الفصل 12 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
19
كلمة
3,337
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

كان يتعشم بفرصة أخرى ولكن القدر لم يمهله، بل وتقريباً قطع عليه كل السبل. ظل محمد أمام الهاتف متردداً في الرد على المكالمة، فالوقت قد تأخر، ولكن يعرف جيداً أنها قلقة جداً. فهو طوال اليوم لم يحدثها برغم تأكيدها عليه أكثر من مرة على أن يطمئنها، ولكن أحداث اليوم قد شغلته كثيراً. لذلك قرر أن يستقبل المكالمة، خاصة بعد انتهاء الرنين وإعادة الاتصال مجدداً. فتح الخط قائلاً: "سلام عليكم يا ماسة."

ماسة وقد تناست كل أساليب وطرق الحوار الحسن، لتهدر به محاسبة إياه بطريقة حادة، متناسية صفته بالنسبة لها. تتسارع كلماتها على لسانها دون التفكير بها قائلة: "أخيراً رديت!؟ حرام عليك يا أخي، عجبك القلق اللي سيبتني فيه طول اليوم ده؟ دانا حتى أنا اللي بتصل عشان متقولش إنك انشغلت ونسيت تتصل تطمني، لكن لا وتطمني ليه؟ هو أنا أفرق معاكم في حاجة؟ أنا حيالله زميلة أختك؟

ثم صمتت أخيراً عند استشعارها صمته الغريب، لم يتفوه بكلمة واحدة، فظنت أنها تخطت حدودها. "عفواً، هل هذا ظن؟ عند تذكرها لما نطقت به، تأكدت أنها تخطت كل الحدود، لتحمم بصوتها وتسأله بتوتر واضطراب ظهر في صوتها قائلة: "انت... انت... زعلت يا محمد؟ مالك ساكت ليه؟ نطق محمد بعد الاستماع لكلامها قائلاً لها بنبرة حانية دافئة:

"لا مزعلتش، بالعكس أنا تخيلتك وأنتي بتكلميني وبتعاتبيني بعد الجواز، بجد فرحت أوي إنك شيلتي الحساسية والتكلف اللي كان بينا." شعرت ماسة بالخجل الشديد لإطرائه عليها، ولكنها حاولت استعادة الحوار لمجراه، فقالت بصوت منخفض معاكس لطريقة حديثها بالبداية سائلة إياه: "المهم طمني، عملت إيه مع ميار؟ وهي أخبارها إيه دلوقتي؟ سحب محمد نفساً عميقاً وجاهد حاله في تذكر كل ما تم، وبدأ يسرد أحداث اليوم. ***

بمنزل حسن، عادت أنوار وابنتها إلى منزلهما، ولم تصبر للصباح برغم عودتها بوقت متأخر، بل أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال على ابنها الذي رد عليها فور اتصالها له، ليقول متلهفاً وبصوت مضطرب: "إيه كل ده يا أما؟ كنت قاعد مستنيك وقلقان، حصل إيه طمنيني." جلست أنوار على المقعد، آمرة ابنتها بجلب كوب ماء لها، ثم قالت: "قلقان على إيه يا خويا؟ دانت تحمد ربك وتبوس إيدك وش وضهر إنك كسرت عضمها." اندهش محمد من حديث والدته ليسألها متعجباً:

"ليه يا أما؟ إيه اللي حصل؟ أطلقت أنوار صوتاً بشفتيها ثم قالت: "البت طلعت معيوبة، وكويس إننا عرفنا من أولها والله. اتكلموا ولا فتحوا بقهم، هنقولهم ده معاملتنا ومعندناش غيرها. طلبوا الطلاق، إنت الكسبان، ده محتاجة دكاترة وأدوية وفلوس ياما. متكلموش خلاص يبقى عارفين إن بنتهم محدش هيقبلها على عيبها، وبرضه هيسكتوا." لم يعِ محمد الحديث، ليعيد التساؤل مرة أخرى قائلاً: "معيوبة إيه وأدوية إيه؟

ما توضحي يا أما، أنا ركبي سايبة، ليكون حصلها حاجة من ضربي وعملولي محضر ولا حاجة؟ ومش حمل تخمين." تحدثت أنوار باستهانة شديدة قائلة: "متخافش يالا، ومعملوش حاجة ولا يقدروا يعملوا." أطلق محمد زفيراً عالياً ليقول: "اللهم طولك يا روح، ما توضحي يا أما ورحمة أبوكي." "ميار طلع عندها مرض مش عارفة إيه كده في الدم، وهياخد منهم وقت وفلوس كتير أوي، عشان كده بقولك معيوبة."

