بعد أن وصل لمنزله أرسل لها رسالة صوتية شديدة اللهجة قائلاً: "ياريت لما أبعتلك رسالة تعبري أهلي وتردي عليا، ولو عايزة تتهربي مظبوط، متبقيش تنسي تعملي الواتساب غير مرئي، علشان للأسف باينة عندي أونلاين يا هانم." ثم أغلق التطبيق وألقى بالهاتف بجواره، ليصدح هاتفه بصوت عدة إشعارات تخبره بوصول عدة رسائل. ولكنه وصل من الغضب لدرجة لا يريد أن يستمع فيها لأحد، فأغلق الهاتف نهائيًا دون أن ينظر للرسائل القادمة.
واستقام ليغير ملابسه، ثم نام في فراشه وهو يسأل حاله: إذا كانت لم ترتح إليه، فلما وافقت على الخطبة؟ وإذا كانت الخطبة جاءت سريعة ولم تمهلها فرصة الرفض، فلما لم ترفض أن أشتري لها شيئًا؟ هناك تناقض في الأفعال والمشاعر، لا أعرف سبب هذا التناقض، ولكن علي أن أقف على سبب هذا التناقض. ظل تتضارب به الأفكار حتى غفى مكانه.
بالجانب الآخر بمنزل هايدي، كانت ترى رسائله ولكن لم تجب، حتى سمعت رسالته شديدة اللهجة، فاستأذنت لتغلق شات المحادثة التي بها، مرسلة رسالة صوتية للطرف الآخر: "طب هبقى أكلمك بعد شوية، باي دلوقتي." ثم دخلت بشات چواد، التي لم تتعد رسائله على اليد الواحدة، لترسل له عدة رسائل كانت فحواها الاعتذار وتقديم بعض المبررات الواهية. ولكنه لم يجبها عن أي رسالة، لترفع شفتاها السفلى عالياً وتخرج من محادثته بعدم اكتراث، محدثة نفسها:
"هتحايل عليك يعني! براحتك بقي، أنا مش فاضيالك أصلاً." وعادت لتكمل حوارها التي أغلقته منذ قليل. *** في الصباح بمنزل غرام، وقفت بجوار والدتها كالعادة تعد معها الإفطار، بينما كانت غزل بغرفتها تستعد للذهاب للجامعة. نظرت غرام يميناً ويساراً، حتى لاحظتها والدتها، فسألتها متعجبة: "يوه مالك يا بت عمالة تتلفتي يمين وشمال؟ في حاجة شايفة حاجة في المطبخ؟ انتبهت غرام لحديث والدتها، فقالت بصوت خافت: "ها...
لا مفيش حاجة في المطبخ، أنا بس كنت عايزة أكلمك بس وإحنا لوحدنا لما غزل تنزل." "وإيه اللي عايزة تخبيه عن غزل يا ست غرام؟ التفتت غرام متفاجئة بوجود أختها خلفها، فحاولت تشتيت انتباهها بشيء آخر: "هخبي عنك إيه يا مفعوصة؟ كنت بقولها على مسلسل تركي بس بعد ما تمشي عشان عارفة إنك مبتحبهوش." لوحت غزل بيدها وبوجه مشمئز، قالت: "يييه! أنا عارفة بتحبوا في إيه ده كله نحنة زيادة، المهم الفطار خلص ولا أمشي خفيف؟ حملت
الأم بعض الأطباق لتجيبها: "هاتي باقي الأطباق بدل ما انتي واقفة كده مش بتعملي حاجة." رسمت غزل على شفاها خط مستقيم تعبيراً عن التذمر، لتحمل الأطباق وتخطو خلف والدتها نحو المنضدة. جلسوا جميعًا حتى انتهوا من إفطارهم، وتوجهت غزل إلى جامعتها. بينما غرام تجلس أمام والدتها تتصبب عرقًا وتفرك بأصابع يديها، حتى وضعت والدتها يدها وأمسكت بكفها وباغتها قائلة: "اسمه إيه؟
اتسعت حدقتا غرام وجف حلقها، فابتلعت ريقها التي لم تجد به أي شيء تبتلعه، وحاولت ترطيب شفتيها بلسانها، وزاغت حدقتاها، فلم تستطع النظر بوجه والدتها، سائلة بتعجب وبصوت خافت مضطرب: "عرفتي إزاي؟ ابتسمت الأم ابتسامة ساخرة، ثم قالت: "عيب لما تسألي أمك السؤال ده، وانتوا أكتر ناس عارفين اللي كان بيني وبين أبوكم الله يرحمه، وقد إيه كنت بحبه الله يرحمه، مكنش فيه زيه أبداً."
