آها ولكنه لم يصدق عينيه. فاقترب قليلا حتى يتأكد مما يراه. رآها وقد أزالت عنها كل الحجج الواهية التي ألبسها إياها وحاول الالتماس لها بأي عذر. رآها ولا يعلم لماذا ارتاح قلبه أكثر من شعوره بالخديعة. نعم، هو يشعر بالخديعة، ولكن خديعة كان ينتظرها ويتوقعها، ولطالما نهر حاله على تخيلها. اقترب أكثر وهو يحمد ربه على انكشاف سترها قبل فوات الأوان. اقترب وهو يهيئ حاله لأي خديعة ستنطق بها لتنقذ حالها. لحظة!
فربما أنكرت كل هذا عند مواجهتها به أمام أهلها؟ فمثلها من اعتادت على التمثيل والخديعة من الممكن أن تتوقع منها كل شيء. أخرج هاتفه والتقط عدة صور لهم وهم مقتربين من بعضهم، رؤوسهم تكاد تلتصق، أيديهم متشابكة وكأنهم يخافوا الافتراق! تعجب من حالهم، فلطالما يعشقان بعضهما، كيف قبلت بالارتباط بآخر والتفاخر به في جميع صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي، وكيف هو قبل ذلك قبلها. امتعض وجه وشعر بالاشمئزاز منهم.
ليدنو منهم وآمال برأسه عليهم حتى يصلهم صوته قائلاً بصوت خافت: _ولما انتوا بتحبوا بعض أوي كدة قبلتي ليه تتخطبي ليا؟ انتفضت هايدي من مكانها مذعورة عند سماعها لصوته ورؤيتها له. سحبت يدها من يد من يجلس أمامها قائلة باضطراب واضح: _ده..... ده....... متفهمش غلط ..... ده ابن خالتي وكنا... نطق چواد بحدة منهياً الحوار قائلاً:
_مش عايز أسمع أعذار. وياريت متستفزنيش عشان مغلطش فيكي قدام الناس. أنا كنت حاسس من زمان وبكدب حالي من ساعة ما كنتي بتتهربي من قعادنا سواء أو من خروجنا سواء. أنا بس اللي عايز أعرفه، لما انتي بتحبيه كدة رضيتي ليه تتخطبي لغيره؟ ترقرقت دموع التماسيح بأعين هايدي وأدعت البراءة قائلة: _صدقني أنا كنت هقولك والنهاردة كنا بننهي علاقتنا.
انعقد جبين چواد دليلاً على التعجب وهو ينظر لها في دهشة، وإلى الذي ما زال يجلس في موضع المتفرج وكأن ما يحدث لم يهمه وينتظر حتى نهاية الموضوع ليرى من أين يبدأ هو. ليسأل چواد مستفهماً: _بتنهي علاقتك بعد شهر خطوبة!! يعني مخطوبالي بقالك شهر والمفروض قربنا نتجوز ولسه بتنهي علاقتك. ده غير اللي شوفته ده مش نهاية علاقة أبداً، ده عزها!!! قبل ما أنهي أي حاجة عايز إجابة على سؤالي، لما بتحبيه كدة رضيتي تتخطبي ليا ليه؟
نطق بسؤاله بصوت أكثر حدة وأعلى قليلاً وكأنه على وشك انفلات أعصابه. لتجيبه هايدي بصوت مضطرب وهي توزع نظراتها ما بينه وبين الجالس أمامها: _بصراحة هو مش جاهز دلوقتي عشان يتقدملي وأهلي رفضوه مرة. والنهاردة والله العظيم كنت بنهي علاقتنا. ابتسم چواد بسخرية وهو يوزع نظراته بينهم، ثم خلع دبلته من معقله وكأنه التقط أنفاسه أخيراً، ثم قال ساخراً: _لا متنهيش علاقتكم. إحنا اللي لازم ننهي علاقتنا عشان بصراحة انتوا تستاهلوا بعض.
