الفصل 30 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الثلاثون 30 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
14
كلمة
4,488
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

فور خروج محمد من شقة حسن ووصول أخته ووالدته وجداه متكور على ذاته يحاول تمالك آلامه ووجهه يكاد أن ينفجر من كم الاحمرار والعروق البارزة به. حاولت غادة أن تحدثه ولكن لم يجيبها، بل كل ما يفعله أنه يئن بصوت عالٍ. فهمت أنوار ما يعانيه ابنها من منظره وطريقة ألمه ومحاولة سحب نفس عميق وكأنه ممنوع عنه الهواء، لتسب قائلة: _آه يا ابن ال... عايز تضيع مستقبل الواد علشان أخته معيبة. نظرت لها غادة بعدم فهم، فقالت لها أنوار بغضب:

_قومي فزي، اعملي لأخوكي كوباية ليمونادة بدل ما أنتي قاعدة تتفرجي كده لحد ما يهدأ ونفهم منه إيه اللي حصل. بعد فترة قليلة هدأ حسن قليلًا وشرب العصير، وبدأ يسرد لهم ما تم وما عرفه من أخيها وسبب غضبه هذا. لتطلق أنوار شهقة عالية وتضرب بكفها على صدرها قائلة: _يا وقعة سودة، يعني البت كانت حامل وأنت سقطتها. ليرد حسن باقتضاب:

_أنتي بتقولي زيه إني سقطتها، أنا كنت بحاول آخد الشنطة وهي اللي عصلجت معايا وخدتها منها بالعافية وزقتها، ثم أنا أعرف منين أنها حامل والدكتور قال لا يمكن تحمل إلا بعملية. عاتبته أنوار قائلة: _وأنا مش قولتلك يا مزغود ابعت حد ورا أخوها يشوف إيه اللي حصل وطلعت شقتك علشان تكلم زميلك، أثاريَّك طلعت نمت يا موكوس. _كنت برن عليه بس كان مشغول وقولت أريح شوية عقبال ما يخلص تليفونه وراحت عليا نومة.

نكزته أنوار في كتفه ليتأوه حسن من أثر الضرب، لتكمل والدته غير عابئة بألم ابنها قائلة: _بقي يا مزغود مراتك أخوها شايلها سايحة في دمها وأنت تنام؟! أكملت أنوار وكلها حيرة من أمرها: _هنعمل إيه دلوقتي؟ أهربك فين أنا. تحدث حسن بلامبالاة:

_خلاص يا أما، جه وفش غله فيا والليلة خلصت. يومين كده ونبقى نروح لها ولو مرضيوش ترجع لي يبقى هما اللي اختاروا ويمضوا على تنازل لو عايزيني أطلق بنتهم، واحتمال أخليهم يدفعوا فلوس كمان قصاد خلاصها. ابتسمت أنوار واللمعت عيونها بطمع، لتربت على كتف حسن بفخر: _صح يا واد ولله وبقيت تفكر أخيرًا. يحاول حسن الابتعاد قليلًا عن مرمى والدته حتى لا تنكزه ثانية، وكل جسده يؤلمه، فتحدث وهو يبتعد: _آه... أمَّال إيه... مش ابنك...

بس والنبي والنبي ما تزقي تاني... جسمي كله مكسر. ضحكت غادة بكل صوتها، ليوكزها أخاها ويطلب منهم أن يتركاه لينام قليلًا بعد دهان وجهه وجسده بالمرهم ليخفف الألم قليلًا، فهو قد تعب من الضرب كثيرًا. *** وصل والد ووالدة ميار مع ابنهم محمد إلى منزلهم، لتعاتبه والدته بقلق عارم عليه قائلة: _ليه يا ابني اللي أنت عملته في حسن ده؟ مخفتش ينزل يعمل لك محضر ولا يوديك في داهية.

التفت محمد الذي كان يتوجه إلى غرفته عازمًا على مهاتفة ماسة وكله سعادة، ليقضب جبينه قائلاً: _بصي يا ماما وأنت يا بابا علشان لو معترض زيها، أنا سمعت كلامكم كتير وسكت على حق أختي وكانت النتيجة إيه أننا كنا هنفقدها النهارده. ارتفع صوته بعصبية مزجها بنظرة لوالدته: _كنتي هتفرحي لو بنتك حصل لها حاجة؟ أومأت بالرفض سريعًا وعقبت قائلة: _ولا كنت هفرح لو حصل لها حاجة ولا هفرح لو ديت نفسك في داهية.

