حُطم قلبها وتناثر لشروخ من الأوجاع، كيف تحتمل الأنين من حطمها؟ ظنت أنه محبوبها. كيف ستتمكن من العيش وهو من ظنت أنه حماها وأمانها؟ القلب خرج عن الطواف وتهشم بصوت استمعت له جيداً، لتكون العقوبة قاسية حتى لا تنخدع وتسقط بالهواجس مجدداً. أغمضت عينيها كثيراً في محاولة باتت بالفشل لتقبل حقيقة ما تراه. لا، ليست بحلم سيئ ولكنها بواقع مرير، واقع دعسها به بخيط الخيانة القاسي.
يا الله، لم تحتمل رؤيته وتلك المرأة بين يديه. هوت دمعاتها على وجهها المتصلب، فرفعت يديها على فمها تكبت شهقاتها. لم يكن في أوسع مخيلاته أنها ستصعد لغرفته. فأقترب منها بصدمة بعدما ارتدى قميصه. هرولت تلك اللعينة للخارج، من أباحت جسدها للمحرمات مقابل مبلغ بخس حقير، اعتادت على مثل تلك المواقف.
تراجعت للخلف وبداخلها أنين وآلام. لم تقو على رؤيته أمامها بعدما رأته منذ قليل، فركضت سريعاً والدموع تكسو وجهها بشدة. فكلما كان يشتد كانت تسرع بالركض، لعلها تختفي عن حدود مملكته الوضيعة التي باتت كالجحيم بالنسبة لها. جذبت آخر رابط بينهما من بين أصبعها، ثم ألقت به أرضاً بكل قوة. لم تعبأ به وهو يركض خلفها ويصيح باسمها حتى تقف ويخدعها من جديد. ركضت بقوة كأنها تقترب من مصيرها المجهول. فربما بداية لرحلة متعلقة للروح.
أفاقت منها على ألم بأنحاء جسدها حينما دعستها تلك السيارة بقوة، فسقطت أرضاً فاقدة لمذاق الحياة. من يراها يظن أنها لقت حتفها الأخير. بدأت الرؤيا تتلاشى شيئاً فشيء، فأخر ما رأته من يهرول إليها سريعاً بزعر ورعب شديد. من رفعت يديها بمحاولة بائسة أن يخرجها مما هي به، ولكنها هوت أرضاً حينما فقدت الوعي. حملها ذاك الشاب ذو العين السوداء كالليل الكحيل بين ذراعيه، فصرخ بقوة وخوف: "ليااااان... ليان!
أغمضت عيناها معلنة عن انهيارها بين أحضانه. حاول إفاقتها كثيراً وقلبه يكاد يتوقف. فأقترب منه هذا الخائن بزعر وهو ينحني لها، فصاح به بكتلة من جحيم وصوت بدا كهلاك موته: "قرب من هنا وهتشوف ردة فعلي بنفسك." رفع رأسه قائلاً بخوف من أن تكون أخبرته بخيانته: "أنت بتكلمنى كدا أزاي؟ نسيت نفسك؟ نظراته كانت كافية لبث الرعب الذي بدا على وجهه، فتراجع للخلف برعب شديد لعلمه ماذا سيتمكن هذا الشاب ذو الجسد الرياضي الممشوق.
حملها بين ذراعيه وتوجه سريعاً لسيارته، وضعها بالمقعد الخلف. فجلست إحدى رفيقاتها من كانت بالحفل الذي أقامه هذا المعتوه للاحتفال بميلاده. فلم يكن في أوسع مخيلاته حضورها. توجه ليجلس بمقعده ملقياً عليه نظرة مميتة ختمها بصوت الأشد من طلقات الموت: "ليان لو جرالها حاجة، ورحمة أبويا ما هيكفيني فيك رقبتك."
وصعد لسيارته يقودها بجنون وهو يتطلع لشقيقته برعب شديد. لم يتمالك أعصابه من التفكير بما فعله هذا الأحمق. نعم، أخبرها من قبل بأنه مخادع، ولكنها كانت متشبثة به وعارضت أخاها لإتمام هذا الزواج، فأتى هذا اللعين ليحطمها. ولكن مهلاً، فربما لا يعلم ما يخبئه المجهول من عشق وُحد بخيط رفيع من القدر ليربط روح بروح أخرى تبعد عنها أميال وتجمعهم صدفة متخفية بدقائق لتجمع عشق بين قلبين لم يرى بعضهما البعض!!!
لكم مقبض السيارة بقوة وغضب جامح، فصف سيارته بإهمال وحملها للمشفى وهو يركض بقوة كبيرة، حتى أتت الممرضات لتزف هذه الفتاة لغرفة العمليات. جلس على المقعد المقابل للغرفة بإهمال وقلبه يكاد يتوقف من الخوف على شقيقته، فهي الوحيدة التي تعنيه بتلك العائلة المتعجرفة، حتى والدتها لم تر حبه الكبير لها، كل ما تراه أنه مجرد ابن زوجها!!
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انقلبت المشفى بعائلة مسعد الحمزاوى، فهرولت تلك السيدة ذات العقد الرابع من عمرها إليه قائلة بصراخ قوي: "عملت في بنتي إيه؟ رفع عيناه لها بصمت قاتل. فرفعت يدها تحركه بقوة كبيرة، فأبعد يدها عنه ونظرات الغضب تتمكن منه، ولكنه لمح من تقف على بعد ليس بكبير ونظراتها تذكره بما زرعته به من أخلاق لا تصرح له بهذا التصرف، فغادر إليها بصمت. رفعت عيناها بدموع: "إيه اللي حصل يا ابني؟
قبل أن يجيبها كانت تلك المرأة من اقتربت إليها قائلة بغضب وغيرة واضحة للغاية، غير عابئة بابنتها التي تصارع للحياة: "إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنا مش قولتلك أخرجي من حياتنا إنتِ وابنك، إنتوا إيه؟! كاد الحديث بجمرة عيناه المخيفة، فتمسكت بيده قائلة بهدوء: "خلّي مشاكلنا على جنب يا حنان، مش وقته. عايزين نطمن على ليان."
