كانت تجلس وتضم أرجلها لصدرها بصمت، شاردة في ملكوت آخر خاص بتلك الثلاثة أشهر الذين مروا وفيهما حدثت الحادثة. شعرت بالباب يفتح ودخل هو وجلس بجانبها. "حالا، مالك؟ " سأل ياسين بهدوء وهو يضع يده على كتفها. سندت رأسها على كتفه بصمت، فاستغرب من حالها، فلم تعد كما كانت تفعل المشاكل. "طيب قوليلي، عملتي إيه في التلت شهور؟ " قال ياسين بحنية وهو يلمس وجنتها.
تمردت دمعة منها، فبلت يده. ليضغط على كتفها كأنه يدعمها، قائلاً: "قوليلي، مش أنا صاحبك بالرغم من مشاكلنا؟ "مخنوقة أوي يا ياسين،" قالت حالا بصوت مخنوق. "دا كله عشان سبتك تلت شهور، أومال لو كانوا سنة كنتي متّي! " قال ياسين بمرح. ابتسمت بخفة، فضحك مكملاً: "قومي يلا كدة نروح الشغل سوا." "يلا يا قلبي،" قالت حالا بابتسامة. "قلبي؟ لا كدة كتير على قلبي! " قال ياسين بمرح.
ضحكت رغماً عنها بكل صوتها، ووقفت. دخلت غرفتها وبدلت ملابسها. لبست بنطلون أبيض ضيق وبلوزة نبيتي وجاكت جلد أبيض، ترفع كمه لمنتصف ذراعها وتربط شعرها عالياً. خرجت، فوجدته يقف ببدلة رسمية سوداء. نزلوا سوياً لأسفل ليجدوا ياسمين تجلس وحدها، وأعينها تشتعل بعصبية. "رجعت يعني، رجعها وخدها للبرج ومجبهاش هنا. ماشي يانا يا انتي يا بنت شيرمين، هجيبك وهعرفك. وهيجي اليوم اللي أقتلك انتي وحبيب القلب وأهلكم،" تمتمت ياسمين لنفسها بحقد.
"ياسمين هانم، إحنا ماشيين،" قال ياسين ببرود. "على فين العزم؟ " قالت ياسمين بغيظ من هذا أيضاً. "على الشركة،" قال ياسين وهو يشبك أصابعه بأصابعها. وشد حالا وخرجوا سوياً للسيارة. قاد هو وهي بجانبه تنظر للخارج بشرود. نزل شاب من الشاحنة بعدما تفاداها، وجرى للسيارة يتمتم بشتائم. إن أوقع تلك في طريقه، وجدها مغمى عليها ورأسها ينزف. فحملها بين يديه وذهب لمنزله القريب جداً. وضعها بالفراش ورن على الطبيبة لتأتي وتضمد جرحها.
حتى استيقظت ولم تجد أحد معها. "آه، أنا فين؟ " قالت حالا وهي تمسك رأسها. ونظرت حولها لتتذكر كيف أنها خبطت بالرمال وليس بالشاحنة. فوقفت ومشت حافية للخارج، وجدت شاباً ذا عضلات قوية يمسك فيما يسمّى بالفأس، ويحفر الأرض الزراعية بتلك المزرعة الجميلة. نظرت حولها بسعادة حقيقية وشيء مختلف. شعرت وأن أحدهم رماها في قطعة من الجنة. لتفكر: ماذا يحدث إن عاشت هنا للأبد؟ حقاً مكان رائع. قاطعها صوت
رجولي قوي يجعل القلب يخفق: "عامله إيه دلوقتي؟ شهقت بخضة ونظرت له قائلة بتوتر حقيقي: "انت مين؟ "مش مهم، انتي اللي مين؟ " قال الشاب بضيق. "أنا... أنا مش عارفة أنا مين،" قالت حالا بتوتر وتفكير. "نعم؟ مش عارفة؟ إزاي؟ " قال الشاب رافعاً حاجبه. "مش عارفة يعني مش عارفة أنا مين،" قالت وهي تعض على شفاها ونظرت للأرض. "ولا حتى اسمك؟ "ولا حتى اسمي،" قالت حالا بخبث.