ابتسم مستهزئاً واخذ ينظر لذلك القابع مكانه قائلاً: _هو يستاهلك عشان قبل إنك تتخطبي لحد تاني وهو قاعد وبيقابلك في الخفاء. ثم التفت لها ونظر لها باشمئزاز من أعلاها لأسفلها ثم قال: _وانتي تستهليه عشان بتتخطبي لحد وتقابلي غيره وتسمحيله يلمسك عادي. ثم وزع النظرات بينهم قائلاً: _بس الأكيد محدش فيكوا بيحب حد. وأعتقد إنك هتندمي أشد الندم قريب أوي. ثم اقترب بوجهه منها قائلاً بصوت مرعب:
_من عادتي ما باخدش هدايا أهدتها لحد قبل كدة. بس برضو من عادتي إن محبش حد يحس إنه استعبطني. أروح البيت ألاقي كل حاجة جبتها لك هناك في بيتي، وإلا هيكون فيه كلام تاني مع أهلك. وكرم أخلاق مني هسيبك ليكي حرية اختيار السبب، وكده أكون عملت معاكي أحسن واجب.
ثم نظر لهم شزراً وانطلق تاركاً إياهم لبعض يتبادلون النظرات وكأن كلا منهم انكشف أمام الآخر. هو بعدم الدفاع عنها وتركها في مهب الريح يجلس في حال المتفرج عليها وكأنها لا تخصه من الأساس. وهي بانكشاف حالها أمام نفسها، أو بالأحرى خسارتها لكل شيء كانت تخطط له، فقد ذهب العريس الوردي صاحب المال والجمال. وليس أمامها سوى أن تعيد كل شيء وإلا انكشف حالها أمام أهلها، وعليها أن تبحث عن أي سبب لإقناع والديها بانقضاء الفرصة الذهبية تلك.
انطلق چواد سعيداً لا يعرف سبب سعادته!! لهذه الدرجة كان يخنق حاله ولم يشعر!؟ حمد ربه كثيراً وتوجه بوجه مشرق على غير عادته في الأيام الأخيرة إلى المحال وبدأ يستعيد بعضاً من مرحه قليلاً حتى تعجب يزيد ويزن. فسألوه وهم متعجبون حاله. ليرفع چواد يده أمام أعينهم. لم يفهم يزيد في البداية حتى نطق يزن مهللاً: _أيوه كده أنا قلت البنت دي متستهلكش. النهاردة هنحتفل للصبح وهتصل بالواد نضال يجي. ثم قال بصوت عالٍ في وسط المحال:
_في يوم علاوة لكل العمال بمناسبة فسخ خطوبة چواد باشا. ليصفق كل عمال المحال ما بين فرحة واندهاش بسبب الاحتفال. ليضحك كلا من يزيد وچواد مقلبين كفاً على الآخر. ليقترب يزن من چواد معلقاً: _كانت على قلبي زي الحجر يا شيخ. إنت كنت مستحملها إزاي؟ بنت صفرا كده أعوذ بالله.
ضحك چواد حتى ظهرت نواغزه. ثم صدح رنين هاتفه معلناً عن اتصال من والدته. فانزوى جانباً حتى يستمع لها جيداً. فوجدها تخبره بأن خطيبته قد أنهت الخطوبة لسبب غير معلن وقد أعادت كل شيء جلبه لها. وعند سؤاله عن السبب رد چواد عليها سائلاً: _مش انتي مرتاحة يا ست الكل. أجابت إخلاص بفرحة تحاول إخفائها خوفاً أن تكون هي سبب انفصالهم: _أهم حاجة راحتك يا حبيبي. رد عليها چواد بصوت يبدو عليه الفرحة قائلاً:
_وأنا مرتاح كده أكتر يا خوخه. ماشي حبيبتي هسهر شوية وجاي. أنهى اتصاله مع والدته وتذكر معشوقته. ليزم شفتيه ويطلق تنهيدة حارة هامساً لحاله: _حاولت كتير مظلمهاش يا ميار وأشبهها بيكي، بس للأسف هي اللي ظلمت نفسها.............................................
