تحميل رواية معقول نتقابل تاني بقلم أسما السيد pdf
بقلم أسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنطاكيا، إيطاليا. تجلس أيسل على ضفة نهر، بعيدة عن أي ضوضاء، بيدها قلم وكراسة رسم، اعتادت على حملهما في السنوات الأخيرة. حيث تعتبر هذا المكان سريًا لا يعلمه إلا المقربون. تجلس شاردة تفكر فيما تركته خلف ظهرها قبل ثلاثة أعوام. أيسل لنفسها: آه يا خالد، يا عالوجع اللي بحس بيه لما بفتكرك وأفتكر أيامي معاك. يا ترى يا حبيبي لسه فاكرني؟ لسه زي ما أنت مش بتعرف تنام غير في حضني؟ أنا لسه يا خالد ما بعرفش أنام غير وأنا شامة ريحتك وضامة حتة منك. يا ترى هيجي اليوم اللي نتقابل تاني؟ هيجي اليوم اللي تسامحني فيه...
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أسما السيد
كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتمنى وصوله قبل فوات الأوان، فهو ربما لم يكن لديه شجاعة ترك ما وصل إليه، والبقاء بجانب أولاده وزوجته، وذهب لاهثًا وراء المال والسلطة. جرى وراء سراب أضاع عمره مع نفس مريضة كل همها السلطة والانتقام، لا يعلم كيف توصلت لهذا الحقد وكيف تستطيع العيش بكل هذا الحقد بداخلها.
كان يعلم بخيانتها له وأفعالها الشائنة، فقط أمات ضميره وخشي أن تضيع سلطته التي توصل إليها من رخص زوجته وعهرها. كان يعلم، كان يعلم يؤنب نفسه في لحظاتها الأخيرة، يا الله كم كان ديوثًا، فقد باع الغالي بالرخيص. فهو حينما تركته أيسل أقسم على نفسه ألا يقربها وقد كان، فهي كانت السبب الأساسي في فرقتهما. كانت الشيطان الذي يوسوس له. وحينما أفاق وعلم بمخططها لقتل أيسل، احتد واحتد عليها وانقلب كل شيء رأسًا على عقب، وحذرها من الاقتراب منها وأبنائها، وما كان منها إلا أن حاولت قتله وأوشكت على النجاح، فهي أجرت من قام بفك فرامل سيارته قبل أن يخبر خالد بكل شيء ويضيع عليها خطتها.
وها هو، ولكن كان القدر رحيمًا به وفي عمره نفس حتى يخبر خالد كل الحقيقة ويوصيه بحبيبته وأبنائه عله يريح ضميره الموجوع في غيابها وبعدها هي وأولاده.
كان ما زال واقفًا أمام أيسل في غرفتها شاردًا في البعيد وكيف علم بخيانتها له وأنها أنجبت توأم من ثلاث سنوات.
فلاش باك:
كان في قمة سعادته حينما وصله تقرير آدم واستعد للخروج والذهاب لها وأخذها بالقوة ومنعها من الابتعاد مرة أخرى.
ولكن كان للقدر رأي آخر حينما وصله رسالة على هاتفه.
فتحها وانصدم مما رأى، كانت مجموعة من الصور تحمل شهادات ميلاد لإيان وأيرام باسمه هو وجوازات سفرهم ورسالة تحمل:
"تعيش وتاخد غيرها يا خالد باشا واللي هبعتهولك مسك الختام."
ثوانٍ وبعث له مجموعة صور أخرى لزوجته وطليقها مراد في أوضاع مخلة معًا. احتدت عينه وحطم كل شيء حوله وذهب مسرعًا لها واقعًا تحت فخ تم نصبه حولهما بإحكام غير واعين لما يخطط لهم في صمت.
ووصل إلى الفيلا التي تسكن بها أيسل ولكن من شدة عشقه وشوقه لها بعدما ضربها الكف لم يستطع أن يصمد أمام سحر عينيها وجذبها مسرعًا لأحضانه يبثها شوقه وعشقه لها واعترف لنفسه لحظتها ليس بعشقها فقط بل بهوسه وجنونه، فأي عقل هذا الذي يجعله يقضي ليلة حمراء مع من خانته؟
كيف؟ لا يعلم دمه الصعيدي الحار في حضرتها يتبخر أدراج الرياح. آه لو يعلم أهله وعشيرته لأردوه قتيلًا لا محال، فهو في حالته تلك وما يفعله... مباح وأد روحه.
ولكن كل ما فكر به لحظتها هو أن يطفئ شوقه وبعدها لكل حادث حديث وقد كان.
بعدما هدأت شعلة مشاعره لم يستطع مواجهتها، لم يجرؤ على سبها وإهانتها فشيء في عميق قلبه يكذب كل ما كان وما رآه، آه من قلبه اللعين، فقط طلقها بصمت ورحل. فهو لم ولن يضع يديه عليها ما عاش ولا كان من يهينها، فضل أن يقتل روحه بالصمت عن أن يهينها ويجرحها، فقط سيعلمها ما السبب ويرحل فعشقها وحبها قد توغلا روحه. عشق كتب بالدماء على جدار قلبه، إذن فليرحل بوداع حار يذكره بها وقد كان.
رحل بصمت تاركًا إياها تعاني من الصدمة.
باك:
أفاق من شروده على عينيها التي تنظر له بعتاب، لم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر أمام نظرتها التي تقطع نياط قلبه.
اقترب منها وجذبها لصدره بسرعة قائلًا:
"اششش متبصليش كدا. مقدرش أنا على البصة دي."
كانت تدفعه بحدة وتبعده بعيدًا عنها قائلة له:
"يوه ابعد كدا يا خالد."
وفي عقلها:
"الله يخربيت الهرمونات دي. في التوأم مكنتش بطئ ريحتك. دلوقتي أعمل إيه أنا هموت وأخليني في حضنك. أعمل إيه أنا ألزق فيه يعني؟ يا رب صبرني."
وأثناء شرودها كان قد رماها على السرير واعتلاها مقبلًا إياها برقة أذابتها، غافلًا عما سيحدث بعد قليل.
في الأسفل:
ينزل سيف الدرج حاملًا النقود ويصفر بفمه بطريقة مسرحية ويعدها بمرح ويغني بين تصفيره:
"هيييه هيييه معانا جنيه معانا جنيه."
قطع طريقه مروان قائلًا:
"أوبا جبت الأموال دي كلها منين؟"
لحقه سيف قائلًا:
"ههههه المغفلين كتير يا معلم."
وسرعان ما أتى أيرام وإيان وجلسوا يقتسمون النقود.
سيف قائلًا لهم:
"بصوا بقى أنا كله إلا الحرام اااه. إحنا بنشعبط برضا ربنا، إحنا هنتقاسم بالتساوي."
"اااه أومال إيه أنا واحد حقاني."
وجلسوا يقسمونها.
وأثناء التقسيم أتى لهم الجد قائلًا:
"حبايب جدو بيعملوا إيه؟"
خاف الأولاد كثيرًا واضطربوا وبان عليهم الربكة.
قال الجد لهم:
"خبر إيه يا ولاد انتوا بتخبوا إيه أكده؟ أوعاكم تكونوا عملتوا مصيبة إياك، ما أنا خابركم كيف."
ونظر لأصل المصائب في نظرة وقال له:
"تعالى أهنه يا واد يا سيف."
تقدم سيف ويديه خلف ظهره يخفي النقود قائلًا:
"ها يا جدو يا حبيبي. أنا رايح الحمام أصل مذنوووووق أوووي."
وهم يركض إلا أن الجد أمسكه من أذنيه قائلًا:
"خد أهنه يا بلوة انت وجول بسرعة في إيه."
بعد ثوانٍ من الضغط عليه اعترف بما حدث وجرى مسرعًا إلى الخارج غير عابئًا بما سيحدث بعد قليل من كوارث.
ذهب الجد مسرعًا إلى الغرفة التي يوجد بها خالد وأيسل وخبط على الباب بحدة بعصاه قائلًا:
"انت يا أبجم، انت يا حلوف انت والبقرة اللي جوه والله لأطين عيشتكم."
أفاق خالد على صوت الباب يطرق بحدة وكلام الجد.
ناظرًا لها:
"أنا كان قلبي حاسس. ابنك الواطي عملها. آدي آخرة ربا يتك يا هانم."
"اه يا أني، اه يا فضيحتك يا خالد."
ونظر لها مرة أخرى وهو يغلق أزرار قميصه قائلًا لها:
"أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أقتلك وأقتل خلفتك الهبلة وأريحك وأريح البشرية منك ومنهم ولا استنى لما يخلص جدك علينا كلنا ونرتاح؟"
نظرت له أيسل بلا مبالاة تعدل من هندامها قائلة:
"وأنا مالي يا خويا؟"
"حد قالك تيجي هنا؟ استلقي وعدك بقى."
وتسطحت على ظهرها وبرز بروز بطنها قليلًا.
نظر لها قائلًا:
"يا برودك يا شيخة."
وهو يقترب ناسيًا الخبط على الباب ومحسسًا على بطنها بحنية جعلتها تنتفض وقال:
"هو انتي ادورتي واحلويتي كدا ليه؟ هااا ولا انتي اللي اتخنتي ولا إيه؟"
نطرت يده بسرعة قائلة بارتباك:
"يخربيتك انت في إيه ولا إيه؟"
هنا اندفع الباب بحدة ودخل الجد عليهم قائلًا له:
"تعالى أهنه يا واد انت. أنا مش قلتلك متجربش من حفيدتي واصل. ليه مفيش سمعان كلام؟"
نظر له خالد بصدمة قائلًا:
"أهلًا أهلًا، ازيك يا جدي عامل إيه؟"
"أنا كنت جاي أشوفك."
نظر له الجد بمكر قائلًا:
"والله كنت جاي تشوفني برضك؟ في أوضة حفيدتي. قول كلام غير أكده."
وأمسكه من تلابيبه وقال له:
"حسك عينك أشوفك أهنه تاااني وإلا..."
قال له:
"مفيش وإلا. أنا رايح أهو. سلامو عليكو."
واستدار وحدف لها قبلة بالهواء قائلًا لها:
"امسكيها بسرعة أحسن تقع."
وغمز لها أمام نظر الجد الذي ينظر بصدمة من بجاحته. نطره من يده وقال له:
"اخرج بره يا وسخ."
"جبر يلمك."
سرعان ما نطقت أيسل مسرعة:
"حرااام عليك يا جدو. ليه كدا؟"
سرعان ما دخل عليهم خالد مجددًا يقول بهيام وتسبيل:
"خايفة عليا يا حبيبتي؟"
كادت ترد إلا أن عصا الجد التي نزلت على خالد جعلته يتركها مهرولًا على الدرج يتوعد لسيف بالهلاك.
"والله لأوريك يا سيف بس أما أطولك."
أطل عليه سيف قائلًا:
"تعيش وتاخد غيرها بقى."
نظر له بحدة قائلًا:
"ماشي مسيرك تقع تحت إيدي."
سرعان ما وجد أيرام وإيان يركضون عليه، حملهم بحب وقبلهم وقال إيان:
"بابا يا بابا. شوفت سيف أدانا إيه؟"
نظر لما في يدهم وجد نقوده بين أيديهم يتقاذفونهم كورق الكوتشينة. تحسر وقال:
"كويس إنو طلع عنده ضمير وقسمهم."
نطق سيف بمرح من ورائه قائلًا:
"أومال، كل إلا الحرام يا حبيبي. العدل ثم العدل."
نظر له بحدة من تحت ضرسه قائلًا:
"أصيل يا حبيبي انت هتقولي؟"
وأثناء حديثه معه وجد هاتفه يرن برقم غريب.
ترك الأولاد ورد على هاتفه، وسرعان ما تغيرت ملامحه ونظر بشرود وقال:
"حاضر مسافة الطريق وأكون عندك."
ذهب خالد إلى المشفى مسرعًا ليعلم ما يريده مراد منه. قلبه يغلي وبشدة لا يعلم ماذا يحدث أو سوف يحدث.
سأل على غرفته.
وتوجه إليها وطرق الباب ودخل، وصدم مما رآه، مراد مربوط من كل جانب لا يظهر منه سوى عينيه.
اقترب منه وقال له:
"مراد أنا جيت. إيه اللي عمل فيك كدا؟"
نظر له مراد بضعف وقال بضعف وصوت يكاد يسمع قائلًا:
"كويس إنك جيت. دلوقتي خلاص معدش فيه باقية. اسمعني كويس."
ويا ليته لم يسمع. صدمة، صدمة، خطط ومؤامرات ووجع أذاقه سنون وسنون. أقسم لمن كان السبب بالهلاك.
ولكن أفاق على كلمات مراد له:
"ولادي... ولادي يا خالد أمانة برقبتك هسألك عليهم يوم الدين."
"خلي أيسل تسامحني وقولها إني محبتش حد قدها."
وصعدت الروح لبارئها.
تاركًا وراءه قلب يغلي من الوجع والقهر والظلم الذي عاشه هو وحبيبته لسنوات.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أسما السيد
كانت تجلس في النادي بصحبة أصدقائها، ومن بينهم صديقها سامر. تعلم بعشقه لها واعترف لها أكثر من مرة. يرافقها كظلها، تحب اهتمامه بها، ولكن لم تستطع مبادلته، فحُبها استوطنه آخر منذ زمن. متأكدة هي من أنه حب من طرف واحد، قلبها تتقافز دقاته للخروج حينما تراه، ولكن لا فائدة. هي تعلم أنها لا تعني له شيئًا. تكتم قهرها وهي تراه دائمًا بحضرة الفتيات. لا تعلم كيف تتحكم بأعصابها وغيرتها حينما تراه، ولكن كل ما تعرفه أنها ستتمسك بكرامتها لآخر نفس بها. فان كان الحب سيذلها، فبئسًا لهذا الحب. وليذهب إلى الجحيم. ستختار من يحبها ويفديها بروحه على أن تعيش مذلولة لحبه طول العمر ويضيع عمرها معه.