نطقت بها أنوار موضحة حديثها لابنها، فعقد حسن حاجبيه متعجباً لينطق قائلاً: "طب وبعدين، أعمل إيه؟ كده أصالحها وأرجعها؟ بس هتغرمني جامد، وأنا أساساً مش لاقي شغل." تشنقت أنوار بشفتيها قائلة:

"قال ترجعها قال، ولا تصالحها ولا ترجعها. أنا قولتلهم إنك عند خالك، إنت مش حمل مصاريف. هما اكتشفوا الموضوع ده وهي في بيت أبوها، يبقى أبوها أولى بيها. وكمان هما بعظمة لسانهم قالوا سيبوها أعصابها ترتاح شوية، فانت كل يومين تلاتة كده، اعمل نفسك بتطمن عليها وإنك أول ما هتنزل هتجيلها كده يعني." أومأ محمد برأسه وكأنها تراه من شدة اقتناعه بحديث والدته، ليؤكد على حديثها قائلاً:

"تمام يا أما، يالا، ادينا نرتاح منها شوية ونشوف الموضوع هيوصل لإيه. أنا بس كان قصدي أرجعها عشانك، بس معلش استحملوا بقي." نظرت أنوار لابنتها قائلة: "ما هي أختك معايا، هتساعدني أهي، ربنا يهديها." لوحت رشا بيدها قائلة وهي تستقيم قائلة: "ولا يهديني ولا يعفرتني، أنا فيا اللي مكفيني، ملكوش دعوة بيا." ثم توجهت إلى غرفتها بعد أن سمعت كل شيء، وتوقعت انتهاء الحديث إلى هنا، فقررت الانسحاب لتدلف إلى حجرتها وهي تتمتم قائلة:

"مش حاسين بيا أبداً، بيتكلموا في مشكلة حسن ومرات حسن، وأنا اللي بنتهم وأكبر من مرات حسن، متجوزتش لحد دلوقتي. جاتهم الهم ما يسيبوني في حالي بقي." *** بغرفة ماجدة، أمسكت الهاتف لتجيب على المتصل بعصبيتها المعهودة بكلمة واحدة وصوت مقتضب: "خَيْر؟ رفع جواد الهاتف من على أذنه ونظر له، ثم أعاده مرة أخرى على أذنه بعد أن تحمحم سائلاً بتعجب: "ماجدة!؟ زمّت ماجدة شفتيها وأطلقت تنهيدة، وهي تنظر لأختها سائلة باستنكار:

"أomal كنت عايز مين؟ شعر جواد بالإحراج، فحاول لملمة حاله قائلاً: "أبدا... أنا كنت عايز أطمن على مي... مدام ميار، هي أحسن دلوقتي؟ أطلقت ماجدة تنهيدة أسى، وأغلقت عينيها تأثراً من حال جواد ومن دموع ميار التي تنساب دون إرادتها، ثم قالت بنبرة يملؤها التأثر: "ميار أحسن يا جواد الحمد لله، وشكراً لسؤالك، بس برضه أحب أكد عليك وقت ما تحب تطمن، ابقى اتصل على فوني أنا، علشان طبعاً إنت عارف إنها مينفعش ترد عليك حالياً."

أومأ جواد برأسه، يعلم أن ما قالته صحيح، ويعلم أن ما فعله خطأ جسيم، ولكنه لم يستطع تحمل عدم التفكير بها والاطمئنان عليها، لذلك قال لماجدة: "صح، إنتي صح يا ماجدة، أنا آسف، عن إذنك."

لم يستطع التحكم بذاته أكثر من ذلك، فرأسه كادت أن تنفجر من كثرة الضغط عليها، وشعر كأنها حلبة مصارعة بين ما هو صحيح وما يريده، لذلك فضل إنهاء الحوار سريعاً ومحاولة التفكير في كيفية إنهاء الموضوع من جهته برمته، كما انتهى من جهتها، حتى ولو كرهاً كحالتها.