ابتسمت غرام واستندت على المنضدة، واضعة يدها على وجنتيها كالتي تستمع لأحدي القصص الرومانسية، بالرغم من استماعها لها مرارًا وتكرارًا، حتى نكزتها والدتها قائلة: "متسحبنيش في الكلام وقوليلي اسمه إيه؟ وعرفتيه إزاي؟ ومنين؟ عايزة أعرف كل حاجة وبصراحة." أومأت غرام لوالدتها وبدأت تسرد لها بداية الموضوع لآخره، والإبتسامة تنير ثغرها. بعد أن سردت غرام لوالدتها بعض التفاصيل، علت علامات المفاجأة على ملامح الأم قائلة:
"يعني الحلويات اللي غرقتينا فيها ده بسببه؟ الله يسامحك يا شيخة، ده أنا كنت قربت يجيلي سكر." ابتسمت غرام لتُوكزها أمها بابتسامة قائلة: "وهو بقى حلو زي حلوياته ولا كل الحلو في حلوياته؟ رمشت غرام بعينيها وأخرجت قلوب من عينيها، صادرة تنهيدة حنين وهي تحاول أن تتخيله، قائلة: "ده حلو أوي يا ماما، أكتر من حلوياته كمان." أدعت الأم الجدية لتفيق ابنتها قائلة: "طب يا أختي اتعدلي، المهم أخلاقه." اعتدلت غرام بجلستها،
ثم تنحنت وقالت: "منا قولتلك يا ماما، هو مستعد يقابلك يعني أكيد مش بيلعب بيا، وهو مش باين عليه الشخصية اللعوبية، لما تشوفيه هتصدقيني." صمتت الأم قليلاً وضيقت عينيها، ثم قالت لها: "ماشي يا غرام، خلينا نقابله ونشوف نيته، بس لو مرتحتلوش مفيش كلام تاني." أومأت غرام برأسها والسعادة تملأ وجهها، وتكاد الفرحة تقفز من عينيها، لتهب ذاهبة إلى غرفتها، ملتقطة هاتفها
لترسل له رسالة من كلمتين: "ماما وافقت". واتبعتها بملصق وجه يختبئ وراء كفوفه تعبيرًا عن فرط خجلها. بالجهة الأخرى، كان مازال يزيد بالمرحاض يستعد للذهاب للمحال، بينما يزن يجلس أمام طبق الكعك وأكواب الشاي الذي أعدها يزيد قبل دخوله المرحاض. يرتشف قليلاً من الشاي ويلتقط كعكة من الطبق، وذهنه يفكر في أمر ما، حتى انتبه على صدوح إشعار من هاتف أخيه، ليلتقط بعينه محتوى الرسالة، فيبتسم بسخرية معلقًا بصوت عالٍ:
"بسرعة شوية يا عريس، الشاي هايبرد." خرج يزيد من المرحاض مشمئزًا من صوت أخيه، حتى فوجئ بانتهاء طبق الكعك إلا من كعكة واحدة، ليمسك بتلابيب أخيه قائلاً: "خلصت الكحك اللي كنت هفطر بيه وتقولي الشاي هايبرد؟ يا أخي إيه كمية السماجة بتاعتك دي." أمسك يزن بيده وأنزلها وحاول جذب انتباهه لشيء آخر قائلاً: "بتفكر انت في الكحك وسايب البنت تبعتلك رسائل وانت ولا معبرها."
عقد يزيد جبينه حتى أدرك معنى حديث أخيه، فاتسعت حدقتاه وتركه ليمسك بهاتفه يتفحصه، حتى وجد رسالتها فقرأها وقد غمرت السعادة محياه، بينما يزن أمسك بآخر كعكة وظل يتناولها وهو يشاهد أخيه وهو يقرأ الرسالة وكأنه يشاهد فيلمًا رومانسيًا.