تأفف الشاب، فيبدو أنه عصبي جداً. وبرزت عروقه بطريقة أخافتها هي شخصياً. وبدأ يقص لها الحادث. فقالت بحزن مصطنع: "طب أنا مين دلوقتي؟ "بصي، إحنا نسميكي أي اسم لحد أما نشوف هنعمل إيه في بلوتك دي،" قال الشاب بتفكير. "تقصد إنّي بلوة؟ ما انت اللي كنت هت... " قالت حالا بعصبية. "خلاص، اقفلي! " قال الشاب بنفاذ صبر. صمتت وهي تلعب بقلادة برقبتها. قفال. وهو يتمعن بالقلادة: "هالا. اسمك هالا." "نعم؟ إشمعنا؟
" قالت حالا عاقدة حاجبيها. "مكتوب بالإنجليزي،" قال الشاب وهو يشير للقلادة. نظرت للقلادة بضيق. "آه، هناك من تسمّى بـ 'حالا'. حسناً، لا يهم." مر أسبوعان وهي تمثل هذا. كانت تعيش مع بعض العمال بالمزرعة بمنزله. وجدت منه الاحترام. وعرفت اسمه أخيراً: خالد. وهو بدأ في الخلود بالقلب حقاً. لأول مرة يطرق قلبها لأحد. استيقظت في يوم وخرجت، وجدته يعمل بالأرض الزراعية دون قميص، فكان عاري الصدر ويتصبب منه العرق. ذهبت خلفه.
"ربنا يعينك،" قالت حالا بابتسامة. "شكراً. إيه اللي مقومك بدري؟ " قال خالد ببرود معتاد. "عادي يعني، مش عشان حاجة،" قالت حالا بتعلثم، فهي استيقظت لتراه. "وهتفضلي كتير تمثلي إنك فاقدة الذاكرة؟ " قال خالد بهدوء. شهقت وهي تضع يدها على فمها. كيف عرف؟ استيقظت من ذاكرتها على صوت السيارة. فنظرت لياسين وسندت على كتفه. استغرب حالها الجديد، لكن لم يهتم. في فرنسا. وضعت كأس العصير من يدها ونظرت للبحر بشرود تام،
قائلة: "بس يا سيدي، ودي هي حكايتي." وضع يده على يدها ورفعها لفمه وقبلها، قائلاً: "مش عايز أشوفك زعلانة يا سيرين." "مش زعلانة، بس أنا حبيته بج... " قالت سيرين وهي تمسح دمعة تمردت. "وأنا حبيتك يا سيرين،" قال مؤيد بحب. "وأنا حبيتك يا سيرين،" سحبت يدها من يده كمن لدغتها عقرب من جملته، فأكمل: "أيوه يا سيرين، بحبك وعايزك. مستعد أحققلك كل اللي تتمنيه، بس اطلبي. انتي ومش هاممني فرق السن، أنا عايزك انتي." "مؤيد، انت سخن؟
بتتكلم كأن اللي بينا سنة أو اتنين، مش اتناشر سنة. عبيط انت؟ " قالت سيرين بزهول. "مش عبيط يا سيرين، وأنا واعي كويس أوي. هساعدك تنتقمي. وبما إن جوزك مات، هنتجوز. ووعد، مش هتجوزك إلا وأنا متأكد إن حقك رجعلك من ضرتك." "قوم يا مؤيد وبطل هبل. الظاهر إن تفكيري إنك هتبقى سند وأخ صغير كان غلط،" قالت سيرين بحدة. "بقولك بحبك يا سيرين، افهميني،" قال مؤيد وهو يقبل كلتا يداها.
نظرت لعيونه وتمردت دموعها. تري عيون ذلك الرجل الثلاثيني بهما. وقفت وجرت، تاركة خلفها شاب زرع الحب اتجاهها، ناسياً حب تلك الفتاة التي كان يتنفسها، أو لم ينسها، بل وجدها بأحدهم. وحتى لا يضيعها مرة أخرى، تعلق بهامش. في القاهرة. تحديد البرج.
