تحميل رواية «معشوق الروح» PDF
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حُطم قلبها وتناثر لشروخ من الأوجاع، كيف تحتمل الأنين من حطمها؟ ظنت أنه محبوبها. كيف ستتمكن من العيش وهو من ظنت أنه حماها وأمانها؟ القلب خرج عن الطواف وتهشم بصوت استمعت له جيداً، لتكون العقوبة قاسية حتى لا تنخدع وتسقط بالهواجس مجدداً. أغمضت عينيها كثيراً في محاولة باتت بالفشل لتقبل حقيقة ما تراه. لا، ليست بحلم سيئ ولكنها بواقع مرير، واقع دعسها به بخيط الخيانة القاسي. يا الله، لم تحتمل رؤيته وتلك المرأة بين يديه. هوت دمعاتها على وجهها المتصلب، فرفعت يديها على فمها تكبت شهقاتها. لم يكن في أوسع مخيل...
رواية معشوق الروح الفصل الأول 1 - بقلم اية محمد
حُطم قلبها وتناثر لشروخ من الأوجاع، كيف تحتمل الأنين من حطمها؟ ظنت أنه محبوبها. كيف ستتمكن من العيش وهو من ظنت أنه حماها وأمانها؟
القلب خرج عن الطواف وتهشم بصوت استمعت له جيداً، لتكون العقوبة قاسية حتى لا تنخدع وتسقط بالهواجس مجدداً.
أغمضت عينيها كثيراً في محاولة باتت بالفشل لتقبل حقيقة ما تراه. لا، ليست بحلم سيئ ولكنها بواقع مرير، واقع دعسها به بخيط الخيانة القاسي.
يا الله، لم تحتمل رؤيته وتلك المرأة بين يديه. هوت دمعاتها على وجهها المتصلب، فرفعت يديها على فمها تكبت شهقاتها.
لم يكن في أوسع مخيلاته أنها ستصعد لغرفته. فأقترب منها بصدمة بعدما ارتدى قميصه. هرولت تلك اللعينة للخارج، من أباحت جسدها للمحرمات مقابل مبلغ بخس حقير، اعتادت على مثل تلك المواقف.
تراجعت للخلف وبداخلها أنين وآلام. لم تقو على رؤيته أمامها بعدما رأته منذ قليل، فركضت سريعاً والدموع تكسو وجهها بشدة. فكلما كان يشتد كانت تسرع بالركض، لعلها تختفي عن حدود مملكته الوضيعة التي باتت كالجحيم بالنسبة لها.
جذبت آخر رابط بينهما من بين أصبعها، ثم ألقت به أرضاً بكل قوة. لم تعبأ به وهو يركض خلفها ويصيح باسمها حتى تقف ويخدعها من جديد.
ركضت بقوة كأنها تقترب من مصيرها المجهول. فربما بداية لرحلة متعلقة للروح.
أفاقت منها على ألم بأنحاء جسدها حينما دعستها تلك السيارة بقوة، فسقطت أرضاً فاقدة لمذاق الحياة. من يراها يظن أنها لقت حتفها الأخير.
بدأت الرؤيا تتلاشى شيئاً فشيء، فأخر ما رأته من يهرول إليها سريعاً بزعر ورعب شديد. من رفعت يديها بمحاولة بائسة أن يخرجها مما هي به، ولكنها هوت أرضاً حينما فقدت الوعي.
حملها ذاك الشاب ذو العين السوداء كالليل الكحيل بين ذراعيه، فصرخ بقوة وخوف:
"ليااااان... ليان!"
أغمضت عيناها معلنة عن انهيارها بين أحضانه. حاول إفاقتها كثيراً وقلبه يكاد يتوقف. فأقترب منه هذا الخائن بزعر وهو ينحني لها، فصاح به بكتلة من جحيم وصوت بدا كهلاك موته:
"قرب من هنا وهتشوف ردة فعلي بنفسك."
رفع رأسه قائلاً بخوف من أن تكون أخبرته بخيانته:
"أنت بتكلمنى كدا أزاي؟ نسيت نفسك؟"
نظراته كانت كافية لبث الرعب الذي بدا على وجهه، فتراجع للخلف برعب شديد لعلمه ماذا سيتمكن هذا الشاب ذو الجسد الرياضي الممشوق.
حملها بين ذراعيه وتوجه سريعاً لسيارته، وضعها بالمقعد الخلف. فجلست إحدى رفيقاتها من كانت بالحفل الذي أقامه هذا المعتوه للاحتفال بميلاده. فلم يكن في أوسع مخيلاته حضورها.
توجه ليجلس بمقعده ملقياً عليه نظرة مميتة ختمها بصوت الأشد من طلقات الموت:
"ليان لو جرالها حاجة، ورحمة أبويا ما هيكفيني فيك رقبتك."
وصعد لسيارته يقودها بجنون وهو يتطلع لشقيقته برعب شديد. لم يتمالك أعصابه من التفكير بما فعله هذا الأحمق. نعم، أخبرها من قبل بأنه مخادع، ولكنها كانت متشبثة به وعارضت أخاها لإتمام هذا الزواج، فأتى هذا اللعين ليحطمها.
ولكن مهلاً، فربما لا يعلم ما يخبئه المجهول من عشق وُحد بخيط رفيع من القدر ليربط روح بروح أخرى تبعد عنها أميال وتجمعهم صدفة متخفية بدقائق لتجمع عشق بين قلبين لم يرى بعضهما البعض!!!
لكم مقبض السيارة بقوة وغضب جامح، فصف سيارته بإهمال وحملها للمشفى وهو يركض بقوة كبيرة، حتى أتت الممرضات لتزف هذه الفتاة لغرفة العمليات.
جلس على المقعد المقابل للغرفة بإهمال وقلبه يكاد يتوقف من الخوف على شقيقته، فهي الوحيدة التي تعنيه بتلك العائلة المتعجرفة، حتى والدتها لم تر حبه الكبير لها، كل ما تراه أنه مجرد ابن زوجها!!.
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انقلبت المشفى بعائلة مسعد الحمزاوى، فهرولت تلك السيدة ذات العقد الرابع من عمرها إليه قائلة بصراخ قوي:
"عملت في بنتي إيه؟"
رفع عيناه لها بصمت قاتل. فرفعت يدها تحركه بقوة كبيرة، فأبعد يدها عنه ونظرات الغضب تتمكن منه، ولكنه لمح من تقف على بعد ليس بكبير ونظراتها تذكره بما زرعته به من أخلاق لا تصرح له بهذا التصرف، فغادر إليها بصمت.
رفعت عيناها بدموع:
"إيه اللي حصل يا ابني؟"
قبل أن يجيبها كانت تلك المرأة من اقتربت إليها قائلة بغضب وغيرة واضحة للغاية، غير عابئة بابنتها التي تصارع للحياة:
"إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنا مش قولتلك أخرجي من حياتنا إنتِ وابنك، إنتوا إيه؟!"
كاد الحديث بجمرة عيناه المخيفة، فتمسكت بيده قائلة بهدوء:
"خلّي مشاكلنا على جنب يا حنان، مش وقته. عايزين نطمن على ليان."
انصاعت لها وتوجهت للمقعد ودمعها يغزو وجهها، فبداخلها جزء يحمل شيئاً من الأمومة يصعب وصفه، رغم إهمالها بابنتها التي تفضل زوجة أبيها عن والدتها!!
جلست فاتن والدة محمود على المقعد والدموع تشق طريقها على ليان، فأخذت تدعو الله أن ينجيها.
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى خرجت الممرضة تهرول بفزع، فأقترب منها محمود قائلاً برعب:
"في إيه؟"
أخبرته وهي تهرول لزميلتها:
"المريضة خسرت دم كتير وللأسف فصيلتها نادرة جداً ومش متوفر في المستشفى غير كيس دم بس، وإحنا هنحتاج أكتر من كدا."
جذبتها حنان بغضب شديد:
"يعني إيه مفيش غير كيس واحد؟" ثم استدارت لمحمود قائلة بتشفى وحقد دفين: "هي دي مستشفى اللي إنت جايب بنتي فيها؟ أنا هخرجها من هنا فوراً لأيطاليا."
أقترب منها محمود قائلاً بهدوء مريب:
"هتخرجيها إزاي وهي بالعمليات؟ أنا هتصرف، متقلقيش. ليان مش هيجرالها حاجة."
وقبل أن تجيبه كان قد اختفى من أمامها، فأسرع لسيارته بسرعة كبيرة لإنقاذ حياة شقيقته.
خرجت الممرضات واحدة تلو الأخرى بخوف شديد وحزن على خسارة تلك الفتاة، إن لم يتوفر لها نفس الفصيلة، فربما عشق الروح بمكان قريب منها، وربما حائل الطفولة الغامض على بعد مسافات!
توجه للخروج وصدى خطاه يتردد بالممر الخاص بالخروج. وسامته كانت ملفتة للانتباه، فكان محور النظرات بالمشفى. نعم، اعتاد عليها، فأخرج نظراته بملل ليحجب عنه النظرات. فعينيه فشل الكثيرون بمعرفة لونها، فكان سبب جدال النظرات من حوله.
أبطأ خطواته حينما استمع لحديث الممرضات عن تلك الفتاة التي تصرع الموت لحاجتها لفصيلة تجري بعروقه. أقترب منها قائلاً بصوته الرجولي الثابت:
"أنا فصيلتي متطابقة."
استدارت الممرضة بلهفة لصاحب الصوت، فوجدته شاباً في أواخر العقد الثاني من عمره، يقف أمامها بثقة لا يمتلكها سوى مدرب كمال أجسام أو لاعب محترف يعلم جيداً أنه سيفوز بمباراة وسط عمالقة الأوزان. طويل وخصلات شعره السوداء مصففة بحرفية، ولكن مع تمرد بعض الخصلات لتهبط على نظارته السوداء التي يخفي عينيه الساحرة خلفها.
فرغت فمها وهي تتأمله، إلى أن تدخلت زميلتها قائلة على وجه السرعة وهي تشير له على مكان غرفة العمليات، فلم يكن هناك وقت كافٍ ليدلف لغرفة منفصلة:
"حضرتك بتعاني من أي مرض ضغط، أنيميا، أي حاجة معينة؟"
أتابعها بثقة للغرفة قائلاً بنبرة ثابتة:
"لا."
حمدت الله كثيراً ووضعت ستاراً عازلاً بينها وبينه. خلع جاكيت الأزرق ثم كشف عن ذراعيه بعدما جذب قميصه الأبيض المرسوم على جسده كأنه صنع له، ليتمدد على الفراش يمنحها حياة قد قدمتها له من قبل بالماضي أو بحلقة مجهولة ربما لم يتم العثور عليها، فيعلم أن من وهبته الحياة منذ خمس أعوام هي من يعزلها عنه ستار كحاجب العهد.
جذب هاتفه ليجد اسمه لامعاً على هاتفه، فبعث برسالة نصية لعدم قدرته على الحديث من داخل غرفة العمليات: "أكيد عملت حاجة؟"
أجابه الآخر: "مش أنا، طارق عمل كارثة ويزيد مش هيرحمه المرة دي، لازم ترجع القصر حالا."
"كارثة إيه دي؟"
"لما ترجع هقولك، مش هينفع الكلام على الفون."
"أنا مش راجع القصر غير متأخر لأني عندي meeting، خلي حد من الاستقبال يبعتلي معلومات الصفقة اللي الحيوان شريف بوظها عشان أعرف أحل الموضوع قبل ما يزيد يعرف."
"أوك، بس عشان خاطري حاول ترجع بدري، أنا مش هعرف أخبي عن يزيد أكتر من كدا وأنت عارف أنه هيعرفني على طول."
"أوك يا سيف، سلام."
"سلام يا إمبراطور مملكة نعمان."
"التسجيل دا يبقى طارق عمل كارثة وحضرتك حابب تتشفع له عشان عارف إني هعرف، بس افتكر حاجة واحدة، أنا أصعب من يزيد ميت ألف مرة، أظن رسالتي وضحت."
أغلق سيف هاتفه وهو في حالة من اليأس الشديد لعدم قدرته على تخليص هذا اللعين. نعم، ما فعله يستحق القتل، ولكن لم يرد لأخ أن يقتل أخيه، وربما بمكانة يزيد نعمان، فالأمر يحتاج للتفكير.
استند برأسه على الفراش إلى أن أنهت الممرضة عملها، فجذب جاكته على يديه بإهمال ثم توجه للخروج. رفع يديه على مقبض الباب ليخرج من الغرفة، ولكنه شعر بغصة تحتل قلبه، يشعر بها بعد سنوات عديدة بعدما فقدها. رفع يديه يتحسس قلبه بذهول من كونه مازال على قيد الحياة بعد أن فقدها.
يعلم جيداً أنه إن ازداد بالتفكير فربما سيفقد ثباته المتزن. رفع نظراته على عينيه وتوجه للخروج.
بالخارج.
ولج إليهم مسرعاً قائلاً للممرضة بلهفة:
"اتفضلي."
قالت بهدوء:
"لا خلاص مفيش داعي."
انقبض قلبه، فأسرت والدته بالحديث:
"في واحد ابن حلال اتبرعلها يا حبيبي، أنا شكرته بنفسي على اللي عمله."
بادلها بسؤال آخر:
"طب وليان عاملة إيه دلوقتي؟"
فاتن بهدوء:
"الحمد لله الممرضة طمنتني عليها ونقلتها أوضتها تفوق وهندخل نشوفها إن شاء الله."
جلس على المقعد قائلاً بفرحة:
"الحمد لله."
رفعت يدها على كتفيه بابتسامة هادئة، فهي تعلم مكانة ليان جيداً.
*****_________***
بمكان منعزل عن الجميع وبداخل قصر مثير للجدل بتصميمه المختلف كثيراً عن باقي القصور، فهو على الطراز الحديث للغاية ومزيج من الكلاسيكي.
كان يقف بغرفته بصدمة ورعب حقيقي حينما أخبره رفيقه بأنها رفعت قضية تطالب بشرفها المنهوك على يد قذر مهين للبشرية. كان يتوقع أنها ستفعل مثلما يفعل الكثير وهو التكتم خوفاً من الفضيحة التي ستحلق بأهلها محدود الدخل، ولكن هيهات. ربما لا يعلم بأنها الجمرة النارية التي ستحرقه هو وصاحب النفوذ الداعم القوي له "يزيد نعمان".
ارتجف بقوة خوفاً من أخيه وابن عمه، فهو يكاد يكون هلاكه بعد آخر تحذير له من الوقوع بالأخطاء، ولكن ما ارتكبه لا يغتفر. فظن أنه بعد أن مر شهرين من اغتصابها بأنها ساكنت ولجأت للصمت، ولكن ما استمع إليه من رفيق السوء جعله يرتجف من الخوف لمجرد التفكير بما سيفعله ابن عمه مسؤول تلك العائلة أو أخيه!!
***************
على طاولة ضخمة للغاية تضم عدد كبير من أكبر رجال أعمال الشرق الأوسط، يتطلعون لمن يجلس على مقدمة الطاولة باهتمام كبير. فرفع يديه لتركض السكرتيرة بقلم ليوقع باسمه الطابع للقلوب "يزيد نعمان"، ثم ألقى الأوراق على الطاولة، فحملها هذا الرجل بسعادة، فإنعقاد صفقة مع يزيد نعمان تستحق السعادة.
فوقف كبيرهم رافعاً يديه بفرحة لينال شرف الاقتراب من يزيد نعمان. رفع عينيه الغامضة وهو يتطلع له بصمت مريب. بيده القلم يلهو به وعينيه تتأمل الرجل تارة ويده الممدودة تارة أخرى.
كان الجميع يراقب ما يحدث باهتمام شديد، فوضع القلم على الطاولة ثم وقف بهيبته الطاغية ليظهر جسده الممشوق بحرفية، تاركاً القاعة بأكمله ليتواجه لمكتبه.
لم يجد الرجل كلمات لموقفه، فجذب الأوراق وغادر بهدوء.
**********
بقاعة الاجتماعات الأخرى الخاصة بشركات نعمان كانوا يجتمعون جميعاً بانتظار المسؤول الرئيسي عن الشركات، فزفروا بضيق لتأخره الملحوظ.
حاول سيف التدخل، فالأمر زاد عن الحد قائلاً بأسف:
(الحوار مترجم): "أعتذر منك سيد ريان، فلابد من وجود شيئاً ما."
زفر هذا الرجل قائلاً بضيق:
"لم أنتظر أحداً من قبل، فتلك الإهانة لن أبتلعها."
رفع سيف عينيه بغضب شديد قائلاً بصوت خافت:
"أتأخر كدا ليه؟"
وقف الرجل الآخر قائلاً ببعض الهدوء المخادع:
"اهدأ سيدي، فالسيد مالك معروف للجميع بمواعيده الدقيقة، فربما هناك خطب ما."
"وربما تعمد ذلك."
قالها هذا الشاب الوسيم الذي تخطى للداخل بخطى ثابت للغاية ليجلس على رأس تلك الطاولة الضخمة، واضعاً ساقه فوق الأخرى بثقة وعينيه تتحدى من يقف أمامه بكبرياء.
تعجب البعض من وجود هذا الشاب الصغير داخل مكتب مالك نعمان المسؤول الأول عن تلك الإمبراطورية، فظن البعض أنه ابنه، لم يكن بمخيلاتهم أن من أدار تلك الإمبراطورية هو شاب لم يتعدى الثلاثين من عمره!!!
خرج صوت ريان بغضب جامح لسيف:
"أترحّب بالإهانة لنا بمكتبك، حتى من يعمل هنا لا يعرف كيف التحدث إلى سيده."
تلونت عينيه الممزوجة بين اللون الرمادي والأزرق الفاتح، فعينيه مثيرة للجدل، فلم يتمكن أحداً من معرفة لون محدد لها.
خرج صوته قائلاً بصوت كالرعد:
"أنت هنا بمملكتي يا ريان، إذاً دع الحديث عن الأسياد ببلدك، ولكن هنا تعلم كيف الحديث." ليتطلع الجميع لبعضهم البعض بذهول، فقال من يقف جوارهم: "كيف لك بذلك المكان؟ ملك للسيد 'يزيد نعمان' ووالده 'مالك نعمان'؟"
تعالت ضحكاته قائلاً بسخرية:
"أعتذر، ولكن والد السيد يزيد توفاه الله منذ أكثر من عشرة أعوام."
صدم الرجل قائلاً بذهول:
"إذاً من هو مالك نعمان؟!!"
رفع عينيه قائلاً بصوت يحمل الكبرياء بطياته والسخرية بمحوره:
"من يجرؤ على الجلوس بمقعده سواه."
صدمة أخرى للجميع أن من أمامهم هو "مالك نعمان" المؤسس القوي لمجموعات "نعمان". لم تكن بأوسع أحلامهم أن من أسس تلك الإمبراطورية هو شاب صغير للغاية، لا الواقع مرير.
فربما لم يروا الوجه الآخر للعملة المعدنية "يزيد نعمان".
لم تعرف الكلمات مخرجها، فابتسم قائلاً بهدوء:
"أخبرني يزيد بأمر الصفقة التي تمت بينك وبين المقر الرئيسي المسؤول عن الصلب."
أجابه بعد عدد من المحاولات لتفادي الصدمة من كونه مالك نعمان:
"ولكن لم تتم إلى الآن."
ضيق عينيه قائلاً بسخرية:
"كيف لها بدون توقيع خاص بي!! لقد أوقفت العمل عليها حتى تأتي إلي هنا لنتعاقد فيما بيننا، فالحديث بين المندوب ليس من مقام شركات نعمان، والآن دعني أدرس الملف بإتقان ثم أبعث لك بقراري."
تطلع له البعض بغضب والبعض بذهول والآخرون بابتسامة متخفية كرفيقه سيف.
خرجوا جميعاً وتبقى سيف قائلاً بإعجاب:
"إيه دا؟ دانت عملت معاهم الصح."
توجه لمكتبه الرئيسي قائلاً بنبرة كالسيف:
"وأي حد هيفكر يقلل من المكانة اللي وصلنالها أنا ويزيد هيكون نفس المعاملة واكتر. أنا كدا ربيتهم بطريقتي."
تطلع له بابتسامة إعجاب:
"إنتوا بقيتوا في السوق إنت وابن عمك زي الغول بالظبط، مستحيل حد يرمي نفسه تحت إيديكم."