بالجهة الأخرى بالمشفى كانت ميار تزفر تنهيدة ألم. وماجدة مستشيطة غضباً تحاول إقناع والدها بتسجيل محضر ضد المدعو حسن حتى ينال عقابه جزاء ما فعله بأختها. وخاصة أنها ليست المرة الأولى ومعنا الدليل القاطع على ذلك. حتى كادا أن يقتنع لولا تخوف والدتها من الفكرة قائلة: _استهدي بالله يا بنتي الناس دي مش سهلة ولو عملنا في ابنهم حاجة مش هيسيبوكوا وممكن يطلعوا عليكم كلام بالباطل ويوقفوا حالك.
ثم ربتت على كتف توفيق الذي كان بين شقي رحى ما بين حق ابنته والذي يعلم جيداً أنه هو أول من أضاعه ويتخوف ما إذا سيضيعه مرة أخرى. وبين سمعة بناته وخاصة ابنته الصغرى التي لم تتزوج بعد. وقف متحيراً في أمره حتى فاق على سؤال محمد ابنه التي حاولت ماسة مراراً وتكراراً أن تهدأه ولكن لم تستطع. وخاصة عند سماعه لحديث والدته. استدار لوالده وعيونه لا تبشر بخير منتظراً رد فعل واحد ولكنه وجده متحيراً. لينطق بجملة واحدة:
_أنا عرفت ميار طالعة لمين. بس أنا بقي مش هسكت. وانطلق غير عابئ بكم المناداة عليه من قبل والدته وماسة. بينما ماجدة وقفت مبتسمة هامسة لذاتها: _ولسه اصبري عليا يا زفت انت. إن ما وريتك عمايل ماجي مبقاش أنا. بينما توفيق ظل في موقف المتفرج لم يستطع أن ينحي ابنه عن تفكيره برغم توقعه لما سيفعله ولم يستطع اتخاذ موقف مجدي ولو لمرة واحدة. عادت ماجدة تلمس على شعر أختها قائلة لها بحنان: _وحياتك عندي لناخد حقك تالت ومتلت.
استندت ميار على صدر أختها واطلقت لدموعها العنان. فقد شعرت أنها من تقحم عائلتها في المشاكل هامسة لماجدة: _أنا خايفة على محمد يا ماجي خايفة أوي. ربتت ماجدة على رأس أختها قائلة بصوت هادئ ومطمئن: _متخافيش حبيبتي متخافيش. .............................................
انطلق محمد في طريقه إلى بيت حسن وقد اتصل باثنين من أصدقائه حتى تقابلا واتفق معهم أن ينتظرانه على بوابة المنزل لا يتركوا أحد أن يصعد ولا لأحد أن يخرج. وسيدخل بمفرده داخل المنزل حتى لا يورط معه أحد. فهذا تارة وتارة أخته ولا يسمح لأحد أن يتدخل. وبالفعل وصلا الثلاثة إلى المنزل ليظل اثنان على مدخل المنزل واقفين كالحراسة مما أثار دهشة من بالمنطقة. ثم دلف محمد داخل المنزل وهرول مسرعاً صاعداً مباشرة لشقة حسن. بينما الأخير
كان يغط في نوم عميق حتى سمع لصوت الطرق الحاد على الباب لينتفض من نومه باحثاً عن ميار. ولما لم تفتح الباب ثم تذكر وهو في طريقه إلى الباب أنها غادرت المنزل مع أخيه. وبرغم كل ما حدث لكنه لم يتصل بها خوفاً من شيء كما نصحته والدته. ثم نطق
ليطمئن من يلح على الباب: _جاي جاي اييييه مفيش صبر. ثم فتح الباب ليتلقى لكمة أرضخته أرضاً قبل أن يعرف من صاحبها. دلف محمد وأغلق الباب خلفه. وحينها حاول حسن الالتفات وهو ما زال أرضاً حتى يرى من صاحب اللكمة. حتى وجد محمد فقال له محاولاً اللحاق بحاله: _أنا معملتلهاش حاجة، والله ما عملتلها حا.... ااااااه قبل أن يكمل جملته كان محمد يركله بقدمه قائلاً: _مش المرة اللي فاتت ضرب*تها برجلك يا ابن...
