رفضت بحجة حمايتك. وامتثلت لحكمهم خوفاً عليكِ. لأرى اليوم بعيني نتيجة امتثالي وخوفي عليكِ وقد أصبح هباءً منثوراً. التهَم چواد الدرج صاعداً منزله وطرق بابه بسرعة، ففتحت له والدته لتراه مكفهراً الوجه، عابس الملامح.
دلف سريعاً إلى داخل المنزل دون التفوه بكلمة واحدة، متوجهاً مباشرة إلى شرفته المطلة على شرفة منزل والد ميار. يعلم أن هذا خطأ فادح بالنسبة لقوانين الجيرة، وبالنسبة لآدابه ومبادئه، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه عليها. هل ما رآه صحيح؟ هل شكوكه حقيقة؟ هرولت خلفه والدته وهي تسأله متحيرة من أمره: "في إيه يا چواد؟ مالك يا ابني؟ في حاجة في الشارع بعد الشر؟
وقفت بجواره في الشرفة ترى إلى أين ينظر، لتجده يسلط أنظاره على شرفة منزل والد ميار. تعجبت من ابنها، فذلك ليس من أخلاقه، فوبخته قائلة: "عيب كده يا چواد، من امتى بنبص على الجيران!؟ وأمسكت بذراعه ساحبة إياه إلى الداخل. وكأن والدته أيقظته من غفلته، فأغمض عينيه مطلقاً زفيراً عالياً، ودخل معها وهو يشعر أنه سيجن. كيف يحدث ذلك مع عصفورته؟ كيف تحملت كل هذا؟ أيعقل أن يحدث كل هذا لهذا الملاك؟
كان يتوقع أن زوجها سيحبها مثله أو أكثر، فهي تسبي القلوب والعقول، ولكن هل لهذا قلب أو عقل حتى يفعل ما فعله بهذه العصفورة؟ أخذ يجوب الصالة ذهاباً وإياباً، يتمنى لو يذهب لها ويحتضنها ويداوي كدماتها وندبات روحها بنفسه. كما تمنى لو رأى هذا الزوج عديم المروءة أمامه الآن، لتفتك به وتُره كيف له أن يستقوي على امرأة ضعيفة، وليست أي امرأة. ظل على حاله يزرع الصالة بخطواته أمام والدته التي ترجوه أن يهدأ قليلاً ويقص لها ما حدث،
حتى صرخت به: "چواد بس بقى، دوختني. تعالي هنا اقعد وقولي في إيه لكل ده؟ ربتت الأم على ظهره وسألته بحنان: "حصل إيه يا حبيبي لكل ده؟ طمني متسبنيش قلقانة كده؟ رفع چواد رأسه ونظر لها، وعيونه يكسوها الاحمرار من كثرة الضغط الذي يشعر به برأسه، وقال لها بنبرة تجسد حاله ويغلفها الانكسار قائلاً:
"وأنا طالع من الصيدلية شفت ميار ماشية مع أخوها، كان باين على أخوها إنه مضايق جداً، بس مردتش أسأله عشان أخته معاه. ولما شوفتها لقيت ميار بتعيط، ووشها كله كدمات حمرا وزرقاء حوالين بوقها وعينيها. تخيلي يا ماما ميار ده ممكن يكون الحيوان عمل فيها كده؟ تخيلي ممكن يكون أذاها بالشكل ده؟ طب لما وشها كده، يا ترى جسمها إزاي؟ نَكَست أخلاص رأسها للأسفل بحزن وتمتمت قائلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." ثم رفعت رأسها