جذب الملف قائلاً بثبات:
"كنت بتقول طارق عمل إيه؟"
صمت قليلاً، فرفع مالك رأسه ليرى رفيقه يكبت غضبه بشدة، فخرج صوته أخيراً:
"ما تقول يا ابني في إيه؟"
كاد أن يجيبه ولكن قاطعهم من ولج للغرفة بعدما طرق الباب، يحث سيف على التوجه لمكتب يزيد.
تطلع له فرفع يديه على كتفيه قائلاً بثبات:
"روح وأنا هخلص الملفات اللي معايا ونتكلم."
أشار له برأسه وتوجه لمكتب الغول كما يلقب.
بينما جلس مالك يتابع عمله، فوقعت عيناه على تلك اللاصقة الصغيرة على يديه تذكره بنبضات قلبه المتسارع حينما كان يتجه للخروج من غرفة العمليات. عاصفة الماضي طوفت به بقوة لتجذبه بلا رحمة لماضي ينهش بقلبه المتحجر فيجعله بلا روح، قلب ممزق بأنين الفراق والبعد والهوان.
فلاش باك.
قاد السيارة بجنون قائلاً بابتسامة ساحرة وهو يتأمل من تجلس جواره:
"لا بجد مش مصدق، أنتِ يا ليان؟ أنتِ؟!"
أجابته بغرور:
"أيوا، أنا مش زوجة مالك نعمان، لازم أحط الحد الكويس."
تعالت ضحكاته قائلاً بعشق:
"إنتِ قلب مالك ونبضه وكل ما يملك. هههه، بس برضو مكنش ينفع تعملي فيها كدا."
صمتت قليلاً ثم قالت بتفكير:
"ما هي إلا قلت معايا أدبها، وبعدين أنت اللي علمتني الحركتين دول، أدتهالها صح."
ترك مقبض السيارة واستدار بوجهه قائلاً بعشق:
"بعد جوازنا هعلمك أكتر من حركة مش حركتين بس."
تطلعت له بفرحة كبيرة:
"بجد يا مالك؟"
لمح سحر عينيها الرمادي قائلاً بهيام:
"بجد يا روح قلب مالك."
تطلعت أمامها بخجل فقالت بارتباك:
"قولتلك ألف مرة هدي السرعة شوية."
ابتسم قائلاً بعشق:
"لا، موعدكيش. عايز ألحق أقعد معاكي شوية قبل ما أروحك."
شعرت بخوف شديد فقالت برعب:
"يا مالك، حرام. أنا بخاف من السواقة بتاعتك دي، هدي شوية."
كاد أن يجيبها ولكن صوت صرخاتها حينما انقلبت السيارة بقوة كبيرة لتجثو أرضاً وتتحطم لآلاف من القطع، كأنها تنهي انتهاء حياة قلب اعتاد النبض للمعشوق. آخر ما استمع إليه صوتها وهو يهمس باسمه قبل أن يغيب عن الواقع.
أخرجه من شروده صوت الهاتف، فرفعه بعد محاولات باتت بالنجاح لرسم التعبيرات الهادئة على وجهه.
"وحشتني أووووي."
ابتسم لتتلون الوسامة بعينيه:
"مش عارف لحد إمتى هتفضلي تبكي عليا!"
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
"أنا!!! على طول ظالمني كدا؟!"
استند برأسه على المقعد قائلاً بابتسامة هادئة:
"عايزة إيه من الآخر كدا؟"
ابتسمت قائلة بغرور:
"تعجبني وأنت فاهمني كدا."
رفع يديه يتأمل ساعته بضيق:
"طب انجزي عشان مش فاضيلك."
تأففت بضيق:
"في حد يكلم أخته الصغيورة كدا؟!"
مالك بنفاذ صبر:
"اقفلي يا منار، وأما أرجع نشوف اللي عايزاه، ما أنتِ وشاهندة عاملين عصابة اجتماعية."
تعالت ضحكاتها قائلة بسعادة:
"ربنا يخليك لينا يا رب يا ناصر الغلابة في قصر الغول."
ابتسم قائلاً بمكر:
"إيه دا؟ يزيد؟"
أغلقت الهاتف سريعاً، فعاد للعمل وإبتساماته تنير هذا الوجه الوسيم.
***********
بغرفة المكتب الخاصة بالغول كما يلقبه البعض.
دلف للداخل بقدم مرتعشة، فكيف سيخبره بما ارتكبه أخيه تلك المرة؟ هل يحمل بقلبه ذرة شجاعة ليتجرأ على الوقوف أمام يزيد نعمان ويخبره بأن أخيه فتك بشرف فتاة بريئة؟ نعم، هو الرفيق المقرب له، بل يشبه الرفقة للروح، ولكنه لم يجرؤ قط على تخطي الخطوط الحمراء لقاموس يزيد نعمان.
رفع هذا الشاب ذو العين الخضراء عينيه ليجد القلق مصاحباً لوجهه، فأشاح بنظراته على الحاسوب قائلاً بهدوء مميت:
"هعرف بالنهاية، فياريت تقصر وقتك وتنجز."
ابتلع سيف ريقه بخوف شديد ثم قال بصوت يكاد يكون مسموع:
"يزيد، أنا بقول نتكلم لما نرجع القصر أحسن."
رفع عينيه التي كادت أن تقتل رفيقه، ثم تخل عن مقعده ليقترب منه قائلاً بصوت كالرعد:
"في إيه يا سيف؟"
فشل في السيطرة على شجاعته المصطنعة قائلاً بصوت مرتجف:
"طارق أ.. "
ضيق عينيه بعدما ترك مقعده ليحتل مكانة المصارع المحترف بجسده الممشوق قائلاً بصوت تخل عن هدوئه:
"ماله سي زفت؟"
سيف بعصبية لعلمه بالوقوع بطريق خاطئ:
"أخوك عمل كارثة، والمرادي لا أنت ولا مالك هتقدروا تخلصوه منها."
بدت ملامحه تتبدل شيئاً فشيء، فعلم سيف أنه على وشك خسارة حياته على يد ابن خالته، فأسرع بالحديث لعلمه سبب الغضب المزلزل:
"طارق اغتصب بنت بريئة يا يزيد، معرفش يوقعها غير بالطريقة الواسخة دي، والبنت من عيلة فقيرة جداً، بس الشرف عندهم أغلى ما يكون."
لم يحتمل النظر لذلك الوحش المفترس أمامه، فأقترب منه قائلاً بخوف شديد:
"اتكلم معاه براحة يا يزيد، أنا عارفك كويس."
لم يجبه وخرج من المقر المحفور باسمه الخاص "يزيد نعمان"، صنعه بالكد هو ومالك بالعمل ليرفعوا مقامه معاً بين الجميع، ولكن بوجود شقيق مثل هذا الأحمق يجعله يفقد اتزانه الخاص. ربما لا يعلم بأن الفاتورة لتخليص عذابها ستكون غالية للغاية، وربما سيكون جزء منها. وربما ستكون جمرة النار التي ستشعل إمبراطوريته العريقة.
زفر سيف بغضب شديد وهو يشدد على شعره الطويل، فأخرج هاتفه يحاول التواصل لمالك، ولكنه تفاجأ به مغلق، فتذكر بأنه أخبره بأمر اجتماعه مع مسؤولين البحرين، فرفع الهاتف محدثاً العمود الآخر بالصداقة، لم يجيبه، فصاح بغضب:
"رد يا شريف."
أتاه صوته بعد قليل قائلاً بنوم:
"صباح فل."
سيف بغضب جامح:
"صباح الزفت على دماااغك، فووق واسمعني، يزيد جاي القصر، والمرادي اللي طارق عمله محدش هيقدر يحميه."
ابتلع شريف ريقه بخوف قائلاً برعب:
"آه، وانت بقا مسلطني في وش الموت وعايزني أنقذ طارق من أمنا الغول اللي هو يزيد؟"
سيف بغضب جاااامح:
"شريف 5 دقايق وتكون بقصر يزيد، قبل ما أنا اللي أطلع بروحك."
وأغلق بوجهه الهاتف.
تطلع شريف للهاتف قائلاً بفزع وهو يهرول لثيابه:
"ربنا يخدكم على الصبح، أنا ناقص رايح للموت برجلي، هو يزيد معاه هزار منك لله يا طارررق، منك لله. يا ترى المرة دي هببت إيه؟!"
*******
بقصر "مالك نعمان".
دلف للداخل سريعاً، فصطدم بها لتصرخ قائلة بغضب:
"مش تفتح يا حيوان أنت!"
شريف بغضب شديد:
"بت انتِ غوري من وشي الساعة دي."
شاهندة بغضب أشد:
"أنت بتكلمني أنااااا؟!"
شريف بصراخ غير عابئ بها:
"طارررق أنت يا زفت."
جذبته من ثيابه قائلة بغضب جامح:
"خاليك معايا وسيبك من طارق."
شريف بابتسامة متسعة:
"طب اسمعي بقا يا قلبي، ابن خالتي اللي هو أخوكِ جاي على هنا، مش عارف الحيوان اللي فوق دا عمل إيه بالظبط، بس اللي فهمته من سيف إن حياته وحياتنا جميعاً بخطر، وإنتِ أكتر واحدة عارفة أخوكِ يزيد هتحلي عني وتخليني أحل الموقف، ولا كعادتك هتقفي تعلي صوتك العسل اللي أول ما يزيد يشرف هيتبلع."
ابتلعت ريقها بخوف شديد، ثم هرولت لغرفتها وأغلقتها سريعاً.
أما شريف فهرول للأعلى سريعاً يبحث عنه بغضب شديد، إلى أن وقعت عيناه عليه بغرفته يجلس والرعب بادٍ على وجهه.
شريف بغضب شديد:
"أنت مش سامعني بنادي عليك يا زفت!"
زفر بغضب:
"بقولك إيه يا شريف اخرج من دماغي لحسن أنا على آخري."
جلس جواره قائلاً بسخرية:
"تصدق إنك بجح وعديم الذوق؟ بقا أنا سايب اللي ورايا وجاي أنقذك من الغول وفي الآخر تكلمني بالأسلوب دا؟"
انقبضت أنفاسه فقال برعب:
"يزيد؟ هو عرف؟!!"
أقترب منه قائلاً بشك:
"عرف إيه بالظبط؟!"
ابتلع ريقه بخوف شديد ثم صاح بقلق:
"أنا هخرج من القصر قبل ما يرجع."
وتوجه للخروج، ففتح باب غرفته لتتخشب قدماه بمحلها حينما يراه يقف أمامه بطالته القابضة للأرواح، تراجع للخلف بزعر شديد، حتى شريف شعر بأن هذه المرة هناك أمراً مريب.
نظراته هي من تتحدث بديل عنه. كجحيم ملون لمن يتجرأ على الوقوف أمامه، فكيف له من فعلته الانتساب لتلك العائلة؟
حاول شريف التدخل قائلاً بهدوء:
"يزيد، ممكن تهدأ ونتكلم."
مازالت نظراته على أخيه قائلاً بهدوء قاتل:
"سيبنا لوحدنا."
تطلع له طارق برجاء شديد، فقال بصوت مرتبك لعلمه بقوانين الغول:
"يزيد أ.. "
قاطعه باقية كلمته نظرات يزيد التي تحولت من ذاك اللعين لتتسلط عليه، فتوجه مسرعاً للخارج.
تراجع طارق للخلف برعب حقيقي، فخرج صوته أخيراً:
"الكلام اللي سمعته دا صح ولا غلط؟"
رفع يديه قائلاً بخوف:
"يزيد ممكن تسمعني."
قاطعه بحدة وصوت كفحيح الموتى:
"صح ولا غلط؟"
تعبيرات وجهه كانت كفيلة بالإجابة على جميع الأسئلة المطروحة أمامه، فرفع يديه يكيل له اللكمات المتتالية بغضب جامح قائلاً بصوت يتهلل له الجحيم:
"ليييه؟!! ليه تعمل في بنات الناس كدا؟ دا آخر توجيهي وتعليمي ليك."
طارق بخوف شديد:
"اسمعني يا يزيد، البنت دي كدابة، أنا معملتش فيها حاجة."
جذبه أمام لهيب عينيه قائلاً بغضب شديد:
"وكمان بتكذب؟"
لم يتمكن من الحديث، فخارت قواه أمام هذا الوحش الكاسر.
بالخارج.
بكت بخوف شديد وهي تستمع لصرخات أخيها، فتشبثت بيده قائلة برجاء:
"اعمل حاجة يا شريف."
ألقى هاتفه بغضب شديد:
"سيف مش بيرد، وانتِ أكتر واحدة عارفة مين بيقدر ليزيد."
أجابت بخفوت:
"أبيه مالك كلمه بسرعة."
وركضت للهاتف وناولته له، فتطلع لها قليلاً ثم قال بارتباك:
"يا شاهندة، إحنا منعرفش طارق عمل إيه، فلو دخلنا مالك في الموضوع هيحله، بس عقاب طارق هيكون أضعاف، وإنتِ عارفة مالك كويس، مفيش معاه تهاون، على عكس يزيد بيخرج غضبه وبعدين بيهدأ."
صاحت به بقوة وبكاء:
"مش وقته، اتصل بيه بسرعة، هو اللي هيقدر يتدخل بينهم."
وبالفعل أخرج شريف هاتفه يحاول الوصول لمالك، ولكن تفاجأ بصوت هاتفه يأتي من خلفه، فاستدار ليجده يقف أمامه بطالته الطاغية.
أقتربت منه بلهفة قائلة ببكاء:
"أبيه مالك، يزيد هيموت طارق، أرجوك ألحقه عشان خاطري."
رفع يديه يزيح دموعها قائلاً بثباته المعتاد:
"متقلقيش يا شاهندة، بس روحي أوضتك وأنا هشوف إيه."
أبت التحرك وعيناها على باب الغرفة المغلق بإحكام، فتطلع مالك لشريف قائلاً بحزم:
"خدها على أوضتها."
أشار له بتفهم ثم جذبها كما أخبره مالك.
أما هو فتوجه للغرفة والغضب ينعش بقلبه بعدما علم ماذا فعل هذا اللعين، بعد أن ضغط على سيف، فقص له هو الآخر.
دلف للداخل بخطاه الثابت ليجد رفيق دربه بحالة من الجنون يكيل له الضربات بغضب جامح.
أقترب منه قائلاً بهدوء:
"يزيد، سيبه."
لم يستمع له، فكل ما يراه أمامه جرائم كثيرة يرتكبها هذا الأحمق الذي يود الفتك به.
جذبه مالك قائلاً بغضب شديد:
"مش قولتلك سيبه."
تطلع له يزيد وهو يلتقط أنفاسه بفعل مجهوده المفرط على ذاك اللعين الذي احتضن دماء وجهه برعب شديد من نظرات مالك المريبة.
يزيد بصوت جمهوري:
"بتبعدني عنه ليه يا مالك؟ الحيوان دا مش هيسكت غير لما يخرب كل اللي بنيناه."
مالك بهدوء مخيف لطارق:
"ممكن تهدأ شوية."
تطلع له يزيد بسخرية:
"أهدأ؟!! بقولك الحيوان دا اغتصب بنت بريئة وتقول لي أهدأ؟ أنا لو مقتلتش روحه النهاردة مبقاش يزيد نعمان."
تعالى صوت مالك قليلاً:
"اتحكم بأعصابك يا يزيد، مش هعيد كلامي تاني. قولت لك ألف مرة قبل ما تتصرف أي تصرف، حكم عقلك بدل قوتك."
بادله بسخرية:
"عقل!!! هو اللي عمله محتاج عقل؟!! البنت حامل ورافعة قضية وتقولي عقل؟!!"
مالك بهدوء:
"اخرج بره يا يزيد."
"نعم؟!"
قالها بغضب شديد، فأقترب منه مالك قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش:
"إنت عارف إني مش هتهون معاه على اللي عمله وهخليك تشوف بنفسك اللي هعمله، بس من هنا لوقتها، سيبني أنا اللي أتصرف."
تطلع له يزيد بنظرات محتقنة، ليقرأ عينيه بحرفية نشأت منذ الطفولة، فرمق أخيه بنظرة نارية ثم خرج من الغرفة صافقاً الباب بقوة كبيرة كادت أن تحطمه كأنه من زجاج.
وقف هذا الطوفان الهادئ بنظراته، فرفع طارق عينيه المتورمة من أثر اللكمات قائلاً بصوت منخفض:
"مالك، أنا.."
قاطعه بسخرية:
"إنت إيه؟!! ليك عين تتكلم؟ أنت أقل ما يقال عنك حقير ووسخ، عايش حياتك بالطول وبالعرض، ميهمكش أي حاجة غير رغباتك الرخيصة اللي هتدمرك دنيا وآخرة. بس الحق مش عليك، الحق علينا إحنا اللي تعبنا ليل ونهار عشان نعمل القصر اللي حضرتك فيه دا. ثم أقترب ليكون على مقربة منه: "أنا وأخوك تعبنا ليل نهار عشان تكونوا مرتاحين في حياتكم ومتحتاجوش لحد، عملنا نفوذ وسلطة وإمبراطورية كاملة رغم إن سننا متعداش الثلاثين، حرمنا نفسنا من أبسط حقوقنا عشانكم."
تلونت عيناه بجحيم مريب قائلاً بصوت محتقن:
"اتغاضيت كتير عن أخطائك، لكن المرة دي لا يا طارق، اللي عملته صعب أوي، واللي جاي هيكون أصعب، بس عليك أنت."
خرج صوته أخيراً:
"ارجوك يا مالك اسمعني."
رفع يديه بوجهه محذراً إياه من التحدث، فتحلى بالصمت حينما تحدث هو قائلاً بعصبية شديدة:
"أنا اللي هتكلم وأنت اللي هتسمعني، البيت دا اللي تعبنا فيه أنا ويزيد مش هسمح إنه يتدمر، عشان كدا من النهاردة مالكش مكان فيه، شاهندة ومنار خط أحمر، مفيش رابط بيجمعك بيهم ولا بعيلة نعمان، أنا مأمنش لحد فيهم معاك."
صدمات كبيرة يتلقاها بقوة، وخاصة من ذكر أسماء شقيقاته!!
أقترب منه مالك بتحدي قائلاً بصوت مريب:
"أنا مش زي يزيد هستخدم قوتي وفي الآخر ترجع لنفس الشيء. افتكر آخر تحذيري ليك، ودلوقتي جه وقت التنفيذ."
رفع يديه قائلاً بصوت كالرعد:
"مفاتيح عربيتك وكل حاجة تخصنا."
تطلع له بصدمة، فجذب منه المفاتيح والمال، ثم دفشه قائلاً بصوت كعداد موته:
"لو شفتك هنا تاني ولو صدفة، ورحمة أبويا وأبوك لأكون مسافرك ليهم. موضوع البنت دي أنا هحله، بس مش خوف على سيادتك، بالعكس دا خوف على التعب اللي فضلنا أنا وأخوك نعافر عشان نوصله في وقت كنا فيه بالشارع."
وقف يتأمله بصدمة، فأشار بيديه للحرس الذين أتوا على الفور لينفذوا أمر مالك بكل سرور.
أخرجوه خارج القصر وهو يتأمله بعينيه الغامضة بعدما بعث برسالة لسيف الواقف على بعد ليس ببعيد عن القصر.
توجه مالك لغرفة المكتب الخاصة بيزيد، فولج للداخل ليجده يجلس بهدوء مميت وعلامات الغضب تحرف وجهه، فقرأ عتاب عينيه له، فرفقة السنوات جعلتهم كالكتاب المفتوح لبعضهم البعض.
جلس على المقعد المقابل له يتأمله بانتظار لينفجر بالحديث كالمعتاد، وبالفعل ماهي إلا ثوانٍ معدودة وصاح بغضب جامح:
"مسبتنيش ليه أخلص عليه؟!"
تطلع له قليلاً ثم قال بهدوء مريب:
"وتفتكر دا الحل؟"
شدد على شعره الطويل للغاية قائلاً بنفاذ صبر:
"أنا زهقت يا مالك بجد، خلاص جبت آخري مع الولد دا. مش عارف طالع لمين؟"
بادله الحديث بنبرة مستكينة:
"اللي عمله المرة دي صعب."
تأمله بعين تحمل الزهول ثم صاح بغضب:
"أنا نفسي أفهمك يا أخي! بجد بحس إنك مش فاهم نفسك أساساً."
ابتسم بسخرية:
"هنسيب المشكلة ونحلل فيا."