_أنا أودي نفسي في داهية وأنا بحمي أختي ولا إني أقعد وأتفرج على اللي بيأذيها. هنا شعر والده بالخزي ليخفض رأسه لأسفل، بينما محمد يكمل قائلاً: _وعشان ترتاحي يا ماما وتريحي قلبك، حسن أجبن من أنه ينزل يعمل لي حاجة، ولو عمل حاجة هتكون كلمتي قصاد كلمته علشان مفيش شهود أصلًا وساعتها الموضوع هيطلع فشنك، ارتاحتي كده ولا لسه؟ ابتسمت والدته قليلًا، برغم طمأنته لها إلا أنها ما زالت قلقة، فسألته بتوجس:

_طب مكنش في طريقة تانية قانونية نبلغ عنه مثلًا أنه هو اللي سقطها وضربها؟ أومأ محمد بالرفض وسحب نفسًا عميقًا، ثم بدأ بتوضيح بعض النقاط الذي فكر بها قليلًا فقال:

_أنا فعلًا يا ماما فكرت كده في الأول وكنت بفكر أبلغ عنه. بس لما فكرت شوية لقيت أن ندل زيه ممكن ينكر أنه عملها حاجة وينكر أنه زقها أصلًا علشان برضه مفيش شهود. وساعتها حق أختي هيروح لأني بعد ما أتهمه مش هقدر أعمل له حاجة ساعتها. ففكرت أستغل نفس الفكرة والحمد لله ظبطت معايا. ربت والده على كتفه قائلاً بفخر: _ربنا يبارك فيك يا ابني ويحميك. ثم أكمل متأثرًا:

_بس سامحوني أنا السبب في كل البهدلة ده واللي تؤمروا بيه بعد كده أنا تحت أمركم. لم يستطع محمد أن يتحدث مع والده، فمن ناحية يرى أنه حقًا سبب هذه المشكلة، بل هو تركها تتضخم عندما أرجع ميار مرة أخرى، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يحمله أكثر من طاقته، فيكفي إحساسه بالذنب هذا ويكفيه أن هدفه كان لمصلحة ابنته حتى ولو أخطأ الطريق. فابتسم له ثم توجه مرة أخرى إلى غرفته يكمل سهرته مع ماسة التي يشعر أنه بحاجة إليها الآن. ***

وصل جواد ونضال إلى المشفى في غضون لحظات، فقد كان يهاتف نضال وهو يرتدي ملابسه ويحثه على التحرك سريعًا ليمر عليه بسيارته ويتوجها فورًا إلى المشفى حسب رغبة ماجدة التي اطمأنت بأن أختها قد غفت قليلًا لتخرج خارج الغرفة تحاول مهاتفة جواد، ولكنها وجدته هو من يهاتفها ويخبرها أنهم بالأسفل، لتملي عليه رقم الغرفة قائلة: _إحنا في أوضة 732 بالدور الثالث، بس المشكلة هتدخلوا إزاي؟

لينظر جواد تجاه نضال ليستفسر منه عن طريقة دخولهم، ليطمئنه نضال بنظراته بأنه من سيتصرف، فيطمئن جواد ماجدة. وبالفعل توجه نضال إلى الاستقبال وأخبرهم أنه من القسم بناءً على طلب عائلة المريضة ميار توفيق من أجل أخذ أقوال المريضة في حادث إسقاط حملها، ليتوجها كلاهما إلى الدور المعني بعد أن أخبرهم عامل الاستقبال أنه سيخبر الطبيب بحضورهم وسيتواجد في غضون لحظات.

صعدا نضال وجواد الذي كان يبدو عليه اللهفة والقلق، ليجدا ماجدة تنتظرهم أمام الغرفة، وفور اقترابها توجهت ماجدة لهم مقترحة عليهم التحدث في كافتيريا الدور بعيدًا عن ميار حتى لا توقظها بعد أن هدأت قليلًا. بعد فترة قليلة حاولت فيها ماجدة طمأنة جواد عن أحوال أختها وسردت لهم كل ما حدث، ليستشيط جواد غضبًا مما حدث لحبيبته، ويحاول نضال تهدئته، فقد كاد أن يجن ويتورط بالذهاب لهذا السوء ويعلمه كيفية أن يكون رجلاً بالفعل.