محاولة التخفيف عنه فقالت: "ما يمكن يا ابني نرفزته ولا ردت عليه رد كده ولا كده؟ انتفض چواد من جوارها يصرخ قائلاً: "هي دي بتنطق أصلاً، مانتي عارفاها يا ماما!؟ هرولت أخلاص إلى الشرفة تغلق بابها حتى لا يصل صوت ابنها للجيران، وخاصة شقة والد ميار. ثم التفتت له قائلة: "طب أهدي يا چواد، متعملش في نفسك كده. مفيش في إيدينا حاجة نعملهالها يا ابني، أكيد أهلها مش هيسكتوا." ثم ربتت على كتفه تحاول تهدئة حاله قائلة:
"هدي أعصابك أنت." نظر لها چواد محاولاً التحكم في انفعاله قائلاً: "ها الزلمة ماهو رچال يا أمي، ما هو رچال حتى يستقوي على أضعف خلق الله، بالله أضعف خلق الله." وارتمى بأحضانها يبكي بكاءً قد أجله طويلاً منذ يوم علمه بأنها لم تكن نصيبه، وهو يحاول ألا يبكي ويتحمل، ولكن رؤيتها اليوم بهذا المنظر فاق كل قدرات تحمله. لم تتحمل أخلاص رؤية ولدها هكذا، حتى انسابت دموعها قهراً على ولدها داعية له ومرددة:
"ربنا يريح قلبك يا ابني، ربنا يريح قلبك ويجازي اللي كان السبب." أجهش چواد بالبكاء في أحضان والدته وهي تحاول هدهدته كالطفل الصغير، حتى هدأ قليلاً ومسح دموعه، وأخرج هاتفه يعتذر لأصدقائه على عدم مجيئه مرة أخرى، ثم استقام ذاهباً الشرفة ينظر منها بين الحين والآخر لعله يرى ما يطمئن قلبه ويهدأ روحه، حتى رأى... ***
بعد أن جلس محمد على مقعده انقياداً لطلب أبيه، أخذ والده نفساً عميقاً قبل أن يبدأ بالكلام، محاولاً تهدئة حاله وإقناع ذاته قبل ابنه، ثم قال: "أختك متجوزة من ٣ شهور تقريباً، وطبيعي تقابل في حياتها مشاكل مع جوزها وأهل جوزها عشان اختلاف الطباع بينهم شيء طبيعي. وواجبنا إحنا بقى كأهلها نوجهها إنها لازم تصبر وتفهم طباع جوزها وتشوف إيه اللي بيضايقه ومتعملوش." انتفض محمد مرة أخرى واقفاً قائلاً بغضب:
"بس هي مغلطتش أساساً، ده اتمشت طريقها مع صاحبتها وقابلتني، قابلت أخوها. آخرتها عشر دقائق أو ربع ساعة تقريباً عن ميعاد رجوعها، يعني الدنيا مقامتش." ثم اتخذ نفساً عميقاً واستطرد قائلاً: "ده حتى لو غلطت، ملوش حق يضربها بالشكل الهمجي ده، وكمان مش أول مرة. افرض كان حصلها حاجة في إيده، افرض كانت حامل وسقطت، تموت عشان تفهم طباع جوزها؟ ما يكلمها بلسانه."