تحدث بجدية:
"طب والحل؟"
رفع يديه يتفحص الوقت، فدلف سيف مسرعاً قائلاً وهو يتلقط أنفاسه بصعوبة:
"جبتلك كل المعلومات اللي طالبتها يا مالك، وقبل الوقت."
تطلع ليزيد قائلاً بعد مدة من الصمت:
"مفيش غير حل واحد بس يا يزيد، هو اللي هيخرجنا من المشكلة دي."
تطلع له باهتمام، فأكمل مالك بهدوء:
"لازم حد فينا يتجوز البنت دي."
"أنت مجنوووون!"
قالها يزيد بغضب شديد للغاية، فأكمل مالك بنفس نبرة هدوئه المتزن:
"دا العقل مش الجنون. البنت مش هتتنازل عن القضية ولا هتقبل إنها تتجوز الشخص اللي عمل فيها كدا. من قبل ما سيف يجيب لي تقرير عنها وأنا واصلي كل حاجة بالنص. كمان نقطة مهمة، البنت حامل، يعني اللي في بطنها من صلب عيلة نعمان، مهما كانت الطريقة بس النتيجة واحدة. يا يزيد، وقولت لك ألف مرة لما تفكر، احسبها بالعقل، بلاش التسرع."
جلس مجدداً وهو يشدد على خصلات شعره البني الغزير بضيق فتاك، فتدخل سيف قائلاً بهدوء:
"متنساش يا يزيد، الكل نفسهم إنك أنت ومالك تقعوا، وللأسف طارق بتصرفاته بيوقعكم بدون ما يحس."
صمت مالك قليلاً وهو يفكر بأعدائه، ثم قال بصوت يعافر للحديث:
"أنا هتجوزها."
تطلع له يزيد بصدمة ثم صاح بغضب:
"أنت بتضحك على نفسك ولا عليااا؟ أنت فاكر إني أهبل عشان أحطمك بالطريقة دي؟ مستحيل."
سيف بخبث:
"يعني الغول اللي هيشيل الليلة؟"
رمقه بنظرة جعلته يبتلع ريقه بخوف شديد، فهرول للخارج بلهفة بالنجاة.
جلس يزيد على المقعد قائلاً بعد تفكير:
"موافق، بس أكتر من أمضتي على العقد، متحلمش بأكتر من كدا. ولا هشوفها ولا تشوفني، ولا حتى عايز أعرف اسمها."
مالك بجدية:
"وهو دا اللي عايزينه."
يزيد باستغراب:
"وعيلتها هيوافقوا؟"
زفر بغضب قائلاً بصوت محتقن:
"أنا لو مكانهم كنت ولعت فيه، بس اطمن، سيب لي الحكاية دي، أنا هحلها. والحيوان أخوك وربي الكعبة لأخليها تكره اليوم اللي اتولدت فيه، اللي الشرطة هتعمله أهون مليون ألف مرة من اللي أنا بفكر فيه."
استند برأسه على المقعد قائلاً بألم:
"اعمل اللي يريحك."
أقترب منه قائلاً بابتسامة صغيرة:
"الغول ضعف ولا إيه؟"
رفع عينيه بحزن:
"نفسي أجرب إحساس الضعف يا مالك، بجد محتاج أحس إني ضعيف، بس للأسف مينفعش."
ابتسم بسخرية هو الآخر قائلاً بتأييد:
"الكل بيستنى اللحظة دي يا يزيد عشان يتشفى فينا، بس متخافش، مستحيل أخلي الماضي يرجع من جديد، مستحيل."
قالها بعين ترى ما حدث من سنوات أمام عينيه، فتجعلهم كالجمرتان الناريتان.
*******_________********
توجه للخروج، فأصطدمت به.
رفع عينيه ليجدها أمامه، فقالت بابتسامة رقيقة:
"سيف، إزيك."
تأملها بصمت وذكرياتها تجعله حزيناً للجراح، فقال بهدوء وثبات مريب:
"الله يسلمك، أهلاً يا منار، أخبارك."
شعرت بتغير لهجته، فقالت بحزن:
"الحمد لله، لسه واصلة من السفر من يومين."
قال بلا مبالاة:
"طب كويس، نورتي مصر."
"بنورك."
قالتها بحزن وهي ترى نبرته المتغيرة معها، فتركها وتوجه للخروج قائلاً بهدوء:
"عن إذنك."
تراقبته وهو يتواجه للخروج، فقالت بصوت خافت:
"اتفضل."
************
بالمشفى.
بدأت باستعادة وعيها، ولكن لم تتقبل ما رأته، فصرخت بقوة وقهر، ليأتي الطبيب بلهفة يحاول التحكم بها، ففشل حينما بدأت بنوبة البكاء الحارق الذي مزق روح المجهول، روح تحلق بخفيان لتجمع بهم الأقدار وتزف قصة من نوع فريد يربطها قديم الأزمان، قصة تحت مسمى #معشوق_الروح.
ظن أنه ما أن سيمنحها اسمه على ورقة الزواج بأنه أنهى الأمر، ولكن ربما هي بداية لعاصفة رملية ستحطم جذور تلك العائلة، فربما بسحر خاص وربما بشيء مجهول، ولكن هل سيتمكن الغول من تولي زمام الأمور؟
علاقة روحية جمعت روحين في ثلاث لقاءات جمعهم الصدفة، وربما القدر، وربما مشيئة إلهية لتكمن قصة من أغرب ما يكون متعلقة بفناء حياة أحدها، فيأتي الآخر ليكون سبب لحياة الآخر، فماذا لو جمعهم القدر؟
ماذا لو دخلت تلك المتعجرفة حياة محمود؟
ما السر الخفي بعلاقة سيف ومنار؟
ماذا لو كشف المجهول؟
من العدو اللدود لمالك ويزيد؟
صندوق من الماضي يحوي أسرار وحقائق ربما ستكون عاصفة، وربما ملحمة من نوع آخر.
انتظروا أقوى أعمالي ابتداء من السبت القادم الساعة 6 مساءاً إن شاء المولى. البقاء واللقاء في.
رواية معشوق الروح الفصل الثاني 2 - بقلم اية محمد
غادر سيف القصر وبداخله نيران تشتعل. لا يقوى على تحمل النظر إلى من ولجت لقلبه ثم طلبت الرحيل.
صف سيارته ثم صعد لشقتته بالدور السادس بتلك العمارة الفاخرة. ليزفر بضيق حينما تسللت رائحة حريق الطعام المعتادة. توجه للمطبخ وهو يتمتم:
_الرحمة يارررب
لم يقو على تحمل الرائحة فكاد أن يختنق. فركض سريعاً للنافذة لتزيل تلك الرائحة الكريهة. بدأت الرؤيا تتضح شيئاً فشيء ليجدها تكاد تختنق هي الأخرى. فجذبها للخارج.
تطلع لها بصمت وهي ترتشف المياه تارة وتسعل تارة أخرى. فشدد على شعره الطويل بغضب ليتحكم فيما تبقى بأعصابه قائلاً بهدوء زائف:
_مفيش فايدة فيكِ يا تقى؟؟؟
فتحت عيناها القرمزتان بضيق وهي تعدل من حجابها قائلة بغضب:
_ليه بس عملت أيه؟؟؟
تطلع خلفها بزهول ثم قال بصدمة:
_كل دا وعملتي أيه؟ يا حبيبتي أنتِ مش بتعرفي تطبخي. خلاص أرضي بنصيبك منعاً لسلامتك وسلامتنا معاكِ.
تطلعت له بغضب شديد ثم صاحت بضيق:
_بقا كدا يا أستاذ سيف، طيب أوك أنا بقا جعانة.
توجه للهاتف على الطاولة فتعالت شرارة اللهيب بعينيها قائلة بخبث:
_لا أنا زهقت من الأكل الا كل يوم حضرتك بتطلبه من بره.
وضع الهاتف من يده قائلاً بسخرية:
_أه وحضرتك بقا متصورة أني هرجع كل يوم من الشركة وهقف أعملك الأكل؟
جلست على المقعد ثم وضعت قدماً فوق الأخرى بتعالي:
_بالظبط كدا.
زفر بضيق فأعاد خصلات شعره المتمردة على عسلية عيناه قائلاً بنفاذ صبر:
_لو متخيلة أني هقف في المطبخ الا كله دخان دا أعملك أكل تبقي بتحلمي.
وقفت بابتسامة واسعة:
_لا دانت إبن خالتي وأخو جوزي الله يرحمه ومرضاش أبداً أعرضك للموقف دا. عشان كداا، عشان كدا هسمحلك تعملي الأكل في مطبخي.
تطلع لها بضيق:
_وحضرتك بتجربي نفسك هنا ليه مدام افتكرتي دلوقتي شقتك!!
أخرجت مفتاح شقتها المقابلة لشقة سيف وشريف قائلة بغضب:
_أنت عايزني أبوظ شقتي!!!
لم تجد الكلمات مخرج فجذبها بغضب شديد:
_أدامى عشان أخلص من الليلة السودة دي.
وبالفعل توجه معها للداخل يعد لها الغداء مثلما يفعل كل يوم. وقفت تتأمله بصمتٍ شديد وحزن ينبع من الأواصر. كيف تخبره بأنها تعشقه منذ الطفولة؟ لم يكن أخيه هو اختيارها بل ضغط من الجميع بأنه أنسب شابٍ إليها. لم يروا عشق السيف النابض بقلبها.
أنهى سيف أعداد الطعام ثم وضعه أمامها على الطاولة قائلاً بضيق:
_متخديش على كدا.
شرعت بتناول طعامها قائلة بسخرية:
_هو أنا لسه مأخدتش.
رَمقها بنظرات محتقنة ثم جذب المقعد أمامها:
_يبقا تروحي أسبوعين عند خالتي تتعلمي الأكل وترجعي.
رفعت عيناها المحتقنة من كثرة ضحكاتها قائلة بصعوبة:
_طردتني.
تطلع لها بصدمة ثم صاح بسخرية:
_الله يرحمك يا سامي ياخويا عرفت ليه عمرك قصير؟!
رمقته بنظرة مشتعلة فتوجه لشقته سريعاً قبل أن يدلف مع تلك الفتاة بالمعركة اليومية. ولج لغرفته فخلع قميصه ثم تمدد على الفراش بتعب شديد. حاول غلق عيناه ولكن صورتها لم تتركه بمفرده فحاذت بذكريات الماضي المشتعل.
بالقصر..
كانت تبكي بغرفتها بعدما رأت أخيها يترك القصر. فحاولت منار إخراجها مما هي به ولكن لما تستطع. فبعثت برسالة نصية لأخيها الذي أتى على الفور.
ولج مالك للداخل وهو يتأملها بحزن نابع من القلب. فشاهندة هي مثل منار تماماً. جذب المقعد ثم جلس أمامها قائلاً ببسمته الهادئة:
_أيه يا شاهي منزلتيش تتغدي معانا ليه؟
رفعت عيناها المحتقنة بالدموع:
_ماليش نفس يا أبيه.
منار بحزن:
_حاولت معاها يا مالك مفيش فايدة.
أستدار لشقيقته قائلاً بصوتٍ ثابت:
_روحي أعملي ليزيد القهوة وأنا هفضل معاها شوية.
_حاضر.
قالتها ببسمة رضا لعلمها لحاجتها لمطيبة الخاطر. وهذا ما سيفعله أخيها فتوجهت للمطبخ التي تدلفه لعمل القهوة فقط لبراعتها بها. حتى أن يزيد لم يتناولها إلا من يديها هي.
رفعت عيناها المترقرقة بالدمع تشكو له ما بها فقالت بصوت متقطع من العتاب:
_أنا عارفه أن الا طارق عمله صعب بس متوقعتش منك كدا يا أبيه.
لم تنكمش ملامح الهدوء على وجهه. فمالك محترف بإلتزام الصمت على عكس يزيد. فخرج صوته قائلاً بهدوء:
_تعرفي أيه عن أبوكي وأبويا يا شاهندة؟
تعجبت من سؤاله بذاك الوقت بالتحديد. فخرج صوتها المندهش:
_أعرف أن بابا وعمي الله يرحمهم كانوا أيد واحدة ذيك أنت ويزيد بالظبط.
إبتسم قائلاً بسخرية:
_كانوا.
أنكمشت ملامح وجهها بعدم فهم. فأكمل بهدوء:
_جدنا الله يرحمه ساب ثروة كبيرة جداً وقسمها طبعاً بما يرضي الله بين بابا وعمي وعمتك.
رفعت عيناها بصدمة حينما علمت بوجود عمة لها؟ فهي لما تكن بعلم لوجودها.
أسترسل مالك حديثه بهدوء:
_متستغربيش لينا عمة وموجودة لحد النهاردة بس مع اختلاف بسيط لازم تعرفيه وهو أنها بتعاملنا كعدو ليها. بتحاول تحطمنا كلنا حتى لو وصلت للقتل مش هتردد.
لم تكن تعبيراتها توحي بالصدمة بل بالزهول والاستغراب.
أكمل هو:
_زمان أخدت حصتها من التركة وسافرت بره مصر. حاول بابا وعمي يوصلها بس مكنش في أي خبر يوصلهم لها. اشتغلوا وكبروا فلوسهم وبقوا ملوك السوق باتحادهم. بعد سنين رجعت عمتك بس كانت على الحديدة ذي ما بيقولوا. السؤال كان هنا الفلوس دي راحت فين؟ بس مش دا كان سؤال أبوكي ولا أبويا. بالعكس قدملوها الراحة ورحبوا بيها في عيلتنا من غير ما يسألوها السؤال دا.
صمت قليلاً بأنتظاره يكمل. فأكملت تلك العجوز التي دلفت للغرفة بعدما علمت من منار ما حدث:
_دمرتنا ووقعت بينا كلنا. حتى أنا كرهت أمك وأحنا أصلاً أخوات. خالت الأخين يكرهوا بعض ويفضوا كل حاجة بينهم لحد ما كل حاجة اتدمرت يا بنتي.
وقف مالك وتوجه إلى والدته سريعاً يعاونها على الدلوف بمقعدها المتحرك. أنحنى يقبل يدها قائلاً بلهفة:
_أيه الا خالكي تسيبى أوضتك يا حبيبتي.
إبتسمت لفلذة كبدها الذي يرتعب لأجل صحتها الثمينة قائلة ببعض التعب:
_عرفت الا طارق عمله فجيت أشوف شاهندة لأني عارفه أنها متعلقة به.
أستدارت بوجهها لشاهندة قائلة بحزن:
_عمتك دمرتنا يابنتي. فرحت لما علاقة أبوكى وعمك اتفككت. بس أنا كنت ابتديت أفوق من الفتن الا كانت بتحصل في البيت. ليه المشاكل كترت مع دخولها؟ ليه كان بيحصل مشاكل بيني وبين أمك الله يرحمها وأحنا أكتر من سلايف؟ مكنش في حل غير دخولها عيلتنا الا للأسف دمرتنا كلنا من قبل ما نفوق.
تأملتها باستغراب لكلمتها الأخيرة. فأكملت بدموع كأنها ترى المشهد يعاد أمامها:
_كنت في شقتي لما سمعت صوت زعيق جامد. فنزلت أشوف في أيه لقيتها واقفة بتتخانق مع أبوكي وعمك. وفجأة اتفاجئت بعدد كبير من الرجالة المقنعين ضربوا أبوكي ووالدتك بالنار و..
لم تستطع أن تنطق تلك الكلمة. فجاهدت للحديث بصعوبة:
_وعمك. أنا صدمتي كانت كبيرة وأنا شايفة جوزي على الأرض غرقان في دمه. بس مكنش قدامي وقت للتفكير. استغليت انشغالها لما دخلت أوضة المكتب. وجريت على شقتي أخدت مالك ومنار وجيت عشان أهرب. افتكرتكم. طلبت من مالك يهرب بمنار لبيت جدته. وأنا طلعت تاني. والحمد لله الا كان باب الشقة بتاعكم مفتوح. الظاهر أن مامتك كانت نزلت على صوت الخناق. دخلت وأخدتك انتِ ويزيد وطارق وهربنا من البيت ده. هربت وسبت جوزي وأنا مش عارفه إذا كان عايش ولا خلاص مات.
كانت الدموع تشق وجهها بقوة. فقالت بصوت متقطع:
_مبلغتيش ليه الشرطة؟
تطلعت له بألم:
_حاولت بس مكنش في أدلة. لأنها لبست الجريمة لناس ما أعرفهاش. والقضية اتقفلت على كدا.
_وبعدين؟
قالتها بكسرة وحزن. فأجابت أمنية بدموع:
_عمتك استولت على كل الأملاك. معرفش أزي بس أنا وأنتم بقينا في الشارع. مفيش غير بيت والدتي الا حمانا. نزلت اشتغلت عشان أصرف عليكم. وأنا بعاملكم كلكم على أنكم أولادي. مفرقتش بينك وبين منار. بالعكس أنتِ كنتِ أكتر من بنتي. مالك ويزيد كانوا على علم بكل دا لأنهم مكنوش صغيرين.
أكمل مالك بشرود:
_اشتغلت أنا ويزيد لحد ما عملنا اسم. كبرنا ورجعنا جزء من حقنا. بس طبعاً مش كله. بدأنا نضربها في شغلها لحد ما كانت مفاجأتها أننا أولاد نعمان. أنا بقولك كل دا ليه يا شاهندة عشان أعرفك أد ايه كلنا عانينا لحد ما وصلنا هنا. طارق بيهدم العيلة دي بتصرفاته. وأنا مكنش قدامي أي اختيارات لأني مش هسمح للماضي أنه يتكرر والعيلة دي تنهدم لأي سبب من الأسباب.
كانت مفاجأة كبيرة لها. ولكنها التزمت الصمت تحاول استيعاب ما يحدث. مجرد سماع ما حدث جعلها لا تقوى على التفكير بشيء آخر.
بالأسفل..
طرقت باب المكتب عدة طرقات. فأستمعت لصوته بالدلوف. ولجت لتجده يجلس على مكتبه وعيناه مغلقة بإحكام. كأنه بمحاولة لنسيان شيئاً ما.
وضعت القهوة على المكتب ثم قالت بهدوء:
_القهوة يا أبيه.
فتح عيناه الخضراء ببطء شديد ليجدها تقف أمامه بنظراتها الحزينة. فأستقام بجلسته قائلاً باستغراب:
_عرفتي منين أني محتاج قهوة؟
إبتسمت قائلة بسخرية:
_أكيد مش أنا. مالك الا طلب مني أعملك.
بادلها البسمة بإعجاب على رفيق دربه الذي يعي كل صغيرة متعلقة به. أرتشف القهوة بتلذذ قائلاً دون النظر لها:
_شاهندة عاملة أيه دلوقتي؟
جلست على المقعد المجاور له قائلة بهدوء:
_ماما ومالك معاها بيحاولوا يخرجوها من الا هي فيه.
رفع عيناه قائلاً بغضب شديد:
_أنا مش عارف هي زعلانة ليه كداا. هو عامل مشكلة دي مصيبة هتحل فوق دماغنا.
ثم زفر بغضب وهو يحاول التحكم بأعصابه:
_بسببه اتنزلت عن أخلاقي. بس عشان الولد البرئ ده مالوش ذنب في الا بيحصل. لما يجي على الدنيا ويلاقي كل دا بيحصل.
خرج صوتها أخيراً:
_بس يا أبيه حرام تنسب ولد ليك وهو مش ابنك.
رفع يديه على رأسه يحاول التحكم في هدوئه الغير معهود:
_أنا مش عارف أفكر في حاجة يا منار. كل الا في دماغي أحل المشكلة دي قبل ما حد يعرف بيها.
شعرت به من نبرة صوته. فقالت بحزن:
_ربنا يصبر البنت دي بجد.
وتركته ورحلت لتصدح كلماتها عقله الهائج.
فتحت عيناها ببطء شديد فوجدتها جوارها. حتى محمود كان يجلس بجانبها. أقترب منها قائلاً بابتسامة واسعة:
_حمدلله على سلامتك.
فاتن ببكاء:
_كدا تخضينا عليكِ.
إبتسمت قائلة بصوت متقطع من التعب:
_كنت عايزة أشوف معزتي عندكم.
إحتضنتها قائلة بعتاب:
_أخس عليكِ يا ليان دانتِ بنتي الا مخلفتهاش يابت.
لمعت الدموع بعينيها قائلة بتأييد:
_وعمري ما شوفتك غير كدا.
رسم الغضب قائلاً بحزن:
_كدا طب وأنا!!
تعالت ضحكات ليان قائلة بصوت يكاد يكون مسموع:
_أنت الخير والبركة.