التفتت لأصدقائها قائلة بمرح:
"بقولكم إيه؟ أنا عاوزة آكل. أنا جعانة جدًا."
نظر لها سامر بحب قائلاً:
"بس كده. مرامتي... تأمر وأنا أنفذ."
نظرت له بنظرة حنونة لحنانه الظاهر لها. فهي قررت، ستعطيه وتعطي لنفسها فرصة. فالعمر يجري، وهي تريد تأسيس عائلة وتنجب الأطفال. فان لم يكن له الحب، يكفي الاحترام بينهما. وهي متأكدة أنها مع الوقت ستحبه من شدة حبه لها.
التفت لها سامر وقال:
"إيه رأيك أعزمك على أكلة جامدة؟"
وغمز لها. وكأن القدر يخدمها فيما تفكر به. إذن فلتمضِ قدمًا، ويذهب الحب إلى الجحيم، يكفي المودة والاحترام.
ذهبت معه بعدما استأذنوا من الجميع. وجلسوا بعيدًا في طاولة بعيدة نسبيًا. وفوجئت بسامر يقوول:
"مرام... أنا بحبك. وانتي عارفة من زمان، من أيام الجامعة. وانتي عارفة إني موقف حياتي على قرارك اللي هتاخديه. للمرة الأخيرة بعد كده أنا هنسحب من حياتك بهدوء. وأتمنالك حياة سعيدة."
فكرة ابتعاده وحدها أقلقتها، وأحسستها بالوحدة من الآن. فهو لطالما كان بجانبها بأوقات فرحها وسعادتها وحزنها. لم تنتظر. نظرت له بحب قائلة:
"وأنا موافقة يا سامر. أنا كمان ضيعت من عمري كتير. أنا موافقة أتجوزك من بكرة."
لم تعلم ما حدث بعدها، فقط احتضنها بحب مصيحًا بسعادة هزت أركان المكان. وسرعان ما جلس على ركبتيه وأخرج لها خاتم الزواج. والتي ارتدته بيديه عن اقتناع بأنها لن تسمح لأي شيء بأن يعكر عليها سعادتها مرة أخرى.
هنا سحبها من يديها وخرجوا. وقال لها:
"مرام... أنا في حاجة عني لازم تعرفيها."
نظرت له بقلق قائلة:
"إيه يا سامر، في إيه؟"
لمحت الحزن بعينيه حينما أخبرها بأنه مريض بالقلب ويعاني من بعض المشاكل به ويعيش على العلاج. حينها اقتربت منه تمسح بيدها دمعة فرت منه. وما زادها الأمر إلا إصرارًا، ستتزوجه ولو توسل إليها آدم طلبًا للحب والزواج. فمثل سامر عملة نادرة، صعب الحصول عليها. مسحت دمعته وقالت له:
"وتفتكر يعني إن شوية تعب القلب بتاعك ده هيخليني أرجع في قراري؟ انت مش عارف إني صعيدية ولا إيه؟ وان كلمتي واحدة."
لمحت السعادة بعينيه. وسرعان ما قالت:
"ها، مستنينك انت وعيلتك بكرة. ولا غيرت رأيك يا سمورة؟"
نظر لها مرة أخرى واقترب قليلاً. وقال:
"مرام حبيبتي... انتي واثقة من قرارك ده وبعد اللي عرفتيه؟"
وضعت يدها بسرعة على فمه وقالت:
"ششش... وليه أوافقش؟ إيه اللي يمنع أصلًا؟ فكرة إنك تكون مش في حياتي بتوجعني أوي لما أفكر فيها يا سامر. أيوه، أنا مقتنعة وبارادتي عاوزه أكمل عمري معاك."
أحاطها سامر بيديه وحسها على السير وقال لها:
"أنا النهارده أسعد واحد في الدنيا. وأوعدك إني أسعدك يا مرام لآخر نفس فيا."
بعد يومين، استدعت مرام الجد وأخبرته بتفاصيل علاقتها بسامر تحت استغراب الجد الذي يعلم بعشقها لآدم وعشقه لها. ولكن أمام إصرار مرام، اضطر للموافقة. والتي قررت مرام أن تكتب الكتاب فقط وتتزوج سامر بلا فرح، مبررة لهم:
"يا جماعة... إحنا في موسم الحج وأنا عاوزة أبدأ حياتي برضا ربنا."
وما كان من سامر إلا أن حجز تذاكر للحج، متمنياً هو الآخر حياة مليئة برضا الله. حضر الجميع كتب الكتاب، من ضمنهم أيسل وأولادها وعائلتها. وسط غياب آدم في رحلة عمل لا يعلم عن زواجه (مرامة) شيئًا. فهي التي أصرت على ذلك وسط استغراب الجميع. حتى لا تضعف مرة أخرى. فهي بعد زواجها وأداء فريضة الحج، ستستقر هي وسامر بالسويد لإدارة شركات والده هناك، ولن تأتي لأجل غير مسمى.
انتهى الحفل وانتهت مرام من توديع عائلتها وذهبت لحياتها الجديدة، لا تعلم ما يخبئ لها القدر.
بعد ذهاب مرام وانتهاء الحفل، هم الجد عبدالرحيم بسرعة قائلاً:
"نستأذن إحنا بقى."
هنا نطق الجد عبدالرؤوف:
"كيف ده؟ إحنا جهزنا الأوض. انتو هتباتوا معانا هنا."
هنا نطق الجد قائلاً:
"لسه ما أنش الأوان يا حاج؟"
علي أكده ولا إيه يا خالد؟ نظر خالد له بحزن عميق. فهو منذ أخبره مراد بما حدث وجرى لحبيبته وما عانته من خطط، وهو يتجنب الجميع، وخاصة هي. ملكة قلبه وروحه، يهرب من عينيها كأنه يخشى أن يدمع وأن يذهب مسرعًا يحتضنها يطلب منها السماح. يخشى الضعف في حضرتها.
أفاق الجميع على صرخة أيان يبكي بشدة. ذهب الجميع مسرعين إلى اتجاه الصوت وفوجئوا بأيان واقع على الأرض ينزف بشدة. ذهب خالد له بسرعة البرق، واختطفه من على الأرض بلهفة يبحث هنا وهنا عن مصدر الدم قائلاً:
"بس ياحبيبي، اهدى. مفيش حاجة."
قال له:
"بيوجعني أوي يابابا."
وأغمي عليه. صرخت أيسل:
"أيان!"
وجلست بجانبه تبكي بحدة. أفاقت على سحب رامي لأيان بسرعة من يد خالد قائلاً لهم:
"مفيش وقت، خلونا ناخده بسرعة للمستشفى."
وذهب مسرعًا وخلفه الجميع. احتضن خالد أيسل وأخذها بحضنه وحثها على السير قائلاً لها:
"والله هيبقي كويس. يلا بينا نلحقه."
وسحبها وذهبوا خلفه.
بعد مدة، كان الجميع يقفون بخارج الغرفة منتظرين الطبيب. الذي خرج بعد دقائق قائلاً:
"فين أبو الولد؟"
هنا أسرع خالد قائلاً بلهفة ودموع صامتة:
"أنا هنا يادكتور. خير، ابني جراله إيه؟"
نظر له الطبيب بعملية قائلاً:
"متقلقوش، هو بس الوقعة كانت شديدة ولكنه نزف دم كتير. فإحنا مضطرين ننقله دم."
تقدم خالد مسرعًا:
"خلاص يادكتور، خد مني كل الدم اللي محتاجينه."
قال الطبيب:
"طب اتفضل معانا يابشمهندس."
ذهب خالد وتأكدوا من أنه نفس الفصيلة. وجلس بجانب ابنه قائلاً:
"إيه يابطل؟ ده أنا مصدقت لقيتكو. عاوزين تسيبني؟"
وبدموع قائلاً:
"مش هسمح لحد يفرقنا تاني يا روح بابا. وهجيب حقي وحقكم على سنين الغربة والوجع اللي شفتهم. ولازم أدوقهم العذاب ألوان."
فوجئ بها خلفه تستمع بصمت، وتبكي بغزارة. هب من مكانه جاذبًا إياها داخل أحضانه يبكون معا في صمت. وقالت:
"ابني يا خالد."
هنا ضمها أكثر قائلاً:
"ابننا يا روح خالد. مفيش ابنك بعد كده."
واحتد صوته قائلاً:
"مش هسمحلك تاني يا أيسل تمحيني من حياة ولادي."
ابتعدت عنه ببطء وقالت باستغراب:
"ها؟ ابننا؟"
تفهم رد فعلها وقال:
"أنا عرفت كل حاجة يا أيسل. وأقسم لك إني هانتقم منهم كلهم وأجيب لك حقك. بس انتي سامحيني. سامحيني وحياة ولادنا. سامحيني يا عمري على كل سنين الوجع والفرقة. سامحيني بحق ليالي الوحدة ودموعي اللي منشفتش في غيابك وبعدك."
نظرت له بعيونها التي تشبه العشب الأخضر التي تلمع بالدموع. وقالت:
"أنا... أنااا..."
لم تكمل كلامها حيث جذبها لاحضانه مسرعًا قائلاً بحب:
"بحبك. بحبك ومقدرش أعيش من غيرك."
لم تستطع. ولن تقدر على رؤية ضعفه وتوسلاته. خالد! واه من خالد! واه من قلبها التي ينبض بعنف من قربه. وهل تقدر على أن تنطق بشيء في حضرته؟ هي تحبه بل تعشقه. تعلم العلم أنها ستسامحه آجلاً أم عاجلاً. فان كان الآن أو غداً، فبالأخير ستسامحه. وهل تقدر على رؤية توسلاته وضعفه وتتركه يتوسلها وتراه بهذا الضعف وهو من لملم ضعفها وكبريائها وجمع شمل أسرتها من قبل. إنه خالد وكفى ويكفي. ستسامحه.
ارتمت في حضنه باكية بشدة قائلة:
"لو فاضل في عمري دقيقة واحدة... واحدة بس يا خالد، أنا عايزة أعيشها جنبك وفي حضنك. أنا كمان بحبك أوي."
أفاقوا من غمرة مشاعرهم على صوت الجد من ورائهم قائلاً:
"حيث أكده يا حاج عبدالرؤوف، يبجي لازمن نمشي الموضوع بالاصول."
نظر له عبدالرؤوف قائلاً:
"عندك حق يا حاج، واني موافق."
نظر لهم خالد باستغراب من وقفتهم جميعًا وكلامهم العجيب. وقااال:
"إيه ده اللي بالاصول؟"
هنا خطف رامي شقيقته منه وقااال:
"الاصول يا خالد بيه إنك تيجي تطلبها من أخوها وجدها في البلد. ونسألو عليك ونشوف يانوافق يا مانوافقش."
هنا هب خالد من وقفته واتجه بسرعة واختطفها من يد رامي قائلاً:
"هو أنا مش قولتلك ميت مرة متلمسش حاجة مش بتاعتك؟ وايه الخطرفة دي؟ اللي في حضني دي مراتي."
هنا خبط الجد عصاه في الأرض بحدة قائلاً:
"اترك يد حفيدتي يا خالد. وهو ده اللي عندينا لو عايز مراتك وولادك."
والا الألم... دعه يكمل قائلاً بغل منهم:
"خلاص. موافق. موافق يا حاج."
تحب أجي أطلب مراتي امتى؟ نظر له الجد بحدة وغيظ قائلاً:
"هشوف وابجي أبلغكم."
هنا التفت الجميع لأيان الذي فاق وقااال:
"اف! هو انتو مش هتعملوا حسابي أبدًا يا جدو؟ هو أنا مش راجل يعني؟ إزاي تخطبوا ماما من غيري؟"
نظر الجميع بصدمة من كلام أيان الذي يسبق عمره بكثير. وكيف لا ومن ضربهم عادل الفاسق وسيف البلطجي. تنهد خالد في سره وقال:
"هو أنا هلاقيها من جدكم ولا منكم يا ولاد الكلب."
وسط ضحكات جميع من بالغرفة الذين سمعوا كلامه وهو يعتقد أنه يتحدث بصوت هامس. وذهبوا جميعًا على وعد قريب باللقاء.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أسما السيد
كان يجلس في الفندق ينهي بعض الأعمال على اللابتوب الخاص به. أحس بالتعب، فأراح ظهره للخلف بحثاً عن الراحة ولو قليلاً.
ثوانٍ وأمسك الهاتف يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به. وتفاجأ مما رأى. ليس بمفاجأة، بل صدمة. شعور مريب بالكسرة ووجع القلب. فقط وجع، وجع وألم رهيب يشعر به يسري بأنحاء جسده. قلبه ينزف ألمًا.
حبيبته وعشق صباه ومراهقته تزوجت.
"يالله."
لا يعلم ماذا حدث أو كيف، فقط يتطلع لصورها مرة بعد أخرى بصدمة وكسرة نفس جعلته كأنه يحرك الصور للأعلى والأسفل. "أيكذب عينيه؟"
"لالالالا، إنها هي من عشقها في صمت. أدي لهذه النتيجة."
كان يعلم. لم ينكر، كان يعلم بعشقها له من البداية. لقد سمعها تتحدث مع إحدى صديقاتها عنه بوله وحب. "إذا ماذا حدث كي تتركه وتبحث عن غيره؟"
نظر للصور مرة أخرى، يحاول أن يرى بهم لمحة من حزن، لعله يريح قلبه المكلوم على ما حل به بين ليلة وضحاها.
رمى الهاتف من يده بعصبية على الأرض، وكسره لقطع صغيرة كقلبه الذي تحطم إلى أشلاء. "واااه واااه من ما يشعر به. نااار نااار نشبت في كامل جسده."
حتى الدموع كالنار تحرق عينيه تهدد بالنزول. "واااه من قهر الرجال."