حاول حسن التقاط أنفاسه بصعوبة قائلاً: _المرة دي مضر*بتهاش والله ما ...... اااااااه ركله محمد مجدداً بقدمه قائلاً: _بس المرة دي سقطتها يا ابن ....... ألجمت المفاجأة لسان حسن حتى لم يشعر بمحمد وهو يحاول استقامته والكمه لكمة تراجع على أثرها حتى الأريكة. فجلس شاهقاً نفساً عميقاً ثم قال: _استنى بس ...... استنى بس وصل على النبي. حامل إزاي والدكتور قال صعب. اقترب حسن منه ساحباً إياه من مقدمة قميصه قائلاً بصوت مريب:
_واهي حملت عشان حظك الأسود يا ابن ستين....... ولكمه بلكمة في معدته قائلاً: _وده عشان تحس بيها. أمسك حسن معدته قائلاً بصوت يكاد يخرج من شدة الألم: _أنا.... مض..ربت..هاش أنا .... زقت... ها .... ليكمل ما ينوي عليه محمد ويركله بركبته أسفل الحزام قائلاً: _وده عشان تخلي بالك بعد كده يا خفيف.
تركه يتلوى خلفه شاعراً بأنه لم يستطع التقاط أنفاسه من أثر الركلة ولا يستطيع حتى النطق بكلمة واحدة وبالكاد يأخذ نفسه. حتى خرج محمد من شقته ليجد والدته وأخته يصعدون السلم. فرآهم. لتقول له أنوار: _عملت في الواد إيه؟ والنبي لا أوديك في داهية. ليرد عليهم محمد قائلاً باستهزاء: _الحقوه بس الأول، بعدين هنشوف مين هيودي التاني في داهية.
_يا لهوي. نطقت بها أنوار لتنطلق هي وغادة ابنتها تطرق على الباب. ولكن حسن كان ما زال يتلوى ولا يستطيع الوقوف. خرج محمد وانصرف هو وأصدقاؤه الذي شكرهم. فقالوا له: _مفيش حد حب يهوب ولا يسألنا حتى زي ما يكونوا كانوا فرحانين فيهم. عاد محمد إلى المشفى فتسارع عليه والدته وماسة ليطمئنوا عليه. ولكنه كان مرتخي الملامح ليقول بكل أريحية وكأنه فعل ما جعل يستريح: _مالكم يا جماعة مفيش حاجة أنا زي الفل أهو صاغ سليم.
ثم نطقت عزة سائلة: _أوعى تكون أذيته يا محمد أنا مش حمل حد يأذيك يا حبيبي. نظر لها محمد نظرة غضب ثم قال من بين أسنانه: _ماما الله يرضى عليكي بلاش الطريقة دي جابتنا لورا وبنتك كانت هتضيع فيها. ثم اقترب من ميار هامساً لها: _حقك عليا أنا. ولثم جبهتها ثم نظر تجاه ماسة وبلهجة آمرة غاضبة قال: _يالا يا ماسة عشان أوصلك. أومأت ماسة مسرعة إلى ميار لتسلم عليها هامسة بأذنها:
_أخوكي جابلك حقك، وربنا يستر ميطلعش غضبه فيا. دعواتك يا أختي. ابتسمت ميار بوهن وربتت على كفها قائلة: _ربنا يخليكوا ليا يا رب.