إبتسم محمود ثم أحتضانها قائلاً بسعادة:
_الحمد لله. أنا كنت هموت لو جرالك حاجة.
بكت وهي تشدد من احتضان أخيها قائلة بدموع:
_يارتني سمعت كلامك يا محمود لما قولت أن دا حيوان ميستاهلنيش. بس أنا سمعت كلام ماما ووفقت ارتبط بيه.
أخرجها من بؤرة دموعها تلك الكلمة "ماما". فقالت بصدمة وهي تتأمل الغرفة بتفحص:
_هي فين ماما؟!!
إرتبكت فاتن فبدأ بحديثها:
_جالها تلفون مهم ومشت يا حبيبتي. حتى مكنتش عايزة تمشي. بس أنا صممت عليها تروح تشوف ليكون في حاجة مهمة. ومردتش تمشي غير لما اطمنت عليكِ.
إبتسمت بسخرية:
_مفيش داعي تكدبي عشانها. أنا عارفه كويس أني أخر اهتماماتها.
إحتضنها محمود قائلاً بعتاب:
_مش قولنا منفكرش بالطريقة دي تاني يا ليان.
بكت بأحضانه قائلة بتعب شديد:
_دي الحقيقة ولازم تلحقني. أنا عمري ما شوفت بعينيها حنان ليااا.
فاتن بخوف شديد عليها:
_طب ارتاحي شوية يا حبيبتي وسيبك من أي حاجة عشان خاطري متزعليش نفسك. أنتِ لسه تعبانة.
أنصتت لها وأغلقت عيناها بمحاولة للتهرب من حقيقة مزرية تلحق بها. فرأت هذا الظل يقف أمامها كلما كانت بحاجة إليه يظهر لها. ظهرت البسمة على وجهها تحت نظرات استغراب محمود الجالس جوارها. لا يعلم أنه عشق الروح.
رأت هذا الظل يقف أمامها. أعتادت على وجوده بحياتها منذ خمسة أعوام. كانت ببدء الأمر تتعجب من وجوده ولكنها أعتادت عليه. رأته يقف أمامها ولكن تلك المرة بدت ملامحه تتضح ولكن ليس كثيراً. فربما يتبقى القليل لترى ملامح وجهه وربما إجابة لها عن سؤالا يتردد لمسمعها منذ 5 أعوام. غاصت بنوم عميق بعد أن بدأت الأدوية بالعمل.
بشقة سيف..
ولج شريف للداخل فبحث عن أخيه بغضبٍ جامح. إلى أن وقعت عيناه عليه وهو يتمدد بغرفته. فأقترب منه قائلاً بغضب شديد:
_طبعاً نايم ولا على بالك حاجة.
فتح عيناه باستغراب ليجد شريف أمامه والغضب معكوس على وجهه. فأعتدل بجلسته قائلاً بزهول:
_في أيه؟
أقترب منه شريف قائلاً بسخرية:
_مكنتش متخيل منك كدا. بقا مخليني أدافع عن الوسخ ده. أنا لو كنت أعرف الا عمله والله لكنت مخلص عليه.
زفر بملل وهو يفرك رأسه:
_أنا عملت كدا خوف على يزيد مش أكتر. لكن الحيوان ده أخر اهتماماتي.
جلس جواره بصمت ثم تطلع لصدره العالي بضيق:
_أنت قاعد كدليه؟
حاول كبت ضحكاته. فأخيه الأصغر يغار من عضلات جسده. حتى أنه حاول كثيراً ممارسة التمارين الرياضية الشاقة ليصبح مثله ولكنه لم يتمكن من ذلك. توجه لخزانته قائلاً بهدوء:
_واحد وقاعد في بيته هيقعد أزي.
رفع قدماً فوق الأخرى قائلاً بغرور:
_مش بيتك لوحدك يا حضرت.
حطم هذا الأحمق حائط الصمت الذي يلتزمه سيف. فأستدار له بعيناه التي أصبحت متوجه بفعل الشرار:
_بره.
شريف بصدمة:
_أيه؟
اقترب منه بنظرات كالسيف:
_اخرج بره أوضتي. قولت.
ألتقط التفاح من جواره قائلاً بعدم مبالاة:
_ولو مخرجتش هتعمل أيه يعني؟
كانت دعوة صريحة لسيف بأن يقتص منه. ولج مالك ويزيد للداخل باستخدام المفتاح الخاص بهم ليجتمعوا بالمساء كالعادة. فتصنموا محلهم حينما وجدوا الأمر كالتالي: سيف عاري الصدر ومنقد على شريف المنبطح على الفراش ووجهه متورم من اللكمات حتى قميصه منفتح على مصراعيه.
مالك بسخرية:
_أحنا جينا في وقت غلط ولا أيه؟
نظرات يزيد الساكنة كانت دافع قوي لشرود سيف. فأستغل شريف الفرصة ودفشه بعيداً عنه ثم لملم قميصه قائلاً بصوت مثل الفتيات:
_يا فضيحتي لاا متفهموش غلط. الحيوان ده هو الا غرغر بيا. وأنتوا عارفين شرف البنت ذي عود الكبريت طشة واحدة.
رمقه يزيد بنظرة تشبه هلاك موته. ثم خرج للقاعة. أما مالك فلوى فمه بتقزز قائلاً بسخرية:
_بيئة ذي أخوك.
وتركه وتوجه للخارج خلف الغول. أستدار شريف بابتسامة واسعة انتهت حينما تلقى لكمة قوية من سيف الغاضب ليلقى حتفه ويتمدد على الأرض كالجثة الهامدة. جذب سيف قميصه ثم أرتداه مسرعاً ونظرات الغضب عليه:
_غبي.
قالها وخرج للقاعة فوجد يزيد يجلس بثباته المعتاد ومالك يجلس لجواره.
سيف بثبات:
_غريبة أنكم جيتوا النهارده بدري عن معادكم.
مالك بسخرية:
_هو معاد حكومي!!
إبتسم قائلاً ببعض الخوف:
_لا بيتك ومكانك تشرف في أي وقت. والله أنا كنت هخرج بس قولت لا مستحيل تفوتني القعدة الحلوة دي.
خرج صوت الغول أخيراً قائلاً بثبات:
_قبل أي قعدة والكلام ده عملتوا أيه في موضوع البنت دي.
سيف بهدوء:
_ لسه يا يزيد. هو على طول كدا. مالك وصل لأبو البنت وتقريباً كدا عرف يقنعه. لكن الرد لسه مجاش ومتنساش الموضوع مش سهل.
دلف شريف وهو يجاهد للوقوف قائلاً بضحكة واسعة:
_ها يا شباب هتطلبوا أكل أيه النهاردة.
تأفف مالك قائلاً بسخرية:
_أنت مبتفكرش غير بالاكل؟!!
سيف:
_هو مش عايش غير عشانه أصلا. هو وتقى.
إبتسم يزيد قائلاً بثبات:
_تقى هي عاملة أيه؟
سيف بجدية:
_الحمد لله يا يزيد. أهو كلنا بنحاول ننسى الا حصل عشان نقدر نكمل.
رفع يديه على كتفيه بجدية:
_ربنا يصبركم يارب. سامي مكنش ابن خالتي بس كان ذيك وزي مالك. وربنا الا يعلم.
إبتسم سيف قائلاً بتأكيد:
_عارف يا يزيد. ربنا يبارك لنا فيك يا صاحبي.
إبتسم مالك بفخر وهو يتأمل عمود الصداقة يترعرع أمام عيناه ليصبح أمتن وأقوى من سابق. وضع شريف التسالي أمامهم وبدأ كعادتهم يتبادلون الحديث في الأمور الشخصية والبعض المتعلق بالعمل.
بمكان آخر..
كانت دموعها كشلالات لا توقف. نذير النيران بقلبها تكاد تحرق ما تبقى بجسدها. حطام ذكريات تلك الليلة كفيلة بجعلها ترى الموت ألف مرة. صوت توسلها يعلو بذهنها حينما كانت تتوسل لوحش جرد قلبه من الرحمة والإنسانية. وما زاد ألمها شعورها بأنها ضعيفة وعاجزة أمام جبروت عائلة هذا اللعين. فلم يعن لهم الأمر شيئاً حتى ولو كانت بوضع توقيعها لجوار الاسم الملون بالورقة التي بيدها "يزيد نعمان". تفكير عميق يطوف بها. القرار بيدها هي. هل سترضخ عائلتها بتلك الإهانة أم ستجعلها فريسة لعائلة نفوذها هكذا؟
كفكفت دموعها بقسوة كأنها تمنح القلب وعداً بأنها من ستأثر لنفسها. وضعت اسمها جوار هذا الاسم لتكون له زوجة. ولكن بداخلها تقسم وتتوعد له بأنها من ستحول حياته لجحيم. فربما لا يعلم الرجل بقوة امرأة جرحت بأعز ما تملك لتتحول من قطة صغيرة لنسر جارح ذات مخالب حادة للغاية.
بشقة سيف..
تعالت ضحكات شريف قائلاً بتأكيد:
_أه والله بعد الكلمتين الا قولتلهم الدكتور بتاع الجامعة قالي برة. وقفت وبصيت كدا وروحت قولتله بره بره. أنت هتطردني من الجنة. راح قالي كدا. طب اعتبر نفسك شايل المادة.
مالك باهتمام:
_ردك كان أيه بعد الجملة دي.
شريف بسخرية:
_ولا حاجة. ضربت النظارة وقولتله أنا شيلتها من زمان ومعنديش مانع أشيلها مرة واتنين لأن العشق أقوى من حب المادة نفسها.
تعالت ضحكات مالك. فغارت منه الوسامة بغمزاته البادية على وجهه الرجولي. على عكس يزيد الذي رمقه بنظرة جعلته يقول بصوت متقطع:
_قولتلك ماليش في التعليم. صممت تدخلني هندسة. طب ازاي وأنا بفك الخط بالعافية.
رفع يديه على شعره الغزير. فأرتاعب شريف ولكنه ظن أنه نجا. فكاد أن يكمل حديثه ولكنه صرخ حينما جذبه يزيد بقوة كبيرة ليواجه غضب الغول كما يلقب:
_عارف لو سقط السنة دي هعمل فيك أيه؟
كاد الحديث ولكنه يشعر بالاختناق. فقال بصوت متقطع:
^الحقني يا مااااالك.
تعالت صوت ضحكاته بقوة قائلاً وهو يتجه للكوماد:
_ولا أعرفك.
ثم حمل مفاتيح سيارته متجهاً للخروج. فأستدار بعدما فتح الباب قائلاً بغمزة من عيناه:
_بعد الا هيحصل ده مش محتاج مذاكرة للنجاح.
وأغلق الباب ثم توجه للمصير الذي سطر حياته منذ خمسة أعوام. فجعلها هشة وبلا هدف. صرخ شريف بسيف حينما تخل عنه مالك:
_أبوس ايدك تعتبرني النهاردة أخوك وتلحقني.
جذب الهاتف قائلاً بفرحة:
_كذا راحتك يا يزيد.
خرج صوته أخيراً قائلاً بغضب جامح:
_أيه الا ناقصك عشان تكون ذي الخلق.
شريف بصوت متقطع:
_العقل الا ناقصني. دانا لما بروح اشتري حاجة بحسب الفلوس بالعافية. تقوم تدخلني هندسة. يقولك أحسب مقاسات دور كامل منين. مكتش العين بكت.
ألقاه يزيد بقوة فسقط على المقعد. ثم أقترب منه فأبتلع ريقه بخوف شديد. أنحنى ليكون مقابلاً له قائلاً بصوته الجمهوري:
_أنا هسيبك النهاردة بمزاجي. بس لما النتيجة تظهر ورحمة أمي ما أنا راحمك.
ووقف بطالته القابضة للأرواح. ثم غادر هو الآخر. وما أن غادر يزيد حتى هرول شريف لغرفته جاذباً كل الكتب أمامه حتى كتب العام القادم. فهو مهدد بالقتل من يزيد نعمان شخصياً. دلف سيف للداخل وبيده الشطائر يتناولها بتلذذ وهو يتأمل لون وجه أخيه. فصاح بسخرية:
_ناس مبتجيش غير بسك يزيد نعمان.
لم يستمع له. فلأول مرة يشعر بحاجته للعلم بعدما تلقى جزاته من الغول شخصياً.
شرا الورود الحمراء مثل كل عام. ثم أنحنى ليجلس أرضاً وعيناه تتأمل تلك المقبرة بعين تفيض بالدمع. الآنين ينقل لها أوجاعه من خلال عبارات العين. وضع باقة الزهور قائلاً بصوت متقطع من البكاء:
_كل سنة وأنتِ طيبة يا قلبي. لـ زورده. عاصفة من البكاء جاهدها بالحديث:
_أنا جبتلك الورد الأحمر الا بتحبيه.
وضعه أرضاً ثم استند برأسه على الحائط الملون باسمها "ليان عامر". ليسرح بذاكرته لماضي أليم حينما بدأ يستعيد وعيه بعد ساعات طويلة ليجد رفيقه جواره وعلامات الزعر تلون وجهه. حتى والدته كانت مازالت بصحتها تقف أمامه قائلة بدموع:
_حمدلله على السلامة يا حبيبي.
بحث بعينيه عنها بالغرفة فلم يجدها. فحاول الحركة ولكنه صرخ ألماً. فتداخل يزيد على الفور وبفعل قوته الجسمانية نجح بشل حركاته. حتى هرع الطبيب ليحقنه مجدداً. فجذب رفيقه ليستمع لصوته الخافت:
_ليان فين؟
رفع يزيد يده على كتفيه قائلاً بثبات:
_كويسة يا مالك أطمن.
غاب عن الوعي بفعل المهدئ. فتحطم قلب رفيقه لعلمه بأن حياة من يعشقها بجنون على حافة الموت. كيف سيخبره بذلك؟ تمسك والدته بذراعيه قائلة بدموع:
_خاليك جانبه يا يزيد.
أحتضنها بقوة فهي بمثابة أم له قائلاً بهدوء:
_مش هسيبه متقلقيش.
وبعد عدة ساعات..
دَلفت الممرضة للداخل وعلامات الحزن على وجهها:
_البنت الا كانت مع مالك بيه للأسف توفت.
تخشب يزيد محله لشعوره بكم هائل من الآلام. فكيف سيكون شعور رفيقه إن علم؟ بكت بقوة وهي تردد بصوت خافت:
_يا حبيبي يابني ربنا يصبرك ويرحمها يارب.
فتح عيناه على تلك الجملة التي ود أن يكون قتيلاً أفضل مما استمع إليه. صدمة يزيد كانت كبيرة حينما وجده يجلس على الفراش ويزيح الأجهزة من يديه بقوة كبيرة وصراخ قوي باسمها "لياااااااان". حاول يزيد التحكم به ولكن تلك المرة فشل في التحكم بوحش ثائر لا يرى أمامه سوى معشوقته تغادر للأبد. دلف لغرفتها المجاورة له ليتوقف نبضات قلبه حينما وجد الغطاء الأبيض يخفي وجهها.
أقترب منها بقدماً مرتجف للغاية وقلبٍ يذبح ببطء مع كل خطوة يخطوها للأمام. إلى أن جلس جوارها على الفراش. فجذب الغطاء ببطء ليجدها كحال الموتى. فربما رؤيتها أكدت له ما استمع له. لأول مرة تسلل الدمعات وجه مالك نعمان. لأول مرة يبكي بقوة وهو يحركها بقوة ويحثها على الاستيقاظ قائلاً بصوت متقطع حزين:
_ليااان حبيبتي فوقي عشان خاطري. أنا عارف أنك مش بتحبيني أسوق بسرعة وأنا بوعدك مش هكررها تاني بس متسبنيش يا حبيبتي أنا مقدرش أعيش من غيرك صدقيني.
لم يستمع لرد كالمعتاد. جثة..... جثة هامدة بين يديه معلنة عن انتهاء رحلتها على الدنيا. صرخ بقوة بعدما احتضنها بين ذراعيه ودمعاته تهوى بلا توقف لتتنقل لرفيق دربه كم الآلام التي يشعر بها رفيقه. ليجد دمعته هو الآخر تلمع ليعتليه الزهول.
مر على هذا الحادث الأليم خمس سنوات ومازال يذكرها. لم يقدر على نسيانها. فكيف سينسى من دعت لقلبه الحياة. من سكنت نبضات القلب والهوى. من هزت مملكة مالك نعمان لتجثو بقلبه. أفاق من ذكرياته على صوت هاتفه المعلن عن رفيق الألم والدرب. ليجد صوته الثابت:
_روحت برضو يا مالك؟
إبتسم قائلاً بألم:
_مقدرش مجيش هنا في اليوم ده يا يزيد. ده يوم عيد ميلاد ليان وهو برضه نفس اليوم الا خسرتها.
زفر قائلاً بألم:
_طب هترجع القصر أمتة. منار بتسأل عليك وأنا قولتلها أنك في شغل بس مش مقتنعة. الوقت اتأخر.
أغمض عيناه قائلاً بثبات مخادع:
_مش هطول متقلقش.
وأغلق مالك الهاتف وعيناه على المقابر يتطلع لهم بحزن. ثم توجه للمغادرة بعدما قرأ الفاتحة وبعض الصور القصيرة. كما أنه دعا لها بالرحمة وله بالمغفرة لما فعله. فهو لم يحتمل عدم إخبارها بأنه مازال على ذاكرتها. ربما هناك خيط مجهول لعشقه المتيم. وربما رابط للعشق ولكنه تحت مسمى عاشق الروح. علاقة مريبة ستهز أبدان البشرية بقصة مختلفة من نوعها.
تخفى الليل خشية من نور الشمس المضئ لتعلن يوم جديد وبداية لأحداث مخفية بالظهور. هبط من سيارته مرتديًا البذلة السوداء ونظارته التي لا تفارقه. فكان متوجًا لعرش الأناقة والوسامة معاً. فتوجه للمصعد الخاص به ليسرع العامل بفتح المصعد ليتفاجأ بفتاة بالمصعد الخاص به. صدم العامل وعلم بأنها نهايته بالمقر. أما يزيد فتصدع منها بصدمة لعدم مبالاتها لما ارتكبت. فربما لا يعي أنه سيكون مأسورها. لتدلف تلك المشاكسة حياته. ربما صدفة. ربما قدر. ربما علاقة خفية ستحطم حينما تعلم بماضي زواج مجهول. ولكن بعد معاناة ستكون بين يزيد نعمان وتلك الفتاة. لنرى كيف ستهز مملكته؟ ما الرابط الخفي بين وفاة ليان ومالك وليان؟ من تلك المتعجرفة التي ستغير مسار حياة محمود؟ هل سيظل حب تقى خفي؟ وماذا لو كشف بأنها من تسببت بمقتل أخيه؟ ورقة رابحة بالنسبة لأعداء يزيد نعمان ومالك نعمان. من هي؟ وهل ستكون نقطة ضعف أم جهة أخرى؟
رواية معشوق الروح الفصل الثالث 3 - بقلم اية محمد
كانت صدمة للعامل ويزيد. فلأول مرة يجرؤ أحد على اعتلاء المصعد الخاص به وبمالك.
تطلع للعامل بنظرة جعلته يهرول للداخل سريعاً قائلاً بشيء من الحدة:
_أنتِ دخلتي هنا إزاي؟!!
رفعت عيناها قائلة باستغراب:
_ودا يخص حضرتك في إيه؟!!
ذهل العامل ثم قال مسرعاً:
_طب ممكن تخرجي من هنا. عندك الأسانسير التاني الخاص بموظفين الشركة، لكن دا خاص بيزيد بيه ومالك بيه.
رفعت عيناها له قائلة بسخرية:
_ليه هو الأسانسير كمان بقى ملكية خاصة؟
العامل بغضب:
_من فضلك يا آنسة اِخرجي من هنا. أنتِ بتضيعي وقت يزيد بيه.
رفعت عيناها على من يدير لها ظهره ثم قالت بسخرية:
_هو أنت المندوب عنه بالكلام ولا هو مش بيتكلم؟
جحظ العامل عيناه وهو يتأملها بصدمة من حديثها. أما يزيد فاستدار بعين غاضبة للغاية مشيراً للعامل بالخروج من المصعد. وبالفعل انصاع له فولج للداخل ونظراته تشبه الهلاك لمن تجرأت على الحديث هكذا.
استدارت بعيناها على الشاب الواقف جوارها فتفاجئت بصمته المريب متجاهلاً إياها.