أخذ يجول ذهاباً وإياباً أمامهم جميعاً، وكأنه يحدث نفسه بصوت عالٍ قائلاً: "ثم يه يعني اتاخرت عن الأكل نص ساعة، الدنيا طارت. وكمان بعد ما تخلص عمايل الأكل يطلعها من غير ما تاكل ويزلها بالشكل ده؟ التفت سريعاً لوالده مواجهاً له سائلاً إياه بلهجة استنكاري: "هو ده الطباع اللي عايز بنتك تفهمها وتمشي عليها؟
ظل صدره يعلو ويهبط من أثر ثورته في الحوار، وينظر لوالده الذي طأطأ رأسه وأغمض عينيه، يعلم أن حديث ابنه صائب، ولكن هدفه الأول والوحيد هو الحفاظ على بيت ابنته من الخراب. فسحب نفساً عميقاً ناظراً لابنه وقال: "عشان اللي قولته أنا مش هخليك ترجعها لبيته لوحدها وبسهولة، لا أنا هخليه يجي ونتكلم معاه إن المعاملة دي متنفعش، بس برضو لازم ننصح بنتنا إنها متنرفزش جوزها وتوصله لقمة غضبه، ونرجع نقول عمل كده ليه." محمد بعصبية مفرطة:
"يا بابا أنت عارف ميار مبتنطقش أصلاً." ثم سأل والده سؤالاً يكاد يدمر عقله من كثرة التفكير، ألا وهو: "معلش يا بابا عايز أفهم حاجة، أنت رفضت چواد عشان... هدر به توفيق صائحاً: "محمد... حاسب على كلامك عشان اللي هتقوله ده ميصحش، واختك خلاص متجوزة. ولو عايز تسأل هعمل إيه عشان أختك، هقولك اللي كنت مقدرش أعمله لو جوزها غريب ملوش أهل." ظل محمد صامتاً ناظراً لوالده ولسان حاله يقول: اتفضل قول هتعمل إيه، مكنش ينفع مع چواد؟
فهم توفيق نظرات ولده فاستطرد قائلاً: "هبعت أجيب أبوه وأعرفهم إزاي يتعاملوا مع بنات الناس، وآخد تعهد عليه قدام أبوه ميعملش فيها كده، عشان كده قولتلك مش هروحها كده، لكن برضو مش هخرب بيتها." في هذا الوقت وصلت ماجدة أختها وسمعت صوتهم العالي لتدخل منزعجة سائلة عن سبب هذه العصبية، فرأت أختها ميار تجلس منحنية الرأس، منهارة من البكاء، ووالدتها مطأطأة الرأس تفرك بيدها ودموعها تنساب على وجنتيها. فنظرت لهم واندشت من
هول المنظر ودخلت متسائلة: "السلام عليكم، هو في إيه يا جماعة؟ سمعتها ميار فرفعت نظرها لأختها فور سماعها لصوتها، ورآتها ماجدة لتشهق وتضرب على صدرها، وانطلقت ميار التي ارتمت في أحضان أختها باكية بهستيرية مطلقة.
أخذت ماجدة أختها بأحضانها تحاول هدهدتها وهي واقفة، ولكنها لم تستجب، ظلت ميار دافنة وجهها بأحضان أختها، وحين أخرجت رأسها لتنظر لأختها، إذا بها ترى چواد بالشرفة أمامها. فنظرت له بعينيها نظرة واحدة لخصت بها كل ما تريد قوله من اعتذار وخذلان و شكوى. نظرة واحدة اشتكت له فيها الكثير، ولكنها لم تستطع الصمود، حتى سقطت مغشياً عليها.
وهنا جن چواد، وود لو يقفز من شرفته إلى شرفتها. ظل يضرب سور الشرفة بقبضته حتى جرحت يده، فهرولت له والدته تحاول الإمساك بيده وسحبته للداخل لعله يهدأ قليلاً، وأخذت تعقم يده ووضعت مرهم بها ولفتها برباط حتى لا يتلوث الجرح. ولكنه لم يقف صامتاً، فكر سريعاً وتوصل أن من المؤكد سيذهبون بها للطبيب، فالتقط مفاتيحه وسجائره وهرول مسرعاً للخارج، لم يعبأ بمناداة والدته له. ***
بمنزل حسن، عاد من العمل مطروداً ودلف إلى شقة والدته مقتضب الوجه، فسألته والدته: "مالك يا ابني بعد الشر مكشر كده ليه؟ هوى على المقعد بجوارها واضعاً رأسه بين يديه قائلاً: "اترفدت يا ماما." شهقت والدته معلقة بكلمة واحدة: "تااااااني." أومأ برأسه وظلوا صامتين فترة قصيرة، حتى ربتت والدته على كتفه كمحاولة تخفيف همه قائلة: "ولا يهمك، هنحاول نشوفلك شغل تاني، بس اترفدت ليه المرة دي؟ ليه؟
ظل عقله يدور ويبحث عن سبب لرفده ليعلق عليه فشله، فل طالما وجد لنفسه كثيراً من الأسباب، فتذكر وصوله للعمل متأخراً بسبب استيقاظه متأخراً، واضعاً كل نقمه على ميار. فرفع رأسه ناظراً لوالدته ليخبرها عن السبب الذي توصل له عقله وكأنه وجد ضالته، فقال بصوت عالٍ وبلهجة عصبية: "عشان الهانم راحت عليها نومه، قال إيه تعبانة من ضربي فيها امبارح، فصحت متأخر، وطبعاً وصلت الشغل متأخر. وديني لأطلع روحها في إيدي."