انطلقت ماسة خلف محمد تحاول ملاحقة خطواته حتى وقف عند المصعد وانتظر حتى جاء ودخلا سوياً. كان سيطير فرحاً عندما دخلوا كلاهما فقط. بينما ماسة كان سيتوقف قلبها خجلاً. حتى كاد أن ينغلق الباب وبدأت الابتسامة تشق ثغر محمد. فوجد من يوقف الباب بقدمه ودخل طبيب شاب وسيم طويل القامة ووقف بجوار ماسة حتى انغلق الباب. ليجذب محمد ماسة بالطرف الآخر. نظر الطبيب إلى ماسة سائلاً بابتسامة: _زيارة ولا كشف؟ أجابه محمد بابتسامته
الصفراء ومن بين أسنانه: _عملية. تعجب الطبيب ليكمل باقي أسئلته وهو مسلط أنظاره على ماسة: _مين بعد الشر؟ زفر محمد زفيراً عالياً ثم نطق: _هو حضرتك دكتور هنا ولا حراسة لمؤاخذة؟؟ تعجب الطبيب من السؤال. ولكن قبل أن يجيبه كان انفتح باب المصعد. ليسحب محمد ماسة خلفه قائلاً: _عن إذنك يا دوك شكلك فاضي. ليضغط الطبيب على شفتيه هامساً لحاله: _فرسة بنت ال... .............................................
ظل محمد ساحباً ماسة خلفه بخطوات مسرعة تحاول جاهدة اللحاق به وهي صامتة تماماً. حتى أوثق سيارة أجرة وأدخلها إياها. ثم ركب بجوارها وبدون أي مقدمات أبلغ السائق بكازينو على النيل. فنظرت له متفاجئة. فنظر لها نظرة جدية ومحذرة قائلاً: _ولا كلمة. انتي أصلك نحس ومينفعش معاكي غير كده. ابتسمت ماسة وأومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة. فحقيقي لم يجتمعا أبداً إلا إذا حدثت مشكلة ما ينشغلوا بها.
وصلا إلى الكازينو ودلفا سوياً وما زال محمد ممسكاً بيدها. حاولت مراراً أن تسحب يدها ولكنه أصر على التمسك بها حتى جلسا على منضدة أمام النيل. وهنا بدأت تتراخى ملامح محمد. ونظر داخل عيونها. ثم بدأ يتلمس كفها بطريقة أكثر رقة زافراً تنهيدة راحة ثم قال: _يااااااااه أخيراً قعدت القعدة اللي بتمناها من زمان. شعرت ماسة بحركة إصبعه على كفها فشعرت بالخجل الشديد وحاولت سحب كفها من كفه. حتى وجدته يصدر صوتاً محذراً قائلاً:
_تؤتؤتؤتؤ بقولك إيه ورحمة أبوكي أنا بقالي سنين وشهور وأيام بحلم وأتمنى اليوم ده وكل يوم بحطله سيناريو هيمشي إزاي؟ مش هتيجي انتي تبوظيه بقي. قضمت ماسة على شفتيها. ليضغط هو على كفها قائلاً باعتراض آخر: _لا برضه كده كتير يعني يا تسحبي إيدك يا تعضّي شفايفك والمفروض أنا أعمل إيه؟ أتفرج وأسكت. اتسعت حدقتا ماسة بعد أن أدركت مغزى حديثه. ونظرت له متفاجئة من جرأته. ليومأ لها برأسه ويضغط على عيونه مؤكداً ما أدركته قائلاً بوقاحة
لم تعهدها عليه من قبل: _صدقي ما إحنا برضه مش هنفضل مقضينها نظرات وأماني. لازم حد فينا يتجرأ. حاولت سحب يدها مرة أخرى ليمسك بها قائلاً يتوسل وملامح تستحق العطف: _اسمعي بس يا ماسة يمكن يكون النهارده آخر يوم ليا معاكي. تراخت أعصابها وتركت يدها في يده وانتبهت لما يقوله وقد تغيرت ملامحها للقلق التام. فقالت متسائلة: _ليه يا محمد بعد الشر أو عى تكون هتسافر.
