انتهى خالد من حكاية قصته لجده الذي كان ينظر للفراغ بشرود، غير واعٍ لمن اضطجع هو الآخر على الكرسي، وتتساقط دموعه بخزي وكسرة. فهو كلما يتذكر يشعر بأن روحه تُسحب منه.. يموت هذا إحساسه في كل ثانية وساعة ويوم يمر عليه بدونها، يموت بالبطء.. يقسم أن النظرة من عينيها هي ترياق الحياة.. آه وآه لو فقط يعثر عليها. تنهد بعجز قائلًا لنفسه:
آه أيسل لو فقط تلتقي طرقنا يومًا ما.. لو فقط أجدك أقسم سأعتصرك بين يدي حتى أنتهي من شوقي إليك، وبعدها سأعمل على أن تبقي جنبي إلى الأبد وأعيد تربيتك من جديد.. آه وآه لو يعود بي الزمن للوراء لما تركتك لحظة واحدة. لو أعرف أن الفراق آتٍ لما ابتعدت ثانية واحدة عنك، لأخذت أستنشق عطرك وأحفظ ملامحك حتى أعبئ صدري منها كي تنفعني في سنيني العجاف.. آه وآه يا وجعي... آه من نار الفراق. الفراق...
لو كنت رجلًا لقتلتك.. لا فرق الله بين المحبين.. هذا ما حدث نفسه به خالد وسط دموعه ونحيبه بصمت، فقد ذهب وقت التماسك وطالما كُشف الماضي أمام جده الحبيب فإلى هنا وليذهب الكبرياء للجحيم. فاق على احتضان جده له. نظر الجد وهاله ما رأى، فخالد لأول مرة يبكي أمامه، لطالما كان جبلًا متماسكًا، ألهذا الحد يا ابني أحببتها؟ مسح الجد على ظهره بحنان وقال له: ابكي يا ولدي... ابكي يا ولدي وارتاح عشان دي آخر مرة عاوز أشوفك فيها ضعيف.
انهار خالد بالبكاء في حضن جده، فلطالما كان جبلًا صامدًا. بعد مدة بسيطة انتهى خالد من بكائه وتماسك نفسه وابتعد عن أحضان جده ونظر له بصمت، ولكن كان الجد شاردًا وسرعان ما سأله خالد: مالك يا جدي؟ نظر الجد له وقال: إلا قل لي يا خالد يا ولدي، مراتك اسمها أيسل إيه؟ نظر له خالد وقال له: اسمها أيسل عبد الله... وقال له اسمها كاملًا. حدث الجد نفسه: معقول معقول تكون هي؟ وسرعان ما نظر لحفيده باستعجال قائلًا:
معاك صورة ليها يا ولدي؟ عاوز أشوفها. استغرب خالد ولكن لم يفكر كثيرًا. وأخرج صورة أيسل وأعطاها له، فهو يحتفظ بصورتهما معًا ولم يمحها في جهازه المحمول. نظر الجد لأيسل بصدمة بانت من ملامحه، فلمحها خالد وقال له: في إيه يا جدي؟ مالك وشك اتخض كده ليه؟ نظر له الجد بصدمة بها بعض الفرح وقال له: لا أبدًا يا ولدي سلامتك بس مراتك كيف القمر.. تبارك الله. سرعان ما نظر له خالد بحدة قائلًا له: في إيه يا جدي؟
أنت بتعاكسها قدامي ولا إيه؟ انفجر الجد في الضحك على حفيده وقال له: هتغير ياااه؟ نظر له خالد بغيظ وكتم الكلام داخل حلقه. شرد الجد في ملامح أيسل، فإذا كان يشك فهو الآن متيقن من أنها هي، يا الله صورة طبق الأصل. حسنًا يقسم أن يعيدها ويصحح ما أخطأ به في الماضي، عسى هذا أن يكفر عن أخطائه ويعطي بهذا السلام لمن رحلوا ويريح قلب حفيده الذي يتعذب بنارها. وعند هذه النقطة وعد نفسه أنه سيعمل على إحضارها لو في باطن الأرض.
في ناحية أخرى،
بأنطاكية تجلس أيسل على مكتبها تحاول إنهاء تصميمات العرض الأخير الذي ستقيمه آخر الشهر، فهي الآن أصبحت من أهم سيدات الأعمال في المجتمع ولكن باسم مستعار، فهي غزت الشرق الأوسط اسمًا فقط لا صوت لا صورة، فهي إلى الآن خائفة على خالد وأبنائها وبشدة، فقط تدعو الله أن يبارك لها ويمنحها السلام في النهاية، فهي في حاجة ماسة إلى الهدوء والسكينة وهذا ما فكرت به، فهي بحاجة إلى زيارة قريبًا إلى بيت الله الحرام، ووعدت نفسها أنها ستذهب في أقرب وقت فهي تعتمر باستمرار، فهي تشعر بأنها ولدت من جديد كلما ذهبت إلى هناك، ومن لا يرتاح بجوار الحبيب.