حطم كل شيء، دمر وكسر وجلس. هدأت ثورته وأحس بطاقته قد سلبت. لم يتبق شيء.
زحف بقدميه في ركن الغرفة البعيد كما كان يفعل في صغره حينما كان يؤنبه والده. يريدهم الآن وبشدة. يريد والدته أن تضمه لصدرها ويبكي حتى يفرغ طاقته مثلما كان يفعل دائمًا وهو طفل صغير. يبكي بشدة، يبكي عمره أضاعه في ضعف حتى أضاعها من بين يديه. خذلها وهو يعلم، كان يرى في عينيها عشقًا له، ولكن في كل مرة كان يراها بها كان يضعف ويقرر الكلام، ولكن ما هي إلا عقدة نفسية من ماضي ذهب ولن يعد.
"كااان مريضا نفسيا وهو يعلم."
يخاف عليها وبشدة. نعم، يخاف أن يأتي يوم ويقسو عليها ويمد يديه عليها كما كان يفعل والده مع والدته منذ زمن. رغم علم الجميع بعشقهما لبعض، ولكن كان دائمًا يرى شجار وخلافات. "فأين ذهب الحب؟"
خاف أن يعيد الماضي. كان ينظر لها وبداخله يتمنى قربها، ولكن هو الخوف من الفشل الذي جعله يعيش كوابيس كل ليلة عن والده وهو يضرب والدته بعنف حتى نزفت وأغمي عليها.
"نعم، والده قتل أمه وهو يعلم."
حب والده لوالدته كان حبًا مرضيًا. أدى إلى وفاة أمه بعد ضرب مبرح أدى إلى سكتة دماغية فماتت على الفور. لم يستطع الكلام، أو البوح بشيء. كان طفلاً صغيرًا لا يفقه شيئًا. لكن حينما كبر وفهم عرف كل شيء. رغم تخلي والده عنه، ومن قامت بتربيته هي جدته أم والدته.
تزوج والده وأنجب فتاة وما زاد والده إلا ظلمًا وقهرًا. كان يعامل والدتها بعنف، فاضطرت أن ترفع عليه قضية خلع وتهرب بجلدها منه. ووافق ببساطة، فهو طالما لن يغرم شيئًا، إذن فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم.
كبر على عقد حياته. كان قريبًا جدًا من أخته سيلا. أخته الجميلة، كان دائم السؤال عنها. هو يعلم أن لا ذنب لها فيما فعله والدهما. أخته الرقيقة سهلة الكسر. وحينما ماتت والدتها جاءت للعيش معه. فمنذ أن دخلت حياته وهو مكتفٍ بها. ذهب بها لطبيب نفسي وعالج جروحها وأصبحت أفضل، تعيش بحرية وانطلاق. وفي خضم ما حدث نسي معالجة جروحه هو. إلى أن خسر وفاق على صدمة عمره.
بعد يومين يومين من العزلة عاشها آدم حزينًا على فراق مرام وزواجها من آخر، ولكنه علم أن البكاء على اللبن المسكوب لا يفيد. إذن فليتمنى لها السعادة التي لن يحصل هو عليها أبدًا وهو يعلم.
قرر المضي قدمًا والالتفات لحياته وطرد هواجسه من رأسه. اتصل بخالد وطلب منه أن يبقى هنا لإدارة فرع الشركة هنا، وطلب من أخته أن تأتي للعيش معه. وقد كان. سيكون آدم جديدًا. فيكفي ما حدث له في حياته من مرار وفراق. وأول خطوة كانت الذهاب للطبيب النفسي.
بعد 10 أيام في منزل خالد بالصعيد. يمشي خالد ذهابًا وإيابًا أمام جده قائلًا: "وبعدين بقي ياجدي في الموضوع اللي مش هنخلص منه دا؟ أنا هنا من 10 أيام ومش عارف أشوف مراتي والولاد وجدها عامل عليها حرس كأننا في جبهة حرب. أصرف بقي كل دا عشان يحدد ميعاد نتقدم فيه."
نظر له الجد قائلًا: "باااه متتهد بجي ياولدي خيلتني."
نظر له خالد بصدمة وقال لجده: "ياجدي أنا في إيه وانت في إيه."
نظر له الجد وقال ببرود: "عمومًا الميعاد النهارده بعد صلاة العشا إن شاء الله."
هب خالد من وقفته قائلًا: "بتقول الحق ياجدي. قوول والله."
هنا بعده الجد بحدة فهو كان ممسكًا بيديه قائلًا: "بعد يدك عني يازفت أنت وأنا هضحك عليك ياااك إني."
قبله خالد في خده وذهب مسرعًا لأعلى كي يستعد. ضرب الجد كفًا على كف قائلًا: "الواد جن خلاص، عليه العوض."
بعد مسافة في قصر الجد عبدالرحيم. تقف أيسل أمام المرآة تختار جلبابًا من ما أتت لها بهم الجدة. وقالت: "افف مفيش ولا واحدة مش مبينة بطني. اعمل إيه أنا. دانا بطلوع الروح على ما أقنعت ستي متقولش لحد على حملي."
وزفرت بزهق وجلست على السرير بغيظ ناظرة للساعة فموعد صلاة العشاء قد اقترب كثيرًا. دخلت عليها جدتها قائلة: "بووه جري إيه ياخبله أنتِ وإيه اللي انتي عملاه في الخلجان ده."
نظرت لها أيسل بحدة قائلة: "بقولك إيه ياستي مش شورتك دي إني لازم ألبس عباية. اديني مش لاقية ولا واحدة تخبي الكرش دا." وبكت بطريقة مسرحية على حظها الهباب كما تلقبها جدتها.
ضحكت جدتها وقالت: "جولتلك بجيتي كيف الجاموسه مسامعنيش الكلام. وبعدين دلوك ولا بعدين لازمن يعرف الطور الهايج ده إنك حبله والا هداريه اياااك."
نظرت لها أيسل بغيظ من كلامها قائلة: "ماشي ياستي ماشي. عمومًا شوفيلي حل بقي لاما هلبس أي حاجة بقي."
قالت الجدة بسرعة: "باااه كيف ده عاوزه الناس تأكل وشينا ولا إيه. دي عوايد يابنتي. العريس والعروسة لازمن يلبسو جلاليب. في الاتفاق."
"طيب ياستي ماشي." ونظرت لجلباب واسع نسبيًا وذهبت لارتدائه وتجهيز نفسها وهبت واقفة بحدة. جعلت السرير يهتز معها. صاحت بها الجدة قائلة: "باااه مبراحه يابجرة أنتِ هتسجطي علينا الدوار."
نظرت لها أيسل بغيظ وقالت: "لييه شيفاني فيل قدامك."
نظرت لها الجدة وقالت: "اكتر من الفيل. مشيفاش كرشك بجي اديه ولا كانهم جوز. مصيبة لتعمليها تاني وتبلينا بجوز."
خبطت أيسل قدميها بالأرض كالاطفال قائلة: "ماشي ياستي والله مهنسالك ابدااا وهتشوفي." وأغلقت الباب بحدة. ولم تسمع جدتها وهي تدعي لها بصلاح الحال والسعادة. فهي ردت لهم روحهم من جديد منذ أن دخلت حياتهم هي وأولادها.
بعد صلاة العشاء ذهب الجد وخالد لمنزل عبدالرحيم الذي قابلهم واصطحبهم للداخل بوقار وهيبة ورزانة أققلقت خالد مما يفكر به هذا الرجل الماكر. تمتم خالد في سره: "ربنا يستر مش مرتاحلك."
لكزه الجد قائلاً بتبرطم: "تقول إيه متهدي أكده لتفركش الجوازه الله."
تكلم الجد وقال: "وينها حفيدتي اتوحشتها هيا والعفاريت الصغار."
لم يكمل كلامه حتى اندفع الأولاد مقبلين عليهم مهللين في فرح: "جدووو جدووو. وحشتنا ياجدو." واقتربوا يسلموا عليه وعلى خالد الذي احتضنهم أربعتهم في مرح قائلًا: "وحشتوني ياقلب بابا من جوه."
ومال على سيف قائلاً: "اومال أمك فين ياسيف."
سيف بنفس الهمس قائلاً: "تدفع كاام وأنا أقولك."
نظر له بقرف قائلاً: "مادي حقير."
قال سيف: "لا الحق. حق. كيشني أظبطك."
نظر له بغيظ قائلاً: "هانت. وهربيك من أول وجديد عشان تعرف تقلب أبوك ياواطي."
كاد سيف أن يتحدث ولكن أوقفه جده عبدالرحيم يسأله: "في حاجة ياسيف."
لم يمهله خالد الكلام وقال: "ابدا ياجدي دا وحشني وبسلم عليه. مش ابني حبيبي وواجلس سيف على قدميه." الذي ينظر له برفعة حاجب قائلاً: "والله ودا من امتى." ولاعب حواجبه بمكر لخالد.
نظر له خالد وقال له: "اوعى تفتح بقك بكلمة أنا مصدقت خدت الميعاد دا انت فاهم."
نظر له سيف وقال: "تدفع كاام."
نظر له بعدم فهم قائلاً: "وادفع ليه هو انت عملتلي حاجة."
نظر له بمكر وقال: "لا معملتش بس هقول إنك عملت وشوف بقي إيه اللي هيحصل."
علم خالد مقصده وقال من بين درسه قائلاً: "طلباتك يا سيف باشا."
نظر سيف له ببراءة قائلاً: "حاجات بسيطة والله."
نفخ خالد وقال له: "اخلص."
قال سيف: "موبايلك."
شهق خالد لفت انتباه الجميع الذين يتحدثون بمواضيع عدة. والتفت له قائلاً: "اه ياواطي. شوف غيره."
وقتها كاد ينادي على الجد إلا أن يد خالد منعته وهو يعطيه الهاتف وانطلق الولد للأعلى بانتصار يتفحص الهاتف باهتمام. وتركه يتحسر على ما به وما حدث له. "ماشي يابن ال.... ولا بلاش أمك حبيبتي."
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أسما السيد
رفع عينه وانقبض قلبه بفرحه يعلم مصدرها جيدا.
يتلبك في رؤيتها وينقبض صدره ويدق بعنف. رغم سنواته التي انتصفت الثلاثين، إلا أنه في حضرتها يشعر وكأنه مراهق على باب العشرين.
نسمة، هيا ولكنها نسمة هواء ربيعي شديدة، تضطر من يواجهها أن يتحمل العواصف والتراب. تشبهها هي، حبيبته تشبه نسمة رقيقة لا تكفي ولكنها مؤثرة. يعشقها ويعشق عنفوانها وجنونها، وكأنها طفلته وليست امرأة شارفت على الثلاثين ولديها أربع أولاد.
أولاد، وهل هؤلاء ينسبون إليها؟ لا والله، من يراها يخمن أنها أختهم وليس أمهم. كلما حلت في مكان تهاتف عليها معجبوها.
لو كان في يده لخبأها عن الجميع وحبسها داخل ضلوعه وللأبد، ولكن صبرا، سيعيد إليها وإلى نفسه وأولاده كرامتها وحقها المسلوب من الجميع وحق أولاده المهدور. وبعدها لكل حادث حديث. فقط لينتهي من الثعالب الذي يحيطون به ويفضي لمالكه روحه وقلبه.
كان قد اتفقا مع رامي، فهو بحكم عمله كضابط سيساعده بما يريده. ولكن نصحه رامي بأن يهدأ قليلا حتى لا يلفت الأنظار حولهم لفترة وبعدها يبدأون أول خطواتهم. ولكن ف ليهنئوا قليلا. ليلتفت قليلا لما بين يديه ويقطف أياما قليلة من العمر قبل أن يبدأ الحرب.
علها لا تكون الأخيرة. يخشي الغد وبشدة، ولا يعلم ما تخبئه لهم الأيام.
انتبه من شروده على صوت الجد قائلا:
"تعالي اهنه جاري ياروح جدك."
نظر له خالد بحده قائلا:
"وليه متقعدش جنب جوزة حالك؟"
زحزح جده بيده وانتبه لكلام جدها يقول:
"اللي أقوله يتنفذ، وإلا....."
نظرت له أيسل بحنان وقالت:
"ماعاش ولا كان اللي يزعلك يا جدو. أنا جنبك اهو."
وغمزت لخالد بخفة معناها:
"عديها عشان خاطري."
تافف ونظر لها بحب وأرسل لها قبلة بالهواء.
فلتت من بين أعينهم لم يعلموا عنها شيئ.
***
بعد بعض الوقت، كان قد انتهوا من تحديد كل شيء تحت خلافات الجد وخالد. ولكن أخيرا اتفقوا أن يكون الزفاف الخميس القادم. يسبقه ليلة حناء ليعلم أهل البلد بتمام الصلح بين العائلتين ويعم السلام. اتفق الجدان على أن يجعلو الأسبوع القادم كله ذبائح وولائم لأهل البلد، وقد كان.
***
يوم الأربعاء، الحنة.
تجلس أيسل باسترخاء على السرير وشارده للأعلى. فجأة تدخل عليها الجدة قائلة:
"باااه مالك يابتي شارده وسايبة كل حاجة تضرب تقلب أكده."
واقتربت منها تهزها ببطء:
"أيسل انتي يابتي."
انتبهت أيسل لها قائلة:
"إيه يا ستي، في حاجة؟"
نظرت لها الجدة بحيرة قائلة:
"باااه مالك يابتي، في إيه."
تنهدت أيسل وقالت:
"مفيش يا ستي بس خايفة أوي."
نظرت لها الجدة بانتباه قائلة:
"خايفة؟ خايفة من إيه يابتي؟"
قالت أيسل:
"مش عارفة. حاسة إني قلبي مقبوض أوي."