واستقام واقفاً، لتزيد والدته من غضبه فتسكب بنزين على النار لتشتعل أكثر وأكثر، فقالت: "ده الهانم بتدلع بقى وقاصدة تأخرك على الشغل عشان متضربهاش تاني، اطلعلها، عرفها نتيجة عملها عشان متدلعش تاني." وبالفعل انطلق مهرولاً على الدرج، وطرق باب الشقة بطريقة عصبية، ولكن دون إجابة، فعقد جبينه وأخرج مفتاحه ودلف وهو ينادي باسمها بأعلى صوته، وخاصة عندما رأى منضدة الطعام كما هي، فقال: "يا ميار هااااانم، انتي يا هب...
ابة البرك، وكمان سايبة الأكل زي ما هو، ده أنتي يومك مش فايت وهك... سر عضمك في إيدي النهارده." نطق بآخر جملته وهو يفتح باب غرفتهم، فلم يجدها. عقد حاجبيه وأخذ يبحث عنها بأنحاء المنزل ولم يجدها، فهبط ثانية الدرج وذهب لوالدته يسألها لعلها خرجت لشراء شيء ما، ولكن والدته قالت: "ولا شوفتها يا ابني ولا قالت حاجة، أنا قاعدة لوحدي مستنية أختك تصحى من النوم، الأ حتى ما افتكرت تطل عليا وتجبلي فطار."
استشاط محمد أكثر، وأخرج هاتفه من جزلانه، وأخذ يجري اتصالاً بها ولكن دون استجابة، فوضع الهاتف على المنضدة المقابلة له، وأخذ يفكر إلى أين ذهبت، فقال لوالدته: "تفتكري راحت لأهلها؟ ده تبقى مصيبة، ده وشها متبهدل خالص." قالت والدته بعد أن لوحت بيدها غير مبالية:
"ولا مصيبة ولا حاجة، لو راحت لأهلها هنقولهم يعلموا بنتهم الأدب، ولا عايزين جوزها ميعرفش راحت فين وجت منين وتمشي على حل شعرها. وكمان أبقى قولهم إنك راضيتها كده وكده يعني بالليل وكنتم زي السمنة على العسل، يبقى مش من حقها تروح لأهلها بعد ما رضيتها إيه." اقتنع حسن بحديث والدته، فقال معلقاً وكالذي كذب الكذبة وصدقها: "صح كلامك يا أما، إيه عايزني خرونج ولا إيه؟
معرفش مراتي اتأخرت فين ولا مشيت فين. وكمان لو على المراضية فأنا فعلاً مهانتش عليا وراضيتها وبوست رأسها كمان، وكانت بين إيديا امبارح زي السكينة في الحلاوة وفرحانة وزي الفل، يبقى كده عداني العيب وزح." لترد عليه والدته قائلة: "خلاص سيبك منها، أنت اللي فيك مكفيك، قوم غير هدومك واتشطف عقبال ما أعملك لقمة، تلاقيك يا حبة عيني ما أكلتش من ساعة ما المخفية دي مشتك متأخر على لحم بطنك، قوم قوم متحطش في بالك."