انصاعت لها وتوجهت للمقعد ودمعها يغزو وجهها، فبداخلها جزء يحمل شيئاً من الأمومة يصعب وصفه، رغم إهمالها بابنتها التي تفضل زوجة أبيها عن والدتها!! جلست فاتن والدة محمود على المقعد والدموع تشق طريقها على ليان، فأخذت تدعو الله أن ينجيها. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى خرجت الممرضة تهرول بفزع، فأقترب منها محمود قائلاً برعب: "في إيه؟ أخبرته وهي تهرول لزميلتها:
"المريضة خسرت دم كتير وللأسف فصيلتها نادرة جداً ومش متوفر في المستشفى غير كيس دم بس، وإحنا هنحتاج أكتر من كدا." جذبتها حنان بغضب شديد: "يعني إيه مفيش غير كيس واحد؟ " ثم استدارت لمحمود قائلة بتشفى وحقد دفين: "هي دي مستشفى اللي إنت جايب بنتي فيها؟ أنا هخرجها من هنا فوراً لأيطاليا." أقترب منها محمود قائلاً بهدوء مريب: "هتخرجيها إزاي وهي بالعمليات؟ أنا هتصرف، متقلقيش. ليان مش هيجرالها حاجة."
وقبل أن تجيبه كان قد اختفى من أمامها، فأسرع لسيارته بسرعة كبيرة لإنقاذ حياة شقيقته. خرجت الممرضات واحدة تلو الأخرى بخوف شديد وحزن على خسارة تلك الفتاة، إن لم يتوفر لها نفس الفصيلة، فربما عشق الروح بمكان قريب منها، وربما حائل الطفولة الغامض على بعد مسافات!
توجه للخروج وصدى خطاه يتردد بالممر الخاص بالخروج. وسامته كانت ملفتة للانتباه، فكان محور النظرات بالمشفى. نعم، اعتاد عليها، فأخرج نظراته بملل ليحجب عنه النظرات. فعينيه فشل الكثيرون بمعرفة لونها، فكان سبب جدال النظرات من حوله. أبطأ خطواته حينما استمع لحديث الممرضات عن تلك الفتاة التي تصرع الموت لحاجتها لفصيلة تجري بعروقه. أقترب منها قائلاً بصوته الرجولي الثابت: "أنا فصيلتي متطابقة."
استدارت الممرضة بلهفة لصاحب الصوت، فوجدته شاباً في أواخر العقد الثاني من عمره، يقف أمامها بثقة لا يمتلكها سوى مدرب كمال أجسام أو لاعب محترف يعلم جيداً أنه سيفوز بمباراة وسط عمالقة الأوزان. طويل وخصلات شعره السوداء مصففة بحرفية، ولكن مع تمرد بعض الخصلات لتهبط على نظارته السوداء التي يخفي عينيه الساحرة خلفها.
فرغت فمها وهي تتأمله، إلى أن تدخلت زميلتها قائلة على وجه السرعة وهي تشير له على مكان غرفة العمليات، فلم يكن هناك وقت كافٍ ليدلف لغرفة منفصلة: "حضرتك بتعاني من أي مرض ضغط، أنيميا، أي حاجة معينة؟ أتابعها بثقة للغرفة قائلاً بنبرة ثابتة: "لا."
حمدت الله كثيراً ووضعت ستاراً عازلاً بينها وبينه. خلع جاكيت الأزرق ثم كشف عن ذراعيه بعدما جذب قميصه الأبيض المرسوم على جسده كأنه صنع له، ليتمدد على الفراش يمنحها حياة قد قدمتها له من قبل بالماضي أو بحلقة مجهولة ربما لم يتم العثور عليها، فيعلم أن من وهبته الحياة منذ خمس أعوام هي من يعزلها عنه ستار كحاجب العهد. جذب هاتفه ليجد اسمه لامعاً على هاتفه، فبعث برسالة نصية لعدم قدرته على الحديث
من داخل غرفة العمليات: "أكيد عملت حاجة؟ أجابه الآخر: "مش أنا، طارق عمل كارثة ويزيد مش هيرحمه المرة دي، لازم ترجع القصر حالا." "كارثة إيه دي؟ "لما ترجع هقولك، مش هينفع الكلام على الفون." "أنا مش راجع القصر غير متأخر لأني عندي meeting، خلي حد من الاستقبال يبعتلي معلومات الصفقة اللي الحيوان شريف بوظها عشان أعرف أحل الموضوع قبل ما يزيد يعرف."
"أوك، بس عشان خاطري حاول ترجع بدري، أنا مش هعرف أخبي عن يزيد أكتر من كدا وأنت عارف أنه هيعرفني على طول." "أوك يا سيف، سلام." "سلام يا إمبراطور مملكة نعمان." "التسجيل دا يبقى طارق عمل كارثة وحضرتك حابب تتشفع له عشان عارف إني هعرف، بس افتكر حاجة واحدة، أنا أصعب من يزيد ميت ألف مرة، أظن رسالتي وضحت."
أغلق سيف هاتفه وهو في حالة من اليأس الشديد لعدم قدرته على تخليص هذا اللعين. نعم، ما فعله يستحق القتل، ولكن لم يرد لأخ أن يقتل أخيه، وربما بمكانة يزيد نعمان، فالأمر يحتاج للتفكير.