لم تتحرك أنش ولا تفكر بشيء، فقط تتذكر الماضي المؤلم منه. فقط كيف تغلبت على موت أهلها ولم تختفي ضحكتها. وأيضاً، لا تهتم بما فعلته بها ياسمين، ولا حتى هو. كل ما يؤلمها هو عدم حبه لها. هي تعشقه، وهو لا. أسوأ ما فعله أنه تخلى عنها. لا تصدق حين يقول لها أحبك، ولن تفعل. إذا أحبها، لم يكن ليتركها وحدها، ولم يكن لينتقم منها على سبب تجهله حتى الآن.
رأت وجهه أمام وجهها، فأبتسمت له. أما هو، بعد خصلة شاردة من شعرها، وانحنى قبلها من شفتيها بعشق، فبادلته وهي تضع يدها بشعره. "آه سيف،" قالت جاكلين بهمس قاتل. كان قد ابتعد حين سمع اسمه. عاد يقبلها بنهم، ويده تتجول على جسدها. أما هي، فبين يديه في عالم آخر. ابتعدت هي، فهمهم بإنزعاج. ابتسمت. "حاطة عليهم إيه؟ " قال سيف بهيام. "سيف،" قالت جاكلين بخجل. "لا والله، طعمهم مش طبيعي. تعالي كدة أتأكد تاني."
"سيف،" قالت جاكلين ووجنتاها تكاد تنفجر. "بس،" انحني وحملها بين يديه واتجه للأريكة. جلس ووضعها بحضنه، وغرز يده بشعرها، وأنهل على شفتيها يتذوقهم بتمهل. وحين وجد تنفسها يهدأ، ابتعد يبتسم. "أنت قليل الأدب،" قالت جاكلين وهي تدفن وجهها بين ثنايا عنقه. "بس،" قال سيف بسعادة أنه يمكن أن يعود. "ههههههه، عارف." لم تتحدث لوقت. ظلت صامتة، ثم قالت: "ممكن أطلب منك طلبين؟ "اطلبي،" قال سيف وهو يقبل جانب جبهتها.
"ممكن أروح الجامعة تاني؟ مش عارفة إزاي، بس مش عايزة أقعد. وعايزة أتدرب في شركة زي ما انت عارف، أنا في تجارة وبحاجة لتدريب." "الجامعة، ماشي. هنقلها بمعرفتي. التدريب، استني عليه شوية،" قال سيف. "ماشي،" قالت جاكلين بلامبالاة. وضع أنفه بجانب أنفها وسار يحركه يميناً ويساراً، وكذلك أنفها، قائلاً: "اتغيرتي ليه يا جاكي؟ فين جاكي العنادية المجنونة؟ "قولتلك ماتت. انت مصدقتش،" قالت جاكلين ببرود. "إزاي وهي في حضني؟ إزاي؟
قوليلها ترجع. قوليلها بحبها." "كذاب! بتكذب! أنا حبيتك وبحبك، بس انت في حياتك ما هتحبني. وبدعي ربنا يبعتلك اللي توجع قلبك زي ما وجعت قلبي. مفكر عذاب أمك اللي وجعني؟ لا، كسرتك لقلبي هي اللي وجعتني يا سيف. ومستحيل أنسى، حتى لو نسيت، ده هيفكرني." وقطعت ملابسها من عليها، صارخة بقوة وهي تضرب وجهها بقوة: "ده هيفكرني! هيفكرني بندائي عليك وأنت مردتش! هيفكرني برجلي اللي اتكسرت! هيفكرني بصوتي اللي راح! هيفكرني!
كان مصدوماً من شكلها وهي تضرب وجهها. سرعان ما اقترب وكبلها وهي تحاول الوصول لوجهها مرة أخرى. "سبني يا سيف! سبني أريح نفسي! قولك اقتلني يا سيف! ريح قلبي! أو سبني أولع باللي في بطني! أنا كرهته وكرهت نفسي! " قالت جاكلين بصراخ. توقفت عن الصراخ وبدأت وتيرة بكاء مريرة، وهو يحضنها، يود إدخالها بأضلاعه، يود أن ينهي عذابها. في الشركة. وصل ياسين ومعه حالا ودخلوا، وهو يحاوط خصرها.