وبالفعل لم يهتم حسن وهم يستبدل ثيابه، وبعدها تناول طعامه ليدخل غرفته القديمة بمنزل والدته ونام، وكان شيئاً لم يكن، ولم يعطِ لشيء اهتمام. *** بمنزل والد ميار، انتفض الجميع من مجلسهم حين سقطت ميار مغشياً عليها، وتجمعوا حولها محاولين إفاقتها، فجلبت ماجدة عطرها، وأخذت الأم تدلك كفيها، وأبيها أخذ يربت على وجهها، بينما أخيها محمد صرخ بهم قائلاً: "وسعوا كده، هنسيبها على الأرض."
وهم بحملها وهبط بها الدرج سريعاً ليجد چواد بسيارته منتظره عند باب المنزل. لم يعطيه چواد فرصة التفكير، فقال له مسرعاً: "تعالي بسرعة يا محمد، مفيش وقت."
وقف محمد لحظة متعجباً من وجود چواد وبسيارته، وكأنه كان يعلم ما سيحدث، ولكن هذا ليس وقته، ففتحت ماجدة باب السيارة الخلفي، ووضع محمد أخته بالخلف، وجلست ماجدة بجوارها تسندها، وهرول محمد ليستقل بجوار چواد، الذي فور دخول محمد السيارة انطلق مسرعاً لأقرب مشفى. ووالدها ووالدتها استقلوا سيارة أجرة أخرى خلفهم، ولكن سيارة چواد كانت أسرع، فكاد يشعر أنه بسباق مع دقات قلبه.
ظل چواد يقود مسرعاً وهو يختلس النظرات بين الحين والآخر عليها من المرأة الأمامية، فيتمزق قلبه من رؤيتها بهذا المنظر المحزن، وقد بهتت ملامحها واصفر وجهها بجانب الكدمات الحمراء والزرقاء. وصلوا لأقرب مشفى، فخرج محمد مسرعاً حاملاً إياها، وظل چواد ضاغطاً على إطار القيادة محاولاً التحكم بذاته، فكان يود لو خرج هو وحملها ووضعها بأحضانه يطمئنها أنه بجوارها ويطمئن قلبه بقربها، ولكن ما باليد حيلة.
انتظر حتى أخذها محمد أخوها، وهرولت خلفهم ماجدة أختها، ليصف چواد سيارته ويهرول خلفهم. وقف چواد وهو يتأكله القلق على باب غرفة الكشف، الذي بداخلها محمد وماجدة مع أختهم ميار، لم يعلم ماذا يجري بالداخل. ولكنه وجد الممرضة تخرج مهرولة، فسألها: "المريضة فاقت لو سمحت؟ نفت الممرضة برأسها قائلة: "لا لسه، الدكتور بيحاول معاها بس طلب مني أجيب له كلجوز عشان شكلها ضعيف وأعمل لها تحليل دم عشان نعرف سبب الإغماء، عن إذنك."
هرولت الممرضة لوجهتها، بينما بالداخل حاول الطبيب إفاقتها بعد أن عنفهم على آثار الضرب التي هي واضحة على ملامحها، وفور مجيء الممرضة علق لها المحلول وأخذ منها عينة الدم وأعطاها للممرضة، ثم أخذت عينة الدم لتذهب متجهة إلى معمل المشفى. وقف محمد وماجدة كتلميذين مخطئين أمام الطبيب، الذي صرخ بهم قائلاً: "إيه اللي فيها ده؟ معقول يوصل بيكم الاستهتار والهمجية إنكم تعملوا كده فيها؟
أنا لازم بعد ما تفوق أعمل محضر، لأني مش لازم أسكت على كده." ظل محمد يضغط على أسنانه ويقبض كفيه، يود لو رأى حسن الآن أمامه، ولكنه لم يستطع التفوه بكلمة واحدة، بينما ماجدة تبكي منهارة على أختها وما حل بها. بدأ الطبيب يقوم بإجراءات إفاقتها، منتظراً نتيجة عينة الدم ليتعرف على سبب الإغماء بخلاف ما يظهر على شكلها.