كتب يزيد رسالة لها يعبر بها عن كم سعادته وينتظر اليوم المناسب الذي ستحدده والدتها لاستقباله. ثم توجه كلاهما من المفترض إلى المحال، ليتفاجأ يزيد بيزن يعتذر منه لذهابه لمشوار هام وسيأتي للمحال فيما بعد. ***
عادت ماسة ووالدتها إلى منزلهما بعد ليلة قضياها بالمشفى، حتى اطمأنوا على حال والدتها وتحسنها الملحوظ. وبعد أن أعدوا غداءهم، جلست ماسة تتحدث مع والدتها في أمر محمد، وأنه ليس من الضروري حضور خالها، فيكفي عمها حاليًا لحين الاتفاق على كل شيء. ولكن والدتها رفضت بشدة قائلة: "يا بت أنا بعززك، لما يجي هو وأهله ويلاقوا ليكي أهل ورجالة هيعملولك هيبة كده، مش أقابلهم برجل واحد بس، ده تبقى عيبة في حقك انتي." لتنطلق ماسة تتذمر:
"بس يا ماما انتي عارفة موقف خالي واللي عايزه، مش بعيد يبوظ الجوازة." ربتت الأم على كفها قائلة: "متخافيش حبيبتي، ماهو عشان محدش يطمع في حد ولا في حاجة، هخلي عمك يقعد وخالك كمان." زمت شفتاها وأطلقت زفرة عالية، ثم هبت واقفة وذهبت لغرفتها بخطوات تعبر عن احتجاجها، وهي تدبدب بقدميها، لعل اعتراضها يصل لوالدتها. وبالفعل شعرت بها والدتها، لتحرك رأسها بقلة حيلة، متمتمة: "سامحيني يا بنتي لو معملتش كده، الدنيا هتبوظ أكتر."
لتتذكر آخر حديث مع أخيها حول ماسة وأبنائه. Flashback "هتفضل كده لحد امتى أنا تعبت من تحكماتك دي؟ "والله عايزة تخلصي من تحكماتي، جَوّزي بنتك لابن من ولادي." "يعني إيه؟ يعني هو الجواز بالعافية؟ التعليم ودخلت فيه ومخلتهاش تدخل الكلية اللي عايزاها، دلوقتي هتجوزها بالعافية." "والله أنا بحافظ على بنتك، ومن كرم أخلاقي سايبها هي تختار العريس اللي عايزاه من ولادي الاتنين، غير كده مش هتتنازل تاني."
"انت كل اللي همك ورثي من والدي ميروحش للغريب، لدرجة إنك اتحكمت في تعليم بنتي وأصرت تدخلها كلية بنات بس عشان متقابلش حد وتجبرها تتجوز حد من ولادك. لكن لحد هنا وكفاية، لو بنتي مش عايزة حد من ولادك، أنا لا يمكن أغصبها على ده بالذات." "وأنا قولت اللي عندي، ويبقى حد يهوب ناحيتها وانتوا هتشوفوا أيام أسود من قرن الخروب." Comeback "أجبلك الدوا يا ماما؟ انتبهت والدتها على سؤال ابنتها، فردت بوجه حزين:
"أخدته يا بنتي، متشغليش بالك انت." ثم تمتمت لنفسها: "مقدميش غير إني أحطه قدام الأمر الواقع مع العريس ويكون عمك موجود، وربنا يستر بقى." ورفعت هاتفها لتجري اتصالاً بعمها أولاً، لتسرد عليه الموضوع، ربما ساعدها وأنقذها من حيرتها. *** كانت تقف بين زميلاتها أمام الجامعة، لا تلاحظ وجوده، بينما هو يكاد يحفظ تفاصيل ملابسها من كثرة تركيزه بها. ظل مرتكزًا على سيارته وناظرًا لها.