بعد أن هدأ قليلًا وبعد أن وعده نضال أنه سيجلب حقها ويشفي غليله وغليلها، أوقفته ماجدة تملي عليه ما تريده أن يفعله، ليتنهد نضال على ما تفوهت به بعد ابتسامة ساخرة قائلاً: _ها، وإيه كمان؟ لتهب ماجدة واقفة باعتراض على تهكم نضال، ووجهت أنظارها لـ جواد قائلة: _هو ده الظابط اللي أنا طلبته منك يا جواد؟

ده شكله ما يدّيش حتى أمين شرطة، لا والبيه كمان مش عاجبه كلامي وكل شوية يبتسم كده بسخرية، وكل اللي فالح فيه "هجبلك حقها هجبلك حقها". وقفت ماجدة مستشيطة غيظًا من هذا نضال، بينما حاول جواد تهدئتها والاعتذار قليلًا لـ نضال، فتحمحم قائلاً: _أنا آسف يا نضال، هي ما تقصدش طبعًا، هي ماجدة كده مندفعًة شوية، وأكيد مقدرة حالتها وخوفها على أختها.

بينما نضال لم يستمع لحرف مما تفوه به جواد، ولكن كانت عيونه قد أظلمت من الغضب، وظل يجز على أسنانه حتى تكاد تجزم أنك تسمع صوت تهشمها واضح كمحاولة لكبت غضبه. كان ينظر لماجدة بعيون ضيقة محاولًا اكتشاف شخصيتها العدائية تلك ونظراتها الجامدة التي لا تدل على الخوف أو القلق بما تفوهت به ولو قليلًا. وبدون أن ينطق أخرج الكارنيه الخاص به ووضعه على المنضدة أمامها، لتمسك به ماجدة ثم ابتسمت باستخفاف قائلة:

_آه علشان كده، جايب لي ظابط بالحرس الجامعي كبيره يوقف طلبه. برغم شعور القلق الذي يسيطر على جواد تجاه حبيبته، إلا أنه شعر بالإحراج الشديد، ليظل يدير نظراته بينهم لا يعرف ماذا يقول، وكيف سيهدأ من ماجدة التي تزيد الطين بله، ولا كيف يهدأ من عصبية نضال الذي من الواضح أنه يحاول جاهدًا تمالك أعصابه.

سحب نضال نفسًا عميقًا ومسح بكفيه على وجهه، يشعر وكأنها تتعمد إغضابه وهو يحاول بقدر الإمكان الالتزام بضبط النفس، نضال الذي اعتاد نظرات الفتيات وتهافتهم عليه خاصة عند معرفتهم بطبيعة عمله، لم يلقى بحياته هذا الاستخفاف مطلقًا!! أغلق عينيه وسحب نفسًا عميقًا ثم فتحهم، يبدو عليهم الغضب العارم، وهو ينظر لها بجدية قائلاً:

_ممكن تقعدي يا أستاذة علشان نحاول نوصل لحل يرضي الطرفين بدل العدائية غير المبررة اللي أنا شايفها في كلامك ده. جلست ماجدة ببرود قائلة باستهزاء: _اديني قعدت، اتفضل قولي وجه اعتراضك على اللي قولته إيه؟ وازاي بقى هتجيب حقها زي ما بتقول؟ بعد أن جلست، نظر نضال للناحية الأخرى يريد أن يستعيد هدوءه حتى لا يسيطر عليه غضبه، فهو متواجد لحل مشكلة وليس لخلق مشكلة.