بعد أسبوع كانت قد انتهت أيسل من إعدادات السفر للعمرة بصحبة أبنائها إيرام وأيان، وتركت سيف ومروان بعهدة عادل وإيمي لأن لديهم دراسة هناك، وأخذت معها مربية أبنائها العربية، فهي حرصت على أن يتعلم أبناؤها العربية وتعاليم الدين الإسلامي، فبالرغم من شقاوتهم فهم يعلمون تعاليم دينهم ويحفظون القرآن، فقد بدأ لهم خالد في تحفيظه حينما كانوا معًا، وحرصت بعد رحيلها أن يظل أبناؤها يحفظون القرآن ويتعلمون تعاليم دينهم، فحرصت على جلب لهم من يعلمهم ويقودهم إلى الطريق المستقيم.
ذهبت أيسل إلى العمرة وذهبت إلى الفندق كي تستريح، وفي نفس الوقت كان خالد بصحبة جده وأخته الحبيبة مرام يعتمرون أيضًا، ولحسن الحظ أنهم كانوا أيضًا يجلسون في نفس الفندق. لويزا لويزا....... نعم يا مدام أيسل؟ قالت لها أيسل: معلش يا لوزي ممكن تاخدي الولاد تحت تشتريلهم شوكلت لأني تعبانة جدًا وعاوزة أريح شوية من تعب السفر، وياريت تاخدي رامي وكرم (البودي جارد) معاكي عشان أبقى مطمنة عليكو. قالت لها لوزي:
حاضر يا مدام متقلقيش دول في عنيا، نامي أنتي وأنا هاخد بالي منهم. فرح الأطفال كثيرًا وذهبوا باتجاه الريسبشن، وحينما نزل الأطفال فروا بمرح يجرون هنا وهناك وكرم ورامي يركضون حولهم، ولكن هي جينات متوارثة من الجنان والشقاوة، ركض أيان بسرعة كي يختبئ حتى لا يلحقه رامي، ولكن أثناء ركضه اصطدم بقدم كبيرة فنفخ خدوده بمرح قائلًا بلكنة طفولية: أوعي أوعي عاوزة أعدي.
نظر خالد باتجاه الصوت وانصدم حينما نظر أسفله ووجد أيان، فنظر بحب له وجلس القرفصاء على قدميه حتى يصل له. وحينما اقترب منه أحس بشعور غريب يجري في قلبه، وحينما رفع الولد وجهه له انفزع خالد من جمال الطفل ونفخة خدوده الغاضبة، مهلًا مهلًا فهي تذكره بنفخة خدود أبنائه الأعزاء. تذكرهم خالد ودعا لهم بالبركة أينما كانوا.. آه كم اشتاقهم. اقترب بتوهان من الطفل لا يعلم ماذا يحدث معه ولكنه شعور بالراحة والسكينة كأنه وجد ضالته.
وهنا انتفض على صوت الطفل الغاضب قائلًا: يووه. وثع وثع بقى خليني أعدي. أف. ضحك خالد باستمتاع وقال له: إيه يا صغنن زعلان ليه؟ نظر له الطفل بحقد وقال له: أنا مث ثغنن اوف بقى. ضحك خالد وقرص خده بخفة وقال: طب خلاص خلاص يا سيدي متزعلش، قول لي بقى أنت اسمك إيه وبتجري كده ليه يا عم أنت؟ نظر له الطفل بفخر طفولي وقال له: أثل.. أثل يا عمو أنا مدوخ رامي وكرم ورايا وبجري منهم. نظر له خالد وقال له: مين كرم ورامي دول؟ نظر له الطفل
ببراءة محببة وقال له: دول البودي جارد يا عمو. هنا فهم خالد الحوار وقال له بمرح: يا جامد أنت يا خطر، قول لي بقى اسمك إيه؟ نظر له الطفل وقال: اسمي أيان. وأنت؟ قال له: أنا اسمي خالد. ضحك الطفل بمرح وقال له: أنا كمان بابا اسمه هالد. ضحك خالد على الطفل وحروفه الضائعة بشدة وقال له: بجد؟ ولكن لا يعلم لما يشعر بأنه يريد احتضانه وتقبيله بشدة لا يعلم...
شيء في هذا الطفل يجذبه بشدة، فاقترب بسرعة منه وأخذ يقبله بلهفة واشتم رائحته التي أسكرته تحت ضحكات الطفل المرحة، والتي ولأول مرة يسمح لأحد ما بالاقتراب وتقبيله، فأيان يرفض اقتراب أحد منه غير والدته وإخوته، فهو يكره التقبيل وبشدة، ولكن هل أحس الفتى بما يحس به والده أم ماذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!