نظرت لها الجدة بحنان وقالت:
"جومي ياحبيبة ستك اتوضي وصلي واقري قرآن، دي الليلة ليلتك. وشيلي الأفكار السووو دي من راسك. قومي يا جلبي انتي خلينا نشوف المدعوك اللي انتي هتلبسيه ده هيخبي كرشك إزاي الله يرضيكي."
نظرت لها أيسل بدهشة وغيظ قائلة:
"ماشي يا ستي، كل ما أنسى تفكريني. أوعي تبطلي، والله أنا خايفة تغلطي وتفضحيني في الفرح."
وهمت تقلد ستها قائلة:
"وتجولي العروسة حامل يابنات متخلوهاش ترجص."
أو تقولي:
"باااه باااه بجيتي كيف الجاموسة يا أيسل."
"اف منك يا ستي زهقتيني."
نظرت لها الجدة بتلاعب قائلة:
"إني برديك ياروح سيتك أجول عن بنت ابني أجده تعرفي عني أجده يا أيسل يابتي، عيب عليكي. يابتي دانا زي ستك برديك."
واصطنعت البكاء.
نظرت لها أيسل بصدمة من تمثيلها وبكائها وقالت:
"وأنا أقول العيال عندها هرمونات الهبل من إيه؟ اتاريها وراثة بقي."
هنا لم تكمل جملتها حيث هبت الجدة من جلستها وأمسكتها من شعرها بطريقة مهرجة قائلة:
"إني هبلة يامخبولة انتي؟ طيب يا أيسل والنعمة لهوريكي."
قالت أيسل:
"يا ستي حرام عليكي، انتي نسيتي إنّي حامل."
قالت الجدة مسرعة:
"ودي حاجة تتنسي يامخبولة؟ طبعًا فاكرة خيبتك التقيلة. مانتي هبلة وعبيطة بياكل عقلك بكلمتين الطور الهايج دي."
انتبهوا لشهقة من خلفهم. كانت إيمي قد أتت لحضور الزفاف هي وزوجها ومحسن وليلي.
قالت إيمي:
"نهار أسود يا أيسل، انتي حامل؟ ومقولتيش."
نظرت لهم وقالت:
"يا فضيحتي يا اني، ارتحتي يا ستي وفضحتيني."
وانطلقوا يحضرون أنفسهم لليلة حناء حافلة. بعد ساعات انتهى حفل الحناء الذي انفصل فيه الرجال عن النساء كما هي عادات الصعيد تحت سعادة الجميع.
كان خالد يجلس برفقة أولاده محاوطين إياه من كل جانب، غير عابئ بما يحدث حوله. ومن يراقبهم من بعيد يضحكون بسعادة ملأت المكان بهجة وحب لمنظرهم. فمن يرى تعامل خالد مع سيف ومروان يقسم أنهم أولاده من دمه ولحمه. معذورين، لم يعلموا أنه أحبهم بقلبه وروحه قبل أن يربطهم رابطة دم.
نظرت لهم أيسل أربعتهم من بعيد وانشرح صدرها. عائلتها الجميلة، كلما رأت حب خالد لمروان وسيف وكيف يعاملهم، كلما تمنت أن يرجع بها العمر ويكون هو فقط أبو أولادها. ولكن دائما للقدر رأي آخر. لطالما كرهت حياتها المسيرة من قبل الجميع، ولكن حينما قابلته، كان هو مركز قوتها وشجاعتها. لا تنكر ما زرعه فيها، لقد زرع بداخلها قواعد وأشياء لو كانت عاشت عمرا كاملا مع غيره لكانت ستبقى كما هي. هو وفقط خالد حبيب العمر.
تنهدت بحب وتذكرت شيئا لطالما أراده خالد أن تفعله. فكرت قليلا أنه قد حان وقت التنفيذ. ستفاجئه وغدا.
انتهى اليوم بسعادة على الجميع، تحت غياب آدم ومروان عن المشهد، فكل يخشي ملاقاة الآخر، فكلاهما شرع بحياة جديدة.
***
يوم الخميس، ليلة الفرح.
تعالت الزغاريط عقب انتهاء المأذون من زواج خالد وأيسل من جديد باسم جديد وعائلة جديدة، متمنين لهم السعادة الأبدية.
هب خالد أن يذهب لأيسل، ولكن الجد أمره بالذهاب لمجلس الرجال، فالأوان لم يحن بعد. اضطر للذهاب تحت تافف واضح من تحكمات الجد.
بعد مدة انتهى الاحتفال وذهب خالد لاصطحاب زوجته لمنزل آل السعيد.
دخل خالد وتنحنح. كانت تقف ويدها في يد جدها تضحك معه براحة، يجاورها في اليد الأخرى أخوها رامي. في مشهد أدمى قلبه وأنهكه.
فاجأته هي بما ترتديه. يتذكر دائما حينما كان يحدثها دائما عن الحجاب وتعاليم الدين الإسلامي. كان يدرك جهلها آن ذاك. كانت قد وعدته بارتدائه مفاجأة له، ولكن أن يراها به الآن وفي ذلك الوقت كان قمة المفاجأة. تنهد بحب وحمد الله في سره أن أعادها إليه من جديد بعدما كان قد فقد الأمل.
يالله، كم يحبها ويعشقها. اقترب مغيبا لها غير واعيا لما يحدث.
أوقفه أولا سيف، قائلا:
"لو زعلتها في يوم هزعلك."
نظر له بصدمة، ولكن سيف أعطاه دمية صغيرة بيده على هيئة عروسة ورحل مسرعا تحت صدمة خالد منه.
وتحرك للامام قليلا وجد مروان، يقول له:
"لو نامت في يوم زعلانه منك، هقدرك. وانت عارفني هاااا."
وأعطاه هو الآخر دمية على هيئة عروسة أخرى، تحت استغراب خالد وضحك من حوله عليه.
ثواني واقترب أيان منه. قال له خالد:
"وانت عاوز تقول إيه يا وزعة."
نظر له أيان بزعل طفولي قائلا:
"ماشي، هعديها لك النهاردة. بس قول لماما إنّي اللي جاي مش هياخدها مني، انت فاهم."
وأعطاه بيده ببرونة صغيرة جدا، زادت من استغراب خالد وزاد ضحك من حوله بصوت عال.
وثواني واقتربت إيرام تتحدث بغيظ قائلة:
"خد يا سي بابا، ماهي واحدة متنفعش، لازم جوز."
واعطته ببرونة أخرى بنفس الشكل والحجم.
هنا خبط كف على كف وقال:
"آه يا ولاد المجانين، أنا مش فاهم حاجة."
صدح صوت غليظ حاد قائلا:
"وإيه اللي مش فاهمه يا بجرة انت."
كان صوت جده عبد الرؤوف.
تجاهل خالد ما يحدث وذهب ووقف أمامها قائلا:
"مبروك عليا انتي."
وقبلها بحب من جبينها وقال لها بجانب أذنها:
"هتموتي ياسوسو."
نظرت له بطرف عينها واقتربت هي الأخرى تغمز له قائلة:
"ما بلا ش الكلمة دي. بتحصل بعدها كوارث."
نظر لها بغيظ قائلا:
"عندك حق، مانتي مخلفة بهايم."
انتهوا من همسهم على كلام جدهم عبد الرؤوف:
"أظن يالا بينا يا جماعة، من انهارده أيسل هتنور بيت جدها."
وافق الجميع وودعوا أيسل وزوجها وتركوا الأبناء عند جدهم عبد الرحيم، فهو رفض أن يعطيهم له، وخاصة هذه الأيام، فهو ما زال خائفا عليهم وبشدة.
وصلوا إلى بيت السعيد واقترب خالد يفتح الباب لأيسل تحت غمزاته ولمساته لها طوال الطريق. خرجت أيسل ووقفت بجانب خالد تستمع قليلا لغزله الصريح لها بأذنها قائلا لها:
"ألا قوليلي يا وزتي، هما عيالك الهبل دول ما مغزى هداياهم لإنّي مفهمتش حاجة."
وحك رأسه بعدم فهم. كان ينظر الجد لهم بسعادة لفرحتهم الظاهرة عليهم ويدعو في سره أن يتممها عليهم بالستر، ولم يلحظ ما يخطط لهم من بعيد.
كانت أيسل تضحك بصوت عال وضحكها يملأ المكان قائلة:
"فهمك تقيل يا لودي."
واقتربت من أذنه تهمس بمكعبس:
"متقلقش هشرحلك فوق حتة حتة."
نظر لها بمكر يعلمه جيدا:
"آه والنبي انتي تشرحيلي وأنا عليا العملي أوضحهولك أنا."
نظرت له بغيظ قائلة:
"آه انت هتقولي على شطارتك."
وسرعان ما انقلبت سعادتهم إلا بركة من الدماء وقعت فيها من كانت تضحك منذ قليل.
وقعت أيسل على يديه تلتقط أنفاسها بصعوبة يعلو فستانها بركة من الدماء. يالله، دماؤها. هكذا كان فقط يتطلع إليها بذهول وصدمة. عينيه تحجرت عليها بلا حراك.
أيقظه صوتها:
"ولااااادي يا خالد الحق ولاااادي."
تتساقط دموعه بلا توقف كالانهار الجارية، غير مدرك وقال:
"أيسل متسبنيش يا أيسل أرجوكي."
واحتضنها بحب وخوف وقلب موجوع، قائلا:
"آآآآآآآآآآه يا رب."
وصرخ مناديا الحراسة التي انطلقت على مصدر إطلاق النار. سقط الجد مغشيا عليه حينما رآها واقعة بين يديه بلا حراك.
نطقت أيسل بصعوبة وصوت يكاد يطلع من شدة الضعف:
"أنا حااامل يا خالد. خلي بالك من ولاااادي أرجوووك. كان نفسي أقولك إنّي حامل بطريقة تانية بس أظاهر مفيش وقت."
وسقطت في عالم آخر غير واعية لمن يصرخ بشدة وراءها وصياحه أتى عليه القريب والبعيد.
"أيسسسسل... لااااااااا."
كان هذا آخر ما قاله خالد قبل أن يخطفها منه رامي مسرعا إلى مكان لا يعلم هل ستعود معه، أم للقدر رأي آخر.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أسما السيد
رواية معقول نتقابل تاني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أسما السيد
اندفع الجميع بقلق ناحيتها، فجسمها ينتفض لأعلى وأسفل ببطء مميت. اقترب منها خالد بسرعة يحتضنها بحب ودموع، يخشى النهاية وبشدة. يبكي بصوت دامي، وخلفه أبناؤه يبكون أيضًا، ومن حولهم في مشهد بكت له القلوب قبل العيون.
نطق أيان بلهفة طفل قائلًا:
"بص يا بابا ماما ماسكة إيدي إزاي."
وهز والدته:
"ماما قومي بقى وحشتيني."
هنا صدم خالد ونظر باتجاه أيديهم المتشابكة. كانت أيسل تمسك يد أيان بشدة وكأنها تقول: "لا لا تذهب ابقَ بجانبي."
ثوانٍ وأتى الطبيب وأبعدهم جميعًا وطلب منهم الخروج، حتى يتسنى لهم فحصها بهدوء. طاوعوه وخرجوا.
بعد قليل خرج الطبيب مبتسمًا قائلًا:
"حمد لله على سلامة المدام يا جماعة. هي فاقت بس إحنا إدناها حقنة مهدئة عشان جسمها محتاج راحة شوية، وكلها ساعة بالظبط وتفوق."
هلل الجميع ولكن أوقفهم صوت الطبيب يقول:
"خالد بيه المدام من ساعة ما فاقت وهي بتنده عليك، تقدر تستنى أنت بس جنبها لحد ما تفوق."
هنا انطلق صوت طفولي حانق قائلًا:
"يا سلام كله خالد خالد... أنت متأكد من كلامك دا يا دكتور؟ طيب ما قلتش سيف!"
واقترب مروان يشد كم البالطو الخاص بالطبيب قائلًا:
"عمو عمو طيب ما سمعتش اسم مروان؟"
وسرعان ما اقترب التوأم، كل يشد الطبيب من جانب قائلين:
"وإحنا وإحنا يا عمووو!"
نظر الطبيب بذهول لما يحدث له من الجانبين ونظر أمامه لكي يتحدث فوقف بصدمة ينظر لمن ينظرون له بحدة الصقر قائلًا بخوف مصطنع:
"ياااا مه!"
"طبعًا طبعًا قالت بس أنا نسيت، أستأذنكم أنا بقى عندي مرضى."
وانطلق هاربًا منهم، تحت ضحكات الجميع وهدوء بالهم على عزيزتهم التي تقطن بالداخل.
هم خالد أن يدخل فإذا بسيف قائلًا وهو يقف يضع يديه بجانبيه ويقف أمام الباب قائلًا:
"ما فيش دخول يا كابتن."
نظر له خالد مندهشًا قائلًا:
"ولد... أنت بتقول إيه؟ هو أنت ما سمعتش الدكتور قال إيه؟ قال كانت بتنادي عليا أنا."
وضربه بخفة بإصبعه على رأسه قائلًا:
"وسع يا بابا خليني أشوف مراتي، وسع يا حبيبي."
هنا نظر له سيف بحدة وعيون تطلق شرار وقال له بصوت يشبه الصقر قائلًا:
"ولو ما وسعتش هتعمل إيه؟"
هم أن يحمله ويبعده إلا أن الطفل الماكر صاح مناديًا جديه اللذان يقفان بعيدًا نسبيًا يتحدثون بأمر ما، وقال:
"يا جدو عبد الرحيم يا جدو عبد الرؤوف..."
لم يكمل كلامه حيث وضع خالد يديه مسرعًا على فمه قائلًا:
"اسكت يخرب بيتك أنت عاوز إيه أنت!"
نظر له سيف بمكر قائلًا، يراقص حاجبيه للأعلى والأسفل قائلًا:
"الحصان الأسود اللي عندك في المزرعة."