تأففت ماجدة من صمته، ليدير وجه لها، راسمًا على شفتيه ابتسامة سمجة، لا يعرف لما فعل ذلك ولكنه قرر أن يخرج روح البارد من داخله، لعله يغضبها ولو قليلًا مثلما تفعل، ليقول لها باستهزاء من أفكارها: _أحب أقول لك يا آنسة أن فكرة عمل محضر لزوج أختك واتهامه بأنه سقطها مش بالسهولة اللي حضرتك متخيلاها. ابتسمت ساخرة ثم سألت باستنكار: _ليه إن شاء الله؟ إيه الصعب فيها؟

رفع حاجبيه، رافعًا رأسه لأعلى كأنه يتحدث مع شخص أقل منه ذكاء ويحاول تبسيط المعلومة ليصل لتفكيره المتدني قائلاً: _أفهمك. أولًا يا آنسة محضر زي ده لازم يكون بناءً على طلب أختك وأنها بتتهم جوزها مباشرة في اللي حصل ده. _أنا هقنعها. نطقت بها ماجدة سريعًا، فابتسم نضال على تسرعها ولم يعقب، بل أكمل ما يقوله:

_ثانيًا من كل اللي قولتيه وحكتيه أنا ما سمعتش دليل واحد على كلامك، يعني كل كلامك بيدور على أن أختك حكت لكم أنه زقها، إيه دليلها على كده؟ القانون ما فيهوش مجرد حكاية! يعني إيه دليلها على أنه زقها؟ ما ممكن هو يقول أنها وقعت لوحدها والنتيجة واحدة الحمل سقط بناءً على ارتطام!

وللأسف شخصية زي ما بتوصفيها ممكن بكل بساطة تنكر أي حاجة تقولوه وساعتها كلمته قصاد كلمتها، ومادام مفيش شهود يبقى الموضوع هيخلص على مفيش. هل في دليل كتصوير أو حد سمع صراخها أو حد كان واقف وبيحوش وشافه وهو بيزقها وهيشهد عليه؟ لم تجب على سؤاله، بل اتسعت نظراتها إليه، فابتسم قليلًا ثم أكمل: _ثالثًا بقى وده الأهم، أنتي قولتي أخوكي راح ضربه، هل اتأكدتوا إذا كان هو عمل لأخوكي محضر بالواقعة ده ولا لا؟

علشان لو اتحركنا ممكن يكون إثبات على أخوكي أنه ضربه لما سمع من أخته، وساعتها هتكوني ضاعفتي المشكلة مش حلتيها. ثم أرجع ظهره للخلف ووضع ساق فوق الأخرى، مكملاً بعجرفة اعتاد عليها: _عايزين نشتغل صح علشان نضمن نتيجة صح، مش نجري وراء كلام جهجهوني.

اتسعت ماجدة نظراتها، ولكنها لم تستطع أن تجادله، فللأسف كل حديثه صحيح، فنظرت تجاه جواد التي وجدته يحاول جاهدًا كتم ابتسامته، فاستقامت وقد بدا عليها الغضب، فهي لم تعتاد أن يخرسها أحد هكذا، كما أنها غضبت عندما شعرت أنها لم تستطع أن تثأر لأختها، قائلة: _شكرًا يا جواد على محاولتك لمساعدتنا، وأسفة لو أزعجتك، تقدروا تتفضلوا، وأنا آسفة مرة ثانية. شعر جواد هو الآخر بالحزن، ليحاول طمأنتها قائلاً:

_إحنا لا يمكن نسيب حق ميار، وأكيد في طريقة ثانية نجيب بيها حقها. لا يعرف لماذا شعر بوخزة في قلبه عند الاستماع إلى نبرة صوتها الحزينة والتي تنم عن الاستسلام واعتذارها أكثر من مرة، وكأنه لم يريد هذا، فرفع نظره تجاهها ليرى الحزن البادي على وجهها، ليتحمحم قائلاً: _احممم... اتفضلي اقعدي يا آنسة ماجدة، أنا مش بعقد الموضوع وهسيبه، أنا وعدتك هجيب لها حقها تالت ومتلت كمان.

لتطرق بكلتا كفها على المنضدة، وقد تحول انكسارها لاندفاع مرة أخرى بعصبية ولكن بصوت منخفض قائلة: _أنت مش بس عقدت الموضوع، انت عقدتني أنا شخصيًا. ليبتسم على تغير شخصيتها اللحظي، ويشير لها بالجلوس، فتجلس ليسألها قائلاً: _قبل ما أبدأ في أي حاجة ولا أقول لك هعمل إيه، عايز إجابة لسؤالي واللي على أساسه هتصرف. أماءت ماجدة برأسها لتحثه على السؤال، فتستطرد سائلاً: _أختك ناوية ترجع له ثاني ولا خلاص كده؟

شهقت ماجدة واتسعت عيونها وكأنها ستتحول لأكلة لحوم البشر، ثم قالت: _ترجع له؟ هي مين اللي ترجع له! والنبي ما يحصل أبدًا، خلاص كده جاب آخره أصلًا. ابتسم نضال تلقائيًا لرد فعلها الغريب بالنسبة له، ليسرد عليها ما ينوي فعله. بينما جواد كان يود أن يقبل نضال بسبب سؤاله هذا، وعند استماعه لإجابة ماجدة تهلل وجه فرحًا واستقام متوجهًا إليها يريد أن يقبلها حقيقة، حتى أمسكه نضال من معصمه كأنه شعر بحاله، ثم قال: _مش دي، ركز...