استند برأسه على الفراش إلى أن أنهت الممرضة عملها، فجذب جاكته على يديه بإهمال ثم توجه للخروج. رفع يديه على مقبض الباب ليخرج من الغرفة، ولكنه شعر بغصة تحتل قلبه، يشعر بها بعد سنوات عديدة بعدما فقدها. رفع يديه يتحسس قلبه بذهول من كونه مازال على قيد الحياة بعد أن فقدها. يعلم جيداً أنه إن ازداد بالتفكير فربما سيفقد ثباته المتزن. رفع نظراته على عينيه وتوجه للخروج. بالخارج. ولج إليهم مسرعاً قائلاً للممرضة بلهفة: "اتفضلي."
قالت بهدوء: "لا خلاص مفيش داعي." انقبض قلبه، فأسرت والدته بالحديث: "في واحد ابن حلال اتبرعلها يا حبيبي، أنا شكرته بنفسي على اللي عمله." بادلها بسؤال آخر: "طب وليان عاملة إيه دلوقتي؟ فاتن بهدوء: "الحمد لله الممرضة طمنتني عليها ونقلتها أوضتها تفوق وهندخل نشوفها إن شاء الله." جلس على المقعد قائلاً بفرحة: "الحمد لله." رفعت يدها على كتفيه بابتسامة هادئة، فهي تعلم مكانة ليان جيداً. ***** _***
بمكان منعزل عن الجميع وبداخل قصر مثير للجدل بتصميمه المختلف كثيراً عن باقي القصور، فهو على الطراز الحديث للغاية ومزيج من الكلاسيكي.
كان يقف بغرفته بصدمة ورعب حقيقي حينما أخبره رفيقه بأنها رفعت قضية تطالب بشرفها المنهوك على يد قذر مهين للبشرية. كان يتوقع أنها ستفعل مثلما يفعل الكثير وهو التكتم خوفاً من الفضيحة التي ستحلق بأهلها محدود الدخل، ولكن هيهات. ربما لا يعلم بأنها الجمرة النارية التي ستحرقه هو وصاحب النفوذ الداعم القوي له "يزيد نعمان".
ارتجف بقوة خوفاً من أخيه وابن عمه، فهو يكاد يكون هلاكه بعد آخر تحذير له من الوقوع بالأخطاء، ولكن ما ارتكبه لا يغتفر. فظن أنه بعد أن مر شهرين من اغتصابها بأنها ساكنت ولجأت للصمت، ولكن ما استمع إليه من رفيق السوء جعله يرتجف من الخوف لمجرد التفكير بما سيفعله ابن عمه مسؤول تلك العائلة أو أخيه!! ***************
على طاولة ضخمة للغاية تضم عدد كبير من أكبر رجال أعمال الشرق الأوسط، يتطلعون لمن يجلس على مقدمة الطاولة باهتمام كبير. فرفع يديه لتركض السكرتيرة بقلم ليوقع باسمه الطابع للقلوب "يزيد نعمان"، ثم ألقى الأوراق على الطاولة، فحملها هذا الرجل بسعادة، فإنعقاد صفقة مع يزيد نعمان تستحق السعادة.
فوقف كبيرهم رافعاً يديه بفرحة لينال شرف الاقتراب من يزيد نعمان. رفع عينيه الغامضة وهو يتطلع له بصمت مريب. بيده القلم يلهو به وعينيه تتأمل الرجل تارة ويده الممدودة تارة أخرى. كان الجميع يراقب ما يحدث باهتمام شديد، فوضع القلم على الطاولة ثم وقف بهيبته الطاغية ليظهر جسده الممشوق بحرفية، تاركاً القاعة بأكمله ليتواجه لمكتبه. لم يجد الرجل كلمات لموقفه، فجذب الأوراق وغادر بهدوء. **********
بقاعة الاجتماعات الأخرى الخاصة بشركات نعمان كانوا يجتمعون جميعاً بانتظار المسؤول الرئيسي عن الشركات، فزفروا بضيق لتأخره الملحوظ. حاول سيف التدخل، فالأمر زاد عن الحد قائلاً بأسف: (الحوار مترجم) : "أعتذر منك سيد ريان، فلابد من وجود شيئاً ما." زفر هذا الرجل قائلاً بضيق: "لم أنتظر أحداً من قبل، فتلك الإهانة لن أبتلعها." رفع سيف عينيه بغضب شديد قائلاً بصوت خافت: "أتأخر كدا ليه؟ وقف الرجل الآخر قائلاً ببعض الهدوء المخادع:
"اهدأ سيدي، فالسيد مالك معروف للجميع بمواعيده الدقيقة، فربما هناك خطب ما." "وربما تعمد ذلك." قالها هذا الشاب الوسيم الذي تخطى للداخل بخطى ثابت للغاية ليجلس على رأس تلك الطاولة الضخمة، واضعاً ساقه فوق الأخرى بثقة وعينيه تتحدى من يقف أمامه بكبرياء.
تعجب البعض من وجود هذا الشاب الصغير داخل مكتب مالك نعمان المسؤول الأول عن تلك الإمبراطورية، فظن البعض أنه ابنه، لم يكن بمخيلاتهم أن من أدار تلك الإمبراطورية هو شاب لم يتعدى الثلاثين من عمره!!! خرج صوت ريان بغضب جامح لسيف: "أترحّب بالإهانة لنا بمكتبك، حتى من يعمل هنا لا يعرف كيف التحدث إلى سيده." تلونت عينيه الممزوجة بين اللون الرمادي والأزرق الفاتح، فعينيه مثيرة للجدل، فلم يتمكن أحداً من معرفة لون محدد لها.