شعر بارتخاء يدها بين يده ففرح كثيراً وحاول أن يداري فرحته بنجاح مخططه وادعى التأثر قائلاً: _ياريت كنت هسافر كنت أقدر حتى أتجوزك وأخدك معايا. لكن المكان اللي رايحه له مينفعش آخدك معايا ومش عارف هترضي بيا بعد كده ولا لأ؟ بدأ يزيد لديها شعور بالقلق لدرجة أن تجمعت الدموع بمحجريها. وبرغم تطاير شعرها على وجهها إلا أنها لم تسحب كفها من يده. بل تشبثت به أكثر قائلة: _اخس عليك يا محمد متضايقنيش كده وقولي فيه إيه؟
وإيه اللي هيخليني أغير رأيي ومرضاش بيك؟؟ ارجوك طمني متسبنيش كده. شعر بتوترها الزائد فاقترب بالمقعد المجاور لها وسافر بعيونه في ملامح وجهها. ثم أزاح شعرها خلف أذنها لتوضح له رؤية عيونها عن قرب قائلاً: _أنت جميلة أوي يا ماسة وهتفضلي في عيني أجمل بنت شفتها، جميلة بروحك قبل ملامحك. جميلة في وقت هدوئك ووقت شراستك. حتى في وقت قلقك برضه جميلة. أنا قلتلك قبل كده إني بحبك. بس دلوقتي بقولك إني مش هقدر أكمل حياتي من غيرك.
ليربت على كفها محاولاً طمأنتها قائلاً: _ويا ستي متقلقيش أنا معاكي النهارده وبكرة ولحد آخر العمر إن شاء الله. عقدت ماسة جبينها محاولة جمع شتات نفسها بعد هذا الحديث الذي بعثر أنفاسها. وحاولت إزاحة شعرها خلف أذنها بالرغم من كونه خلف أذنها بالفعل كنوع من مداراة الاضطراب. لتقول بصوت خافت: _يعني كنت بتضحك عليا يا محمد!؟ أبتسم محمد وما زال ينظر بداخل عيونها قائلاً بصوت دافئ: _أنا عمري ما أقدر أضحك عليكي أبداً.
عقدت حاجبيها وسحبت يدها سريعاً قائلة باعتراض: _لا انت بتضحك عليا عشان تمسك إيديا. نظر محمد ليدها وشعر ببرودة يده بعد انسلات يدها منه. فعزم على استخدام نفس الخديعة مرة أخرى فقال لها مدعياً الحزن:
_أنا مكنتش عايز أقلقكم لكن انتي مصرة. هقولك وأمري لله. أنا لسه راجع من بيت حسن وتقريباً مخلتش حتة في جسمه سليمة. وتقريباً برضه مخلتهوش ينفع للجواز تاني أصلاً. وسيبته وأهله بيجهزوا عشان يروحوا القسم يعملولي محضر. فكنت عايز ألحق أخطبك قبل ما أتحبس. شهقت ماسة ووضعت يدها على فمها. ثم أمسكت هي يده وهبت واقفة ساحبة إياه وهي تتلفت حولها قائلة بصوت عالٍ: _قوم قوم بسرعة لازم تداري مش تقعد معايا هنا على النيل.
نظر محمد حوله ليجد كل من بالمكان ينظر لهم. فسحبها لأسفل حتى أجلسها قائلاً من بين أسنانه: _يخرب بيت فقرك، دانتي لو عايزة تسلميني تسليم أهالي مش هتعملي كده، الناس كلها سمعتك تقريباً. _طب طب انت هتعمل إيه؟ _أنا قلت إنك نحس وشكلي مش هعرف أخطبك غير وأنا في السجن. قوليلي انتي مش كنتي قايلة لمامتك إني هاجي النهارده؟
أومأت ماسة برأسها. فأخرج حافظته مخرجاً منها النقود ووضعها داخل الشيك التي بالمنضدة. ثم استقام بكل هدوء وتروي وهو يرى العيون تتبعه. قائلاً لها بصوت خافت: _قومي بكل هدوء خالص هنخرج براحة وأول ما نخرج نجري في أول تاكسي. أومأت ماسة برأسها حتى تمتم هو قائلاً: _ربنا يستر من هزة راسك دي مش مطمنالك.