بالجانب الآخر، أغلقت ماجدة الهاتف، ناظرة لأختها، فوجدتها على شفا الانهيار، فتركت الهاتف جانباً وجلست بجوارها، آخذة إياها في أحضانها، لتطلق ميار كل ما بجعبتها في أحضان أختها، تبكي بمرارة من المعاناة التي تشعر بها، والألم الذي يفتك بمشاعرها قبل جسدها، واشتياق لكل ما هو ماضٍ، تطلق كلمة واحدة بين أنفاسها اللاهثة من شدة البكاء، وتكرارها مراراً وتكراراً، وكان كل كلمة تقصد بها جملة كاملة: "ليه؟ ... ليه؟ ... ليه؟ ...

تستمع ماجدة جيداً لكلمتها كما تعي مقصدها في كل مرة، ولكن ما باليد حيلة، فليس في مقدورها شيء، ولا حتى في قاموس كلماتها كلمة تخفف عنها ما تشعر به، أو كلمة وعد يغير ما هو آت. لم تقدر على نطق كلمة واحدة، بل أطبقت شفتيها وأطلقت لدموعها العنان على حال أختها. فليس بيدها غير التربيت على كتفها وظهرها، ومحاولة بث الطمأنينة بها، برغم فقدانها لها.

بالخارج، تسمرت الأم على باب غرفة ابنتها، وهي تستمع للحوار الباكي الذي لا يحمل سوى كلمة واحدة، تعرف إجابتها جيداً، ونياط قلبها يتمزق من الألم عليها، وربما حملت نفسها وزر ما يحدث لها، فلو كانت اعترضت على قرار زوجها، أو اتخذت جانب ابنتها وشددت من موقفها، لما كان حدث ذلك، ولكن سلبيتها وخضوعها هما السبب. تعلم أن زوجها كان يريد الخير لابنته وأن نيته هو مصلحتها، ولكنها حملته القرار برمته، وهذا خطأ تحمل وزره.

فلما جعل الله القرار شورى بين الزوجين؟ حتى يتخذ أحدهم طريق العقل ويرى الآخر طريق القلب، فيصلون معاً للقرار الصائب. لذلك لم تسطع أن تحمله كل اللوم، فهي أيضاً مُلامة، وكلا منهم يجلد ذاته لما آلت أمر ابنتهم له. لتعود أدراجها إلى غرفتها، لترى توفيق زوجها يجلس على الفراش، ناظراً للاشيء، فعرفت حاله الذي ليس بالغريب عن حالها. ***

أسدل الليل ستاره ليُواري أحداث بعضها، نتمنى أن تنتهي بانتهاء الليل، بل ونتمنى أن تبدأ بداية جديدة كبداية الشمس مع إشراقها بالصباح، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. ففي الصباح، ذهب نضال لعمله المعتاد بحرس الجامعة، ظل يتابع أخبار جواد والمحل مع زيدان ويزن، ولا يخلو الأمر من بعض التسلية ببنات الجامعة الذي يسمحون له بالتطاول بعض الشيء بغرض التسلية لكلا منهم.

حتى صدح هاتفه باتصال من جواد، فأراد التملص بلباقة من فتاة اليوم، فقال لها: "ياااه، يا خسارة، حبكت يجي تليفون دلوقتي وأنا مع الجمال كله؟ إنسان ثقيل صحيح." ابتسمت الفتاة بميوعة واضحة قائلة بتلاعب: "لو مش مهم سيبك منه." زمّ نضال شفتيه ورفع حاجبيه ببراءة قائلاً: "للأسف يا قمر، ده تليفون شغل وضروري أرد عليه، بصي أقولك، روحي محاضراتك أو الكافتيريا عقبال ما أخلص التليفون، ولو حد كلمك."

اقترب منها ناظراً بعينيها وهو يغمز بإحدى عينيه مردفاً بصوت هامس قائلاً: "قوليله أنا تبع نضال باشا وملكيش دعوة." أطلقت الفتاة ضحكة صاخبة، لينظر نضال حوله، دافعاً إياه بعيداً عنه قليلاً قائلاً: "يخرب بيتك، هتفضحينا، امشي من هنا، امشي." ابتعد هو الآخر ليمسك الهاتف ويعيد الاتصال بجواد، الذي اتصل عدة مرات، ليجد جواد يرد عليه وصوته يدل على حاله، فسأله نضال: "مالك يا جواد؟ فيك إيه؟ أطلق جواد تنهيدة ثم قال:

"مش عارف يا نضال، بجد مش عارف. اللي حصل امبارح خلاني قولت لازم أفوق شوية، إن مكنش لنفسي يبقى ليها، هي متستحقش يتقال عليها ربع كلمة وحشة." تعجب نضال من حديثه، ولكنه لم يعِ ماذا يقصد صديقه، ليسأله: "إنت بتتكلم منين؟ جواد رد مختصراً: "من المكتب." أومأ نضال قائلاً: "تمام، هخلص ورديتي وأجيلك على طول عشان عايز أفهم الحوار من أوله." وافق جواد قائلاً: "تمام، وأنا مستنيك." ***

بمنزل آخر، ينم أثاثه على الرقي في الذوق والنظام والنظافة. تلح الفتاتان غزل وغرام على والدتهما على حضور عيد ميلاد صديقتهما في المساء، فهي ليست ببعيدة، وبرغم رفض والدتهما لطلبهما من أجل خوفها عليهما، فهما فتاتان في مقتبل العمر وتخاف عليهما كثيراً من الاندماج مع المجتمع، وخاصة بعد وفاة والدهما، فهي أصبحت بمثابة الأم والأب لهما.

ولكن غزل لم تيأس، فهي لديها سلاح جبار يخضع أمامه الكثير، ألا وهو الزن والإلحاح دون كَل أو مَل، مما جعل والدتهما توافق بعد عناء وتحت شروط جمة، من ضمنها الاتصال بها مع كل خطوة وعدم التأخر ليلاً، حتى لو لم تبدأ الحفل، فيكفي ذهابهم وتقديم التهنئة. ليوافق الفتاتان ويقبلا والدتهما ويتوجهان للاستعداد للذهاب للحفل.

اختارت كلا منهما فستاناً يتشابه في تفاصيله، ولكن يختلف في ألوانه، من قماش الشيفون وله تلبيسة من الأسفل، ولكن ترتفع قليلاً عن طول الفستان، ضيق من الخصر فيظهر جمال خصرهم وصغره، بينما ينزل باتساع لأسفل، يمتد طوله لأسفل الركبة قليلاً، ولكن لم يصل للكعبين، مطرز بالزهور من أعلى الخصر لأسفل قليلاً، وكأنه يعبر عن حالهم، وكأنهم زهور في ربيع عمرهم بكامل ازدهارها وألوانها الخلابة.

ارتدوا ملابسهم، واخذت غزل تدور حول نفسها أمام المرآة لترى جمال فستانها قائلة لغرام أختها: "جميل عليا يا غرام صح؟ ابتسمت غرام بهدوء يناسب شخصيتها قائلة: "جميل جداً يا حبيبتي، بس يالا عشان نلحق نقعد مع صاحبتك عشان منتاخرش زي ما ماما قالت." رفعت غزل كتفها بلا مبالاة قائلة: "ولا نتأخر عليها، مش مهم نقعد معاها أوي يعني، المهم نقولها كل سنة وانتي طيبة ونقدملها حاجة ونمشي على طول." عقدت غرام حاجبيها مرددة ما

قالته أختها بتعجب قائلة: "مش مهم نقعد معاها!؟ لا واضح إنك بتعزيها أوي!! ولما هو مش مهم نقعد معاها، كان إيه لزوم الزن اللي أكلتي بيه وداني من امبارح، ولازم أروح لها يا غرام، وهتزعل يا غرام، والكلام ده؟ وخلتيني أنا اللي أطلب من ماما كأنها صاحبتي أنا؟ توترت غزل وزاغت أبصارها يميناً ويساراً، وأدركت حينها الخطأ الذي أوقعت نفسها به، لتحاول اللحاق بنفسها قائلة بتلجلج: "ها... لا إنتي مفهمتنيش...

أنا قصدي إني كنت متخانقة معاها يعني، والأصول بتقول حتى لو متخانقين مسيبهاش في مناسباتها، ف... ف... فأنا هروح يعني أعمل الواجب وأهنيها بعيد ميلادها وأمشي عشان يعني مكنش محرجة، وعشان هي متفتكرش إني برمي نفسي عليها." ضيقت غرام عينيها تتفحص وجه أختها وحالتها، لتشعر بعدم راحة قائلة لها: "مش مرتحالك يا بت وحاسة إني مخبية حاجة عليا!!