خرج صوته قائلاً بصوت كالرعد: "أنت هنا بمملكتي يا ريان، إذاً دع الحديث عن الأسياد ببلدك، ولكن هنا تعلم كيف الحديث." ليتطلع الجميع لبعضهم البعض بذهول، فقال من يقف جوارهم: "كيف لك بذلك المكان؟ ملك للسيد 'يزيد نعمان' ووالده 'مالك نعمان'؟ تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية: "أعتذر، ولكن والد السيد يزيد توفاه الله منذ أكثر من عشرة أعوام." صدم الرجل قائلاً بذهول: "إذاً من هو مالك نعمان؟!! رفع عينيه قائلاً بصوت يحمل الكبرياء
بطياته والسخرية بمحوره: "من يجرؤ على الجلوس بمقعده سواه." صدمة أخرى للجميع أن من أمامهم هو "مالك نعمان" المؤسس القوي لمجموعات "نعمان". لم تكن بأوسع أحلامهم أن من أسس تلك الإمبراطورية هو شاب صغير للغاية، لا الواقع مرير. فربما لم يروا الوجه الآخر للعملة المعدنية "يزيد نعمان". لم تعرف الكلمات مخرجها، فابتسم قائلاً بهدوء: "أخبرني يزيد بأمر الصفقة التي تمت بينك وبين المقر الرئيسي المسؤول عن الصلب."
أجابه بعد عدد من المحاولات لتفادي الصدمة من كونه مالك نعمان: "ولكن لم تتم إلى الآن." ضيق عينيه قائلاً بسخرية: "كيف لها بدون توقيع خاص بي!! لقد أوقفت العمل عليها حتى تأتي إلي هنا لنتعاقد فيما بيننا، فالحديث بين المندوب ليس من مقام شركات نعمان، والآن دعني أدرس الملف بإتقان ثم أبعث لك بقراري." تطلع له البعض بغضب والبعض بذهول والآخرون بابتسامة متخفية كرفيقه سيف. خرجوا جميعاً وتبقى سيف قائلاً بإعجاب: "إيه دا؟
دانت عملت معاهم الصح." توجه لمكتبه الرئيسي قائلاً بنبرة كالسيف: "وأي حد هيفكر يقلل من المكانة اللي وصلنالها أنا ويزيد هيكون نفس المعاملة واكتر. أنا كدا ربيتهم بطريقتي." تطلع له بابتسامة إعجاب: "إنتوا بقيتوا في السوق إنت وابن عمك زي الغول بالظبط، مستحيل حد يرمي نفسه تحت إيديكم." جذب الملف قائلاً بثبات: "كنت بتقول طارق عمل إيه؟ صمت قليلاً، فرفع مالك رأسه ليرى رفيقه يكبت غضبه بشدة، فخرج صوته أخيراً:
"ما تقول يا ابني في إيه؟ كاد أن يجيبه ولكن قاطعهم من ولج للغرفة بعدما طرق الباب، يحث سيف على التوجه لمكتب يزيد. تطلع له فرفع يديه على كتفيه قائلاً بثبات: "روح وأنا هخلص الملفات اللي معايا ونتكلم." أشار له برأسه وتوجه لمكتب الغول كما يلقب.
بينما جلس مالك يتابع عمله، فوقعت عيناه على تلك اللاصقة الصغيرة على يديه تذكره بنبضات قلبه المتسارع حينما كان يتجه للخروج من غرفة العمليات. عاصفة الماضي طوفت به بقوة لتجذبه بلا رحمة لماضي ينهش بقلبه المتحجر فيجعله بلا روح، قلب ممزق بأنين الفراق والبعد والهوان. فلاش باك. قاد السيارة بجنون قائلاً بابتسامة ساحرة وهو يتأمل من تجلس جواره: "لا بجد مش مصدق، أنتِ يا ليان؟ أنتِ؟! أجابته بغرور:
"أيوا، أنا مش زوجة مالك نعمان، لازم أحط الحد الكويس." تعالت ضحكاته قائلاً بعشق: "إنتِ قلب مالك ونبضه وكل ما يملك. هههه، بس برضو مكنش ينفع تعملي فيها كدا." صمتت قليلاً ثم قالت بتفكير: "ما هي إلا قلت معايا أدبها، وبعدين أنت اللي علمتني الحركتين دول، أدتهالها صح." ترك مقبض السيارة واستدار بوجهه قائلاً بعشق: "بعد جوازنا هعلمك أكتر من حركة مش حركتين بس." تطلعت له بفرحة كبيرة: "بجد يا مالك؟ لمح سحر عينيها الرمادي قائلاً
بهيام: "بجد يا روح قلب مالك." تطلعت أمامها بخجل فقالت بارتباك: "قولتلك ألف مرة هدي السرعة شوية." ابتسم قائلاً بعشق: "لا، موعدكيش. عايز ألحق أقعد معاكي شوية قبل ما أروحك." شعرت بخوف شديد فقالت برعب: "يا مالك، حرام. أنا بخاف من السواقة بتاعتك دي، هدي شوية."
كاد أن يجيبها ولكن صوت صرخاتها حينما انقلبت السيارة بقوة كبيرة لتجثو أرضاً وتتحطم لآلاف من القطع، كأنها تنهي انتهاء حياة قلب اعتاد النبض للمعشوق. آخر ما استمع إليه صوتها وهو يهمس باسمه قبل أن يغيب عن الواقع. أخرجه من شروده صوت الهاتف، فرفعه بعد محاولات باتت بالنجاح لرسم التعبيرات الهادئة على وجهه. "وحشتني أووووي." ابتسم لتتلون الوسامة بعينيه: "مش عارف لحد إمتى هتفضلي تبكي عليا! تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية: "أنا!!!