نظر له خالد بصدمة فهو يعشق هذا الحصان وبشدة فهو صاحبه في جميع أوقات الحزن والفرح ولكن لم تدم أفكاره حيث قال سيف:
"عاوزه ليا ولا هو أغلى من اللي من ساعة ما فاقت دي وهي نسيت عيالها وفاكراك أنت يا أخويا؟"
يضحك رامي خلفه بشدة حتى كاد أن يقع على الأرض من ما يفعله أبناء أخته. هنا نظر له خالد بحدة قائلًا:
"مبسوط أوي أنت؟ طيب ماشي. أنا هوريك."
وهم أن يضربه إلا أن أيرام أمسكته من قدمه قائلة:
"حرام عليك سيبه يا متوحش أنت! خالو حبيبي."
لم يستطع تمالك نفسه من الغيظ ورفع يديه للأعلى قائلًا:
"يارب... صبرني. العيال دي معايا ولا ضدي؟ يلا الأمل في اللي جايين."
نظرت له أيرام بحزن قائلة:
"آه... يا أخويا جايلك اتنين."
وأشارت بيديها:
"وهتنسوني أنت ومراتك... تعالى يا خالو يا حبيبي ما تقربش من المتوحش دا... أنا بحبك أنت."
نظر لهم وكأنه أصيب بالبلاهة مما يحدث حوله قائلًا:
"مخلف أورطة مجانين. لا ولسه اللي جايين. يمهل ولا يهمل."
هنا اقتربت منه الجدة لاوية فمها يمينًا ويسارًا قائلة:
"آه يا عيني عليها حبيبة جدتها هتعمل إيه وهي متجوزة واحد كيف الطور الهايج."
نظر لها بصدمة مشيرًا بيديه على نفسه وكأنه يقول: "أنت بتكلميني أنا؟"
هنا اقتربت منه أكثر قائلة وهي تخفض صوتها قليلًا تقول:
"إلا قولي يا واد يا خالد أنت."
نظر لها وقال:
"قولي يا ستي خير."
نظرت له بتسلية قائلة:
"مين الحمار ده اللي قال لك أنت ما بتخلفش؟"
نظر لها بصدمة وقال:
"وإيه لزمته السؤال دا يا ستي؟"
قالت له:
"أصل أنا مستغربة يا قلب ستك... لما أنت ما بتخلفش وبتجيب بالجوز أومال لو بتخلف كنت هتعمل إيه؟"
نظر لها بعين متسعة قائلًا:
"قل أعوذ برب الفلق. وأنا أقول مين جابنا أرض أرض ليلة الدخلة."
وانطلق مهرولًا للداخل، ولكن سبقه شبشب الجدة الطائر قائلة له:
"ما تقربش من حفيدتي تاني يا بغل أنت! تعالى أهنه!"
ولكن لا حياة لمن تنادي.
في السويد...
كانت مرام تعيش أجمل أيامها بجانب سامر، فهي اقتنعت أن الحياة الزوجية لا تمشي فقط بالحب وإنما بالمودة والرحمة. فهي منذ تزوجت سامر تعيش في سعادة دائمة جعلتها دائمًا خائفة تخشى على فقدانها وتسأل نفسها هل ستدوم، وترجع وتدعو أن تبقى سعادتهم إلى الأبد.
"مرام... يا مرام."
"نعم يا سامر."
قال لها:
"يا حبيبتي أنت بتعملي إيه بس؟ أنا مش قلت لك بلاش تتعبي نفسك عشان اللي في بطنك."
نظرت لبطنها بحب ومسدتها، فهي حامل بشهر ونصف الآن. فمنذ أن علمت بخبر حملها وهي تعيش في عالم آخر يستكشفونه معًا هي وسامر. تتذكر حينما علم سامر بخبر حملها كم هلل وضحك وبكى وكأنه نهاية العالم، سعيدًا هو بحملها. دائمًا يقول لها: "إن ما تحمله هو ثمرة عشقي لكِ فحافظي عليها." لا تعلم ما به ولكنها باتت تخشى فراقه وبشدة. سامر يتعب كثيرًا هذه الأيام. تعلم أنه يداري عليها شيئًا ورغم ذلك، يدللها ويعاملها كالأميرة. فما أصعب أن تشعر بقلبك أنك خائف وبشدة من شيء لا تعرف ما هو. دائمًا تشعر بشيء سيء سيحدث ولكن ترجع ذلك دائمًا لوساوس الشيطان.
نظرت أمامها لسامر الذي تولى هو إنهاء الفطور بخفة وأجلسها براحة على كرسي المطبخ بعدما طبع عدة قبلات على شفتيها برقة كالفراشة وقبل بطنها بحب، قائلًا:
"حبيبي يقعد ويأمرني وأنا أنفذ بس."
يتحرك هنا وهناك وكلما يقترب منها يضع قبلة بخفة على إحدى وجنتيها وشفتيها، ومرام تضحك بشدة عليه. تصرخ بداخلها بالحمد لله أن رزقها حب كحب سامر لها بعد طول عناء ووجع قلب. فالكثير منا يتزوج ولكن نادرًا أن يرزق الله امرأة برجل يحمل حنية العالم، فكما يقولون الرجل الحنين رزق من الله. هذا ما حدثت به نفسها وتقوله لنفسها كل ليلة حينما تندس بأحضانه تنشد الأمان التي طالما تمنته ووهبه لها سامر بصدر رحب.
اقتربت بحب تقف خلفه وتحيط بيديها ظهره من الخلف قائلة وهي تضع قبلات متفرقة على ظهره العاري، جعلته في أضعف حالاته فهو ضعيف... ضعيف جدًا في حضرتها. يقسم أن لمسة من يديها ولمحة حب من عينيها الناعسة قادرة على رفعه لأعلى في السماء. وسمعها تردد دعائها التي باتت ليلًا نهارًا تطرب آذانه به قائلة:
"ربنا ما يحرمني منك يا سامورتي ويخليك ليا ولابننا اللي جاي."
ونادت:
"سااامر... سااامر."
التفت لها وأمسك يديها وقبلها ببطء قائلًا:
"يا عيون سامر."
نظرت له بنظرة عميقة يقسم أنها أول مرة يراها بعينيها، مختلفة تلك النظرة عن مثيلاتها. وقالت:
"سامر أنا... كنت عاوزة أقول لك... حاجة."
قال لها بحب:
"مرام يا حبيبتي قولي اللي نفسك فيه. أنا سامعك يا روحي."
قلبه يرجف وبشدة خائف هو مما قادم يخشى دائمًا أن تستيقظ وتفيق في يوم وتطلب منه الرحيل. يعلم بقرارة نفسه أنها لم تحبه مثلما يعشقها هو وأنها وافقت عليه بعقلها أكثر ولغت قلبها ولكنه أقسم أنه إن أتت إليه يومًا تريد الذهاب سيتركها بحب مثلما أعطته هي الحب ولو لأيام قليلة. يكفي عليه هذا. سيحمد الله أنه أنعم عليه بقربها يومًا... وهي من كانت آخر أحلامه المستحيلة. كان يطلبها من الله كل يوم أن يقربها إليه ويزرع في داخلها حبه... واستجاب الله له ومن عليه بقربها إذن فلم الطمع... سيتركها إلى الله يدبرها كما يشاء.
أفاق من شروده عليها ترفع عينيها له ويديها حطت بحب حول رقبته وما كان منه إلا أن استجاب لها كما تريد ورفعها وأجلسها بحب على المائدة مثلما يفعل دائمًا فمرام قصيرة جدًا بالنسبة لطوله وهذا ما يجعلها تتذمر دائمًا قائلة له:
"وطي يا أبو طويلة وارحم الناس اللي تحت شوية."
ضحك بخفة وأنصت لها تقول له:
"سامر."
واقتربت تقبله على وجنته قائلة:
"أنا."
وانطلقت للجانب الآخر:
"بحبك... أووووي."
ووزعت قبلاتها على كامل وجهه تحت تصلبه بين يديها وما تفعله به. اقترب أكثر منها قائلًا بهمس:
"إيه أنت قلتي إيه تاني؟"
ضحكت بصوت عالي عليه وقالت:
"أنا بحبك أنت يا مجنون."
ينظر لها بصدمة وصمت وعيون اغرورقت بالدموع، مما جعلها تقول له:
"عارفة إنها متأخرة بس أنا ما حبيتش أقولها إلا لما أكون حاسة بيها... ومقتنعة إن كل حتة فيا عاوزاك أنت."
"أنا دلوقت بقول لك أنا لو ما كنتش اتجوزتك... كنت هأندم أوي."
"أنا بحبك أوي يا سامر... كل لحظة بتفوت عليا بحبك فيها أكثر وأقول قد إيه كنت هأكون غبية لو ضيعتك من إيدي."
"أنا فخورة إن ابني اسمه هينكتب ورا اسمك أنت."
لم تستطع أن تكمل كلامها حيث اختطفها من على المنضدة يعانقها بحب قائلًا:
"وأنا بأعشقك يا قلب سااامر."
وبين كل كلمة حب يقبلها بخفة حتى تاهت في عالم آخر... عالم يصنعه سامر لها... جعلها تنسى من عاشت عمرًا تتمنى وصاله... فما أحلى عطايا القدر... حينما تأتي على هيئة أناس محبين يعطوا بلا حساب.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أسما السيد
بعد خمسة أشهر...
تجلس بركن المشفى الذي نُقل إليه سامر ليلًا. تبكي وترتعش وتمسك بيديها أسفل بطنها بخوف وحماية. فقط تشعر بالخواء والتعب، تشعر أن روحها ستفارقها معه. تدعو وتتوسل منذ أن أتت حتى يحفظه الله لها.
هي منذ أشهر تشعر أن به خطبًا ما، ولكنه كما عهدته كتوم، يبتسم في وجهها كلما رآها، يضحك معها وينسيها العالم، ويرقد في حضنها ليلًا كطفل صغير خائف أن يخسر أمه. فمنذ رحيل والدته منذ أشهر، حينها قرر العودة إلى البلاد وإدارة الشركة بجانب والده الذي أصيب بجلطة إثر موت أمه حزنًا عليها. كان يعاملها كأمه، وكانت أكثر من مُرحبة بذلك. فهي اعترفت بأنها وقعت في عشقه وكفى. تحبه للنخاع، يسري بأوردتها. على استعداد أن تعطيه روحها إذا طلب، ولكن ليحفظه لها الله ويبقيه معها، لها ولابنها.
نظرت للأعلى قائلة:
"يا رب... يا رب احفظه لي والنبي عشان خاطري وخاطر ابنه، أنا ماليش غيره."
انتفضت على احتضان أخيها لها، فاندفعت تبكي بصوت حاد قطع قلب من كان يأتي مهرولًا خلف أخيها. فحينما حدثت مرام، خالد كان بالشركة فخرج مسرعًا، وحينما سمع آدم اسمها، انتفض قلبه رعبًا عليها وذهب مسرعًا خلفه وأخبر الجميع ليأتوا خلفه.
كانت تبكي فقط بحضن أخيها، وبين بكائها تتحدث بصوت يقطر ألمًا:
"أنا ما أقدرش أعيش من غيره يا خالد... أنا عايزاه جنبي، نفسي يشوف ابنه لما يجي... في لسه حاجات ما عملناهاش وعدني بيها، أرجوك مش عايزاه يمشي."
"قوله يا خالد أنا باحبه أوي..."
تحت صدمة من كان يقف بركن ما يستمع لكل كلمة، تقطع في نياط قلبه. هنا وفي هذا المكان وكلامها الذي يخرج بحرقة. علم وأيقن أن مرام محته من حياتها وللأبد، ورغم أن عشقها ما زال ملتهبًا في قلبه، إلا أنه رفع عينيه للأعلى يسمح لتلك الدمعة التي تحرق عينيه بالنزول والتحرر قائلًا:
"آه يا قلبي، يا ريتني أنا كنت مكانه ويفضل هو عشان ما أشوفكيش بتتوجعي كده... يا رب يا رب احفظه لها ونجيه... أنا مش عايز غير سعادتها... أنا اللي خسرتها بغبائي وهو كسبها بحبه وطيبة قلبه... يا رب احفظه لها ونجيه."
انتفضوا جميعًا على صوت الطبيب يخرج من غرفة العناية المركزة يقول بعملية:
"مرام!"
نطقت مرام بلهفة حبيبة مكلومة قائلة:
"أنا أهو يا دكتور... أرجوك قول لي سامر ماله، من ساعة ما دخل ما خرجش."
وشرعت ببكاء يقطع القلب.
نظر الطبيب لها بشفقة وقلب مكلوم ينزف ألمًا قائلًا:
"بصراحة يا بنتي حالة القلب تعبانة أوي، وأنا نصحت سامر إنه يعمل العملية من بدري، بس كل مرة كان بيأجلها لأجل غير مسمى لحد ما وصل للمرحلة دي، إحنا لازم نعمل العملية حالًا."
نظرت له وقالت بحرقة قائلة:
"وما عملتوهاش ليه لدلوقت؟"
طبطب عليها خالد قائلًا:
"اهدي يا مرام خلينا نفهم في إيه."
وانطلق محدثًا الطبيب قائلًا:
"قول اللي عندك يا دكتور."
نظر له الطبيب وتنهد بشفقة على حال تلك التي تقف تمسك بطنها بخوف، يعلم أن روح من يقطن بالداخل معلقة بها وقال:
"ما أخبيش عليك يا خالد، الحالة صعبة ونسبة نجاح العملية 50%."
وضعت يدها على فمها واستندت على الحائط وزحفت عليه لكي تجلس على الأرض بصدمة، إلا أن يد انتشلتها بحب ودموع وجع وحرقة من حب أضاعه بغبائه وأنانيته قائلًا:
"قومي يا مرام ما تستسلميش عشان خاطر اللي في بطنك."