وهمس بأذنها: "شايفة العيون عليكي كتيرة. نقي بس." ضحكت رغماً عنها، فابتسم غير عابئ لتلك العيون التي تشعر بالغيرة تجاهه. فوقع نظره عليها، لترى عصبيته منها. مشكلة بسيطة مما أنَّها تحدثت مع زميلها. أشاح بنظره عنها. "ماهي مين الجديدة؟ " قالت حالا بهمس. "هبعتلها أما ندخل،" قال ياسين بهمس.
نظرت له وابتسمت، فهو حين عادت أخبرها بحبه لتلك الفتاة التي تعمل معهم، وأنه تزوجها سراً، لكن لم يأتي بها الفيلا. وهي قبلت الأمر، فهو كصديقها بالرغم من مشاكلهم الكثيرة. جلست معه بنفس المكتب، وهو يعيد شرح لها العمل، فهي أخبرته أنه نسى كثيراً. "بس يا ستي، حاجة تانية؟ " قال ياسين بتنهيدة. "لا، مفيش. ابعتلها بقي تيجي،" قالت حالا نافية. "بس بشرط،" قال ياسين بتمعن. "شرط إيه؟ " قالت حالا باستغراب.
"إيه اللي حصلك في التلت شهور؟ " قال ياسين وهو يذهب ويشدها لتقف أمامه. تمردت دموعها وسندت على كتفه، وبدأت تقص له ما حدث معها تحت ذهوله، صدمته، استغرابه. "نعم؟ يعني... " قالت حالا بصدمة وتوتر وهي تعض على شفاها السفلية. "اتكلمي! عملتي كدة ليه؟ مخوفتيش مني إن أؤذيكي مثلاً أو أعمل فيكي حاجة غبية؟ انتي أي حد كدة ولا انتي أصلاً واحدة مش... " قاطعها خالد بحدة.
"متكملش لو سمحت. الظاهر كنت غلطانة لما صدقت تيته الله يرحمها وهي بتقولي إن عمال الريف طيبين وأصحاب واجب. أنا فضلت هنا لأني وثقت فيك، راجل شهم، وأكيد مش هتؤذيني. ولو وحشة مكنتش هفضل مع واحد مزرعته مليانة عمال، فاهم؟ " قالت حالا بدموع تتساقط. "يعني محدش مسلطك عليا؟ " قال خالد بتمعن. "حد؟ حد مين؟ " قالت حالا بعدم فهم. "طيب إيه اللي جابك هنا؟ " فهم حين لم يفهم أنها بريئة.
"عادي، تغير مش أكتر. حبيت المكان وقولت لو طلبت أقعد مش هترضي، عشان كدة كذبت،" قالت حالا وهي تنظر للأرض. "طيب يا هالا، اقعدي هنا زي ما انتي عايزة وامسحي دموعك دي. كم بدت رائعة حين ضحكت ومسحت دموعها،" قال خالد بابتسامة لأول مرة يراها. كم زادت وسامته وسامة. "اسمي حالا مش هالا،" قالت حالا. "حاضر يا حالا، أصلاً أحلى،" قال خالد بابتسامة. "طب بتعمل إيه؟ " قالت حالا مغيره الموضوع. "بزرع،" قال خالد وهو يرفع الفأس.
"ينفع تعلمني؟ " قالت حالا بفضول. "بس كدة، تعالي،" قال خالد وهو يجذب يدها. وجعلها تمسك الفأس وهو يعلمها. فكانت تخطئ، ليحاوطها بذراعيه ويشرح لها. فكانت مبتسمة سعيدة. فنظرت لعينه وأومأت. وفي لحظة، تاه بعينيها. ورفع يده يعيد خصلاتها، قائلاً: "يلا تساعديني؟ "يلا،" قالت حالا بابتسامة. وبدأوا يعملون سوياً ويضحكون. والعمال في حالة ذهول من أن رئيسهم يضحك مع تلك الدخيلة الجديدة. فهو يعرف بحدتهم.