على طول ظالمني كدا؟! استند برأسه على المقعد قائلاً بابتسامة هادئة: "عايزة إيه من الآخر كدا؟ ابتسمت قائلة بغرور: "تعجبني وأنت فاهمني كدا." رفع يديه يتأمل ساعته بضيق: "طب انجزي عشان مش فاضيلك." تأففت بضيق: "في حد يكلم أخته الصغيورة كدا؟! مالك بنفاذ صبر: "اقفلي يا منار، وأما أرجع نشوف اللي عايزاه، ما أنتِ وشاهندة عاملين عصابة اجتماعية." تعالت ضحكاتها قائلة بسعادة: "ربنا يخليك لينا يا رب يا ناصر الغلابة في قصر الغول."
ابتسم قائلاً بمكر: "إيه دا؟ يزيد؟ أغلقت الهاتف سريعاً، فعاد للعمل وإبتساماته تنير هذا الوجه الوسيم. *********** بغرفة المكتب الخاصة بالغول كما يلقبه البعض. دلف للداخل بقدم مرتعشة، فكيف سيخبره بما ارتكبه أخيه تلك المرة؟ هل يحمل بقلبه ذرة شجاعة ليتجرأ على الوقوف أمام يزيد نعمان ويخبره بأن أخيه فتك بشرف فتاة بريئة؟
نعم، هو الرفيق المقرب له، بل يشبه الرفقة للروح، ولكنه لم يجرؤ قط على تخطي الخطوط الحمراء لقاموس يزيد نعمان. رفع هذا الشاب ذو العين الخضراء عينيه ليجد القلق مصاحباً لوجهه، فأشاح بنظراته على الحاسوب قائلاً بهدوء مميت: "هعرف بالنهاية، فياريت تقصر وقتك وتنجز." ابتلع سيف ريقه بخوف شديد ثم قال بصوت يكاد يكون مسموع: "يزيد، أنا بقول نتكلم لما نرجع القصر أحسن."
رفع عينيه التي كادت أن تقتل رفيقه، ثم تخل عن مقعده ليقترب منه قائلاً بصوت كالرعد: "في إيه يا سيف؟ فشل في السيطرة على شجاعته المصطنعة قائلاً بصوت مرتجف: "طارق أ.. " ضيق عينيه بعدما ترك مقعده ليحتل مكانة المصارع المحترف بجسده الممشوق قائلاً بصوت تخل عن هدوئه: "ماله سي زفت؟ سيف بعصبية لعلمه بالوقوع بطريق خاطئ: "أخوك عمل كارثة، والمرادي لا أنت ولا مالك هتقدروا تخلصوه منها."
بدت ملامحه تتبدل شيئاً فشيء، فعلم سيف أنه على وشك خسارة حياته على يد ابن خالته، فأسرع بالحديث لعلمه سبب الغضب المزلزل: "طارق اغتصب بنت بريئة يا يزيد، معرفش يوقعها غير بالطريقة الواسخة دي، والبنت من عيلة فقيرة جداً، بس الشرف عندهم أغلى ما يكون." لم يحتمل النظر لذلك الوحش المفترس أمامه، فأقترب منه قائلاً بخوف شديد: "اتكلم معاه براحة يا يزيد، أنا عارفك كويس."
لم يجبه وخرج من المقر المحفور باسمه الخاص "يزيد نعمان"، صنعه بالكد هو ومالك بالعمل ليرفعوا مقامه معاً بين الجميع، ولكن بوجود شقيق مثل هذا الأحمق يجعله يفقد اتزانه الخاص. ربما لا يعلم بأن الفاتورة لتخليص عذابها ستكون غالية للغاية، وربما سيكون جزء منها. وربما ستكون جمرة النار التي ستشعل إمبراطوريته العريقة.
زفر سيف بغضب شديد وهو يشدد على شعره الطويل، فأخرج هاتفه يحاول التواصل لمالك، ولكنه تفاجأ به مغلق، فتذكر بأنه أخبره بأمر اجتماعه مع مسؤولين البحرين، فرفع الهاتف محدثاً العمود الآخر بالصداقة، لم يجيبه، فصاح بغضب: "رد يا شريف." أتاه صوته بعد قليل قائلاً بنوم: "صباح فل." سيف بغضب جامح: "صباح الزفت على دماااغك، فووق واسمعني، يزيد جاي القصر، والمرادي اللي طارق عمله محدش هيقدر يحميه." ابتلع شريف ريقه بخوف قائلاً برعب:
"آه، وانت بقا مسلطني في وش الموت وعايزني أنقذ طارق من أمنا الغول اللي هو يزيد؟ سيف بغضب جاااامح: "شريف 5 دقايق وتكون بقصر يزيد، قبل ما أنا اللي أطلع بروحك." وأغلق بوجهه الهاتف. تطلع شريف للهاتف قائلاً بفزع وهو يهرول لثيابه: "ربنا يخدكم على الصبح، أنا ناقص رايح للموت برجلي، هو يزيد معاه هزار منك لله يا طارررق، منك لله. يا ترى المرة دي هببت إيه؟! ******* بقصر "مالك نعمان". دلف للداخل سريعاً، فصطدم بها لتصرخ قائلة بغضب:
"مش تفتح يا حيوان أنت! شريف بغضب شديد: "بت انتِ غوري من وشي الساعة دي." شاهندة بغضب أشد: "أنت بتكلمني أنااااا؟! شريف بصراخ غير عابئ بها: "طارررق أنت يا زفت." جذبته من ثيابه قائلة بغضب جامح: "خاليك معايا وسيبك من طارق." شريف بابتسامة متسعة:
"طب اسمعي بقا يا قلبي، ابن خالتي اللي هو أخوكِ جاي على هنا، مش عارف الحيوان اللي فوق دا عمل إيه بالظبط، بس اللي فهمته من سيف إن حياته وحياتنا جميعاً بخطر، وإنتِ أكتر واحدة عارفة أخوكِ يزيد هتحلي عني وتخليني أحل الموقف، ولا كعادتك هتقفي تعلي صوتك العسل اللي أول ما يزيد يشرف هيتبلع." ابتلعت ريقها بخوف شديد، ثم هرولت لغرفتها وأغلقتها سريعاً.