هزت رأسها يمينًا ويسارًا قائلة بضياع:
"أنا باحبه أوي... حبيته والله أوي يا آدم... لا لا لا أنا باعشقه ما أقدرش من غيره."
اقترب منها خالد مسرعًا يلتقطها بين أحضانه بحب أخوي قائلًا لها:
"مرام بصي لي، ولو واحد بس في المية فاضل هنتمسك بيه... سامر هيرجع لك تاني صدقيني، بس أنتِ ادعي له وتماسكي عشان تعرفي تحافظي على أمانته اللي سايبها بين إيديكِ دي... فهماني؟"
هزت رأسها بضياع قائلة:
"أيوه عندك حق..."
وبكت بحرقة قائلة:
"يا رب..."
ذهب الطبيب للتحضير للعملية واصطحبوا سامر لغرفة العمليات. أوقفتهم مرام صائحة في الطبيب:
"أرجوك استنى."
الذي أمر الممرضين أن يتركوهم بحرية. واقتربت من السرير وجلست القرفصاء بجانبه تمسك يديه بحب ودموع بللت يديه قائلة:
"أرجوك يا سامر ما تسيبنيش... أنت وعدتني هنعيش سوا ونموت سوا."
نادت عليه:
"سامر... سامر."
فتح عينيه ببطء ونظر لعينيها قائلًا بصوت يكاد يظهر من شدة الضعف:
"أنا باحبك أوي يا عيون سامر... خلي بالك من نفسك ومن ابننا أنا..."
لم تدعه يكمل ووضعت طرف إصبعها المرتعش على شفتيه التي تشققت بفعل المرض قائلة:
"أنت هتقوم لي تاني... مش هاسمح لك تسيبني لوحدي، أنت وعدتني... لسه في حاجات كتير ما عملتهاش معايا..."
"أنا عايزة ألبس فستان فرح زي ما وعدتني تلبسه لي لما بطني تنفجر... عايزة أصحى الصبح ألاقيك جنبي، وأول ما ابننا يجي الدنيا يكون على إيدك... أنا باعشقك... مش بس باحبك... أرجوك اتمسك بيا زي ما أنا هافضل طول عمري لو مش ليك مش هاكون لغيرك أبدًا."
وتركت يديه وهي تقول:
"أستودعك الله الذي لا تضيع عنده الودائع."
في غرفة العمليات...
"يا دكتور يا دكتور قلب المريض وقف... المريض بيروح مننا..."
انتفض الطبيب قائلًا:
"لا لا مش لازم يموت، ادي له حقنة أدرينالين بسرعة."
وفعلت.
نظرت بيأس له قائلة:
"ما فيش فايدة يا دكتور."
أزاحها الطبيب بحدة وأمر مساعده بتولي ما كان يفعله وأخذ جهاز الصدمات قائلًا:
"يالا يا سامر مش هاسمح لك تروح."
وصدمة...
عاد الطبيب مجددًا يقول بحرقة:
"يالا يالا يا بطل... مرام مستنياك بره..."
"ابنك مستنيك بره..."
جعل الجميع من بالعمليات يبكون بصمت على طبيبهم الذي يبكي بشدة على مريضهم. فهم أول مرة لهم يجدون طبيبهم بهذه الحالة. فالطبيب أنور ووالد سامر كانا أصدقاء العمر كما يقولون، فأنور لم ينجب بحياته وكان يعتبر سامر ابنًا له. وحينما علم بمرضه كان يحثه دائمًا على الإسراع بإجراء العملية ولكنه كان يؤجلها دائمًا لأجل غير مسمى.
عاد الكرة مرة واثنين حتى انتعش قلب المريض مرة أخرى، جعلته يتنفس الصعداء وبكى بشدة قائلًا:
"كنت عارف إنك بطل يا حبيب عمك."
فصفق ببطء من كانوا معه بالغرفة ومسح دموعه بحدة واقترب ينهي ما بدأه.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أسما السيد
بعد ثلاث ساعات متواصلة في غرفة العمليات، تجلس مرام وخالد وجدها وآدم، وتأتي أخت آدم للاطمئنان عليهم كل فترة، فهي طبيبة وتعمل بالمشفى هي الأخرى. بعد فترة أتى رامي حينما أخبرته آيسل ليبقى بجانب خالد في هذا الظرف، فهي بشهرها الأخير.
فهي بعدما أفاقت من غيبوبتها عانت من مضاعفات الحمل، وخصوصًا حملها بتوأم، وتمسك التوأم بها فضعفت كثيرًا وتعاني من أنيميا شديدة. فاصطحبها خالد للمنزل واقترح علاجها وتوفير ما يلزم في البيت حتى تبقى أمام عينيه. والآن هي بشهرها الأخير لا تستطيع الحركة كثيرًا بسبب ضعفها الشديد. كانت تتمنى أن تكون بجانب مرام في هذا الوقت، فهي كانت بمثابة أخت لها ولدتها الأيام. فهي منذ قدوم مرام من الخارج ولم تفارقها وذلك لمنع الطبيب لآيسل من الحركة. فكانت إيمي ومرام وأخت آدم سلمى تأتي لزيارتها باستمرار وأصبحوا كالأخوات ونشأت بينهم صداقة جميلة.
بعد فترة، خرج الطبيب يمسح حبات العرق فقامت مرام مسرعة تسأله بلهفة وقلب يرجف من الخوف، واقتربت ومسكت يديه بتوسل أبوي.
قائلة: قولي يا عمو والنبي إنه بقى كويس، مش هاقبل أي كلام غير دا.
ودموعها تسقط بشدة.
اقترب منها الطبيب وأخذها تحت ذراعه، فهو يعد سامر وزوجته عوض الله الجميل في الدنيا بعدما حُرم من الإنجاب وقال لها: امسحي دموعك يا مرام، سامر قوي وهيقوم عشانك وعشان ابنه. أنتم الخيط اللي اتمسك بيه وهو بيفارق الحياة. أنتم قوته يا بنتي.
وأخذ نفسًا عميقًا وقال وهو يمسح على رأسها: دلوقت أقدر أقولك الحمد لله ربنا كتب له عمر جديد عشان يعيشه وسطيكوا.
بكت بعنف وانهارت بين أحضان الرجل الستيني الذي طالما كان سندًا لحبيبها وروحها التي تقطن بالداخل وقالت: الحمد لله.. الحمد لله يا رب.
هدأها الطبيب تحت تمتمة الجميع بالحمد لله وقال لها: بصي، شوية وهادخلك تشوفيه. عاوزك تهدي كدا وتروحي ع الجناح اللي حجزتهولك بالمشفى هنا وتاخدي شاور وتغيري هدومك عشان أدخلك ليه. عشان أول ما عينه تفتح يلاقيكي جنبه.
أطاعته بحب، تعلم أن حديثه صحيح فهي منذ البارحة وهي على نفس وقفتها مما أتعبها وبشدة. حمدت الله وذهبوا جميعًا إلا خالد وجدها اللذان أصرا أن يبقيا معها حتى يفيق سامر.
أما آدم فلقد نظر نظرة أخيرة (لمرامة) وودعها بعيون تحرقها الدمع ودعا لها بصلاح الحال مع من كان يستحقها وبجدارة. فمن ضحى وأعطى، خير ممن بخل واستغنى. فهذه هي العدالة الإلهية، وهو متيقن منها.
في طريقة أخرى من طرق المشفى كان هناك قصة حب ملتهبة تلوح في الأفق.
يسحبها من يديها بعنف فمنذ أن التقى بها في منزل أخته وهو يطاردها في كل مكان. مجنون هو في حبه لا يخشى مكان ولا زمان، يعترف بحبه لها في كل وقت وفي كل مكان يلقاها به. يئست هي من جعله يهدأ ولو قليلًا. فهو بعد اعترافه لها تقدم لآدم ولم يمهلها الفرصة للرفض. عشقته من أول نظرة مثلما عشقها هو. تحبه وتحب جنونه بها. تحمد الله دائمًا على عطاياه فهو أهداها رجلين بحياتها.
أخيها الحبيب، الذي عوضها عن والدها القاسي الذي دمر شخصها وحياتها وجعلها إنسانة مهزوزة فوهبها الله أخيها آدم كان الأمان لها. عالجها وعالج جروحها. أما من يقف أمامها ينظر لها بغيظ الآن وغيرة واضحة بعينيه، أعطاها حبًا لو وزع على الجميع سيكفي ويفيض.
يقف يتوسط بيديه وسطه وهي فقط تقف تنظر إليه ببراءة، فنفخ بزهق قائلًا لها: إيه بقى أنا مش قولتلك أوعي أجي أشوفك واقفة مع الدكتور اللي اسمه أحمد الملزق دا ثاني، ولا لازم يعني أحط التاتش بتاعي وأنت عارفه لو طلع هيعمل إيه؟
اقتربت منه مسرعة تضع يدها على فمه قائلة: خلاص خلاص عارفة والله مهو طبيعي إحنا بنشتغل في نفس المستشفى يبقى لازم تعامل. دا إيه الفقاقة دي؟
نظر لها بحدة وبصوت مرتفع قائلًا: سلمى انعدلي معايا كدا وإلا أنتِ فاهمة.
قالت بخوف منه ومن جنانه: خلاص خلاص أول وآخر مرة يا باااي عليك، وياريت ما عدتش تنطلي كل شوية في الشغل.
نظر لها برفعة حاجب قائلًا: لا يا ماما، إني أقفز براحتي مثلما أريد. واللي خايف من حاجة، واقترب يراقص حاجبيه أمامها قائلًا: يلمها يا عيني.
تحت صدمتها من تعبيراته وأحاديثه المنحطة التي يرميها بها طوال الوقت، وانطلقت مسرعة من أمامه وهو يركض خلفها بمرح.
أنتِ يا بت.. سلمى.. خدي أقولك.. طب هاتي تصبيرة طيب.. ولا مجيب.
فانطلق يقول: ماشي ما هي أم العيلة دي نحس، كل ما أقول هأتجوزك ألاقي مصيبة طلعت لي. بس هانت والواد سامر يقوم وآيسل أختي تنفجر وأتجوزك يا جميل.
تحت ضحكاتها التي تملأ المكان من حولهم: وساعتها بقى هأهريك تصابير بس اصبري.
قالت له بضحك: والنعمة أنت سافل.
أمسكها من معصمها قائلًا: سافل بس! دانا هأوريكي السفالة على أصولها بس أما أتجوزك.
لم يستطع إكمال كلامه حيث نزلت عليه عصا الجد عبد الرؤوف قائلًا: أنت يا واد يا رامي أنت ما حدش قادر يلمك، أني هأربيك.
تحت ضحكات سلمى عليه فنظر لها بتوعد. يقول: إيه بس يا جدي أنت طلعت لي منين؟ هو أنت ورايا ورايا بس؟
وفجأة قال: إيه دا يا جدي بص.
نظر الجد وراءه يبحث عما يشير إليه ولكن ركض رامي بسرعة جعله يقول: بتهرب مني يا واطي هأجيبك هأجيبك بس اصبر.
مساءً،
في منزل خالد تجلس آيسل بجوارها أبناؤها بعدما حدثت مرام واطمأنت على حالة سامر، واعتذرت لها عن حضورها والتي تفهمته مرام بصدر رحب فمن غيرها سيتفهم وهي تعلم بصعوبة حالتها.
أتت الجدة إليها فهي منذ أن فاقت آيسل من الغيبوبة والجدة تجلس معها لا تفارقها أبدًا تعتني بها وبالأولاد وهو ما كان يثير حنق خالد فالجدة لا تدعه يقترب من حبيبته قائلة له: ابعد عن حفيدتي يا بغل أنت. أنت اللي جبت لها الكافية بعمايلك.
نظرت الجدة لها قائلة: بت يا آيسل.
نظرت لها آيسل قائلة: ها يا ستي قولي.. مش مرتحالك.
قالت لها الجدة بدهاء: لا يا عين ستك، بأقول يعني إحنا نسافر البلد اليومين دول يعني مدام الطور الهايج ده مش فاضي.
نظرت لها آيسل بغيظ قائلة في نفسها: آي يعني أنتِ لو فاضي بتخليه يقرب لي. آه منك أنتِ يا ستي. بس أعمل إيه بأحبك برضه.
وقالت بصوت مرتفع: يا ستي قلت لك مئة مرة اسمه خالد. حرام عليكِ يا ستي. قولي ورايا.. خالد اسم سهل أهو.
نظرت لها الجدة وقالت: لا اسمه طور. وأي كلمة كمان أنتِ عارفة اللي فيها بقى. مش كفاية بيتسحب بالليل كيف التعالب ويدخل جوتك لا وإيه أنتِ تقولي لي قومي يا ستي ما بأرتاحش إلا على سريري.. لوحدي.. اللي لوحدي اللي.
وآثارك ما بأترتاحيش إلا لو البغل ده جارك. أني فاهمة كل حاجة بس بأعديها أجدع شفقة.
نظرت لها آيسل بصدمة قائلة: يا لهوي يا ستي أنتِ بتجسسي عليا؟ مش كفاية منعاه يخش أوضتي، حرام عليكِ.
قالت الجدة لها بمكر: يا عبيطة أنا خايفة عليكِ.
نظرت لها آيسل بصدمة قائلة: آه يا سوسة أنتِ مش مرتحالك بس برضه ما ينفعش نسيب مرام في الظرف دا هيا ما لهاش غيرنا.
نظرت لها الجدة بحزن هذه المرة قائلة: ربنا يقومها لها بالسلامة يا بتي يا رب.
هنا صدح صوت من خلفهم قائلًا: ما تخلصونا في أم الليلة دي إحنا جعانين يا حاجة أنتِ وهي.
نظرت له آيسل بدهشة قائلة: هو أنت مش لسة واكل يا سيف؟
أطلق أصابعه الخمسة في عين والدته يخمس في وجهها قائلًا: قل أعوذ برب الفلق إيه يا موزة هأتحسديني ولا إيه؟
لا ركزي كدا مش أنا دا مروان ولا هيا الرصاصة أثرت على ذاكرتك.