وقف المصعد بالدور المحدد لمكتب يزيد فتوجه للخروج ولكنه استدار برأسه قائلاً بنبرة ثابتة للغاية:
_خمس دقايق وتكون استقالتك على مكتبي.
وتركها وغادر وهي بصدمة من أمرها.
خرجت من المصعد وهي تفكر بحديثه، فلم تشعر بقدميها إلا وهي تلحق به لمكتبه.
***
بقصر نعمان.
وبالأخص بغرفة مالك.
دَلفت شاهندة بضيق للداخل ثم اقتربت من الفراش وهي تبحث عنها بعيناها إلى أن عثرت عليها بين أحضان مالك. فحركت رأسها بيدها قائلة بصوت منخفض غاضب:
_أنتِ يا هانم.
حركت رأسها بنوم شديد. فجن جنون شاهندة.
فتح عيناه بتثاقل قائلاً بنوم:
_صباح الخير يا شاهي.
أجابته بابتسامة هادئة:
_صباح النور يا أبيه.
جلس على الفراش وما زالت شقيقته متعلقة بأحضان. فجذب الساعة من على الكومود قائلاً بغضب:
_أيه داا! إزاي فضلت نايم لحد دلوقتي!!
شاهندة بمرح:
_أكيد كنتوا مقضينها كلام أنت ومنار.
تطلع لشقيقته بضيق ثم صاح بغضب:
_قولت مية مرة معتِش تنام هنا بس مفيش فايدة.
ونهض عن الفراش سريعاً تاركها بمحاولة مستميتة كالعادة.
بعد قليل.
خرج من حمام الغرفة بعدما ارتدى سروالاً أسود اللون وتيشيرت أبيض ضيق للغاية على جاكيت رمادي اللون، ثم ارتدى حذاءً أبيض اللون فكان أنيقاً للغاية. فمالك لا يتقيد بالحلي بالعمل.
وقف أمام المرآة يصفف شعره بعناية وهو يخطف النظرات لشاهندة التي تحاول إيقاظها. فأقترب منها قائلاً بابتسامة واسعة:
_دي مش بتصحى كده يا حبيبتي.
رفعت عيناها بدون فهم إلى أن حملها مالك لحمام الغرفة فتعالت ضحكاتها حينما دفعها أسفل المياه لتصرخ بفزع.
توجه للخروج فأوقففته شاهندة قائلة بابتسامة واسعة:
_شكراً على مجهودك معانا.
رفع يديه على جاكيته بغرور:
_ولا مجهود ولا حاجة. المهم أنها تبقى كويسة. أو أنا أدعيلي أن انتقامها من اللي عملته فيها يكون خفيف ولطيف.
تعالت ضحكاتها قائلة بتأييد:
_هدعيلك متقلقش.
وتركها مالك وتوجه للأسفل ليجد الأمر كالتالي.
شريف بدموع ذائفة:
_يعني يرضيكِ كده يا موولة.
أجابته بحزن:
_لا يا حبيبي ميرضنيش.
عاد للنحيب:
_طب هنجح إزاي وأنا مليش في الهندسة؟ حتى ابنك بقوله ألحقني جري وسابني. هي دي الشهامة والرجولة والنخوة.
تعالت ضحكات أمل قائلة بهدوء:
_معلش يا شريف هما خايفين على مستقبلك يا حبيبي.
صاح بغضب:
_مستقبل إيه يا موله؟ الأعمال بالنيات وأنا نيتي سليمة وعسل وابن حلال وطيب.
فزع بشدة حينما وجد قابض الأرواح يقف أمامه فتراجع للخلف برعب حقيقي.
جلس على المائدة يتناول فطوره قائلاً بلا مبالاة:
_متخافش يا شيفو، تعال افطر يا حبيبي.
تطلع شريف لأمل بصدمة فأشارت له بالأقتراب. فأقترب بحذر شديد ليجلس جواره ولكن مع الحفاظ مسافة بينهم يتأمله بتركيز.
رفع عيناه قائلاً بهدوء:
_بص يا عم قدام السيدة الوالدة أهو. لو نجحت السنة دي هسلمك شغل في الشركة أعلى من سيف نفسه. ومش كدا وبس لااا. دانت هتكون المدير الرسمي للشركة.
غاصت الأحلام بعقله وغاص الحلم فرأى صورة سيف أمامه وهو ينفذ ما يقال من تعليمات وهو يجلس على المكتب واضعاً قدماً فوق الأخرى.
نجحت أمل في كبت ضحكاتها. فهرول شريف مسرعاً:
_اعتبرني نجحت.
تعالت ضحكات أمل فشاركها مالك بابتسامته الهادئة.
هبطت منار مع شاهندة والغضب يلمع بعيناه. فأخفى مالك ابتساماته قائلاً بحزم مصطنع:
_أنا اتأخرت جداً. عن إذنكم.
وقبل يد والدته فرفعت يدها على رأسه قائلة بابتسامة رضا:
_ربنا يوفقك أنت ويزيد يا حبيبي.
رفع عيناه قائلاً بحزن فشل في إخفائه:
_ادعيلي أن ربنا يريح قلبي.
دعت له كثيراً فغادر مسرعاً قبل أن يفضي الجميع حزنه الخفي.
جلست منار على المائدة ونظراتها كالجمر لشاهندة. فقالت بابتسامة مرحة:
_وأنا مالي؟ هو أنا اللي غرقتك مية؟ دا أخوكِ.
لوت فمها بضيق شديد. فأسرعت شاهندة بالحديث:
_أنا وأنتِ وماما بنصوم كل اثنين وخميس. فعشان كده بستغل اليوم ده جداً لأنك بتكوني هادية وبتعدي أي حاجة.
تعالت ضحكات أمل مرددة بصوت خافت:
_الله يجزاكِ يا شاهي.
منار بغضب:
_طب يلا يا أختي على الجامعة بدل ما أخرج عن شعوري.
تعالت ضحكاتها ثم لحقت بها للخارج.
***
بعد عدد من المحاولات لرؤيته باتت آخر محاولة بالنجاح. فدَلفت لمكتبه بانبهار. فهي تعمل هنا منذ فترة ولما تسنح لها الفرصة بأن تدلف لمكتبه.
أنهت فضولها لتجده يجلس على مكتبه غير عابئ بها. يلهو بحاسوبه.
جلست أمامه فرفع عيناه أخيراً قائلاً بنبرة مخيفة:
_سمحت لكِ أنك تقعدي؟
وقفت سريعاً وهي ترمقه بغضب شديد.
أكمل ما يفعله على الحاسوب. فوقفت تنتظره كثيراً. فصاح بلهجة مضطربة:
_لو حضرتك مشغول، أجي ممكن أساعدك عشان تفضى ليا ولو دقيقة. مع العلم أن وقت حضرتك من ذهب.
كانت دعوة محفزة بالسخرية. فأغلق حاسوبه بضيق رافعاً نظراته لها:
_أنا اللي عايز أفهم سبب وجودك هنا. كان ممكن تسلمي الاستقالة للسكرتيرة وهي كانت هتوصلها لي. مفيش داعي لوجودك.
اقتربت منه بابتسامة ساحرة ثم جلست على المقعد قائلة بمرح:
_الحمد لله طلعت بتتكلم. وكده هنفهم بعض بسرعة.
صدم يزيد من تلك الفتاة. فكاد الحديث ولكنها قالت بسرعة كبيرة حينما أخرجت من حقيبتها قائلة بابتسامة واسعة:
_ممكن حضرتك تقرأ الورقة دي.
رمقها باستغراب فألقى نظرة على الورقة. ولكنها هرولت لتصبح جواره مشيرة على بند من العقد ينص أن الميعاد المحدد لها بالحضور بتمام التاسعة صباحاً. فتطلع لها بعدم فهم. فجلست مكانها قائلة بابتسامة واسعة:
_حضرتك الميعاد المحدد ليا هنا الساعة 9 وأنا حريصة جداً على المعاد ده. فالساعة بقت تسعة إلا دقيقة واحدة. الأسانسير كلهم كانوا زحمة جداً. حتى السلم لو طلعت مش هوصل بالمعاد. فحضرتك مكنش في قدامي حل تاني غير استخدام الأسانسير بتاع حضرتك لأن في العقد مش مذكور عدم استخدام المصعد الخاص بمدير المقر. مكتوب تنبيه هام بالحضور في المعاد المحدد. وده اللي أنا عملته لأن...
قاطعها قائلاً بدهشة وصدمة معاً:
_خلااااااص. حقك عليا. اتفضلي على شغلك.
حملت حقيبتها بسعادة ثم توجهت للخروج. ولكنه ركضت للداخل مجدداً تحت نظرات استغرابه قائلة بابتسامة كبيرة:
_الورقة يا فندم لو سمحت.
لم يفهم حديثها إلا حينما جذبت العقد من بين يديه وهرولت للخارج مرة أخرى.
ظل مكانه بصدمة والبسمة ما زالت مرسومة على وجهه. زاره التعجب كثيراً. فلأول مرة يتراجع بقرار اتخذه بغضب. راوده سؤال واحد: كيف حافظ على هدوئه هكذا؟ فهو والهدوء متضادتان ولم يجمعهما محطة واحدة.
***
بالجامعة.
وصلت منار لجامعتها وكذلك شاهندة توجهت لجامعتها الخاصة. فتوجهت لرفيقاتها قائلة بسعادة:
_صباح الخير يا قمرات.
أجابوها بسعادة. على عكس رفيقة الدراسة كانت تبكي بقوة. فتوجهت إليها منار بلهفة:
_فيه إيه يا نورا؟
أجابتها من تجلس جوارها:
_أنتِ مكنتش هنا الأسبوع اللي فات كله. أكيد متعرفيش اللي حصل؟
أجابت بلهفة:
_أيوا أنا كنت تعبانة جداً ومقدرتش أجي الجامعة. قوليلي فيه إيه؟
رفعت نورا عيناها الباكية قائلة بصوت متقطع:
_أنا مش هعدي السنة دي يا منار.
أجابتها باستغراب:
_ليه بتقولي كده؟
كفكفت دموعها وأخبرتها ما حدث بينها وبين الدكتور الأسبوع الماضي. فتعجبت عندما علمت بأنه تولى الدراسة محل الدكتورة.
طالت فترة الصمت. فكسرتها منار بهدوء:
_بس أنتِ غلطانة يا نورا. كان المفروض متتكلميش ولا تعلي صوتك عليه. أنتِ عملتي غلط لما رديتي على الفون في المحاضرة.
أجابتها بدموع:
_بقولك ماما كانت تعبانة. ولما لقيتها بترن عليا مترددتش ثانية أني أرد.
_كان ممكن تستأذني منه وتشرحيله الموقف. للأسف البنات الشمال هي اللي خلت الكل ياخد فكرة سلبية عن الفون. أي واحدة دلوقتي ماسكة موبايل وبتتكلم يبقى بت شمال. متعرفيش المجتمع ده بيفكر إزاي؟
قالتها منار بحزن. ثم وقفت قائلة لإحدى الفتيات:
_تعالي شاوريلي على مكتب الدكتور ده وأنا هحاول أشرحله اللي حصل يمكن يسمع مني.
نورا بفرحة:
_مش عارفة أقولك إيه يا منار؟
حملت حقيبتها قائلة بسخرية:
_مش لما أرجع وأشوف هعمل إيه ابقي قولي براحتك وأدعولي ربنا يسترها عليا.
وتوجهت منار للمكتب بعدما أشارت لها رفيقتها. فطرق باب المكتب برعب إلى أن استمعت أذن الدخول.
دَلفت بخطوات مرتبكة. فرفع رأسه لتزيد صدماتها. شاب صغير للغاية أو أن ملامحه توحي بذلك. وسيم للغاية بعيناه السوداء وبشرته الخمري. أشاحت نظراها عنه سريعاً وهي تستغفر ربها.
رفع محمود عيناه ليجدها تقف أمامه. فقال بعملية:
_أقدر أساعدك؟
حل الارتباك على وجهها فقالت بتوتر:
_في الحقيقة أنا كنت جايه لحضرتك بخصوص البنت اللي حضرتك أخدت منها الفون.
تلونت عيناه بطفيف من الغضب لتذكرها. فأشار بيديه على المقعد:
_اتفضلي.
وبالفعل انصاعت له وجلست. فخلع نظارته لتبدو وسامته على أرفع حال. قائلاً بهدوء:
_وحضرتك أختها؟
أجابته بتلعثم:
_لا أنا زميلتها.
أجابها باستغراب:
_بس أنا مشفتكيش في المدرج خالص.
:_لأني محضرتش الأسبوع اللي فات.
قالتها بخجل. ثم استرسلت حديثها وعيناها أرضاً:
_نورا والدتها مريضة بالقلب. فأول ما التليفون بتاعها بيرن بتخاف جداً تكون في ضرر على صحتها. أنا مش ببرر اللي عملته. بالعكس هي غلطت وأنا عرفتها غلطها. وهي مستعدة تعتذر لحضرتك.
أجابها بحزن بعدما علم الأمر:
_لا مفيش داعي. أنا اللي نرفزني طريقتها بالكلام.
أجابته بلهفة:
_والله ما طبعها كده. هي بس من خوفها على والدتها. أنا بعتذر لحضرتك بالنيابة عنها. بس أرجوك متفصلهاش من الجامعة.
تطلع لها بصدمة ثم قال باستغراب:
_افصلها؟!!
أجابته بتأكيد:
_هي والله متقصد.
ابتسم محمود قائلاً بسخرية:
_مين فهمكم أن دكتور الجامعة سفاح كده!!
تطلعت له بذهول. فأكمل هو بعدما أخرج الهاتف من المكتب:
_أنا مقبلش أدمر مستقبل حد مهما عمل. أنا أخدت الفون منها لحد ما تعرف غلطها. بس خلاص أنا عزرتها عشان والدتها. ربنا يشفيها لها يارب.
كانت منار بصدمة حقيقية. فجذبت الهاتف. ثم قالت بخجل وارتباك من نظراتها المتفحصة له:
_عن إذن حضرتك.
أشار لها بهدوء وأكمل عمله بعدما طلب والدته بالهاتف ليطمئن على ليان. فأخبرته بأنها تحسنت كثيراً.
***
دلف لمكتبه.
فجلس على المقعد بإهمال وهو يتطلع للملفات من أمامه بضيق. فالعمل لا ينتهي على الدوام.
أخرج هاتفه ثم طلب رفيقه الذي أجابه على الفور قائلاً بثبات:
_صباح الخير يا مالك.
زفر قائلاً بملل:
_صباح النور. أنت بمكتبك؟!!
أجابه سيف بتأكيد:
_أيوا. ليه؟
أجابه الآخر على مضض:
_سيب اللي في إيدك وتعال.
سيف بغضب:
_أسيب مين يا حبيبي؟ عندي اجتماع بعد نص ساعة. لو هتروح مكاني اقعد معاك للصبح وأهو تعفيني من المزز اللي بشوفها وأنا بحاول أمسك نفسي وأغض البصر. بس هما اللي بيعاكسوا.
مالك بتأفف:
_عشر دقايق وتكون على مكتبي يا سيف.
وأغلق بوجهه. فتطلع سيف للهاتف مردداً بصدمة:
_قفل في وشي!!!
أتاه صوت هلاكه من خلفه:
_لا مهو لازم يستأذن معاليك الأول.
تطلع سيف جواره بصدمة حينما وجد يزيد نعمان يجلس على المقعد المقابل له والغضب يتلون على وجهه.
وقبل أن يتحدث كان بين يديه.
يزيد بغضب شديد:
_بقا أنت سايب شغلك وبتتكلم عن المزز والكلام الفاضي ده.
سيف برعب:
_محصلش يا غول والله. دانت عارفني بخاف ربنا وبتقي الله.
تركه وجلس على المقعد واضعاً قدماً فوق الأخرى قائلاً بسخرية:
_أمال لو مكنتش سمعك بنفسي.
جلس مقابل له قائلاً بغرور:
_بتتفشخر يا خويا. ما أنت بتدخل الاجتماع أنت وهو بتتعاكسوا معاكسات نار. ومش من أي حد. من صواريخ جوية. لو واحدة من دي بصت لي هيغمى عليا. وأنتوا لابسين الوش الخشب.
رمقه بنظرة جعلته يهرول من أمامه سريعاً. فجذب يزيد الملف من على مكتب سيف وغادر هو الآخر قبل أن يقتلع رقبته.
بمكتب مالك.
ولج سيف سريعاً والرعب يحفل على وجهه. فوقف مالك قائلاً بسخرية:
_شبح؟
التقط أنفاسه قائلاً بنفي:
_لا أوسخ الغول بنفسه سمعني وأنا بحكيله على الموزز اللي بيعاكسني.
تعالت ضحكات مالك قائلاً بسخرية:
_أكدب الكدبة وأصدقها.
سيف بغضب:
_تصدق أني غلطان. أنا هرجع مكتبي أحسن.
رفع يديه على كتفيه قائلاً بابتسامة واسعة:
_ليه بس يا سيفو؟ ده أنا كنت عايزك في موضوع مهم جداً.
جلس أمامه على المقعد قائلاً بجدية:
_موضوع إيه ده؟
رسم الجدية هو الآخر:
_عايز كل المعلومات عن آخر صفقات عملتها نوال نعمان.
أعتدل بجلسته قائلاً بتفهم:
_أوك. هحاول. بس أنت عارف أنها حريصة جداً من ساعة ظهورك في آخر حركة.
جلس على مقعده الرئيسي بابتسامة خبيثة:
_وليه متقولش أني أنا اللي قاصد أظهر لها.
تأمله بصدمة ثم قال بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_بجد معتش قادر لا أفهمك ولا أفهمه.
ابتسم قائلاً بمكر:
_ولا عمرك هتفهم حاجة. المهم شوف لي الموضوع ده في أسرع وقت.
أشار برأسه ثم تركه وتوجه للرحيل قائلاً بلهفة:
_أوك. عن إذنك بقى عشان الاجتماع.
أشار له برأسه فغادر على الفور.
هبط يزيد للأسفل ثم توجه لسيارته فأعتلاها وتوجه للمنزل. ولكنه توقف حينما وجد تجمع بجوار المقر. فأشار بيديه للحارس قائلاً بذهول:
_الناس دي واقفة كده ليه؟
أقترب منه الحارس قائلاً باحترام كبير:
_دي واحدة العربية خبطتها يا يزيد بيه.
أقترب الآخر:
_بيقولوا أنها بتشتغل بالمقر.
هبط يزيد من السيارة ثم اقترب من التجمع بضيق من عدم مساعدة أحد مما يتطلعون إليها. فوجدها فاقدة الوعي أرضاً. دقق النظر بها جيداً فصدم حينما تذكرها.
حملها يزيد لسيارته. ففتح الحارس السيارة سريعاً ليضعها بالمقعد الأخير وتوجه للمشفى.
شعرت بأن قدماها منفصلة عن جسدها. بدأت تستعيد وعيها شيئاً فشيئاً لتتضح الرؤيا أمامها. لتجده أمامها.
جلست على المقعد وهي تتمتم بألم:
_آه. إيه اللي حصل؟
أستدار لها يزيد قائلاً بهدوء:
_أنتِ كويسة؟
أعتدلت بجلستها وهي تتحسس قدماها المخدوشة بقوة:
_الحمد لله. ثم جذبت حقيبتها قائلة برعب:
_من فضلك نزلني هنا.
أستدار بوجهه قائلاً بصدمة:
_أنزلك إزاي؟ أنتِ لازم تروحي المستشفى فوراً.
صرخت به قائلة برعب:
_لاااا يا ماماااااا. مستشفى ودكاترة وعملياااات. لاااااا.
أوقف يزيد السيارة بذهول ثم استدار برأسه قائلاً باستغراب:
_أنتِ هبلة صح؟
رمقته بابتسامة واسعة:
_لا. اسمي بسمة.
رفع يديه على رأسه يقاوم صداع رأسه. فكم ود بتلك اللحظة أن يخرجها من السيارة ويتأسف لها عن المساعدة التي كان يود تقديمها له.
قالت برجاء:
_وحياة عيالك يا شيخ ما تودينا المستشفى. دا الدكاترة كلهم ما بيصدقوا حد يوقع تحت رجليهم يكتبوا له على عمليات على طول. لو عندك أخوات بنات ترضى حد يسرق أعضائهم.
جحظت عيناه قائلاً بصدمة وهو يشدد على شعره الطويل:
_يارررربي مش معقول.
أجابته بتصميم:
_لا معقول والله. اسمع مني.