أما شريف فهرول للأعلى سريعاً يبحث عنه بغضب شديد، إلى أن وقعت عيناه عليه بغرفته يجلس والرعب بادٍ على وجهه. شريف بغضب شديد: "أنت مش سامعني بنادي عليك يا زفت! زفر بغضب: "بقولك إيه يا شريف اخرج من دماغي لحسن أنا على آخري." جلس جواره قائلاً بسخرية: "تصدق إنك بجح وعديم الذوق؟ بقا أنا سايب اللي ورايا وجاي أنقذك من الغول وفي الآخر تكلمني بالأسلوب دا؟ انقبضت أنفاسه فقال برعب: "يزيد؟ هو عرف؟!! أقترب منه قائلاً بشك:
"عرف إيه بالظبط؟! ابتلع ريقه بخوف شديد ثم صاح بقلق: "أنا هخرج من القصر قبل ما يرجع." وتوجه للخروج، ففتح باب غرفته لتتخشب قدماه بمحلها حينما يراه يقف أمامه بطالته القابضة للأرواح، تراجع للخلف بزعر شديد، حتى شريف شعر بأن هذه المرة هناك أمراً مريب. نظراته هي من تتحدث بديل عنه. كجحيم ملون لمن يتجرأ على الوقوف أمامه، فكيف له من فعلته الانتساب لتلك العائلة؟ حاول شريف التدخل قائلاً بهدوء: "يزيد، ممكن تهدأ ونتكلم."
مازالت نظراته على أخيه قائلاً بهدوء قاتل: "سيبنا لوحدنا." تطلع له طارق برجاء شديد، فقال بصوت مرتبك لعلمه بقوانين الغول: "يزيد أ.. " قاطعه باقية كلمته نظرات يزيد التي تحولت من ذاك اللعين لتتسلط عليه، فتوجه مسرعاً للخارج. تراجع طارق للخلف برعب حقيقي، فخرج صوته أخيراً: "الكلام اللي سمعته دا صح ولا غلط؟ رفع يديه قائلاً بخوف: "يزيد ممكن تسمعني." قاطعه بحدة وصوت كفحيح الموتى: "صح ولا غلط؟
تعبيرات وجهه كانت كفيلة بالإجابة على جميع الأسئلة المطروحة أمامه، فرفع يديه يكيل له اللكمات المتتالية بغضب جامح قائلاً بصوت يتهلل له الجحيم: "ليييه؟!! ليه تعمل في بنات الناس كدا؟ دا آخر توجيهي وتعليمي ليك." طارق بخوف شديد: "اسمعني يا يزيد، البنت دي كدابة، أنا معملتش فيها حاجة." جذبه أمام لهيب عينيه قائلاً بغضب شديد: "وكمان بتكذب؟ لم يتمكن من الحديث، فخارت قواه أمام هذا الوحش الكاسر. بالخارج.
بكت بخوف شديد وهي تستمع لصرخات أخيها، فتشبثت بيده قائلة برجاء: "اعمل حاجة يا شريف." ألقى هاتفه بغضب شديد: "سيف مش بيرد، وانتِ أكتر واحدة عارفة مين بيقدر ليزيد." أجابت بخفوت: "أبيه مالك كلمه بسرعة." وركضت للهاتف وناولته له، فتطلع لها قليلاً ثم قال بارتباك:
"يا شاهندة، إحنا منعرفش طارق عمل إيه، فلو دخلنا مالك في الموضوع هيحله، بس عقاب طارق هيكون أضعاف، وإنتِ عارفة مالك كويس، مفيش معاه تهاون، على عكس يزيد بيخرج غضبه وبعدين بيهدأ." صاحت به بقوة وبكاء: "مش وقته، اتصل بيه بسرعة، هو اللي هيقدر يتدخل بينهم." وبالفعل أخرج شريف هاتفه يحاول الوصول لمالك، ولكن تفاجأ بصوت هاتفه يأتي من خلفه، فاستدار ليجده يقف أمامه بطالته الطاغية. أقتربت منه بلهفة قائلة ببكاء:
"أبيه مالك، يزيد هيموت طارق، أرجوك ألحقه عشان خاطري." رفع يديه يزيح دموعها قائلاً بثباته المعتاد: "متقلقيش يا شاهندة، بس روحي أوضتك وأنا هشوف إيه." أبت التحرك وعيناها على باب الغرفة المغلق بإحكام، فتطلع مالك لشريف قائلاً بحزم: "خدها على أوضتها." أشار له بتفهم ثم جذبها كما أخبره مالك. أما هو فتوجه للغرفة والغضب ينعش بقلبه بعدما علم ماذا فعل هذا اللعين، بعد أن ضغط على سيف، فقص له هو الآخر.
دلف للداخل بخطاه الثابت ليجد رفيق دربه بحالة من الجنون يكيل له الضربات بغضب جامح. أقترب منه قائلاً بهدوء: "يزيد، سيبه." لم يستمع له، فكل ما يراه أمامه جرائم كثيرة يرتكبها هذا الأحمق الذي يود الفتك به. جذبه مالك قائلاً بغضب شديد: "مش قولتلك سيبه." تطلع له يزيد وهو يلتقط أنفاسه بفعل مجهوده المفرط على ذاك اللعين الذي احتضن دماء وجهه برعب شديد من نظرات مالك المريبة. يزيد بصوت جمهوري: "بتبعدني عنه ليه يا مالك؟
الحيوان دا مش هيسكت غير لما يخرب كل اللي بنيناه." مالك بهدوء مخيف لطارق: "ممكن تهدأ شوية." تطلع له يزيد بسخرية: "أهدأ؟!! بقولك الحيوان دا اغتصب بنت بريئة وتقول لي أهدأ؟ أنا لو مقتلتش روحه النهاردة مبقاش يزيد نعمان." تعالى صوت مالك قليلاً: "اتحكم بأعصابك يا يزيد، مش هعيد كلامي تاني. قولت لك ألف مرة قبل ما تتصرف أي تصرف، حكم عقلك بدل قوتك." بادله بسخرية: "عقل!!! هو اللي عمله محتاج عقل؟!!