وصل كلا من والدها ووالدتها بعد أن أخبرتهم ماجدة عبر الهاتف باسم المشفى التي وصلوا إليها، ليجدوا چواد يقف على باب غرفة الكشف. دلفت والدتها للداخل مسرعة لتطمئن على ابنتها، بينما والدها سأل چواد: "كتر خيرك يا ابني، ربنا ما يرميك في ضيقة، متعرفش فاقت ولا لسه؟ حرك چواد رأسه نافياً لعدم معرفته لشيء، وظل ينظر تجاه والدها بنظرات اتهام وحسرة، فهم والدها مقصد نظراته، فادار وجهه بعيداً عنه، لم يستطع النظر لعيونه.
بالداخل، فاقت ميار مع دخول والدتها التي هرولت تجاهها، فبدأت في وصلة بكاء أخرى، لتسأل والدتها الطبيب قائلة: "خير يا دكتور، مالها بعد الشر؟ نظر لها الطبيب شزراً قائلاً: "بتسأليني أنا مالها وبعد الشر؟ أمال اللي في وشها وجسمها ده كله يبقى إيه مش شر!؟ أنا اللي عايز أسألكم مالها عشان تعملوا فيها ده كله؟ ثم نظر لثلاثتهم واستطرد قائلاً:
"ولو هي غلطت، مسبتوهاش ليه تموت وتخلصوا منها بدل ما أنتوا عاملين فيها بتخافوا عليها وبتجروا بيها كده؟ هنا وقد طفح الكيل بمحمد، ألا سمعة أخته، فقد شعر من الطبيب أنه يشير بحديثه إلى خطأ ما، فنطق قائلاً: "أولاً أختي مغلطتش ومش إحنا اللي عملنا فيها كده، ده... قطعت حديثه والدته مسرعة لتكمل هي الحوار قائلة: "ده دخت ووقعت يا ابني امبارح من على السلم، والنهاردة دخت تاني، فجبناها على طول هنا عشان نعرف السبب."
ظل الطبيب ينظر لهم بشك، فكلامهم منطقي لأن الكدمات واضحة أنها منذ أمس وليست اليوم، وخاصة بعد إغمائها اليوم، ولكن لا يتماشى مع مظهرها ومكان الكدمات. بعد مرور قليل من الوقت، دخلت الممرضة حاملة تقرير نتيجة عينة الدم، وقدمته للطبيب الذي أمسك به وقرأه، ثم نظر لهم واحداً تلو الآخر بنظرات تعجب، محاولاً استشعار نتيجة وقع كلماته عليهم. شعر محمد ووالدته أن النتيجة بها شيء ما، فسأله محمد بقلق قائلاً:
"خير يا دكتور، هو التحليل فيه إيه؟ كانت ميار تحتضن أختها تبكي في صمت، وماجدة تربت على ظهرها وهي حتى الآن لم تعلم لما كل هذا؟ حتى نطق الطبيب بنتيجة التحليل التي جعلتهم جميعاً تتسع نظراتهم وتهوى قلوبهم، غير مصدقين لما قاله... *** بالمطعم ليلاً، حضر نضال وأخذ يتحدث ثلاثتهم حول حال صديقهم چواد، ولكن يزن كان صامتاً على غير عادته، فنكزه نضال قائلاً له: "لا سكت الله لك صوتاً، مش بتتحفنا يعني بأفكارك وساكت!؟
لوح يزيد بيده قائلاً بسخرية: "اسكت سيبه ساكت أحسن، بدل ما يدبس صاحبك في ضحى." نطق يزن وهو متجهم الوجه قائلاً: "بتتريقوا انت وهو ماشيين، أنا بس مش فايقلكوا، نفسي في حاجة مش عارف هي إيه!؟ والمطعم النهارده ناشف قوي، مفيش حاجة طرية تهل علينا تفتح نفس الواحد على التفكير وتعمل لعقلي ريفريش كده." نضال باستهزاء: "إحنا في إيه ولا في إيه يا يزن؟ أنت يا ابني متعرفش تدخل في مود الجد شوية."