مش دي. تخوفت ماجدة قليلًا وعادت بظهرها للخلف قليلًا، ولكنها لم تفهم ما كان ينوي جواد على فعله وماذا يقصد نضال بجملته، ولكنها لم تعرهم اهتمامًا ولم تعلق، بل آثرت أن تستمع لمخطط نضال الذي حقًا أبهرها. ***

بعد أن كاد يفقد الأمل بل إنه فقده بالفعل، حتى بات يتصرف على انعدام وجوده. لاح الأمل مجددًا في الآفاق، راسمًا له شعاعًا من نور قوي الطلة، هكذا شعر جواد بعد هذه المقابلة التي لم تكن حتى بأحلامه، شعر وكأن القدر أراد أن ينقذه أخيرًا من توهته، بل وأراد أن يهديه فرصة أخرى لا تعوض، وما عليه إلا أنه يستغلها أفضل استغلال ولا يتنازل عنها أبدًا مهما كانت الظروف أو الأسباب.

وصل منزله وهو يكاد يشعر بأنه لم يتمالك نفسه من الفرحة، فتح الباب بمفتاحه، فالمفترض أنه خرج ووالدته نائمة، ولكن فور دخوله وجدها تهب من مقعدها مواجهة له لتطمئن عليه، فابتسم وأغلق الباب خلفه، ثم احتضنها من خصرها حاملًا إياها وظل يدور بها مرددًا كلمة واحدة: _أخيرًا... أخيرًا يا إخلاص...

أخيرييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي..

ضحكت أخلاص على فرحة ابنها برغم ترديدها: _بس يا جواد... بس يا ابني هدوخ منك. فتوقف جواد عن الدوران وأمسك بيدها ثم أجلسها على الأريكة وانفاسهم تتلاحق من أثر الدوران، ثم قالت أخلاص بنبرة متقطعة من أثر النهجان: _قولي بقى... إيه... سبب... الفرحة دي؟ ... ويعني إيه هتتهنى؟ ... فرحني يا ابني ربنا يهنيك يارب. احتضن جواد وجهها بين كفيه واقترب ليثم جبينها بقبلة، ثم أمسك كفيها قائلاً:

_ياما كنت بسمع دعائك في صلاة الفجر وإنتي بتدعي لي ربنا يفرح قلبي وربنا استجاب لدعائك يا ست الكل. تهلل وجهها فرحًا، ورأت السعادة التي لطالما تمنت عودتها في عيون ابنها، نعم هذه السعادة رأتها بعيونه من قبل ولكن كيف؟ لتكذب إحساسها غير المنطقي وتسأله بفضول جم عن سبب سعادته، ليسرد لها ما تم والذي من وجهة نظره أنها معجزة من السماء أن يحدث هذا، وخاصة مع توقيت تركه لخطيبته، يا لها من سخرية القدر.

استمعت له، ولكن فور أن علمت بما ينوي ابنها تغيرت ملامحها قليلًا، مجاهدة حالها أن لا تفسد فرحته. *** بالاتجاه الآخر، بعد أن وصل نضال لمنزله، دخل إلى غرفته ليتمدد بكامل ملابسه على فراشه، واضعًا ذراعه خلف رأسه، ممعن النظر في السقف وكأنه يود أن يخرج نقطة مغايرة في اللون لهذا الاتساع الأبيض.

ظل مدقق النظر، ولكن عقله يفكر في المتمردة التي قابلها اليوم. نعم سماها المتمردة، لا ينكر أنه قابل مثل شخصيتها المتمردة تلك، ولكن الفرق يكمن في سبب التمرد، فغيرها يتمرد بسبب لفت الانتباه ليس إلا! ولكن هي تمردها عن سبب ودافع قوي بالإضافة إلى ذكائها في التفكير وعدم خضوعها للحلول السلمية، لولا جهلها عن بعض النقاط القانونية لكانت أبدعت في فكرتها.