مرت الأيام وراء بعضها لتتحول لشهر. كانت تفعل له سندوتشات أثناء العمل وتجلبها له. وعرفت مدى حبه للقهوة السادة، فكانت تفعلها له وتضع بعض السكر من خلفه. واليوم كان يعمل وحده، فالعمال اليوم اجازتهم ليعودوا لأهلهم. لا يوجد إلا بعض الخدم. ذهبت بالقهوة والسندوتشات. "الله يعينك،" قالت حالا بابتسامة. ترك ما بيده ووقف مبتسم بسعادة حين رآها. "صباح الخير،" قال خالد. "صباح النور. يلا تاكل،" قالت حالا وهي تضع ما بيدها وتذهب له.
"ماشي، بس خمس دقايق،" قال خالد بابتسامة. وجدها تشد يداه بين يديها وتفتحهم بيدها الصغيرة البيضاء. وكانت يده بيضاء وبها علامات الشقي. اقتربت ووقفت أمامه. فقال: "ابعدي إيدك، هتتعكنن." نظرت له بنظرة غريبة، يرى بهما حب بل عشق. تمنى لو تبادله، فهو يعشقها منذ أن رآها. ورفعتها لفمها، قبلتها، ثم وضعتها على وجنتها. كاد يسحبها خوفاً أن تؤلمها، لكن لا يعرف أنها تري بها حنية. "سيبي يا حالا، هتعكن وشك وهتوجعك،" قال خالد بقلق.
"والله إنك ما بتفهم. بالعكس، أنا حبيت إيدك جدًا،" قالت حالا بعبوس. نظر لوجهها الذي بين يديه. وفي لحظة جذبها لحضنه مطوقاً إياها بذراعيه، فكانت تصل لكتفه وصغيرة بين أحضانه. تمتعّت بدفء غريب، ورفعت يدها لظهره تحضنه. "بحبك يا حالا،" قال خالد بعشق صافي. صدمة ألجمتها حين قال كلماته. نست من هي، نست أنه ورغم هذا فإنها تخون زوجها. رفعت وجهها له هامسة: "وأنا كمان بحبك."
حملها ودار بها بسعادة، فضحكت كالطفلة بين أحضان والدها. وأنزلها. شدها وذهبوا أسفل شجرة يأكل ويطعمها من نفس السندوتش. وقال رافعاً حاجبه: "القهوة دي بتعمليها إزاي؟ "عادي، زي أي قهوة،" قالت حالا بتعلثم. "طب كلي،" قال خالد وهو يلف يده حولها. أكلت بسعادة وهي تنغمس بأحضانه، قائلة حين انتهى: "تعالى نرجع نرتاح شوية." "لا بلاش، ورايا شغل،" قال خالد بنفي. "طب هودي الكوباية وأجي أقعد معاك،" قالت حالا بتفكير.
"حاضر،" قال خالد وهو يقف ويشدها لتصطدم بصدره العضلي. وقبل جانب جبهتها، فذهبت. لتمر الأيام ويمر حوالي شهر وهم هكذا. كانوا لا يتجاوزون حدودهم. أما هي، كلما فكرت بياسين، تنفض أفكارها. لكن مهلاً، حين مر كل هذا، تذكرت أنها تأخرت. وجميل ياسين عليها لا يجب أن تفعل هذا. يجب أن تترك خالد وتعود. حسمت أمرها بعد شهر تفكير أن تخبره أنها متزوجة وتعود حيث أتت.