وبالفعل توجهها سوياً إلى السلم المؤدي للخارج. وفور وصول ماسة للسلم أفلتت يدها من ذراع محمد وهرولت على السلم صاعدة مما جعله يهرول خلفها خوفاً من أن يشك بهم أحد قائلاً بصوت عالٍ: _استني هنا يا بنت المجانين. هرول خلفها حتى وقفت بعيداً قليلاً عن الكازينو. فاوقف هو تاكسي وركبت معه قائلة له: _مفيش فايدة بتحاولي بكل الطرق تبوظي أي لحظة رومانسية. لو مش انتي يبقي الظروف.
ثم أعطى التاكسي عنوان منزلها. لتتوقع أنه سيوصلها أولاً. ولكنها تتفاجأ بهبوطه معها. فسألته متعجبة: _انت مكملتش ليه مع التاكس؟ أشار لها بإصبعه محذراً قائلاً بلهجة جادة: _بصي يا بنت الحلال عشان منحسرش بعض. انتي تتفضلي تطلعي على بيتك وملكيش دعوة بيا بتاتاً.
ارتعبت ماسة من لهجته وتوجهت بالفعل إلى منزلها. ليصعد خلفها. وكلما نظرت للخلف أشار لها محذراً بأن لا تنطق وتستمر بالصعود. حتى وصلت لشقتهم وفتحت الباب لتخبر والدتها بأن محمد معها. لترحب به والدتها ويجلس معها قائلاً: _طبعاً حضرتك كنتوا منتظريني النهارده أنا ووالدي ووالدتي عشان قراية الفاتحة. وبما إنك عارفاني كويس وعارفة عائلتي كلها. أجابته والدة ماسة قائلة: _أحسن ناس يا ابني ربنا يبارك في عمرك يا حبيبي.
بدأ محمد يضطرب بعض الشيء فشعر بجفاف حلقه. ليمسك بكأس العصير الذي أمامه وتجرعه مرة واحدة. فنظرت كلا من ماسة ووالدتها لبعضهن. بينما هو وكأنه احتسى مشروب الشجاعة. لينطلق قائلاً: _بصراحة أنا المفروض واخد ميعاد النهارده عشان أتقدم لبنت حضرتك رسمي ويكون معايا والدي ووالدتي. لولا ظروف أختي اللي اضطرتني أتأخر. بس أنا أصرت أجي عشان نتمم قراية الفاتحة ونلبس دبل بقي. وأهلي مش ممانعين بس مضطرين يفضلوا جنب أختي. بس كده.