لاحظته زميلتها كارما، التي حضرت معها الوقعة الأخيرة، لتوكزها بكتفها، فتلتفت لها غزل مستفسرة، لتشير لها عن مكانه برأسها، لتقابل الأعين وتبدأ الابتسامات في الارتسام على الوجه. لا تعلم أهي ابتسامة سعادة من كلا منهم، أم ابتسامة خبث يتوارى خلفها هدف آخر. لتوكزها صديقتها مجددًا سائلة في حيرة: "إيه؟ هتعملي إيه؟ ظلت الابتسامة على ثغرها وهي تجيبها بغير ما تنتظر، وما زالت تنظر تجاهه مبتسمة، قائلة من بين أسنانها:
"طلعي البرجل من الشنطة." عقدت كارما حاجبيها متعجبة من مطلبها، فحاولت أن تفهم، فأعادت غزل طلبها بطريقة مرعبة وهي تتحدث من بين أسنانها والإبتسامة لا تفارق ثغرها. استدارت كارما خلفها وهي متعجبة من طلب غزل، لتفتح الحقيبة الخاصة بها وتخرج ما طلبته، واستدارت تعطيها إياه، فأمسكته غزل بين كفها محاولة إخفاءه، وقالت لكارما: "تعالي معايا."
وانطلقت دون أن تستمع لسؤال كارما أو حتى تخبرها بما سيحدث. فعبرت الطريق وانطلقت خلفها كارما، متمتمة لنفسها: "ربنا يستر من جنانك يا غزل." توجهت غزل مباشرة إلى يزن، مرحبة به بكل وجه مشرق وابتسامة واسعة، ليرحب بها هو الآخر قائلاً: "صدفة غريبة، كنت جاي أشتري شوية طلبات، شفتك فقولت لازم أسلم عليكي، ولا لسه زعلانة؟ ابتسمت غزل قائلة بأريحية تامة:
"لا أبداً مش زعلانة، أنا قلبي أبيض أوي، وكمان انت قولت مكنش قصدك، وأكيد مش هتكدب، ولا إيه؟ ارتاح يزن قليلاً ليجيبها مرحبًا: "آه طبعًا، وعشان خاطر اتصالحنا، اسمحيلي أعزمكم على سموزي بدل اللي اتدلق. ثواني وجاي."
أومأت له مبتسمة، وتوجه هو إلى الكافتيريا، يبتاع منها العصير بنفس الطعم، توت. فأبرزت هي البرجل قليلاً بيدها وطلبت من زميلتها أن تُداري عليها، ثم أخذت تمشيه على سيارته، فاحدثت خدشًا كبيرًا، وبنهايته نحتت اسمها على السيارة. ثم وقفوا أمام ما فعلته، فجاء يزن، ثم حاولت التملص منه معتذرة بعد أن أخذت منه العصير الخاص بها، قائلة بأسف:
"كنت أتمنى أقف معاك أكتر من كده، بس اعذرني عندنا محاضرة مهمة، وشكراً على السموزي، بس المرة دي برعايتي، عن إذنك." وأمسكت بكف كارما وانطلقتا كالتي تهربان من وحش كاسر. وصلتا بداخل الكلية، لتقفز فرحًا بما فعلته. أما بالخارج، تعجب يزن من حديثها قبل جلب العصير، وحالها الذي تبدل بعد ذلك، وبماذا تقصد بكلمة (برعايتي) ولما التعجل هذا؟
ولكن أرجعه، ربما يكون قد تأخر عن ميعاد المحاضرة. ثم استدار ليفتح باب السيارة، ولكنه لاحظ الخدش عليها. في البداية توقع أن يكون أطفالًا، فغضب كثيرًا، فسيارته لها مكانة خاصة بقلبه. ولكن عند اقترابه من نهاية الخدش ومال عليه بجذعه ليدقق النظر جيدًا، فوجد إمضاءها. ليضغط على أسنانه حتى كادت أن تنكسر، ثم أطلق صوتًا غاضبًا لفت إليه كل المارة، ثم أخرج هاتفه طالبًا نضال، قائلاً بصوت عالٍ وغاضب فور رد نضال، دون
مراعاة وقت أو مكان تواجده: "شفت بنت الـ... عملت إيه في العربية؟ "جرحت العربية يا نضال." "جرحتها بنت الـ... وتقولي أنا قلبي أبيض؟ ده أنا هخلي أيامها سودة على دماغها." "تعالى لي دلوقتي ودخلني الكلية عندها." "بقولك عايز أدخلها يا نضال." "ماشي يا نضال، بس ورجلة أمي ما أنا سايب حقي المرة دي." "لا المرة دي بقى غير المرة اللي فاتت." "ماشي يا عم، أنا ماشي دلوقتي، بس راجع لها بنت الـ...