اقترب يزن برأسه من نضال ونظر بداخل عينيه سائلاً بتلاعب: "يعني أنت عايز تفهمني إن نضال باشا بجلالة قدره لو حتة طرية دخلت دلوقتي مش هيقوم يقلب رزقه؟ نظر يزيد تجاه نضال منتظراً إجابته، فاعتدل نضال بجلسته راسماً الجدية التامة قائلاً بصوت يخلو من الهزل: "بص يا يزن، أنا وقت الجد متعرفنيش، وبالنسبالي قعدة الرجالة متتعوضش بمية ست." ثم ابتسم نصف ابتسامة ومال بجزعه للأمام يقترب من يزين واردف قائلاً:
"بس لو حضرت الست يغور المية راجل." "أيوة بقى، هو ده نضال اللي أعرفه." نطق بها يزن وهو يطرق على المكتب أمامه وكأنه كان يعلم الإجابة وينتظرها، بينما يزيد أخذ يضرب كفاً على كف ساخراً منهم قائلاً: "والله أنا قولت هتقول حاجة عدلة، لاقيتك ضايع أكتر منه." مال نضال من يزيد بجزعه قائلاً: "كفاية علينا أنت يا حكيم زمانك." اعتدل يزن واقفاً مستأذناً وقال:
"طب بما إن القاعدة ناشفة، أنا دماغي مبتشتغلش في الجو ده. هتمشى شوية كده وأجيب كشري، نفسي فيه، ويبقى أجيب لكوا معايا، ويمكن ألاقي حاجة عدلة بدل قعدتكم اللي ملهاش لازمة." وانطلق متوجهاً في الشارع المجاور لهم حيث محل الكشري، وقبل أن يصل إليه وجد فتاة مقدمة عليه، ويا لها من فتاة!
أخذ يتمعن النظر بها، فهي متوسطة الطول، مشرقة الوجه، كل ملامحها صغيرة، وذات شعر بني طويل رافعه إياه على شكل ذيلان حصان، فبدت بمنظر طفلة جميلة الملامح على هيئة فتاة جذابة المنظر. ظل ينظر لها غير مصدق حاله، أنها تقدم عليه مبتسمة ابتسامة طفيفة، وكأنها تقصده هو. أخذ يتلفت يميناً ويساراً، ربما يوجد أحد خلفه مباشرة، ولكن لا يوجد أحد، حتى استوقفته بالفعل قائلة بصوت خافت: "لو سمحت! في هنا محل حلويات قريب اسمه لولي بوب؟
ظل ينظر يزن لها بعيون متسعة، حتى شعرت بالخجل، ولكنه أنقذ الموقف قائلاً: "بعتذر منك، كنت بحاول أفتكر المحل فين. آه، في آخر الشارع أول يمين هتلاقي المحل." أومأت برأسها وشكرته وانطلقت في نفس الطريق الذي وصفه يزن. التفت يزن ناظراً عليها من الخلف، ثم أغمض عينيه وهز رأسه حتى يفيق حاله قائلاً: "يخرب بيت جمالك، والنبي أنا مرزق، بس أهبل معرفتش أعلقها، إزاي عدت مني ده؟
ثم التفت مرة أخرى متجهاً إلى وجهته بكل نشاط وطاقة وحيوية، وكأنه كان ينقصه شحن وقد تم امتلاؤه، واشترى الكشري وعاد لمحله. وعند اقترابه وجده مزدحماً، فقال ساخراً من ذاته: "شكلي أنا اللي فقير ولا إيه؟ ثم أقبل من نضال الذي اتخذ مكانه على الكاشير، فعند رؤية نضال له فقال له: "كنت فين كل ده يالا، تعالي اقعد عشان الدنيا اتزحمت." فابتسم يزن ابتسامة هائمة وقال بصوت مسموع:
"اسكت يا نضال، أنا خرجت من هنا ورزقي كان في رجلي، والاقيلك حتة طرية طرية أوي بتسألني على محل لولي بوب، فدلتها على محلنا. يعني ده مش محل لولي بوب؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!