ثم ابتسم عندما تذكر شكلها عندما بهتت ملامحها بعد اقتناعها برأيه في فشل خطتها، كما سعد كثيرًا ببريق عيونها عندما أعجبت بخطته، ولكن كبرياءها منعها بالاعتراف بذلك، ليعلق قائلاً: _فرسة برية ومحتاجة اللي يروضها بجد... ثم أطلق تنهيدة عالية قائلاً: _وماله، شخصية جديدة تستحق الاكتشاف. ***

أمام الجامعة، ينتظرها، وليست هذه أول مرة منذ ابتعادهم، منذ اتفاقهم أنهم لم يتقابلا ثانية، ولكن الاثنان أخلا بالاتفاق، فهو ينتظرها ليراها وهي تتخفى لتراه دون أن يراها، وكأنهم يلعبون معًا لعبة الغميضة، برغم عدم تقابلهم، ولكنه يشعر دائمًا أنها تنتظره بل وتراه، لذلك أراد أن ينتظرها اليوم بدون أن يظهر، ربما خرجت من جحرها لاطمئنانها بعدم وجوده، وبالفعل فقد ظهرت أخيرًا، ظهرت وهي تتلفت يمينًا ويسارًا وكأنها تبحث عن شخص ما، ارتسمت الابتسامة على محياه، لا يعرف لما، ولكن كل ما يعرفه أنه شعر بالسعادة لمجرد رؤيتها.

وسريعًا أصبح يقطع عليها الطريق، لتتفاجأ هي به، فتتسع حدقتاها قائلة ببلاهة: _أنت طلعت منين؟ ليعقد هو حاجبيه ويدعي الجدية سائلاً إياها بنبرة غاضبة: _إيه اللي أنتِ لابساه ده؟ نظرت على ملابسها فلم تجد شيئًا غير معتاد، فسألته بعدم فهم: _ماله لبسي؟ ماهو كويس أهو. أكمل بنفس النبرة الغاضبة: _طب اتفضلي نقعد في مكان وأنا هقول لك ماله لبسك. حركت كتفيها للأعلى قائلة: _بس أنا عندي محاضرة و... لم يدعها تكمل جملتها لينطق

هو بجدية لم تعتدها هي منه: _اتفضلي مش هأخرك، عقبال ما تشربي الأسبريسو بتاعك هكون قلت كلمتين وأديلك البرفيوم. دبدبت بأقدامها أمامه وكأنها لا تريد الذهاب معه، ليوجهها إلى كافيه قريب من الجامعة، دخلا سويًا لتجلس بتذمر، ليخرج من جيزلانه زجاجة برفيوم الخاص بها وافتتح بها حديثه قائلاً: _أول حاجة اتفضلي يا ستي علشان متقوليش بضحك عليكي.

أمسكت بزجاجة البرفيوم الخاص بها باشتياق وكأنها فقدت شيئًا غاليًا عليها، وقبل أن تفتح غطائها، فقال يزن: _ممكن تشيليها دلوقتي علشان نلحق نتكلم لو مش عايزة تتأخري. وجدت حديثه صحيح، فوضعت البرفيوم بحقيبتها، ثم بدأ يزن بالحوار قائلاً: _قبل أي حاجة، ممكن آخد رقمك. جاوبت غزل عليه بترفع: _آسفة مبديش أرقامي لحد معرفوش. ابتسم يزن قليلًا ثم قال: _تمام، براحتك، المهم ما لاقيكيش أنتي اللي بتتصلي بي.

عقدت حاجبيها بتعجب من حديثه، ثم تجاهلته لتغير الموضوع قائلة: _اتفضل خلصني، قولت عايزني واتكلمت على لبسي، ماله لبسي بقى. استند بمرفقيه على المنضدة واقترب بوجهه قليلًا، مضيقًا عيونه قائلاً: _لما تلبسي بنطلون مقطع أعتقد ده شيء ملفت. نظرت على أقدامها بتعجب، ثم نظرت له قائلة بغضب: _أعتقد أول حاجة أنا حرة في لبسي، ثاني حاجة واللي حضرتك ما أخدتش بالك منه أني لابسة تحته ليجن يعني مش مبين حاجة.