نزلت من غرفتها لتجده في يوم يتحدث مع أحدهم، وكان رجل بنهاية العقد الخامس. "عرفت يا بابا قيمة الأرض ومش ههدها نهائي، خليها كدة الناس تعيش منها أحسن ما أقطع عيش كل دول،" قال خالد بابتسامة. "اتغيرت وبان عليك الطيبة والحب يا خالد،" قال معتز بابتسامة. "اه اتغيرت، وقريب هفرحك يا والدي وهظهر للكل مرات خالد الفيومي،" قال خالد متذكراً معشوقته. أغمضت عينيها بصدمة. هذا خالد الفيومي؟
تعرفه، أكبر عدو لياسين في شركته. كم حدثها عنه؟ هل هل كذب عليها وفهمها أنه مزارع بسيط؟ فهي تختلف عن الكل. مهلاً، وهي كاذبة، كاذب وكاذبة، ههه. ضحكت بسخرية بداخلها. ستؤنبه على شيء هي أيضاً فعلته. والآن، لربما هذا حدث لتفيق. ذهبت لغرفتها. مسكت ورقة وكتبت: "كل شيء انتهى بيننا. كذاب وكذابة مينفعوش." وتركتها وأخذت مفتاح السيارة التي لم يتعب نفسه يوماً في معرفة من صاحبها، وعادت حيث أتت. "طب هو مين؟
" قال ياسين وهو يمسح دموعها. لم ترد أن تخبره حتى لا يتحول الموضوع لبيزنس. وصمتت، محركة رأسها علامة الرفض. فتفهم أنه ليس الوقت المناسب للضغط عليها. اكتفى باحتوائها بذراعيه. في نفس وقت دخول ماهي، التي شهقت ونظرت للأرض. "آسفة يا ياسين بيه،" قالت ماهي بغيرة ودموع. "دخلتي كدة ليه؟ مش فيه سكرتيرة وبابا؟ تخبطي عليه؟ " قال ياسين بحدة، فهو مازال عصبي اتجاهها.
تمردت دموعها. فهو أخبر السكرتيرة أنها تدخل وقت أرادت. وهي ظنت أنه وحده. كانت آتية لتصالحه وتخبره مدى غيرتها من زوجته وأنها لن تعمل. لكن الآن عرفت، هو يحب زوجته. وهي كانت البديل حين ذهابها. لا تعرف أنه عاشق لتلك البسيطة. سمعت حالا تقول بصوت مبحوح: "إيه اللي، يا ياسين؟ مش كدة؟ الله! "حالا، اسكتي! يعني مش هعرف أحكم موظفيني؟ أبقى منفعتش مديرهم؟ " قال ياسين بعصبية.
تحولت دموع تلك إلى شهقات مكبوتة وهي تكتم فمها. فحزنت لأجلها حالا كثيراً. هي فتاة وتعلم ما يسببه بني آدم من جرح قوي. فقالت بعصبية: "ياسين، كفاية بقى. مفيش حاجة مستاهلة." تنهد بصوت مسموع، حقاً غيرته عمياء. وقال بضيق: "عايزة إيه يا ماهي؟ مسحت دموعها بقوة ونظرت له: "كنت جاية آخد إجازة مفتوحة، بس غيرت رأيي." ابتسم، فهو كان سيرفض. لترمي ما جعله يجن: "هكتب استقالتي. أنا مش ملتزمة بعقد."
تركته وذهبت. فضحكت حالا وهي تراه يكاد يجن. فقد انقلب السحر على الساحر، قائلة: "تستاهل. روح صالحها بقى. البنت بصراحة صاروخ." "افورة! " قال ياسين بوجه عابس. "افورة دا انت هببت الدنيا. امشي يا ياسين." ذهب مسرعاً لمكتبها، لم يجدها، بل وجدت ورقة بظرف. ففتح ليجد استقالتها أولاً، ثم ورقة بها: "الظاهر إن البديل ملوش لازمة لما الأصل يرجع. مبروك رجوع مراتك يا ياسين بيه."
أغمض عينه يستوعب ماذا ظنت تلك. عاد المكتب والصدمة نصيبه. وجلس أمام تلك التي عادت شاردة. فنظرت له. ليمد يده بالظرف. رآته وضحكت ودموعها تتساقط. "الظاهر إننا سوا هنسبب التعاسة لبعض. قوم لمراتك، أنا معتش أمل، بس أكيد انت لسه. قوم روح ليها يا ياسين، وطلقني." ظل جالس بحزن ينظر لتلك التي لم تفرح يوماً كالبشر. بحزن يقسم أنه لن يتخلى عنها إلا وقت أن يسلمها لحبيبها الذي يصونها. وسينسى ما قالته أخيراً: "طلقني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!