تلجلجت غزل وحاولت إزاحة التهمة عنها، فاقتربت من أختها وجلست بجوارها، محاولة تشتيت فكر أختها، فتأبطت ذراعها ونظرت لها بابتسامتها الشقية قائلة: "أنا أقدر أخبي عنك حاجة يا غرامي إنتي، يالا بقي نمشي عشان منتاخرش." ازدادت غرام من حيرتها، لتنعتها بالجنون، لتسحبها غزل لخارج الغرفة قائلة: "يالا بقي إنتي اللي مأخرانا اهو."

خطوا كلاهما خارج الغرفة، لتستأذن غرام وتعود مهرولة للغرفة في لحظة، لتنثر على نفسها بعض من العطر المميز عندها للأوقات المهمة والمناسبات، وتنظر للمرآة للمرة المليون، ثم توجهت لأختها ساحبة إياها تحت نظرات غرام المندهشة من أفعال أختها. ***

بمنزل ميار، ظلت في سباتها فترة طويلة، حتى بعد أن استيقظ كلا من بالمنزل، وكلا ذهب لطريقه. فمحمد ذهب لشركة الأدوية الذي يعمل بها محاسب مقرر، محاولاً الوصول لأفضل طبيب لحالة أخته. كما ذهبت ماجدة لكليتها التي تمقتها ولا يعجبها بها أحد، لا طلبة ولا دكاترة، وتنتظر بفارغ الصبر الانتهاء منها، مقررة المكوث بالمنزل بلا عمل. بينما ظلت ميار بفراشها تدعي النوم، وكأنها تهرب من حاضرها.

ظل توفيق وعزة بالخارج، لا أحد يتحدث في شيء، وكأنهم أصابهم الخرس من هول ما يشعرون به بداخلهم، فهم يشعرون أنه يفوق حروف وكلمات اللغة. لا يعرفون ماذا يستطيعون أن يفعلوه من أجل فلذة كبدهم. فتوجهت عزة لتعد الإفطار، بينما حاول توفيق التفكير ملياً في حل لمعضلة ابنته، فإذا سعى لتطليقها بعد زواجها الذي لم يدوم أكثر من ثلاثة أشهر، فتسوء سمعتها، وخاصة من أهل زوجها الذي خُدع فيهم، فكانوا يدعون الطيبة ومعرفة الأصول قبل الزواج،

حتى والد زوجها الذي ظن أنه مسؤول ويستطيع توجيه ابنه وإرشاده إذا أخطأ، ولكن كل هذا تغير وظهروا على حقيقتهم، ليقر بنفسه أنه أخطأ حين فضل حسن على جواد، حين نظر للجنسية ولم ينظر للتربية، فكلاهما عربي وكلاهما مسلم، ولكن من منهم رجل بمعنى الكلمة، ويطبق شريعة دينه في الحفاظ على زوجته.

علم وقتها أن تفكيره خاطئ عندما كان يبحث عن عائلة بها من سيُقوِّم الرجل الذي يتزوج ابنته، وعلم أن لا أحد يستطيع أن يحكم رجلاً مهما كانت عائلته، إلا أخلاقه ودينه. ليرشده تفكيره لفكرة أخرى، وهي إذا تم تطليق ابنته وطلبها جواد مرة أخرى، فلم يهتم لسمعتها، فجواد يعرفهم جيداً، ولكن... لم يستطع أن يفاتح جواد في هذا الموضوع، فهل سيقبل من مكانة ابنته ويعرضها عليه؟

إضافة إلى نقطة هامة، وهي هل جواد سيقبل بابنته بعد أن أصبحت مطلقة أم لا؟ كما هل ستقبل والدة جواد بابنته وهي في هذه الحالة؟ ولكنه رأى بعينيه خوفه وقلقه على ابنته عندما كانوا بالمشفى. حرك توفيق رأسه منفضاً عن عقله كل هذه الأفكار، فيجب عليه الآن أن يهتم بمرض ابنته أولاً، ثم يفكر في كل هذا فيما بعد، ولكن إحساسه بالذنب هو من وجه تفكيره لكل هذه الأفكار.

توجهت عزة لغرفة ابنتها لإيقاظها، فقد ظلت وقت طويل في نومها، وهذا ليس من عادة ميار. "أشعر وكأنني مفككة كقطع البازل، وكأنني فتات أنثى، كنت أتمنى من يعيد تكويني لأصبح به أكثر صلابة، ولكن جاء من بعثرني لأصبح من بعده أكثر تشتتاً."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...