انصدمت آيسل ووضعت إصبعها على رأسها بعلامة التفكير قائلة: إزاي بس أنا فاكرة إن أنت.
قال سيف بغيظ في نفسه: طب أفهمها إزاي الغبية دي هأضيع السبوبة اللي لسة عاملها ما علينا.
وأكمل وهو يمسك بيد جدته يقول: يالا يا ستي الله يرضى عليكِ تعالي أكليني.
ولم تلحظ الجدة من كان يقف خلف الباب يغمز له سيف بعينيه بمعنى: سربتها لك أهي يا ك يطمر. ويؤشر بيديه بعلامة كله بحسابه.
رواية معقول نتقابل تاني الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم أسما السيد
التفتت أيسل لسيف والجدة، وسيف يسحبها مسرعًا باستغراب قائلًا:
"يلا يلا يا ستي، هموت من الجوع."
وحينما اختفيا في الداخل، أحست بيدين تحيطانها بخفة من الخلف، همّت بالصراخ ولكن عطره الذي تعشقه بطريقة جنونية نتيجة هرمونات الحمل اللعينة جعلها تتعرف عليه واستكانت بين يديه. يقبلها بحب على رأسها وكتفها قائلًا:
"وحشتيني يا وزتي."
همّت أن تتحدث إلا أنه أخافها وهو يرفعها بخفة بين يديه قائلًا لها بغمزة:
"يلا قبل ما ستك تقفشنا."
فضحكت بصوت عالٍ قائلة:
"قول بقى إن التمثيلية اللي عملها ابنك كانت من تأليفك."
نظر لها بغيظ قائلًا:
"بقولك إيه ما تفصلنيش. ابنك دا موضوع النصب بيكبر معاه وأنا خايف على مستقبلي لأفلس من تحت راسه. دا أنا بتهيألي رصيده أعلى من رصيدي في البنك. وياريته مكتفي بيا، لأ شغال نصب على كله. قفشته من يومين بينصب على رامي عشان يستفرد بسلمى."
ألقاها على السرير بهدوء تحت ضحكاتها التي تملأ المكان سعادة وتشرح صدره لمرآها أخيرًا سعيدة بعدما تخلص من جميع العقارب التي كانت تفسد عليهم حياتهم. فميسم اعترفت بعدما عذبها وعاشت أسوأ أيامها حبيسة بأن زوجة عمه من اشتركت معها في وهمه بأنه لا ينجب حتى يتزوجه من ابنتها سلين طمعًا في الثروة.
ومن خلال مراد علم بأنها تعمل بتجارة المخدرات وتشاركها بالسر زوجة عمه، وتحت ضغط منه عليها كان قد اتفق مع رامي وأخرجا إذنًا بالتسجيل واعترفت بكل أفعالها الشيطانية هي وزوجة عمه وقد كان. ألقت الشرطة القبض عليها وحرص هو على أن تتعفن بالسجن مدى الحياة.
أما ابنة عمه فتولى سفرها للخارج لتلقي العلاج بعدما علم أنها كانت تتعاطى الهيروين وقرر إعطاءها فرصة أخرى لحياة كريمة ومشرفة وهو ما رحبت به سلين، فهي كانت ضحية أخرى لوالدتها وطمعها ومع قرب أيسل منها فهي في الآخر ابنة خالها، تحولت حياتها للاستقرار واستقرت معهم بعدما انتهت من علاجها ويشهد الله أنها تغيرت إلى العكس فأصبحت سلين أخرى ارتدت الحجاب وتغيرت للنقيض تمامًا وهي الآن تؤدي مناسك العمرة وستعود قريبًا.
أفاق من شروده على لمساتها الحانية على وجهه قائلة:
"حبيبي شكلك مرهق أوي."
أمسك يديها وقبلها بحب قائلًا:
"لما شوفتك بقيت مرتاح."
وأجلسها على السرير بوضع مريح وجلس رأسه على ركبتيها وشد يديه في حركة باتت معتادة عليها منه لتقوم بتمرير يديها بين شعره بحب وتكلمت تسأله:
"ما قولتليش سامر أخباره إيه دلوقت؟"
تنهد وقال:
"الحمد لله الدكتور طمنا عليه وخرجوه من العناية المركزة وفاق وكلمنا بس هيضطروا يقعدوه شوية تحت الملاحظة في المستشفى."
وتنهد وقال:
"الحمد لله أنا عمري ما شفت مرام بالضعف دا أنا كدا اطمنت إنها في أيد أمينة كنت طول الوقت مقلق من جوزتها بالسرعة دي وكنت خايف عليها إنما أنهارده شفت نظرة حب في عيونها خلتني متأكد إنها اختارت الراجل الصح. من ساعة ما فتح عنيه وكلمنا واطمنت إنه تمام وأنا حسيت إنها رجعت مرام غير اللي كانت منهارة كأنها لقت حاجة ضايعة منها. ربنا يشفيه يا رب."
رددت خلفه قائلة:
"يا رب."
ثوانٍ وأحست بمغص ببطنها ولكنها تجاهلته حتى لا تقلقه فهي تعلم أنه بحاجة للراحة، ولكن مع استمرار الوجع انتفضت قليلًا، أحس بها خالد وقام مفزوعًا وجلس القرفصاء على السرير قائلًا بخضة:
"حبيبتي مالك؟ فيكي إيه؟"
ثوانٍ وتكلمت:
"مفيش، بس..."
والتوت على نفسها، قام من مكانه مسرعًا قائلًا:
"أيسل فيكي إيه ما تقلقنيش!"
ثوانٍ ونظر على السرير وجده ابتلى بالماء. هنا نطقت بضعف قائلة:
"ستي، أنا عاوزة ستي يا خالد."
وبكت بصمت وضعف. امتلأت عيناه بالدموع عليها وانطلق مسرعًا:
"يا ستي يا ستي!"
بصوت عالٍ افزع الجدة التي كانت تبحث عنها. ردت الجدة بحدة:
"أنت جيت إمتى يا بغل أنت؟ أنت أكيد اللي خطفت حفيدتي."
وضربته بعكازها. لم يلتفت لما تفعل وقال بلهفة:
"الحقي يا ستي أيسل تعبانة جدًا."
انطلقت ورائه ببطء قليلًا لسنوات عمرها التي كادت أن تتخطى السبعين، تقول:
"عملت فيها إيه يا بغل أنت؟"
ثوانٍ ودخل خالد مجددًا ولكن كانت أيسل أغمي عليها من شدة الضعف وألم الولادة. اندفعت الجدة تولول بعدما رأت الماء على السرير قائلة:
"يا مري، يلا دي بتولد!"
نظر لها بخضة يقول:
"إيه بتولد دا لسه معادها ما جاش!"
شخطت به بحدة قائلة:
"يلا يا بغل بينا على المستشفى."
حملها مسرعًا لا حول لها ولا قوة ودموعهم تجري في صمت خوفًا عليها، فقد حذرهم الطبيب من ولادتها مبكرًا. دقائق وكانوا يقفون على باب العمليات ينتظرونها فلقد أقر الأطباء بضرورة إجراء قيصرية لها للحفاظ عليها وعلى توأمها.
كان يقف بصمت بجانب الغرفة التي دخلتها منذ نصف ساعة يبكي بصمت ويدعي بأن تخرج له معافاة، وغصب عنه عاد بذاكرته لذلك اليوم التي أصيبت به ودخلت في غيبوبة لشهر وأكثر. دب القلق قلبه وتنهد وقال:
"يا رب، يا رب نجيها لي يا رب."
دقائق قليلة واستمعوا لصراخ طفلة ولم يمر ثوانٍ وكانت الأخرى تصرخ. حمد الله كثيرًا ولكن أتته ضربة من الخلف يعرفها جيدًا:
"مرتك ولدت يا بغل أنت! أوعاك، أوعاك تجرب منيها تاني. أنت فاهم بكفاك أجد إيه هتعملوا فريق كورة إياك!"
نظر بصدمة لها وقال بسره:
"هو القر بيجي من بره؟ دا ملازمني أنا عارف."
ضربته مرة أخرى قائلة:
"هتبرطم تجول إيه يا بغل؟"
همّ أن يتحدث ولكن قاطعه فتح الباب وخروج أولاده مع الممرضات. هرول يحملهم بحب ولكن كانت الجدة التقطت واحدة ولم تجعله يقترب منها، وغصب عنه شعر بسعادة وغصة في حلقه ولكن تجاهلها يسأل عن زوجته وقالت له الممرضة إنها بخير ويجهزونها للخروج.
أخذت منه الجدة طفلة وأعطته طفلة وجلس هو بجانب زوجته التي خرجت منذ قليل ينتظر إفاقتها حاملًا قطعة من روحهم معها.
فتحت أيسل عينيها بضعف وقالت:
"أنا فين؟"
اقترب منها قائلًا:
"أنتِ هنا يا روحي، حمد لله على سلامتك يا قلبي."
لوّت الجدة شفتيها تقول:
"آه يا أخويا، كل بعجل الهبلة دي حلاوة."
نظر لها بغيظ وانتبه لحبيبته التي تسأل بلهفة عن بناتها. قرب لها خالد ابنتها التي يحملها قائلًا:
"إيه رأيك مش شبه الواد سيف؟ ما اعرفش إنك بتحبيه أكثر مني كدا، إيه يعني كان ناقصنا مش كفاية سيف واحد."
ضحكت بضعف وقالت:
"وماله سيف بقي دا عسل."
لوى شفتيه قائلًا:
"آه عسل أوي يختي."
تحدثت بضعف له وقالت:
"فين أختها؟ عاوزة أشوفها يا خالد."
نظر لها بحنق قائلًا:
"أختها استحوذت عليها ستك حتى ما خلتنيش أشوفها."
ضحكت بضعف وقالت:
"نادي لي ستي."
اقترب منها وقبلها من رأسها بحب وقال لها:
"ارتاحي أنتِ وأنا هروح وأمري لله."
ثوانٍ واقترب خالد منها مرة أخرى وقال:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله."
كان يحمل ابنته بين يديه التي كانت مع الجدة، استغربت أيسل لهجته التي يتحدث بها وكأنه كان يخشى حدوث شيئًا ما. وقالت:
"في إيه يا خالد؟ البنت جرالها حاجة؟"
نظر للطفلة بين يديه وقال بملامح مذهلة:
"الحمد لله ما طلعوش شبه بعض، كنت هدوخ على معرفهم. كنت مقلق أوي من الحكاية دي."
لطمت الجدة خديها قائلة:
"والله ما تنفع أب ببصلة يا منيل، ما اعرفش إني ادهورت واتجوزتك على إيه أنت يا مخبل أنت! أنتِ في إيه ولا في إيه!"
نظر لها قاصدًا إغاظتها وقال:
"لا وإيه شبهي الخالق الناطق. ما كنتش أعرف إنك بتحبيني أوي كدا يا وزتي."
وغمز لها بمرح وحب واقترب حاملًا طفلته وجلس بجانب زوجته التي اعتدلت قليلًا لترى الطفلتين بوضوح تحت سعادتهم الظاهرة على وجوههم، غافلًا عن ما تنظر له بغيظ لأخذه الطفلة من بين يديها وكلماته المعسولة التي يرميها لحفيدتها البلهاء كما تسميها.
بعد ساعات كان الجناح الذي به أيسل ممتلئًا على آخره فقد أتى الجميع للاطمئنان عليها وعلى أبنائها. كان خالد يجلس بجانبها يسألها بحب قائلًا:
"تصدقي نسينا نفكر هنسميهم إيه."
قالت أيسل:
"آه فعلًا. وفكرت قليلًا وقالت: بص أنا سميت أيان وأيرام، عشان كدا أنت اللي هتسميهم دا حقك."
شعرت بحزنه الواضح عليه بعدما ألقت كلماتها عليه. مسحت على يديه بحب وقالت:
"مالك يا خالد؟"
نظر لها وقال:
"كان نفسي أكون أول واحد يشوفهم ويحملهم بين إيديه سامحيني يا حبيبتي أنا ضيعت مشاعر كتير كان نفسي أعيشها مع ولادي."
استمرت بالمسح على يديه بحب وقالت:
"ليه بتبص لها كدا؟ الحمد لله على كل حال وإحنا دلوقت مع بعض وربنا حب يعيشنا فرحة من تاني بلاش تفكر كدا وخلينا نعيش اليوم بيومه مع بعض أنا ما صدقت اتجمعنا من تاني بعد ما كنت باقول معقول هنتقابل ونتجمع تاني. أنت كنت بعيد أوي يا خالد، والحمد لله ربنا جمعنا."
ملأت كلماتها صدره وعقله واقترب يقبل رأسها بحب قائلًا:
"ربنا يخليكو ليَّ."
صدح صوت رامي يقول:
"أنتوا نسيتوا إننا قاعدين ولا إيه؟ ما تراعو مشاعرنا شوية، هو ما فيش دم؟"
ونظر بحدة لآدم يقول:
"بأقولك إيه خلاص أيسل وانفجرت... قصدي ولدت."
والتفت لمرام التي أتت للاطمئنان على أيسل فهم في نفس المستشفى مع زوجها وقال:
"وأنتِ يا ست مرام جوزك والحمد لله بقى تمام ها؟ ما لكوش حجة هتجوز الشهر الجاي يعني هتجوز."
والتفت يغمز لسلمى. قال الجد عبد الرحيم:
"إيه رأيك يا آدم يا ولدي؟"
قال آدم:
"لو أنت موافق يا حاج طبعًا أنا ما أقدرش أثني كلمة وراك."
نظر له الجد بفخر وقال:
"يبقى على خير الله. ما فضلش غير مرام عندك اعتراض يا بنتي؟"
قالت مرام بسعادة:
"طبعًا لأ يا جدي خلينا نفرح بقي."