قاطعها قائلاً بجدية:
_خلاص. تعالي معايا البيت وشا...
قاطعته قائلة بصراخ:
_بيت إيه؟ اااه. يبقا أنت اللي بشوفهم بالروايات يخبط البطلة ويقولها تعالي معايا البيت ويكون عايش في قصر جميل ويغتصبها. وبعدين يرجع يتأسف لما يعرف غلطته وتكون حامل...
قاطعها بصدمة:
_أنزلي من العربية وخلصيني. إيه الأفلام الأبيض والأسود اللي أنتِ عايشة فيها دي؟ ثم إني مخبطكيش. أنا استلمتك من على الطريق وغلطان إني قدمتلك مساعدة. عشان من الموظفين. انزلي.
صاحت بضيق:
_هو أنا قادرة أقف على رجلي عشان أنزل؟!!!
شدد على شعره بغضب. فكاد التمرد على هدوئه ليرى تلك الحمقاء. لما يلقب بالغول؟ فربما تلتزم الصمت وتنجو بحياتها.
زفرت قائلة بعد تفكير:
_طب بيتكم ده آمان.
أجابها بغضب:
_نعم؟
أسرعت بالحديث فربما ستخسر عملها بسبب لسانها:
_أقصد يعني فيه الوالد والوالدة وكدا.
لم يجيبها وتوجه للقصر.
رفعت قدماها لترى إصابتها قائلة بصوت خافت:
_حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. عالم ظالمة بيدوسوا خلق الله.
رفع عيناه بالمرآة ليرى ملامح تلك الفتاة التي تعاكس طبعها تماماً. فملامحها هادئة للغاية.
تحجر قلبها حينما دلف قصراً كبيراً للغاية. فابتلعت ريقها بخوف شديد تحت نظراته وابتسامته شبه البادية. فتلك الفتاة ما أن رآها منذ الصباح وفعلت العجب بجعل البسمة تزور وجه الغول أكثر من مرة.
هبط يزيد من السيارة. ففتح الباب الخلفي قائلاً بنبرته المعتادة:
_انزلي.
:_هاا؟
قالتها بسمة بشرود وخوف. فأخفى بسمته بصعوبة قائلاً بحزم:
_هاا إيه؟ بقولك انزلي.
استمعت له وهبطت بعد صعوبة. فقدماها متأذية بشدة. إصابتها خفيفة ولكن تشعر بنيران تجتاز قدماها.
دَلفت معه للداخل فوقفت على باب القصر تتأمله بصدمة وزهول أشد. فكان فخماً بكل ما تحمله معاني الكلمات.
شلح جاكيته ووضعه على الأريكة. فانقبض قلبها لتتحول نظراتها لصدمة وغضب. لم يتمالك زمام أموره. فبدت البسمة في الظهور لتظنها أنها البسمة الخبيثة كما تعتقد. فأستدارت لتهرول سريعاً كما تفعل بطلات الروايات من وجهة نظرها. ولكنه صاح بصوته الساحر:
_وتفتكري لو حابب أعمل حاجة من اللي في دماغك دي هجيبك هنا في بيت عيلتي؟ لا وفى عز النهار.
أرتخت ملامحها بارتخاء قائلة بسخرية:
_ولاد الحرام مش بيهمهم لا ليل ولا نهار.
تعالت ضحكاته لتتصنم أمل محلها حينما رأت يزيد يضحك لأول مرة منذ سنوات عديدة.
أما هو فهمس من وسط ضحكاته الوسيمة:
_مش معقول.
أقتربت أمل باستخدام متحكم المقعد المتحرك لتقف أمامه تتأمله بدموع سعادة. ثم استدارت لتجد فتاة في منتصف العقد الثاني من عمرها. عيناها رومادية اللون وبشرتها بيضاء. ولكن ما يجذبها هو بسمتها المرسومة على وجهها.
أقتربت منها بسمة قائلة بسعادة:
_أه والله طلعت صادق وفيه هنا ناس ومش أي ناس. دول مزز.
رفعت يدها بابتسامة واسعة:
_أهلا يا طنط. أنا بسمة بشتغل في شركات نعمان للاستيراد والتصدير من حوالي 6 شهور تقريباً. والأستاذ أ.
استدارت قائلة بمحاولة بائسة للتذكر:
_هو حضرتك اسمك إيه؟
رمقها بنظرة كالسيف مصطنعة حتى لا يفقد هيبته بالقصر.
ابتسمت أمل قائلة بفرحة:
_يزيد يا حبيبتي.
أجابتها بتذكار:
_أه افتكرت. متأخذنيش. أنا شغالة في القسم الخاص بأستاذ مالك وأحياناً عند مستر سيف. لكن محصلش لي الشرف الحقيقة. ودا من حسن حظي. اللي بيقع بمكان الغول ده نهايته بتسجل الناس في الشركة مرعوبة. والله أنا الصبح لما عملت شكله ودخلت على الحامي كنت هموت من الرعب لما عرفت أنه يزيد نعمان وصاح بغضب شديد:
_طب اعتبري نفسك من بكرة سكرتيرتي الخاصة.
أرتعبت محلها. فأنفجرت أمل ضاحكة قائلة بصوت منخفض:
_أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
توجهت للخروج سريعاً. فصاح بها:
_رايحة فين؟
أجابته بصدمة:
_دا سؤال؟ هروح أراجع المناهج كلها عشان أكون مناسبة للوظيفة.
لم يتمالك أعصابه. فتوجه للأعلى بعدما تطلع لشاهندة ومنار بعدما دلفوا من الخارج. قائلاً بنفاذ صبر:
_شاهندة شوفي رجليها عشان عملت حادث.
وتركها وصعد لغرفته.
تطلعت لهم بابتسامة واسعة. وبدأت بتبادل الحديث معهم بسعادة.
***
بالمشفى.
كانت شاردة للغاية حينما دلف محمود.
أقترب منها ثم وضع جوارها باقة الورد الأحمر قائلاً بابتسامة جميلة:
_إيه الجمال ده.
تطلعت له بتعب شديد ثم قالت بصوت متقطع:
_هتفضل زي ما أنت على فكرة.
تعالت ضحكاته قائلاً بغضب مصطنع:
_مالي يابت؟ ما أنا عسل أهو.
تطلعت له قليلاً ثم قالت بجدية والدموع تترقرق من عيناها:
_محمود ممكن أطلب منك طلب.
أستقام بجلسته قائلاً بجدية:
_أنتِ تطلبي روحي يا ليان.
أسترسلت حديثها ببكاء:
_روحيني البيت. أنا حاسة أني مخنوقة هنا. أرجوك.
أجابها بحزم:
_لا طبعاً. أنتِ لسه تعبانة من الحادثة.
تمسكت بيديه قائلة برجاء:
_عشان خاطري.
نقلت له أنين القلب. فقال باستسلام:
_حاضر. بس بكرة الصبح. غير كده لا.
أستسلمت لقراره. فبالنهاية ستغادر هذا المكان. ربما لا تعلم بأن الغد هو المفاجأة الكبرى لها لترى الظل الخفي.
***
غادرت بسمة القصر وبداخلها فرحة مريبة بأنها ستظل لجوار يزيد نعمان. لا تعلم لما يهاجمها هذا الشعور المريب.
أما بداخل الصالة الرياضية الخاصة بيزيد ومالك كان يركض بسرعة كبيرة على الجهاز المتحرك غير عابئ بالسرعة العالية.
بسمته مرسومة على وجهه كلما تذكر حديثها.
دلف مالك للداخل فوجده يركض بسرعة كبيرة تفوق الجهاز الكهربي. فأبتسم لعلمه بأنهم فريق قوي وفريق أقوى. فمالك بعقله يزن آلاف الدولارات ويزيد بقوته قادر على محاربة جيش كامل.
أقترب منه وهو بحالة من الذهول لرؤية ابتساماته البادية على وجهه.
مالك بذهول:
_أنت كويس يا يزيد؟
أستدار بوجهه قائلاً باستغراب:
_خلصت ال meeting؟
أجابه بغرور:
_أيوا طبعاً. وجبت معلومات عن آخر صفقة عملتها عمتك. يعني اعتبر الضربة الجاية تحت إشرافي.
ابتسم يزيد بإعجاب:
_مخك ده دهب.
ابتسم بغرور مصطنع:
_أمال إيه يابني؟ أحنا قليلين.
زفر يزيد كمحاولة للتحكم بأعصابه محاولاً التصنع باللامبالاة:
_مفيش أخبار عن طارق.
تطلع له بصمت قاتل ثم قال بهدوء:
_عند صاحبه قاعد معاه. متقلقش. أنا حاطه تحت عيني. لازم يتغير يا يزيد. وأنا بساعده.
أشار برأسه ونهض يجفف عرق جسده. فأقترب منه مالك قائلاً بارتباك:
_في خبر كمان لازم تعرفه.
أستدار له قائلاً باهتمام:
_إيه؟
أجابه الآخر:
_البنت مضت عقد الجواز. يعني بقت مراتك رسمي.
ألقى المنشفة أرضاً وعلامات الغضب بدت على ملامح وجهه. فتدخل مالك قائلاً بسخرية:
_هو أنت كنت متوقع أني هدخل في موضوع وهطلع خسران فيه؟
كاد أن يلكمه بقوة. ولكن تفادى مالك اللكمة قائلاً بابتسامة عالية:
_إيه يا زيزو؟ هنرجع لأيام الشقاوة تاني ولا إيه؟ قولتلك ألف مرة اتحكم في أعصابك. مش كده.
رفع يديه الأخرى ولكمه بقوة. ولكنه انبطح ليتلقى الآخر اللكمة. فصرخ بقوة.
سيف بغضب وهو يتألم من الضربة:
_يا غبي اااااه.
تلونت عين يزيد بلون قاتم يوحي بالهلاك. فتطلع مالك لسيف بسعادة:
_ألبس يا معلم! أنا كنت عارف أن الخبر اللي قلته له عايز كبش فدا يطلع غضبه فيه. وأديك جيت برجليك.
تراجع سيف للخلف قائلاً بصوت منخفض:
_ده أنا نسيت طلبات البيت ومراتي ممكن تزعل مني.
مالك باستغراب:
_هو أنت متجوز؟
سيف بمحاولة جيدة للتذكر:
_مش عارف. بس أهو ألاقي حد يزعل عليا.
كف عن الحديث حينما جذبه يزيد قائلاً بصوت كالرعد:
_اخرج بره يا سيف بدل ما أعلقك هنا.
قال بسعادة كبيرة:
_كل ده عشان أخرج من هنا؟ ده أنا هختفي لمدة شهر كامل.
وغادر سيف من القصر بأكمله.
***
بشقة سيف.
ولج للداخل وهو يتأمل الهدوء المريب بتعجب. إلا أن وقعت عيناه عليه. يجلس على الطاولة ولجواره خمس زجاجات من القهوة.
سيف بسخرية:
_إيه كل ده؟ أنت طالع رحلة؟!!
لم يجبه. وجذب الكتاب لعيناه. فجذبه سيف بغضب:
_أنا مش بكلمك يالا.
وقف متصنع الغضب وهو يصيح بصوت مرتفع:
_فااااااهمني. مشكلتك معاياااااا. ولا مع المادة نفسها؟ لو مع المادة ممكن أغيرها وأجيب غيرها عادي. لو معايا فأحب أقولك أن دي خلقة ربنا. يعني نفرررر نفررر تغير.
صدم سيف من صوته المرتفع. فأسرع إلي الكتاب الملقى أرضاً. ثم قدمه له قائلاً بندم:
_حقك عليا. كمل كمل. ربنا يهديك.
وغادر الغرفة سريعاً. فخلع شريف نظارته قائلاً بفرحة:
_هو خاف مني ولا إيه؟
*****
دلف سيف لغرفته وهو يسب ويلعن حظه العسير على وقوعه مع أحمق مثل أخيه. فتمدد على الفراش بتعب شديد. ليفيق على صوت رسالة الهاتف من خالته تسأله عن ابنتها تقى. فدقت هاتف المنزل ولم يأتيها الرد. أخبرها سيف بأنه عاد من الشركة منذ قليل فلم يجدها هنا. ثم أنهى رسالته بأنه سيراها وسيخبرها.
توجه سيف لشقتها فدق الباب أكثر من مرة ولكن لم يأتيه الرد. فتوجه لغرفة أخيه قائلاً بجدية:
_مشفتش تقى يا شريف.
أجابه الآخر بجدية:
_لا مشفتهاش. النهاردة آخر مرة شفتها كانت إمبارح. بتسأل ليه؟
تعجب للغاية. فزاره شعور القلق. فأسرع لنسخة المفتاح بغرفته. ثم أسرع لشقتها. فتتابعه شريف باستغراب.
دلف سيف للداخل يبحث عنها. إلى أن وقعت عيناه عليها وهي تفترش الأرض بإهمال.
ركض إليها مسرعاً يحاول إفاقتها ولكن لم تستجيب له. حتى شريف أعطاه المياه فناثرها على وجهها. ولكن هيهات لا جدوى. فصاح سيف بلهفة:
_اطلب الإسعاف فوراً.
انصاع له شريف ليتم نقل تقى بنفس المشفى المتواجد بها ليان. ربما صدفة وربما مشيئة الله لتلتقي بحلقة ربما ستكون إجابة لأسئلتكم المتعددة. ولكنها بداية لقصة مخلدة بتاريخ الرومانسية. عشق روحي من نوع آخر. نوع سطر بليان ومالك تحت مسمى.
رواية معشوق الروح الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
حملها سيف لأقرب مشفى بعدما تولى شريف أمر القيادة، هبط بها للداخل فحملتها الممرضات، ومن ثم توجهت لغرفة الكشف ليتضح للجميع بأن سبب إغمائها هو هبوط حاد بالدورة الدموية.
وبعد مدة طالت بانتظار سيف وشريف بالخارج، أخبرهم الطبيب بأنها على ما يرام، ولكن عليهم تركها للغد حتى تصبح بخير. فأخبر سيف والدتها التي أتت على الفور، فظلت جوارها وغادر شريف ليستكمل دراسته كما طلب منه سيف، ليتبقى هو بالخارج.
تخفى ضوء القمر الخافت لتظهر الأشعة الذهبية لتطل على القصر فتجعله فاتكًا للأنظار.
بغرفة يزيد، ارتدى بدلته السوداء ثم صفف شعره بانتظام، نثر البرفان الخاص به واستدار ليغادر، فتفاجأ بمالك يقف أمامه.
أقترب منه قائلًا بابتسامة هادئة:
_ إيه الجمال دا يا غول.
ابتسم يزيد ابتسامته الثابتة قائلًا بجدية:
_ من بعض ما عندكم.
تعالت ضحكات مالك، فأقترب من المرآة يصفف شعره بعدما ترك غرفته ليلحق بيزيد.
ضيق عيناه قائلًا باستغراب:
_ بس مش عادتك تروح المقر بدري كدا!
استدار له قائلًا بثبات:
_ أنا قولت ألحقك عشان نروح المستشفى قبل الشركة.
_ مستشفى! ليه؟
قالها يزيد باستغراب، فاسترسل مالك حديثه:
_ سيف مع تقى في المستشفى من امبارح.
قال بهلع:
_ تقى بنت خالتي؟
أجابه بتأكيد:
_ أيوا عندها هبوط، متقلقش.
زفر بارتياح:
_ طب كويس إنك قولت قبل ما أنزل.
غمز له بعيناه الساحرة قائلًا بابتسامة هادئة:
_ لا متخافش مش بنسى حاجة.
ابتسم هو الآخر لفهمه ما يقصد رفيقه.
توجه للباب قائلًا بوجه خالٍ من التعبيرات:
_ كمل لبس وأنا هستناك تحت.
اكتفى بإشارة بسيطة من رأسه، فهبط يزيد للأسفل.
بالأسفل، كانت تجلس أمل على رأس الطاولة ولجوارها منار وشاهندة.
هبط هذا الوسيم قائلًا بابتسامة جذابة:
_ صباح الخير.
أمل ببسمة رقيقة:
_ صباح النور يا حبيبي.
جلس على الطاولة مشيرًا بعيناه الخضراء لها، فتفهمت إشارته وأسرعت للمطبخ تعد قهوته المتميزة.
بعد قليل، هبط مالك لينضم لهم قائلًا بابتسامة لا تليق سوى به:
_ صباحكم بيضحك.
تعالت ضحكات شاهندة قائلة بمرح:
_ صباح الجمال والأناقة يا أبيه.
رفع رأسه بغرور مصطنع بعدما انحنى ليزيد:
_ شوفت الناس اللي بتفهم.
رمقه بنظرة متلونة بغضب فتاك، فاستقام بجلسته مشيرًا لوالدته، فابتسمت لتفهمها ما يريد.
تناول يزيد قهوته ثم خرج للسيارة قائلًا بغضب:
_ اتأخرنا، انجز.
أنهى ما بيده وهو يلحق به قائلًا بصدمة وهو يتأمل ساعة يديه:
_ يا خبر!
اعتلى سيارته وتوجه للمشفى التي أخبره بها مالك، فصف السيارة ثم دلف للداخل.
بغرفة تقى، فتحت عيناها بتثاقل فوجدت والدتها جوارها وسيف يجلس على الأريكة المقابلة لها مستندًا برأسه على الطاولة من أمامه ويغفو بنوم عميق. منحت نفسها فرصة التطلع، فربما حرمت من ذلك.
هبطت دمعاتها بضعف شديد، فكم يصرخ قلبها حينما أحبت شخصًا وتزوجت آخر. يعاتبها البعض لعدم نسيانه، فكيف تخبرهم بأنها عاجزة عن ذلك وهو أمام عينيها!
أبعدت نظراتها عنه حينما وجدت نظرات والدتها لا تنذر بالخير، فهي على علم بما يطوف قلبها، حتى أنها فعلت المحال لتجعلها تستقر معهم، ولكن مع إصرار تقى بالبقاء بشقتها لم تتمكن من تنفيذ قرارها.
طرقات باب الغرفة أعلنت عن يزيد، فدلف للداخل حينما استمع أذن الدلوف قائلًا بابتسامته الهادئة:
_ صباح الخير.
ابتسمت تقى لرؤية يزيد، فهي ترى به أخيها الذي لم يولد، حتى هو يتعامل معها بذلك النمط.
سماح بفرحة:
_ إيه النور اللي طل علينا دا.
اتسعت بسمته قائلًا وما زالت ملحقة:
_ النور بوجودك يا خالتو.
ثم أكمل باستغراب:
_ هو سيف مش هنا؟
أشارت تقى بعينيها على الأريكة، فأقترب منه يزيد محاولًا إفاقته بهدوء.
فتح سيف عيناه بنوم شديد ثم صرخ بفزع:
_ الغول! معملتش حاجة.
جذبه يزيد بنبرة صوت منخفضة:
_ غول إيه؟ هتفضحنا الله يكسفك.
بدأ بالأفاقة فتطلع خلفه ليجد خالته وابنتها تتطلعان لهم باستغراب، فرسم بسمة سريعة:
_ لا دانا حلمت حلم مش لطيف.
سماح بلهفة:
_ استعيذ بالله يا ابني، ربنا يصرف عنكم كل شر.
تطلع ليزيد مرددًا بتأكيد:
_ يارب.
تلونت عيناه بغضب يعلمه سيف جيدًا، فتوجه سريعًا للخارج لتوقفه كلماتها المتلهفة:
_ رايح فين يا سيف؟
أجابها على عجلة من أمره:
_ هروح أجيب فطار وقهوة للغول، أقصد يزيد.
بادلته بابتسامة رقيقة، تابعها يزيد بحزن دفين لعلمه ما بداخلها من مشاعر تجاهه.
تطلعت سماح ليزيد ثم قالت باستغراب:
_ هو فين مالك يا يزيد؟ هو قالي في الفون إنه جاي معاك!
جلس على المقعد المجاور لها:
_ بيركن عربيته وطالع.
جذبت حقيبتها قائلة بتعب:
_ طب هشوفه تحت يوصلني البيت أغير هدومي وأرتاح شوية.
قاطعها قائلًا بجدية:
_ أوصل حضرتك لو تحبي.
أجابته بابتسامة واسعة:
_ لا يا حبيبي خاليك مع تقى وأنا هنزل أشوف مالك.
أشار لها بهدوء، فغادرت تبحث عنه.
بغرفة ليان، ارتدت ملابسها بمساعدة الممرضة ثم استندت على ذراعيه، فهبط بها الدرج بحذر.