انحنى يزن بجذعه قليلًا جهة اليمين لينظر على قدمها، فخجلت من نظرته المركزة عليها، لتدخل قدميها أسفل المنضدة، ناهره إياه: _أنت بتبص على إيه؟ _الله بركز علشان آخد بالي، ده رجلك ولا ليجن؟ نطق بها بوقاحة تعود عليها، لتستشيط هي غيظًا قائلة: _أنت قليل الأدب على فكرة. ابتسم قليلًا لينحني للأمام ويقترب منها قائلاً: _ده حاجة مفروغ منها، السؤال هنا بقى مش أنتوا بتعملوا كده علشان تلفتوا نظر قليل الأدب اللي زيي؟

اتسعت عيناها من كم بجاحته ووقاحته، لتهب واقفة تلملم أغراضها، وهو يبتسم أمامها، وقبل أن ترحل، قال لها بتساؤل: _مقولتيليش هنتقابل المرة الجاية امتى وفين؟ _مش هنتقابل خالص بعد كده. قالتها باندفاع، ليعقب يزن ساخرًا: _المهم أنتي اثبتي على موقفك، متجيش تقولي لي عايزة أقابلك. لتنحني عليه قليلًا قائلة بصوت خافت: _عشم إبليس في الجنة. ليلاعب يزن حاجبيه ويبتسم قائلاً بسخرية: _وحياتك ليدخل ويتهنى بالجنة كمان.

أصدرت غزل زمجرة لتذهب مدبدبة بأقدامها كما دخلت مدبدبة، ليعلق يزن هامسًا: _مجنونة بنت الـ... بس عسل. عادت غزل إلى منزلها وذهبت لغرفتها، ثم أخرجت زجاجة العطر من حقيبتها لتضعها على منضدة التزيين الخاصة بها، ثم دلفت للمرحاض لتغتسل، ثم عادت لغرفتها وقد اشتاقت لعطرها، فأخذت تنثر منه على نفسها، ومع أول نثرات منه جحظت عيونها لتنطق لاعنة: _آه يا ابن ال... ***

في المشفى صباحًا، سردت ماجدة لأختها ما فعلته بالأمس وعن حضور جواد للمشفى، نهرتها ميار قليلًا، برغم فرحتها بقدومه، إلا أنها ترى أن تواجده هنا خطأ، وخاصة أنها امرأة متزوجة وهو خاطب وقد اقترب موعد زفافه. ثم صمتت قليلًا لتعود تسأل: _هو... هو جواد كان قلقان قوي عليا؟ يعني... يعني مثلًا شافني؟ _لا طبعًا شافك إيه!

ولا خليته يهوب من الأوضة أساسًا. أنا أصلًا كنت طلبته علشان يجيب ظابط ونعمل لحسن محضر لأني خفت أبوكي أو أخوكي ميرضوش بالخطوة ده. فقولت مفيش غيره اللي هيسمع كلامي. ثم فجأة تغيرت نبرة صوتها واتسعت عينيها سائلة بشك: _بس قولي لي الأول قبل ما أحكيلك، أنتي ناوية ترجعي للزفت حسن ده؟ أومأت ميار برأسها بالرفض تمامًا، ففرحت ماجدة قائلة: _أنا قلت لنضال كده برضه.

ثم عادت ملامحها المسترخية مرة أخرى لتصعد بجوار أختها، قاعصة أقدامها، وبدأت تسرد كل ما حدث. وكأنها تندمج مع أحداث فيلم مثير، همهمت ميار لتحث ماجدة على الاسترسال قائلة: _مم... وجه وجاب الظابط؟ لتكمل ماجدة بامتعاض قائلة: _آه يا أختي جه وجاب ظابط، وياريته ما جابه. _ليه؟ إيه اللي حصل؟ بدأت ماجدة تسرد لها عن ذلك المتعجرف المغرور الذي قابلته مع جواد، والذي شعرت وكأنه شغله الشاغل هو هدم كل ما فكرت به، ولكنها

عقبت بالنهاية قائلة: _بس ابن الـ... طلع مش سهل برضه. ده هيمرمطه آخر مرمطة، وعلى رأيه هيجيب لك حقك تالت ومتلت من حباب عنيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...