نظر لها رامي بفرحة وقال:
"والنعمة أنتِ أحلى أخت في الدنيا."
انطلق سيف ومروان ناحية والدتهم. سيف قائلًا لأمه:
"بأقولك إيه يا موزة، سميتي البلوتين اللي جبتيهم دول إيه؟"
نظر له خالد بغيظ قائلًا:
"واد أنت ما تقولش على أخواتك كدا."
قال مروان:
"ما تخلصنا بقي مش كان كفاية نصيبة واحدة تجيبوا لنا اتنين كمان دا أنا كل يوم أضرب لي اتنين تلاتة في المدرسة بسبب بنتك."
قال سيف:
"وهما دارين بحاجة بس والنعمة لأربيهم وأمشيهم على العجين ما يلخبطوش. أومال مش هنعرف نربيهم ولا إيه؟"
بصوت سعيد صالح نظر لأيسل بغيظ قائلًا:
"شايفة ولادك يا هانم وتربيتك الحلوة."
هنا أشاح سيف بيديه وقال:
"يا شيخ روح كدا. وأنت مش عارف حاجة."
وسحب أخيه باتجاه جده يجلس بجانبه. كاد يتحدث بغيظ لسيف قائلًا:
"يا ابن الـ..."
أمسكته أيسل من يديه قائلة:
"والله ما أنت متعصب سيبك منهم."
ولوت شفتيها بمصمصة، أي أنها تقدر عليهم. نظر لها بغيظ قائلًا:
"أنتِ بتغيظيني أكثر يعني ماشي يا أيسل."
مسحت على يديه ونظرت له ثم لابنتيها التي يحملونهما بسعادة قائلة:
"يلا بقي هنسميهم إيه؟"
نظر لقطعتي السكر التي بين يديه وقال بحب وفرحة لم يستطع إخفائها:
"اللي على إيديكِ دي هتبقى إيلين. وإنما دي إيفيلين."
نظرت لهم بحب وقالت كأنها تجرب اسميهما على شفتيها وقالت بسعادة:
"إيلين وإيفيلين."
رواية معقول نتقابل تاني الفصل الثلاثون 30 - بقلم أسما السيد
تقف تستند بجانبها إلى باب الحجرة التي يقيم بها، بعدما ودعت أيسل ومولوديها بالأسفل على وعد بلقاء قريب.
تنظر له بنظرة جديدة عليها، نظرة اختلفت تمامًا عن مثيلاتها. كانت نظرتها له من قبل نظرة عقلانية بحتة. أما الآن، كلما نظرت له، حمدت الله أنها تهورت بذلك اليوم ووافقت على زواجها منه.
يا الله كم تعشقه الآن! كلما تتذكر عمرها الضائع على حب كانت تعتقده ملتهبًا، تشفق على حالها وعلى قلبها. تؤنب نفسها كثيرًا على أنها أضاعت العمر في حب بائس وتركت الحب الحقيقي. ولكن حمدًا لله للعوض الجميل بعد الصبر الطويل.
تذكر نفسها دائمًا بتلك الجملة التي قالها لها سامر بعد رجوعهم من الحج، حينما قال لها:
(فلاش باك)
كانوا انتهوا من أداء فريضة الحج، وكم دعت الله بأن يرزقها حبه وأن يمن عليها بالذرية الصالحة وراحة البال. ذهبوا إلى السويد مباشرة حيث يتسلم سامر الشركة هناك ويبدأوا معًا حياة جديدة تملأها رضا الله. حينما وصلوا في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وصعدوا للغرفة.
في الغرفة:
بعدما انتهت من حمامها، كان يقف ينتظرها بالشرفة. وحينما لمحها، ذهب إليها متأنيًا في مشيته حتى لا تخاف منه ومن مشاعره الثائرة نحوها.
رفعت عينيها له وكانت ترتدي مئزرها الحريري على قميص نومها، فهي عاهدت نفسها أنها ستكون له زوجة مخلصة ولن تجعل لوساوس الشيطان أن تدحرج تفكيرها لتلك الهوة المظلمة التي كانت تعيش بها.
ابتسم لها فبادلته الابتسامة بأخرى خجلة كأي عروس في ليلتها.
اقترب منها وشدها من يديها بحب وأجلسها على طرف السرير وجلس بجانبها. وأخذ نفسًا من قلبه وقال:
"عارف إن كل حاجة جت بسرعة. كان نفسي أعملك أحلى فرح زي ما كنت بحلم لينا دايمًا. كنت دايمًا بشوفك نجمة بعيدة في السما. أنتِ حلمي البعيد يا مرام واللي ربنا منَّ عليا بيه. أوعدك إن حياتنا تكون مبنية على التفاهم والثقة. أنا عارف إنك ما حبتنيش بنفس قوة حبي ليكي بس أنا عندي إحساس إن هيجي اليوم اللي ربنا يراضي قلبي فيه بحبك ليا."
همت أن تتحدث إلا أنه أوقفها بوضع إصبعه على فمها قائلًا:
"اشش... مش عايز أسمع أي حاجة منك دلوقت يا عمري بس هقولك حاجة."
نظرت له باستفسار. قال لها بنظرة حانية، وبقلب محب:
"لعل الخير يكمن في الشر."
هنا نظرت له باستغراب، ولكنه باغتها بقوله:
"صدقيني هيجي اليوم اللي تعرفي وتحسي بيه بمعنى كلامي. ودلوقت... مش عايزك تشغلي عقلك بأي حاجة غير دي بس."
واقترب مقتطفًا منها قبلة كانت الإشارة التي أدخلتها في عالم وردي من صنع يديه هو فقط. عالم خاص به هو كتب على جداره: حب بعد عناء طويل.
(عودة)
وها هي الآن علمت معنى كلماته لها تلك الليلة، ورددت:
"لعل الخير يكمن في الشر."
أفاقت على كلماته:
"هتفضلي تبصيلي كدا كتير وعبس بوجهه؟ ولا عشان أنا تعبان مش قادر أقوم يعني... مش عاوزة تجيلي؟ قربي يا عمري وحشتيني الشوية دول."
اقتربت في كل خطوة تدعو الله أن يحفظه لها. أفسح لها المكان بجانبه ومد يديه بحب لها، استجابت له بحرص حتى لا تؤذيه. واندست بين أحضانه براحة تستمد منها الأمان كما اعتادت منه، قائلة بقلب يقطر حبًا:
"أنا إزاي كنت غبية كدا وضيعت سنين من عمري بعيد عن حضنك دا؟ أنا بحبك أوي يا سامر. روحي اتردت ليا لما فتحت عينيك. أنا ما أقدرش من غيرك... خليك جنبي."
قلبه يقفز بين ضلوعه من كلامها وحلاوته. أيقن الآن أن دعوته الصادقة في الحرم المكي ودموع عينيه وهو يدعو الله بأن يرزقه حبها استجابت وأنه لا يريد شيئًا آخر، وكم يحمد الله على حبها التي وهبه الله إياه بعد تعب. زفر بتعب وكأنه يزيل حمل سنين العشق بلا أمل معه، ومعه تمتم بحمد الله. ودعا في سره أن تدوم سعادتهم إلى الأبد. ومرر يديه بحب عهدته منه على بطنها، تبعه بقبلة على جبينها قائلًا:
"أحمدك يا رب وأشكر فضلك."
اقتربت منه أكثر تحيطه بيديها من الخلف ودافنة رأسها في عنقه قائلة:
"ربنا يخليك لينا وما يحرمنيش منك أبدًا... أبدًا."
***
بعد أسبوع، تعافى سامر وخرج من المشفى. أما اليوم، عادت سيلين من عمرتها بشخصية جديدة وروح كانت ضائعة ووجدتها. واليوم هو سبوع ابنتا خالد وأيسل.
جميع من بالمنزل على قدم وساق. تمشي على عجلة غافلة عن من يأتي أمامها شاردًا هو الآخر. كانت تتحدث على الهاتف ولم تلحظ شيئًا ولكن أفاقت على خبطة كتف أتتها قوية فتوجعت وانحنت للأمام.
اقترب منها مسرعًا يتأسف لها:
"معلش أنا آسف والله ما أخذتش بالي."
كانت تنظر للأسفل فلم يلحظ من هي. ولكنها استقامت قائلة:
"ولا أنا أخذت بالي عمومًا حصل خير."
نظر بذهول لها قائلًا:
"سيلين... مبروك الحجاب... شكلك اتغير أوي."
قالت له:
"للأوحش ولا للأحسن؟"
قال بعفوية:
"طبعًا أحسن."
خجلت منه وقالت:
"طب أستأذن أنا."
ونظر هو وقد لمعت بعينيه فكرة سينفذها قريبًا.
بعد بعض الوقت كان الجميع قد اجتمعوا لبدء الاحتفال بسبوع الطفلتين تحت مرح الأولاد وضحكاتهم التي ملأت قلوب الجميع سعادة.
كانت تقف تستند بظهرها على صدر خالد تنظر بحب لما تفعله ستها بهم حسب العادات المصرية الأصيلة ودقت الهون الرائعة وتلك الكلمات التي تنطقها الجدة بمرح على مسمع الطفلتين.
سمعته يقول من ورائها بغيظ:
"سامعة ستك بتقول إيه للبنات؟ ال إيه ما تسمعوش كلام الطور الهايج ده. بس أنا بقى ولا أني سمعت." وضحك بشر.
إلا أن كلمات الجدة التي قالت بمرح:
"ما تسمعوش كلام أبوكم الطور الهايج دي... اسمعوا كلام أمكم الخايبة النايبة."
شهقت أيسل بخيبة وقالت:
"أنا يا ستي؟"
وانتبهت له يضحك خلفها قائلًا:
"الحمد لله يا نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل."
لكزته في بطنه قائلة:
"كدا يا خالد طب ماشي."
وفي جانبهم عادل وإيمي يقفون بجانب بعضهم وبين كل طقس وطقس تنظر له بغيظ قائلة:
"شايف السبوع اللي على حق مش مشغلي مهرجان... لأ لأ... وال إيه بتقولي دي الطريقة المصرية الحديثة."
ضحك عليه خالد بصوت مرتفع قائلًا:
"معلش يا إيمي أصل دي الطريقة الجديدة في السبوع."
انتبهت لهم الجدة قائلة:
"ولا تزعلي نفسك يا روح ستك... ناوليني القمر دي أنا هسبّعها."
واقتربت بفرحة تعطيها للجدة إلا أن يدًا صغيرة منعتها تقول بحدة تشبه حدة الصقر يقول:
"لأ......"
نظرت له إيمي بحنق قائلة:
"لا إيه؟ أوعى يا أوزعة أنتَ أما أسبع البت."
اغتاظ منها بشدة واختطفها من يديها وقال:
"لا دي بتاعتي أنا محدش هيخوفها."
وذهب بها يسرع حيث خاله رامي مشجعهم على الفساد.
"إيان لرامي... خبيني يا خالو أحسن المفترية دي عاوزة تخطفها مني."
تحت ضحكات الجميع لما يفعله الصغير، وحبه لابنة عادل المرضية.
همت أن تأخذها إيمي من إيان إلا أن يد عادل منعتها قائلًا:
"إيه... إيه يا شيخة... حرام عليكي ما تسيبي الواد ياخد فرصته."
لكمته بيدها في معدته قائلة:
"أدي آخرة اللي تتجوز أهطل زيك." وضربت الأرض بقدميها.
أوقفهم صوت آدم الذي قال:
"لو سمحت يا جدي أنا كنت عاوز حضرتك في موضوع." ونظر بعينيه اتجاه سيلين التي كسى وجهها بحمرة جديدة عليها. وقال: "أنا عاوز أتجوز سيلين يا جدي."
تحت صدمة الجميع وفرحتهم بعرضه، فسيلين تحتاج لتلك الخطوة الجديدة في حياتها، تحتاج لأحد أن يسندها بلحظات ضعفها ويعينها على الحياة من جديد ومن أفضل من آدم في نظرهم، فهو على دراية كاملة بظروف حياتها وسيتقبلها كما هي.
أما هو... نظر بعينيه للبعيدة التي تجلس بحضن زوجها منذ أن أتت ولم تتحرك من حضنه للحظة، حبيبة الصبا وحلم العمر. لعله يلمح بعينيها نظرة ترضي قلبه الثائر. ولكن نظرة السعادة في عينيها التي لمحها كانت كفيلة بأن يقتنع بأن ما فعله هو الصحيح فالعمر يجري ويخاف أن يموت وحيدًا بعدما تتزوج أخته. فهو يعلم أن من رحم الأزمات تولد العزيمة وهو على علم أن سيلين ستكون ونعم الزوجة فهو يعلم أنها أيضًا عانت من الحب الفاشل إذا فليداوي جراحهم معًا.
سمع الجد يأخذ رأي حفيدته، فنظرت له وابتسم لها بتشجيع. فقالت:
"اللي تشوفه يا جدي."
قال الجد:
"خلاص يبقى على خيرة الله... إني ما ألقيش ليكي أحسن من آدم."
أما عن مرام، يا لغرابة القدر! من كانت فقط تتمنى نظرة منه، من كانت تتألم حينما تلمحه مع غيرها. الآن تبتسم بسعادة وكان من بجانبها يحتضنها بحب وبين كل لحظة وأخرى يهمس لها بكلمات الغزل وتضحك عليها بجراءة جديدة عليها وهو آخر همها.
قال الجد:
"خلاص يبقى على خيرة الله... فرح رامي وسلمى، وآدم وسيلين الشهر الجاي."
وافقوا جميعًا واتفقوا على كل شيء. وانقضى اليوم تحت سعادة الجميع بالتوأم، ومشاكسات الجدة والأولاد. وذهبوا في انتظار سعادة جديدة تجمع شملهم تحت نظرات الجدود الفرحة بهم وبجمعتهم بعد التعب الكثير.
تمت بحمد الله.