محمود:
_ براحة يا حبيبتي، لو حابة ممكن أشيلك.
ابتسمت قائلة ببعض التعب:
_ لا أنا كويسة.
ثم أكملت باستغراب:
_ هو طنط مجتش معاك ليه؟
صاح بسخرية:
_ هي عرفت إني نازل أجيبك ونامت في المطبخ من الصبح بتقول لازم أعملها أكلة حلوة ترم عضمها.
تلون وجهها بفيض من البسمات حتى أنهت الدرج وصارت بالأسفل. عاونها محمود على الجلوس ثم استدار للطبيب الذي أشار له.
محمود بتفكير:
_ خليكِ هنا، هروح أشوف الدكتور وأرجع.
أشارت له برأسها، فأكمل حديثه بقلق:
_ هتبقى كويسة لو سبتك.
ليان بهدوء:
_ متقلقش.
أشار لها ودلف لغرفة الطبيب، أما هي فظلت تنتظره لحين عودته.
استغل اختفاء محمود من جوارها، فأقترب منها قائلًا بصوت متلهف لرؤيتها:
_ ليان.
استدارت بوجهها لتجده يقف أمامها. نعم، هو من أفتك بها للهلاك، هو من تعمد تحطيمها لآلاف من الأنين بدون شفقة منه أو رأفة بحال قلبها الضعيف!
رددت بهمسٍ خافت:
_ أنت!!
جلس جوارها بحزن مصطنع:
_ أنا عارف إنك زعلانة مني، بس أنتِ فهمتي غلط، محصلش حاجة بيني وبينها، صدقيني.
تطلعت له بعين تحمل السخرية ثم قالت بصوت متقطع، فما زالت لم تشفَ بعد:
_ لو فاكر إني لسه هبلة وهرجع أصدقك تبقى بتحلم، أنا خلاص فوقت من الأحلام اللي إنت وماما بتسيطروا عليا بيها.
أجابها حسام بغضب:
_ أحلام إيه؟ إيه الكلام الفارغ دا؟ أنا عارف مين اللي محفظك الكلام دا، وإنتِ أكتر واحدة عارفة إن أخوكِ بيكرهني ومش بعيد يكون هو اللي زق عليا البت دي يوم الحفلة عشان يوقع بينا.
رفعت يدها على أذنيها وهي تصرخ بقوة حتى يكف عن الحديث قائلة بصراخ قوي:
_ كفايااا بقا حرام عليك، أنت أيه؟!!
وتركته واستندت على الحائط بضعف شديد لتبتعد عنه. لم يعبأ بها وغادر مسرعًا قبل أن يراه محمود فيفتك به.
تحملت على نفسها وهي تشعر بانتهاء العالم من حولها، مشهد خيانته لها يعاد أمامها، أتى ليذكرها بآنين حاولت دفنه بذكريات دعستها، ولكن لم تستطع. دموعها تهبط بغزارة وقسوة لتشعل نيران وجهها، تمنت أن يكون والدها على قيد الحياة، فهي بأمس الحاجة له.
حاولت الخطى مسرعًا من أمامه لاعتقادها بأنه ما زال يلحق بها. لم ترَ الشاب الذي يقترب من طريقها وعيناه على هاتفه، لم ترَ ظلها الروحي الملحق بجسدها ونبضات القلب. لم ترَ تقارب الخطوات بينهم، فهي بعالم الأنين وهو بعالم آخر منه، ولكن بالنهاية المطاف موحد بالعذاب لكليهما.
اصطدم بها فكادت أن تتسطح أرضًا، فرفع يديه مسرعًا يتمسك بها، ولكن سرعان ما ابتعد عنها ليشتعل فتيل القلوب. ابتعد عنها مسرعًا بعدما تلامست الأيدي ببعضها البعض ليشعر بأن رجفة أشعرت جسده ليصبح كالجمر. رفع عيناه لها باستغراب وما زال يتأمل يديه بصدمة.
كانت بحالة لا تحسد عليها، من يراودها بأحلامها يقف أمامها، الظل الذي ظل لسنوات ملامحه معتمة صار حقيقة أمام عينيها. مرت الثواني وما زالت النظرات تستمد حقيقة الواقع من الأخرى، إلى أن قاطعها مالك بعد محاولة مستميتة للعودة على أرض الواقع قائلًا بهدوء:
_ أنا آسف، مقصدتش.
أشارت برأسها بتفهم، فأكمل طريقه ليدعها هي الأخرى تكمل طريقها. كانت بحالة من الاضطراب ما بين ما فعله هذا الخائن والظل التي رأت من يشبهه بشابٍ ما. ربما ليست على ما يرام.
رفعت ليان يدها على رأسها بضعف شديد، لم تستطع تحمله لتهوي أرضًا بلا هدف ويأس طاف بها ليجعلها كالرمال المستكينة بالصحراء.
خطى مالك بضع خطوات وقلبه يصرخ بوجع مريب، تعجب من كنيته، فأفاق على صوت اصطدام جعلها تهبط من مركبة الأنين ليرى تلك الفتاة متمددة أرضًا. هرع إليها وهو يحاول إفاقتها بالحديث، فقال بلهجة مرتفعة:
_ يا آنسة.
لم تستجب له، فرفع عيناه يبحث عن أحد من الممرضات، ولكن لم يتمكن من العثور على أحداهن. فقرب يديه منها ليحملها بين ذراعيه، فتخشبت قدماه قبل أن تتخشب نظرات عيناه حينما صرخ قلبه بصوت مرتفع كأنه يعلن تمرده عليه ويخبره أن من بين ذراعيه هي معشوقة الروح. هي رابط مريب بين القلب والروح، علاقة مخلدة لا يقوى على معرفة ألغازها أحد.
بقى متخشب وعيناه تتأملها بصمت. نبضات قلبه تزداد بالتمرد لتجعله بصدمة لا يقوى عقله على تميزها.
ركضت إليه قائلة بزعر:
_ فيه إيه يا مالك؟ ومين دي؟
صوت سماح أعاده لأرض الواقع، فقال بصوت يكاد يكون مسموع:
_ أنا لقيتها مغمى عليها.
لحظت الطبيبة ما يحدث، فقالت باستغراب للممرضة التي أتت هي الأخرى:
_ مين خرجها من أوضتها؟
ثم صاحت بغضب حينما تفحصتها وهي على ذراعيه:
_ انتوا بتستهبلوا!
أجابتها الممرضة بخوف:
_ أنا آخر مرة شوفتها كانت مع أخوها.
رمقتها الطبيبة بنظرة كسيف، ثم تطلعت لمالك قائلة برجاء:
_ معلش تدخلها الأوضة دي.
أشار برأسه وأتابعها وهي تفترش ذراعيه بإهمال. لاحقت به سماح وهي في معركة مريبة لتتذكر تلك الفتاة. تشعر بأنها رأتها من قبل، ولكن لم تتمكن من تذكرها.
دلف مالك للداخل ثم وضعها على الفراش ببطء شديد ونظراته متعلقة بها. استقام بوقفته وهب للأبتعاد عنها، ولكنه توقف حينما اشتبكت به قلادتها. تدخلت الممرضة بمحاولة للفصل بين القميص الذي يرتديه مالك وبين قلادتها، فبعد معاناة تمكنت من ذلك.
ابتعد قليلاً وعيناه تتأملها باستغراب من تلك الفتاة التي جعلته هائمًا كذلك؟ لما يشعر بنفس الشعور الذي راوده حينما تركته حبيبته؟ لم يتسارع قلبه بالهبوط حينما كان قريبًا منها؟ لما كف عن النبض والخفقان حينما ازداد في الابتعاد؟
لم يحتمل معركته غير المتوازنة، فخرج من الغرفة سريعًا ليجد سماح ما زالت تقف أمام باب الغرفة بمحاولة مكثفة للتذكر.
مالك بصوت منخفض للغاية:
_ أنا مركنتش العربية زي ما حضرتك قولتيلي في الفون.
لم تجبه، ولكن لمعت عيناها بلمع غامض لمالك، فقالت بصوت خافت:
_ افتكرت البنت دي.
_ بنت مين؟
قالها مالك باستغراب، فأكملت سماح بتذكر:
_ أنا شوفتها من خمس سنين تقريبًا في المستشفى يوم الحادثة اللي حصلت معاك.
انكمشت ملامح وجهه بعدم فهم، فأكملت بهدوء:
_ لما عملت الحادثة البنت دي اتبرعتلك بالدم وأنا وأمك شكرنها لأنها بجد تستاهل الشكر.
صُدم مالك، فأحساسه بأن هناك رابط خفي بينها وبينه يتحقق أمامه! فماذا لو علم بأنها نفس الفتاة التي تبرع لها منذ أيام قليلة؟!!! ماذا لو علم بأن القدر يلعب معهم بأحكام ليجمع روحًا بروح أخرى فتجسد قصة عشق مخلدة على مر العصور.
كاد الحديث ولكنه تخشب مرة أخرى حينما صرخ اسم ليان في الروق. كان صوت محمود الذي علم بما حدث لشقيقته، فهرول للغرفة بخوف شديد وصوته يعلو باسمها.
"لياااان".
اسم أيقظ ذكريات الأنين بقلب مالك، ليجعل عقله الذي كان على الدوام ألماس بالفكر وذكاء خارق يتوقف عن التفكير. هل ظهورها بذاك الوقت وتشابه اسمها مع معشوقته مجرد صدفة؟!!!!!! أم أن هناك شيئًا ما!!
دلف سماح للغرفة تطمئن عليها، فهي من أنقذت حياة مالك من قبل، فواجبها يحتم ذاك. أما مالك فجلس بالخارج يستوعب ما يحدث حوله.
بغرفة تقى، طال الصمت وهي تتأمل باب الغرفة بلهفة لعودته. تطلع لها يزيد بحزن ثم قال بصوت يعكس هدوئه المخادع:
_ وبعدين يا تقى، مش هنفوق بقا!
تطلعت له بعين لمعت بدمع غزير يوشك على السقوط. خرج صوته الثابت قائلًا بحزن:
_ يا تقى أنا بعتبرك زي شاهندة ومنار، واللي مقبلهوش عليهم مش هقبله عليكِ. سيف مش حاسس بحبك، وحتى لو عرف مش هيدي فرصة لنفسه بدأ لأنك.
أكملت بكسرة:
_ مرات أخوه. عارفة يا يزيد والله عارفة، بس بحبه ومش شايفة غيره.
تحطم قلبه حينما بدأت بالبكاء الحارق، فخرج صوته بحزن:
_ مش عارف أقولك إيه؟
رفعت عيناها له بألم:
_ متقولش يا يزيد، الوجع خلاص بقى عادي في حياتي. أنا عايشة عشانه، لما بشوفه بحس إني مش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أشوفه قدامي.
تطلع لها بثباته المعتاد قائلًا بعد تفكير:
_ إنتِ مش كنتِ حابة تشتغلي؟
أجابته بلهفة:
_ جداً والله.
أجابها بنفس نبرة الصوت:
_ خلاص أول ما تخفي اعتبري نفسك اشتغلتي في المقر.
رددت بسعادة:
_ بجد يا يزيد؟!!!
ارتسمت بسمة هادئة على وجهه قائلًا بسخرية:
_ معنديش غيره.
تعالت ضحكاتها قائلة بفرحة:
_ ربنا يخليك لينا ياررب ودايمًا كدا تكون سند لينا.
قطع الحديث دلوف منار وشاهندة بعدما علما ما حدث، فصاحت شاهندة بارتجافة:
_ فيه إيه يا تقى؟ إيه اللي حصل؟ إنتِ مش كنتِ بتتكلمي معايا امبارح وبنضحك، إيه اللي حصلك!!
أجابتها بابتسامة هادئة:
_ والله خلصت صلاة ومحستش بنفسي غير وأنا هنا.
منار بحزن:
_ ألف سلامة عليكِ يا تقى.
قالت بنبرة جافة:
_ الحمد لله على كل حال.
دلف سيف حاملًا أكياس متعددة، وضعها على الأريكة والابتسامة المحفورة بالوسامة تختل وجهه قائلًا بنبرة مرحة:
_ الفطار وقهوة الغول وبعض المشاريب.
وتوقفت الكلمات على لسانه حينما رآها تقف بالغرفة. ما زال جمر العشق مشتعلًا بعيناه، فحطم قلب تقى حينما قرأت لغة عيناه.
تهربت منار من نظراته وعيناها تتبع تقى بحزن، فهي كانت رفيقتها المقربة أكثر من شاهندة، فتعلم جيدًا أنها تعشق سيف منذ الطفولة، ولكن ما ذنبها إن كان يحبها هي؟ عاقبتها تقى بأن ابتعدت عنها حينما اكتشفت حب سيف لمنار.
قالت مسرعة للهروب:
_ أنا كنت حابة أطمن عليكي قبل الجامعة، وللأسف اتأخرت ولازم أمشي.
وتوجهت لباب الغرفة قائلة بابتسامة هادئة:
_ أشوفك بعدين يا تقى، سلام.
اكتفت بإشارة رأسها، فبداخلها نار تتأجج لرؤية العشق الملون بعين سيف.
نهض يزيد هو الآخر قائلًا بأسف:
_ أنا كمان مضطر أنزل، يلا أشوفكم بعدين.
وغادر يزيد هو الآخر بعدما تعلقت نظراته بسيف بغموض، ثم خرج هو الآخر.
كانت تتوجه للخارج والدموع على وجهها، فما زالت تعاملها رفيقتها بجفاء. لما تعاقب على شيء ليس لها دخل به؟
تتبعته يزيد ليجد البكاء حليفها، فحاولت جاهدة إخفاء دمعاتها ولكن لم تستطع.
أقترب منها قائلًا بثبات:
_ كنت عارف إن دا هيحصل عشان كدا طلعت وراكِ.
استدارت بوجهها له والدموع تزداد بقوة قائلة بشهقة قاسية:
_ أنا ماليش ذنب في اللي بيحصل يا ابيه، ليه مصممة تعاملني كدا؟
رفع يديه على كتفيها قائلًا بتفهم:
_ معلش يا منار، حطي نفسك مكانها، وبعدين إنتِ أكتر واحدة فاهمة تقى، الغضب بيعميها عن حاجات كتير.
تأملته بدموع تزداد مع كلماته، فقالت باستغراب:
_ بس أنا رفضت سيف، أعمل إيه تاني عشان أثبتلها إني مش بحبه؟
احتضنها بحزن على تلك الطائفة التي أخذت بطيتها ثلاث قلوب جرحت لسبب مزعوم.
بكت منار وهي تشدد من احتضان أخيها، نعم، فهو أخ بكل ما تحملت معاني الكلمات. يعلم عنها ما لا يعلمه شقيقها الحقيقي.
لم ترَ من رآها وهو يحمل شقيقته بين يديه ويتوجه للسيارة بعدما أصرت عدم بقائها بالمشفى. وضعها محمود بالسيارة بحرص شديد، ثم قال بغضب:
_ هو إنتِ مش هتسمعي الكلام أبداً يا ليان؟ الدكتورة قالت تفضلي يومين تلاته.
ليان ببعض التعب:
_ مش حابة أفضل هنا، صدقني يا محمود، لو رجعت البيت هكون أحسن.
انصاع لها وتوجه ليصعد هو الآخر، فألقى نظرة على من تحتضن شابًا مجهولًا بالنسبة له وصعد السيارة متوجهًا للمنزل.
بسيارة مالك، أوصل سعاد لمنزلها بعدما اطمئنت على ليان من الطبيبة، ثم توجه للمقر وعقله يكاد يتوقف من التفكير. وسؤال وجيه يتردد على مسمعه: ما المغزى من وجود تلك الفتاة بذاك الوقت بالتحديد؟ هل هي إشارة من الله سبحانه وتعالى بأنها نصفه الآخر؟ أم أن هناك أمرًا مجهولًا؟
بمكان آخر منعزل، جلست على المكتب بغضب شديد حينما علمت بأن الصفقة الأخيرة لم تكتمل بعدما فسخ الطرف الآخر التعاقد ليتم التعاقد مع شركات نعمان.
طرقت المكتب قائلة بغضب:
_ يعني إيه؟
أجابها من يجلس أمامها بخوف:
_ يعني الشركة فسخت التعاقد ودفعت الشرط الجزائي.
_ بدون سبب... كداا.
قالتها نوال بغضب شديد ليجيبها العامل بارتباك:
_ اتعاقدوا مع شركة تانية.
احتدم الغضب على وجهها قائلة بصوت كالرعد:
_ شركات نعمان! صح؟
اكتفى بإشارة رعب بدت على وجهه، فألقت بالمزهرية أرضًا وهي تصيح بغضب جامح:
_ لا كدا كتير.
ثم تطلعت له قائلة بعصبية فشلت في إخفائها:
_ غور من وشي.
وبالفعل هرول العامل للخارج، فأخرجت هاتفها تبعث برسالة:
"تعال مكتبي حالا".
وبالفعل، ما هي إلا دقائق معدودة ودلف شاب بنهاية العقد الثاني من عمره، يقارب عمر يزيد ومالك. عيناه تشع بالخبث بجانب لونها الساحر. ربما يكون حلف أو ربما طال لوجه جديد. جلس على المقعد واضعًا قدماه على الطاولة وعيناه تتطلع لها ببرود.
فصاحت به قائلة بغضب:
_ يزيد ومالك لازم ينفصلوا عن بعض، الاتنين بيكملوا بعض وطول ما هما إيدهم واحدة مستحيل هقدر أهزمهم.
خرج صوته أخيرًا قائلًا ببرود:
_ وعايزني أساعدك؟
أجابته بغضب:
_ أنا على آخري ومش مستحمل جزء من برودك دا.
رفع فراس عيناه قائلًا بصوت ثابت:
_ وأنا مش مجبر أساعدك، حجزت على أول طيارة نازلة المغرب، مش حابب العيشة هنا لمجرد إنك تحققي انتقاماتك.
تطلعت له بغضب شديد ثم قالت بصدمة:
_ إنت نسيت نفسك يا ولد. إزاي تكلم أمك بالطريقة دي؟
تعالت ضحكاته قائلًا بسخرية:
_ أمي؟!!
طالت الضحكة، فأعتدل بجلسته قائلًا بعينين معبأتين بسموم تعرفها جيدًا:
_ طب بصي يا ماما.
قالها بسخرية واسترسل حديثه بجدية:
_ فراس الألفي مش بيعمل حاجة ببلاش، أنا مستعد أدمرك العيلة دي كلها مقابل إنك تتنزلي عن شركة أبويا اللي بالمغرب وأرجع بلدي وتعيشي حياتك، ومتنسيش إنها كانت ملكي من الأول بس إنتِ اللي مضيتيه على تنازل ليكِ بعد موت أمي الله يرحمها.
حل الحزن ملامح نوال، فأكمل بابتسامة مكر:
_ دي حقيقة مقدرش أنكرها، إنك زوجة والدي الله يرحمه، سواء اعتبرتيني ابنك أو لا، دي الحقيقة.
صمتت قليلًا تفكر بعرضه، فلم تجد مخرجًا آخر سوى الموافقة لعلمها بدهاء فراس وذكائه. خرج صوتها بعد مدة التفكير:
_ موافقة، وريني بقا هتقدر تعمل كدا إزاي.
ابتسم بثقة وهو يتفحص الملف أمامه، واضعًا عيناه على صورتها، فخرج صوته قائلًا بثقة لا يملكها سواه:
_ هتشوفى هعمل إيه؟
ووضع الملف أمامها، فتطلعت لصورتها بابتسامة لامعة، فهي تعلم أنه يمتلك سحرًا خاصًا لإيقاع أي فتاة يريد، فربما اختياره سيجعله هو بمقام ليس له مخرج إلا تحت ختم ثابت يخترق القلب فيجعله حطامًا من جزيئات اللعنة التي تستكين تحت نبرات العشق المسطر.
بالمقر الرئيسي لشركات نعمان، وصل يزيد للمقر فتوجه للمصعد ليتفاجأ بها تجلس على مقعد موضوع أمام المصعد. وما أن رأته حتى هرولت إليه قائلة بابتسامة واسعة:
_ متقلقش يا فندم، الوضع تحت السيطرة.
خلع نظارته السوداء قائلًا بعدم فهم:
_ وضع إيه؟
ابتسمت قائلة بغرور:
_ مخلتش دبانه تدخل الأسانسير إلا لما حضرتك تيجي بنفسك، حتى مالك بيه بنفسه قولتله لا والله ميصحش أبداً، فركب بتاع الشعب.