البنت حامل ورافعة قضية وتقولي عقل؟!! مالك بهدوء: "اخرج بره يا يزيد." "نعم؟! قالها بغضب شديد، فأقترب منه مالك قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش: "إنت عارف إني مش هتهون معاه على اللي عمله وهخليك تشوف بنفسك اللي هعمله، بس من هنا لوقتها، سيبني أنا اللي أتصرف." تطلع له يزيد بنظرات محتقنة، ليقرأ عينيه بحرفية نشأت منذ الطفولة، فرمق أخيه بنظرة نارية ثم خرج من الغرفة صافقاً الباب بقوة كبيرة كادت أن تحطمه كأنه من زجاج.
وقف هذا الطوفان الهادئ بنظراته، فرفع طارق عينيه المتورمة من أثر اللكمات قائلاً بصوت منخفض: "مالك، أنا.." قاطعه بسخرية: "إنت إيه؟!! ليك عين تتكلم؟ أنت أقل ما يقال عنك حقير ووسخ، عايش حياتك بالطول وبالعرض، ميهمكش أي حاجة غير رغباتك الرخيصة اللي هتدمرك دنيا وآخرة. بس الحق مش عليك، الحق علينا إحنا اللي تعبنا ليل ونهار عشان نعمل القصر اللي حضرتك فيه دا. ثم
أقترب ليكون على مقربة منه: "أنا وأخوك تعبنا ليل نهار عشان تكونوا مرتاحين في حياتكم ومتحتاجوش لحد، عملنا نفوذ وسلطة وإمبراطورية كاملة رغم إن سننا متعداش الثلاثين، حرمنا نفسنا من أبسط حقوقنا عشانكم." تلونت عيناه بجحيم مريب قائلاً بصوت محتقن: "اتغاضيت كتير عن أخطائك، لكن المرة دي لا يا طارق، اللي عملته صعب أوي، واللي جاي هيكون أصعب، بس عليك أنت." خرج صوته أخيراً: "ارجوك يا مالك اسمعني."
رفع يديه بوجهه محذراً إياه من التحدث، فتحلى بالصمت حينما تحدث هو قائلاً بعصبية شديدة: "أنا اللي هتكلم وأنت اللي هتسمعني، البيت دا اللي تعبنا فيه أنا ويزيد مش هسمح إنه يتدمر، عشان كدا من النهاردة مالكش مكان فيه، شاهندة ومنار خط أحمر، مفيش رابط بيجمعك بيهم ولا بعيلة نعمان، أنا مأمنش لحد فيهم معاك." صدمات كبيرة يتلقاها بقوة، وخاصة من ذكر أسماء شقيقاته!! أقترب منه مالك بتحدي قائلاً بصوت مريب:
"أنا مش زي يزيد هستخدم قوتي وفي الآخر ترجع لنفس الشيء. افتكر آخر تحذيري ليك، ودلوقتي جه وقت التنفيذ." رفع يديه قائلاً بصوت كالرعد: "مفاتيح عربيتك وكل حاجة تخصنا." تطلع له بصدمة، فجذب منه المفاتيح والمال، ثم دفشه قائلاً بصوت كعداد موته:
"لو شفتك هنا تاني ولو صدفة، ورحمة أبويا وأبوك لأكون مسافرك ليهم. موضوع البنت دي أنا هحله، بس مش خوف على سيادتك، بالعكس دا خوف على التعب اللي فضلنا أنا وأخوك نعافر عشان نوصله في وقت كنا فيه بالشارع." وقف يتأمله بصدمة، فأشار بيديه للحرس الذين أتوا على الفور لينفذوا أمر مالك بكل سرور. أخرجوه خارج القصر وهو يتأمله بعينيه الغامضة بعدما بعث برسالة لسيف الواقف على بعد ليس ببعيد عن القصر.
توجه مالك لغرفة المكتب الخاصة بيزيد، فولج للداخل ليجده يجلس بهدوء مميت وعلامات الغضب تحرف وجهه، فقرأ عتاب عينيه له، فرفقة السنوات جعلتهم كالكتاب المفتوح لبعضهم البعض. جلس على المقعد المقابل له يتأمله بانتظار لينفجر بالحديث كالمعتاد، وبالفعل ماهي إلا ثوانٍ معدودة وصاح بغضب جامح: "مسبتنيش ليه أخلص عليه؟! تطلع له قليلاً ثم قال بهدوء مريب: "وتفتكر دا الحل؟ شدد على شعره الطويل للغاية قائلاً بنفاذ صبر:
"أنا زهقت يا مالك بجد، خلاص جبت آخري مع الولد دا. مش عارف طالع لمين؟ بادله الحديث بنبرة مستكينة: "اللي عمله المرة دي صعب." تأمله بعين تحمل الزهول ثم صاح بغضب: "أنا نفسي أفهمك يا أخي! بجد بحس إنك مش فاهم نفسك أساساً." ابتسم بسخرية: "هنسيب المشكلة ونحلل فيا." تحدث بجدية: "طب والحل؟ رفع يديه يتفحص الوقت، فدلف سيف مسرعاً قائلاً وهو يتلقط أنفاسه بصعوبة: "جبتلك كل المعلومات اللي طالبتها يا مالك، وقبل الوقت."