ألقى بكل ما في جعبته دفعة واحدة وظل يلهث أنفاسه وكأنه كان بتدريب شاق. شعرت ماسة بالخجل الشديد فظلت تنظر للأسفل. بينما والدتها تعجبت من حاله. ولكنها توصلت إلى كم هو متمسك بابنتها. ولكنها في موقف لا تحسد عليه. فهي متحيرة بين موقف عم ماسة والذي أصر على حضور والدته ووالده. وعند علمه بما حدث لأخته قرر تأجيل الخطوبة كالعادة. وبين طلب محمد وظروفه ورغبته ورغبة ابنتها. فقالت له بوجه خالٍ من التعبير محاولة إطالة الحوار
حتى تتوصل للرأي الصائب: _الأول يا ابني طمني على أختك أخبارها إيه دلوقتي؟ ابتسم محمد قليلاً ولكنه تعجب من سؤالها. فهذه ليست الإجابة التي ينتظرها. فأجاب قائلاً: _الحمد لله أحسن شوية. أنا اطمنت عليها وقولت أجي لحضرتك على طول. رسمت الدهشة على وجهها وظلت تنقل ناظرها ما بين محمد ووالدتها متعجبة إلى ما آل إليه الحوار. لتجد والدتها ترد قائلة على إجابة محمد: _طب يا ابني مش غريبة تبقي أختك في المستشفى وانت جاي تخطب وتلبس دبل؟
نطق محمد مسرعاً بغير استيعاب: _اصل بنتك نحس. _نعم؟ أدرك ما تفوه به فور صدوح صوت كلاهما بنعم الاستنكاريه. ليعدل ما نطق به قائلاً: _قصدي نصر، اصل بنتك نصر لكل اللي هيتجرأ بيها. وأنا بصراحة قلت أحق النصر من أوله. أطلقت الأم تنهيدة حارة تعبيراً عن حيرتها. بينما ماسة كانت قد اشتعلت غيظاً منه. لتنظر له بعيون متوعدة. لتنطلق الأم أخيراً قائلة: _طب يا ابني أنا مش عارفه عمها هيرضى ولا لأ عشان يعني مش معاك أهلك.
حاول محمد رسم الابتسامة قليلاً ثم قال: _طب ممكن أكلمه وأقنعه إن نقرأ فاتحة. وإن شاء الله نتجمع كلنا على خير في الشبكة. والنبي يا خالتي الموضوع شكله معصلج أوي وأنا عايز أفك النحس شوية بأي طريقة. وبالفعل تحدث محمد مع فؤاد وحاول إقناعه. الذي بالكاد اقتنع أخيراً. كما أنه قام بالاتصال على ماجدة أخته. والتي هرولت لمنزل ماسة لتشارك أخاها وصديقتها فرحتهم.
وأخيراً تمت قراءة الفاتحة. وارتدت أخيراً ماسة خاتمها بأصبعها. وأخيراً تم جزء ولو بسيط من حلمه. عاد محمد وأخته إلى ميار ليطمئنا عليها. فشعر محمد وكأنه قطع نصف المسافة. ليخبر أخته بسبب سعادته متأكداً أن هذا الخبر سيسعدها كما أسعده. وبالفعل سعدت كثيراً ولم يخلو الأمر من مناغشة ماجدة.
انتهى اليوم أخيراً لتظل ماجدة مع أختها بالمشفى. ويذهب توفيق وعزة ومحمد إلى منزلهم. لتستغل ماجدة فرصتها لتنفيذ ما نوت فعله. فقد عزمت على أخذ ثأر أختها بنفسها. .............................................
بالطرف الآخر يعود چواد إلى منزله بعد أن سلم على والدته التي ظلت تنتظره كعادتها حتى تطمئن عليه. دخل غرفته ممسكاً بهاتفه وأخرج عدة صور كان التقطها لها في بعض أوقاتهم القليلة معاً. وكان يتوعد لنفسه قبلها بأنه لم ولن يفتحهم ثانية ما دامت ليست بنصيبه. لا يعرف لما خلف وعده اليوم. ظل يعتذر لحاله ولها على خلف وعده. ثم قال وهو ما زال ينظر لصورتها:
_أنا آسف، أنا عارف إني وعدتك مش هبص على صورك إلا لو بقيتي نصيبي. وبرغم إني عارف إنك مش نصيبي بس مقدرتش، حقيقي مقدرتش. إنتي وحشتيني أوي. تصبحي على خير. وقبل أن يغلق هاتفه وجد اتصال من ماجدة. فشعر بوعكة بقلبه شاعراً بأن هناك خطب ما غير مطمئن. ففتح الخط سريعاً ليستمع إلى ما تسرده ماجدة وما تطلبه منه. بأعين جاحظة وأنفاس مضطربة ليهب واقفاً وقد شرع في تغيير ملابسه وهو يجري اتصالاً ما حسب طلب ماجدة منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!