"وقبل ما تقفل، عايزك تجبلي جدول محاضراتها، وإلا هجيبه بمعرفتي." استقل سيارته وهو يكاد أن يخرج دخانًا من أنفه، وتوجه إلى المحال بحالة نفسية سيئة للغاية، ليخرج كل غضبه بالمحال والعمال. ***
بعد أن تأكدوا من عدم ثبوت الحمل، وكأنهم اتفقوا دون اتفاق، وخاصة عند شكهم بوجود مشكلة لديها على حسب توقعات الطبيب، فصارت معاملاتهم أسوأ مما سبق. ومن أجل التأكيد على سلامة ابنهم، فأشاروا عليه بعمل التحاليل المطلوبة منه ومنها. وبرغم شحهم المتصفين به، ولكن لكي يجدوا ما يتشبثون به وهو الإذلال وهم مطمئنون البال.
حتى جاء موعد نتيجة التحاليل، فتوجهوا كلاهما إلى الطبيب في الموعد المحدد لهم. وبعد رؤية الطبيب للتحاليل، وبعد كشف مبدئي لكلاهما وسؤالهم بعض الأسئلة بلحظاتهم الخاصة، وخصوصًا لميار، توجه الطبيب لمقعده أثناء هندمة ميار لملابسها، ثم توجهت لتجلس أمامه، لتلاحظ تجهم ملامحه، فتسأله باضطراب واضح بملامحها ونبرة صوتها: "آآآه... خير... خير يا دكتور." حاول الطبيب أن يبتسم قليلاً، ثم قال:
"أنا بصراحة مش شايف أي مشاكل في التحاليل ولا في حاجة واضحة قدامي في الأشعة، بس بناءً على شكوتك يخليني أتوقع حاجة كده مش هتبان غير بالمنظار." قضب ميار وحسن جبينهم ينظرون بتيه وعدم فهم، ليكمل الطبيب محاولاً تبسيط المعلومة لديهم فقال لهم:
"بصوا أنا بصراحة شاكك في بطانة الرحم المهاجرة، اللي تقريباً أعراضها بتتشابه مع الأعراض اللي ذكرتها ميار، وللأسف ده مبيبانش غير بالمنظار، فعلشان كده عايزين نعمل منظار استكشافي، ولو طلع شكي بمحله، ممكن وقت المنظار نعملها كي على طول." لم يستوعبا ما قاله الطبيب، فصمت كلاهما محاولين إدراك ما استمعوا إليه، ليتساءل حسن بطريقة أبسط قائلاً: "يعني يا دكتور قصدك تقول إن ميار مبتحملش؟ أبتسم الطبيب نصف ابتسامة، ثم قال موضحًا:
"مين قال كده بس؟ الموضوع كله أن بطانة الرحم المهاجرة لها درجات، وعلى حسب درجتها، ممكن تخلي فيه صعوبة بالحمل فبتأخره، وأحيانًا بتمنعه لو درجتها كبيرة." شعرت وكأن أحدهم قد ألقاها في غيابة جب لا ترى أو تسمع فيه شيئًا، كل ما أدركته هو استحالتها للحمل وستقضي الباقي من عمرها وحيدة بين براثن هذا الذي يدعى حسن، وهو بعيد كل البعد عن الحسن. وبالجهة المقابلة، نظر لها حسن وقضب جبينه، فقد شعر بالتيه، هل هي تنجب أم لا؟
ولكن كل ما استوعبه أنها تحتاج لمصاريف كثيرة من أجل الاقتراب من فرصة الحمل، وكأنه اتخذ قراره، فأطلق زفيرًا عاليًا وقال بعده: "يا خسارة... فهم الطبيب ما يشير إليه، فحاول طمأنته قائلاً بابتسامة بسيطة: "مفيش خسارة ولا حاجة يا أستاذ حسن، كل الموضوع شوية مجهود، وإن شاء الله ربنا يرزقكم، هو العيال بتيجي بالساهل برضه!؟
أومأ حسن برأسه واستأذن للانصراف بعد أن استلم الورقة التي دونها الطبيب، ثم استقام، فلحقت به ميار دون أن تنطق ببنت كلمة، وكأنها فقدت النطق، وعلى استعداد تام بما ستسمعه دون حتى التعليق عليه. أحيانًا ننظر للأمور من اتجاه واحد ولا ندرك أن ما نعتقده شر هو بوابة الولوج إلى الخير، وربما أفضل الخير.
