد أوصلته لمرحلة من الغضب جعله لا يرى أمامه، فتقدم خطوة سريعة وأمسك بحقيبتها محاولاً خطفها منها، ولكن من أثر تمسكها بها فقد امسك بالحقيبة وأزاحها هي للخلف بشدة لترتطم ظهرها ورأسها بالحائط بقوة الذي قد اقترب منها من أثر تراجعها، ثم هوت على الأرض مطلقة صرخة تعبر عن آلامها من أثر ارتطامها بالحائط وسقوطها أرضاً. ظلت أمامه تبكي بتألم تضع يداً على ظهرها والأخرى على بطنها ولم تستطع التحرك، بينما هو أمسك بالحقيبة وأخرج منها الأموال التي لم تكن سوى جنيهات بسيطة كما قالت. وعند وجوده هذا ألقى بالحقيبة بوجهها هادراً

بها: "لو مدتنيش الفلوس هيبقي كل يوم من ده، إن شاء الله تروحي الشغل مشي، جاك القرف." ثم بصق عليها دون حتى الاهتمام ببكاءها أو عدم حركتها وتوجه للأسفل حيث شقة والدته. بينما هي حاولت جاهدة إخراج هاتفها من حقيبتها التي حمدت ربها أنه قد ألقاها بجوارها وقامت بالاتصال على أخيها لتخبره بأنها في حاجة إليه.

هرول محمد إليها بعد سماع صوتها الباكي والمتألم بالهاتف، فلم ينتظر حتى تسرد له ما حدث، بل وصل لمنزلها في غضون دقائق ليهرول على الدرج ووصل حتى شقتها ليرى بابها مفتوحاً، لينظر بداخلها فوجد ميار مغشياً عليها وملقاة أرضاً. ملابسها غارقة في الدماء، ليفجع من هذا المنظر ويهرول حاملاً إياها صارخاً بأعلى صوته بتكرار: "يا ولاد..... والله ما هسيبكم يا ولاد.....

خرج حسن ووالدته وأخته على إثر صوت محمد ليجدونه يهبط الدرج حاملاً ميار وملابسها مصبغة بالدماء، ليشهقوا جميعهم بما فيهم حسن. نكزته والدته قائلة: "إنت مش قولتلي ممدتش ايدك عليها يا موكوس؟ اللي فيها ده من إيه؟ ظل حسن جاحظ العينين يرد وهو يشعر بالتيه والاندهاش: "معرفش والله، ما اعرف، أنا معملتش حاجة، أنا زقتها بس." دخلت أنوار وسحبت إياه لداخل المنزل ثم أغلقت الباب قائلة:

"يخرب بيت شيطانك، لتكون زقتها على حاجة وتروح في داهية." ظل يراجع ذاكرته ما إذا كان يوجد شيئاً بالأرض، ولكنه تذكر قائلاً: "أبداً، كان وراها الحيطة." بينما محمد توجه بأخته مباشرة إلى أقرب مشفى، ثم أخبر والده ووالدته وماجدة بما حدث، ليهرولوا إليها ويكاد أنفاسهم تتوقف عن ملاحقتها. ...................................

كان جالساً بمكتبه بالجامعة يتابع عمله كعادته، حتى جاءته رسالة من الرقم ذاته الذي يتابع معه مستجدات الأمر مما كلفه به، فوجد أن الرسالة عبارة عن تسجيل لمكالمة هاتفية. فور استماعه لها أغلق التطبيق فوراً ليجري اتصالاً بجواد يطلعه على الأمر كله منذ بداية تتبعه لهم حتى آخر المستجدات التي تستلزم معرفته الآن بالأمر، تاركاً له حرية التصرف، فقد بات الأمر جدياً ولا يحتمل التأخر به.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...