تطلع ليزيد قائلاً بعد مدة من الصمت: "مفيش غير حل واحد بس يا يزيد، هو اللي هيخرجنا من المشكلة دي." تطلع له باهتمام، فأكمل مالك بهدوء: "لازم حد فينا يتجوز البنت دي." "أنت مجنوووون! قالها يزيد بغضب شديد للغاية، فأكمل مالك بنفس نبرة هدوئه المتزن:
"دا العقل مش الجنون. البنت مش هتتنازل عن القضية ولا هتقبل إنها تتجوز الشخص اللي عمل فيها كدا. من قبل ما سيف يجيب لي تقرير عنها وأنا واصلي كل حاجة بالنص. كمان نقطة مهمة، البنت حامل، يعني اللي في بطنها من صلب عيلة نعمان، مهما كانت الطريقة بس النتيجة واحدة. يا يزيد، وقولت لك ألف مرة لما تفكر، احسبها بالعقل، بلاش التسرع." جلس مجدداً وهو يشدد على خصلات شعره البني الغزير بضيق فتاك، فتدخل سيف قائلاً بهدوء:
"متنساش يا يزيد، الكل نفسهم إنك أنت ومالك تقعوا، وللأسف طارق بتصرفاته بيوقعكم بدون ما يحس." صمت مالك قليلاً وهو يفكر بأعدائه، ثم قال بصوت يعافر للحديث: "أنا هتجوزها." تطلع له يزيد بصدمة ثم صاح بغضب: "أنت بتضحك على نفسك ولا عليااا؟ أنت فاكر إني أهبل عشان أحطمك بالطريقة دي؟ مستحيل." سيف بخبث: "يعني الغول اللي هيشيل الليلة؟ رمقه بنظرة جعلته يبتلع ريقه بخوف شديد، فهرول للخارج بلهفة بالنجاة. جلس يزيد على المقعد قائلاً
بعد تفكير: "موافق، بس أكتر من أمضتي على العقد، متحلمش بأكتر من كدا. ولا هشوفها ولا تشوفني، ولا حتى عايز أعرف اسمها." مالك بجدية: "وهو دا اللي عايزينه." يزيد باستغراب: "وعيلتها هيوافقوا؟ زفر بغضب قائلاً بصوت محتقن: "أنا لو مكانهم كنت ولعت فيه، بس اطمن، سيب لي الحكاية دي، أنا هحلها. والحيوان أخوك وربي الكعبة لأخليها تكره اليوم اللي اتولدت فيه، اللي الشرطة هتعمله أهون مليون ألف مرة من اللي أنا بفكر فيه."
استند برأسه على المقعد قائلاً بألم: "اعمل اللي يريحك." أقترب منه قائلاً بابتسامة صغيرة: "الغول ضعف ولا إيه؟ رفع عينيه بحزن: "نفسي أجرب إحساس الضعف يا مالك، بجد محتاج أحس إني ضعيف، بس للأسف مينفعش." ابتسم بسخرية هو الآخر قائلاً بتأييد: "الكل بيستنى اللحظة دي يا يزيد عشان يتشفى فينا، بس متخافش، مستحيل أخلي الماضي يرجع من جديد، مستحيل." قالها بعين ترى ما حدث من سنوات أمام عينيه، فتجعلهم كالجمرتان الناريتان. *******
_******** توجه للخروج، فأصطدمت به. رفع عينيه ليجدها أمامه، فقالت بابتسامة رقيقة: "سيف، إزيك." تأملها بصمت وذكرياتها تجعله حزيناً للجراح، فقال بهدوء وثبات مريب: "الله يسلمك، أهلاً يا منار، أخبارك." شعرت بتغير لهجته، فقالت بحزن: "الحمد لله، لسه واصلة من السفر من يومين." قال بلا مبالاة: "طب كويس، نورتي مصر." "بنورك." قالتها بحزن وهي ترى نبرته المتغيرة معها، فتركها وتوجه للخروج قائلاً بهدوء: "عن إذنك."
تراقبته وهو يتواجه للخروج، فقالت بصوت خافت: "اتفضل." ************ بالمشفى. بدأت باستعادة وعيها، ولكن لم تتقبل ما رأته، فصرخت بقوة وقهر، ليأتي الطبيب بلهفة يحاول التحكم بها، ففشل حينما بدأت بنوبة البكاء الحارق الذي مزق روح المجهول، روح تحلق بخفيان لتجمع بهم الأقدار وتزف قصة من نوع فريد يربطها قديم الأزمان، قصة تحت مسمى #معشوق _الروح.
ظن أنه ما أن سيمنحها اسمه على ورقة الزواج بأنه أنهى الأمر، ولكن ربما هي بداية لعاصفة رملية ستحطم جذور تلك العائلة، فربما بسحر خاص وربما بشيء مجهول، ولكن هل سيتمكن الغول من تولي زمام الأمور؟ علاقة روحية جمعت روحين في ثلاث لقاءات جمعهم الصدفة، وربما القدر، وربما مشيئة إلهية لتكمن قصة من أغرب ما يكون متعلقة بفناء حياة أحدها، فيأتي الآخر ليكون سبب لحياة الآخر، فماذا لو جمعهم القدر؟ ماذا لو دخلت تلك المتعجرفة حياة محمود؟
ما السر الخفي بعلاقة سيف ومنار؟ ماذا لو كشف المجهول؟ من العدو اللدود لمالك ويزيد؟ صندوق من الماضي يحوي أسرار وحقائق ربما ستكون عاصفة، وربما ملحمة من نوع آخر. انتظروا أقوى أعمالي ابتداء من السبت القادم الساعة 6 مساءاً إن شاء المولى. البقاء واللقاء في.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!