انطلق حسن وميار بصمت تام، كلاهما في حساباته العقلية، حتى وصلا إلى منزلهما. صعدت ميار لشقتها، بينما هو فضل اللجوء لوالدته، ربما وجدت له مخرجًا من هذه الأزمة. *** كانت أنوار وغادة تجلسان منتظرين حسن بفارغ الصبر، وكل أحاديثهم عن توقعاتهم وخططهم المستقبلية تجاه ميار. ما إن ثبت ما يتوقعوه، حتى ولج حسن إلى شقة والدته، ليراها جالسة بتحفز هي وغادة أخته ينتظران قدومه. رأوا حسن متجهم الوجه، فقالت والدته وكأنها
قرأت ما تخطه ملامحه: "طلعت معيوبة مش كده؟ أومأ حسن برأسه، وعلى وجهه ملامح الحزن، لا يعرف لماذا يحزن! هل لعدم إمكانية إنجابه من ميار، أم لاضطراره تنفيذ ما تطلبه منه والدته. لتكمل أنوار وكأنها تقرأ الغيب: "أنا قولت من البداية البت دي معيوبة، من ساعة ما طلبناها وأبوها كان متساهل معانا في شروطنا، وقال إيه أنا بشتري راجل؟ ما طبعًا لازم تلحق راجل بدل ما تعنس جنبهم." أصدرت صوتًا من بين شفتيها، ثم قالت:
"وقال إيه إحنا اللي افتكرناه طيب وابن حلال ومطلبش طلبات كتير." ثم التفتت لذلك الذي يجاورها قائلة بنبرة حازمة: "يبقى تنفذ اللي اتفقنا عليه أنا وأختي، وده لمصلحتك، سامع؟ دون أن يحرك ساكنًا أو ينطق ببنت كلمة، كان قد أطلق موافقة داخلية، فلم يكن أمامه خيار آخر، فهذا الحل الوحيد الذي يعتبر أقل خسارة بالنسبة له. أما عن غادة، فأكدت عليهم أن يحذروا جيدًا، فيجب أن ما يحدث يكون غير ملموس لخطيبها.
وهنا، كل غنى على ليلاه، ولم ينتبه أحد لحال ميار التي صعدت لشقتها وتواصلت مع أختها، التي حاولت تهدئتها ووعدها بتقديم كل سبل المساعدة والدعم المادي والمعنوي، وألا تحزن، فربما فرج الله قريب. ولكن كان لميار رؤية أخرى للمعضلة، فقالت لأختها محاولة التفكير معها بصوت عالٍ:
"المشكلة يا ماجدة، أن لو عايزة أعمل المنظار، هيحتاج مصاريف كتير جدًا، وأنا مش عايزة أكلفك ولا أكلف بابا ولا محمد، مش عشان حاجة، عشان حسن ميعتمدش على كده، وخاصة أنه بقاله فترة من غير شغل." قضبت ماجدة جبينها بتعجب من الطرف الآخر، وسألت باندهاش: "ولما هو مبيشتغلش، كل المصاريف دي من مين؟ قالت بتوتر، وكأنها شعرت الآن بفضح خطأها: "مني." وهنا انطلقت صيحات وسباب من أختها، لعلها تفيقها من غفلتها،
كما أكدت عليها: "متى ومن متى نساند البعض؟ عندما يكون من نساند يستحق الدعم، ويكون ممن يقدر هذه المساعدة، والأهم هو أن يكون من المجاهدين، لا من المتكالين." وبالفعل كانت تشعر ميار بخطأها، ولكن ينقصها الشجاعة لاتخاذ قرار بعدم مساندة هذا السوء.
وبنهاية المكالمة، أكدت عليها ماجدة بالإصرار والإلحاح عليه بالبحث عن عمل جديد، وألا تقدم يد العون مرة أخرى حتى يشعر بالمشكلة، وإلا أخبرت هي والدها وأخاها وعملت على تصعيد المشكلة، وما أدراك عندما تصعد ماجدة المشاكل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!