لم يتمالك يزيد زمام أموره، فابتسم قائلًا بنفاذ صبر:
_ هو إنتِ مجنونة!
ارتدت نظارتها الطبية قائلة بغرور:
_ لا أنا بسمة بس.
ابتسم قائلًا بهدوء:
_ طب يا بسمة بس، ممكن تقوليلي عملتي إيه في المكتب؟ غير حراسة الأسانسير.
ابتسمت بغرور:
_ لما نطلع هتعرف.
توجه للمصعد وهي خلفه، فأغلقه وهي بالخارج، فقالت بصدمة:
_ يا فندم.
فتح الباب مشيرًا بعيناه على الجهة الأخرى بسخرية:
_ اركبي بتاع الشعب.
زفرت بغضب ثم توجهت للمصاعد الأخرى.
وصل يزيد للأعلى فتوجه لغرفة مكتبه، ولكن كانت الصدمة كفيلة بجلعه يتصنم محله. مكتب السكرتيرة الخاصة به مزدحم للغاية بعدد مهول من الكتب، فمن يخترق الطريق للدلوف لمكتب يزيد نعمان يستحق شهادة تقدير من المقر.
استدار بوجهه على صوتها:
_ إيه رأيك؟
قالتها بسمة بسعادة وفرحة غامرة، فomegal بصدمة:
_ إيه كل دا؟
أقتربت لتقف أمامه قائلة بسعادة وغرور:
_ دي حاجات هتفيدني جدًا بالشغل.
لم يجد كلمات يتحدث بها، فأشار للعامل الذي أتى على الفور قائلًا بنبرة مخيفة:
_ شيل الحاجات دي من هنا فورًا.
وما أن أنهى كلمته حتى شرع العامل بحمل الكتب بعيدًا عن باب المكتب ليدلف بعدما رمقها بنظرة مخيفة. جلس على مكتبه وتعبيرات وجهه تحمل السخرية على تلك الفتاة.
بمكتب مالك، لم يتمكن من العمل، فصورتها لم تترك مخيلته. نبضات قلبه تسارع بالخفقان كلما تذكرها. اسم ليان يصدح بعقله فيجعله بعاصفة مريبة. أخرج من خزانته صور معشوقته وعيناه تلمع بشرارة غامضة. طائفة من الحنين اجتزت أواصره لتلمع بطوفان العشق الذي ظن أنه انتهى، فربما مجهول أخير سيحطم تمرده.
بمنزل محمود، فرحت للغاية حينما رأيتها أمام عينيها، فأحتضنتها بفرحة:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
أجابتها ليان بتعب بدا بملامحها:
_ الله يسلمك.
استند على يدها لتدلف للغرفة التي اعتادت البقاء بها، فعاونتها فاتن على تبديل ثيابها والتمدد على الفراش قليلًا.
فاتن بسعادة:
_ أيوا كدا نورتي البيت برجوعك، هروح أجهز الغدا بقا.
تمسكت بذراعيها قائلة بصوت منخفض من التعب:
_ لا مليش نفس.
تطلعت لها فاتن بغضب:
_ لا في المستشفى مردتش أغصب عليكِ، لكن هنا لا.
ابتسم محمود قائلًا بتسلية:
_ هنا القانون قانون.
ضربته بخفة على ذراعيه:
_ اسكت أنت.
تعالت ضحكاته قائلًا بحزن مصطنع:
_ ماشي يا فوفا، هسيبلك البيت خالص، بس لما أرجع هزعل براحتي.
وكالعادة نجح برسم البسمة على وجه ليان، فقال بسعادة لحقت به:
_ أيوا كداا، وحشني أشوف الضحكة العسل دي، دانتي عليكِ بوظ يا ساتر.
رمقته بنظرة محتقنة، فهرول للخارج سريعًا قائلًا بمرح:
_ أه لو حد من الطلاب شافك وإنتِ بتجري كدا يا محمود هيبتك هتبقى بأحضان الأرض.
تعالت ضحكاتها، فلم تتمكن من التماسك لتقول من بين سيل الضحكات:
_ هتعتزل بكرامتك.
ابتسمت فاتن وهي تتأملهم، فقالت بخفوت:
_ مفيش فايدة فيكم، هتفضلوا زي ما أنتم.
بالشركة، دلفت بسمة للمكتب حاملة فنجانًا من القهوة، فرفع يزيد عيناه قائلًا باستغراب:
_ إيه دا؟
أجابته بابتسامة واسعة:
_ قهوة.
ألقى بنظرته بغضب:
_ هو حد قالك إني أعمى!! أنا طلبت عصير.
جلست على المقعد المجاور له قائلة بابتسامة واسعة:
_ اسمع مني، القهوة أحسن، بتساعد على التركيز.
لم يتمالك زمام أموره، فطرق المكتب بقوة:
_ إنتِ بتهزري معايا!
فزعت بشدة ووقفت سريعًا وهي تحمل الفنجان وتخرج سريعًا.
دلف مالك ليجد من تخرج للخارج كمن رأت شبحًا، وما زاد حيرته استماعه لها.
بسمة بغضب:
_ عندهم حق يقولوا عليه غول، دا الغول أرحم والله، دا المفروض يكون اسمه أمنا الغولة أو ريتشارد، لا والله هنظلم الراجل.
وأرتشفت القهوة قائلة بغضب:
_ والله خسارة فيك، دا ابن أبو حسن.
وأستدارت لتجلس على مكتبها، فصعقت بمن يقف خلفها. كاد أن يصل فمها للأرض، فابتسم بمكر وهو يقترب منها لتتراجع للخلف. ابتلعت ريقها بخوف شديد، فقال بصوت منخفض:
_ من الأفضل لكِ أني مسمعتش حاجة، وإلا أمنا الغولة اللي جوه هشيل رقبتك الحلوة دي عن جسمك.
وضعت يدها بطريقة عشوائية، فابتسم تاركًا إياها بصدمة كبيرة.
رفع يزيد وجهه ليجد رفيق دربه يجلس أمامه بهدوء مريب، يراه لأول مرة، فترك ما بيده وتوجه ليجلس أمام عينيه قائلًا بشك:
_ إنت كويس يا مالك؟
رفع عيناه قائلًا باستسلام:
_ لا.
ضيق يزيد عينيه باستغراب، فزفر مالك قائلًا بلا هوادة:
_ مش عارف إيه في إيه؟
يزيد بسخرية:
_ اللي هو إزاي دا؟
مالك بهدوء:
_ النهاردة الصبح شفت بنت.
ووقعت.
أجابه بغضب:
_ هو إنت على طول متسرع كدا!
رمقه بنظرة شك، فأكمل مالك:
_ مش عارف إيه اللي جرالي، حاسس إني متلخبط، أنا لما شيلتها حسيت إحساس عمري ما حسيته، لأ، واتفاجئ إنها اتبرعتلي بالدم، حاسس إني تايه ومش عارف أفكر لأول مرة.
يزيد بثبات وهدوء لما هو به:
_ طب أهدى كدا وفهمني، دم إيه وشيلتها إزاي؟
شرع مالك بقص ما حدث بالتفاصيل الدقيقة على مسمع يزيد المذهول هو الآخر، فقال بدهشة:
_ دي مش صدف يا مالك.
تطلع له بعدم فهم، ليكمل يزيد:
_ ليه البنت دي تظهر لك في الوقت اللي ليان توفت فيه؟!! وليه تظهر لك بالوقت دا؟
مالك بعدم فهم:
_ تقصد إيه؟
بادله الآخر بسؤال غامض:
_ حسيت بإيه أول ما شفتها؟
غاصت ذاكرته، فلمعت عيناه بشرارة قرأها يزيد، فأبتسم قائلًا بثبات:
_ أوعى تسيب البنت دي، احفر عليها الأرض لحد ما توصلها، صدقني اللي بيحصل دا تخطيط من ربنا، يعني تعب تقى ودخولها نفس المستشفى مخطط عشان تتقابل مع البنت دي، مفيش في حياتنا صدف.
أشعل فتيل مخيف برأس مالك، فربما لا يعلم بأنها شعلة العشق الطائف.
بالجامعة، دلف محمود المدرج بطالته الساحرة، ليتفاجأ بها بين الطلاب. تعلقت نظراتهم لمدة لم تطل، ثم شرع محمود بعمله، وعيناه كلما تعلقت بها هرولت الكلمات من على لسانه. انتهت المحاضرة وخرج الطلاب جميعًا، وما زال هو يجمع البحوث بحقيبته، فأغلقها جيدًا وكاد الرحيل، فتوقف حينما وجدها تقف أمامه هي ومجموعة قليلة من الفتيات. فتقدمت نورا منه قائلة بخجل مما ارتكبته:
_ أنا آسفة يا دكتور.
قال بملامح ثابتة:
_ مفيش داعي، أنا قلت للأنسة أ.
وتوقف حينما حاول تذكر اسمها، فأخبرته هي بخجل:
_ منار.
أكمل بلا اهتمام:
_ الأنسة منار فهمتني اللي حصل، فمفيش داعي للاعتذار.
ابتسمت نورا قائلة بفرحة:
_ بشكرك بجد.
أشار بوجهه ثم قال باستغراب:
_ فين البحث بتاعكم؟
اعتذرت نورا عن عدم استطاعتها لذلك، فألتـمس لها العذر لعلمه بمرض والدتها، ولكنه تفاجئ بها تخرج البحث، فقال باستغراب:
_ على حد علمي إنك محضرتيش الاسبوع اللي فات!!
أجابته بتأكيد:
_ أيوا بس أخدت من زمايلي اللي فاتني وعرفت موضوع البحث وعملته.
أوضح بإعجاب:
_ شابو بجد.
ابتسمت ابتسامة رقيقة فكت قلبه، فجذب البحث وغادر سريعًا قبل التخلي عن ثباته المصطنع.
بمنزل تقى، تمددت على الفراش بمساعدة شاهندة ووالدتها. دلف شريف قائلًا بابتسامة واسعة:
_ حمد الله على سلامتك يا توتووو.
ابتسمت قائلة بصوت متعب:
_ الله يسلمك يا شريف.
شريف بغرور:
_ على فكرة أنا اللي لحقتك وشيلتك زي الأسد وجريت على المستشفى، حتى الواد سيف مكنش راضي يسوق العربية، بس بعد ما زعقتله جامد جري ونفذ الكلام.
شاهندة بابتسامة واسعة:
_ استلقي وعدك يا فتى.
هنا علم بأن قابض الأرواح يقف خلفه، فأبتلع ريقه بخوف شديد، ثم رفع أصبعه قائلًا بفخر:
_ أشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله.
وقبل أن يستدير كان بين يدي سيف، فجذبه إليه قائلًا بنبرة مميتة:
_ شايف الباب دا؟
أجابه بابتسامة واسعة وهو يتحسس عضلات صدره:
_ هو باب واحد، ما شاء الله دي عمارة بحالها.
صاح سيف بغضب:
_ شررريف.
أعتدل بوقفته قائلًا بصوت ثابت:
_ أيوااا.
سيف بتحذير:
_ اخرج من الباب دا أحسن لك، وإلا أحب أعلم عليك هنا.
أشار بيديه على تقى وشاهندة، فأشار بمعنى نعم، فهرول للخارج بسرعة كبيرة قبل الفتك به أمامهم كما أشار.
ابتسمت شاهندة قائلة بمرح:
_ الله عليك يا سيف، والله ما حد بيلم الواد دا غيرك.
جلس على المقعد قائلًا بابتسامة هادئة:
_ ما أنا قولتلك لو ضيقك كلميني، سيبك من أخوكِ وابن عمك دول.
تعالت ضحكاتها قائلة بمرح:
_ عيوني والله، أنا ابتديت أحبك لأنك بتنصر الضعفاء اللي زي حالاتي، عشان كدا هختارك موزة من صحابي وأجوزك واحدة فيهم.
_ بره يا شاهندة.
قالها سيف بتحذير، فأكملت بابتسامة واسعة:
_ هجوزك نورين قمر، هي بس كانت مخطوبة أربع مرات قبل كدا، بس والله قمر وطيبة وبنت حلال، مكنش بيعجبها نظام العريس في الأكل.
وقاطعها حينما جذبها هي وحقيبتها وخرج من شقة تقى قائلًا بنبرة مخيفة:
_ قولتلك بره، لو شوفت وشك هنا تاني، ورحمة أبويا لأكون ماسح بيكِ بلاط العمارة بلاطة بلاطة.
قالت بغضب:
_ هي البلد مفهاش قانون ولا إيه؟
جذبها من تاليب الفستان قائلًا بعين كالصقر:
_ لا فيها، بس لو طلعتي من هنا بعد ما أخلص عليكِ، وأهو أكون كسبت ثواب في أخوكِ.
قالت بصوت خافت:
_ طب سيب الفستان وأنا مش هوريك وشي بعد كدا.
وبالفعل تركها، فجذبت حقيبتها وهبطت الدرج، لتستدير بسرعة قائلة بمرح:
_ مجنون مفكر إني مش هاجي تاني، دا بيت خالتي يا حبيبي، فوووق.
هرول سيف خلفها لتصطدم به، فتصمنت محلها وبسمة الخبث تتضح بعيناه العسلية، ليشرع الآن بخطة دلوفه عائلة نعمان كما خطط من قبل، ولكن هناك خطوة لم يضعها بالحسبان، فربما مجهول ما أو سر خفي يربطه بمالك نعمان سيكشف مع حقائق ستهز إمبراطورية نعمان، ليكشف حقيقة الأخ التوأم لمالك. فهل سيصمد فراس حينما يرى والدته المتوفاة أمام عينيه؟!!! ماذا لو علم بأن من يحاربه هو نفسه شقيقه التوأم؟!!!
رواية معشوق الروح الفصل الخامس 5 - بقلم اية محمد
كادت أن تسقط على أثر اصطدامها بالمصفح البشري. رفعت عينيها لتجد شابًا وسيمًا للغاية، عيناه مائلة للون الرمادي بل للون الذهب، فربما لم تتمكن من تحديد لونهم.
هبط سيف خلفها قائلًا بلهفة:
"أنتِ كويسة؟"
عادت لأرض الواقع، فأبعدت يدها بعيدًا عن صدره واستقامت بوقفتها.
رفع سيف وجهه لمن يقف أمامه قائلًا بابتسامة هادئة:
"بعتذر من حضرتك عن تصرف أختي الهبلة."
ارتدى نظراته قائلًا بلا مبالاة:
"ولا يهمك."
وتركه وأكمل طريقه للأعلى بالشقة التي استأجرها بنفس عمارة سيف. أما هي، فراقبته حتى اختفى من أمامها. لا تعلم ماذا حدث لها منذ أن تلاقت عيناها بعينيه الغامضة.
جذبها سيف بحدة حينما لم تجبه بالرد:
"روحتي فين؟!"
جذبت يدها قائلة بغضب:
"بقا أنا هبلة يا سيف؟"
ابتسم قائلًا بغلظة:
"أيوا ومش بس كدا لسانك طويل كمان."
"وضحيف كمان باردة ودمها وقف." قالها شريف وهو يتناول الشطائر جالسًا على الدرج، يتابع ما يحدث باهتمام.
رمقتهم شاهندة بنظرات مميتة، ثم توجهت للمصعد قائلة بتوعد:
"ماشي هتشوفوا هعمل إيه."
شريف بسخرية:
"خالي بالك من السلمة المكسورة يا شابة."
سيف باستغراب:
"سلم إيه دي نازلة بالاسانسير؟"
أجابه بغرور:
"في سلالم جوا. اسمع مني أنا أعلم منك، أنت هتعرف إزاي وأنت بتجري على السلم ليل نهار."
تطلعت له بنظرة جعلته يتناول ما تبقى من الشطائر، ثم هرول سريعًا للداخل.
***
بالقصر.
ظل بسيارته لفترة طالت بالتفكير. لمساتها مازالت ترفرف، دقات القلب تجعله في سباق مريب. ذكريات الماضي تلاحقه كلما تذكر اسمها.
فتح باب السيارة، ثم سار قدمًا بحديقة القصر الداخلي غير عابئ بطريقه. كل ما يراه أمامه ملامح تلك الفتاة وخفقان قلبه. حديث يزيد عن ظهورها بوقت حاجته لها.
خلع جاكيته، ثم ألقاه على الطاولة وتقدم من المياه الباردة وهو يحل قميصه الأبيض ليلقي بنفسه بالمياه، غير عابئ لقطرات الأمطار المتمردة على مياه المسبح، فبداخله نيران تحترق يريد التخلص منها.
ظل تحت المياه أطول فترة ممكنة، فمالك بارع بالسباحة. أغمض عينيه ليرى ملامحها ترسم أمامه كأنه رآها لأعوام وليس ثوانٍ أو دقائق. لا يعلم بأنه بموجة العشق المخلد.
خرج من المياه سريعًا لحاجته للهواء، فتفاجأ برفيقه يجلس على المقعد بانتظاره، وعيناه تتلون بالتسلية لرؤيته هكذا.
خرج من المياه ليخطف نظرات لمن يجلس تحت الحاجز بينه وبين مياه الأمطار قائلًا بثبات:
"بتبص لي كدا ليه؟"
ابتسم الآخر قائلًا بغموض:
"بحاول أقلم نفسي على الشخص اللي قدامي."
جذب المنشفة من الخادم قائلًا باستغراب:
"تأقلم نفسك مع مين؟"
تخلى عن مقعده ليقف أمام أعين رفيقه قائلًا بثبات مريب:
"مع العاشق الولهان."
صاح بغضب شديد:
"إيه الكلام الفاضي دا؟"
تحلى بالصمت واستمع لحديثه بابتسامة تزين وجه الغول:
"مالك أنا مش صاحبك وفاهمك، بس لا أنا النص التاني اللي مستحيل تقدر تكدب عليه أو حتى مايفهمكش."
جلس على الأريكة بإهمال ويديه تشدد على خصلات شعره الطويل بغضب. جذب يزيد المقعد وجلس أمامه مباشرة قائلًا بهدوء:
"أنا عارف إنك متلخبط، بس لازم تسمع كلامي. الإحساس اللي عندك دا هو كافٍ بأنك تنسى الماضي كله."
رفع عينيه قائلًا باستسلام:
"مش هقدر يا يزيد."
ابتسم قائلًا بتصميم:
"هتقدر وهتشوف بنفسك."
جذب جاكيته الموضوع على الطاولة، ثم توجه للدرج المؤدي لغرفته، فاستدار قائلًا بصوت غامض:
"مش هاخد قرار في الموضوع دا، لأن من الأصل مفيش موضوع. اللي حصل مجرد صدفة مش أكتر ولا أقل."
ثم قال وهو يكمل طريقه للأعلى:
"تصبح على خير."
اعتدل يزيد بجلسته والابتسامة مازالت على وجهه، فهو يعلم بأن تلك الفتاة لم تترك ذهنه بعد.
***
بغرفة أمل.
أذنت للطارق بالدخول، فولجت منار للداخل قائلة بابتسامة رقيقة:
"لسه صاحية يا ماما؟"
وضعت المصحف الشريف بجوارها قائلة بابتسامة لا تغادر وجهها:
"أيوا يا حبيبتي تعالي."
أغلقت باب الغرفة، ثم تقدمت لتجلس على الفراش بجوارها قائلة باضطراب:
"مش جايلى نوم، قولت أجى وأقعد مع حضرتك شوية."
أمل:
"خلصتي مذكرتك؟"
أجابتها بتأكيد:
"أيوا طبعًا خلصت وروحت لشاهندة، بس لقيتها نايمة فقولت أجيلك بقا."
ابتسمت قائلة بهدوء:
"شاهندة مش بتحب السهر."
صاحت بغضب:
"خالص، مفيش غير تقى، كنا بنتكلم للصبح."
قالت بتذكر:
"طمنيني عنها عاملة إيه دلوقتي؟"
استندت بظهرها على الوسادة:
"الحمد لله كويسة وشاهندة بتقول إنها خرجت من المستشفى."
أجابتها براحة:
"طب الحمد لله، أروح لها بكرة إن شاء الله أشوفها."
ثم رفعت يدها على رأسها بألم.
تلهفت منار من رؤيتها هكذا، فقالت بخوف:
"مالك يا ماما؟"
ابتسمت حتى لا تقلقها:
"متخافيش حبيبتي، دا صداع خفيف، هاخد الأدوية وهكون كويسة."
منار:
"طب هو فين وأنا هجيبه."
أشارت لها أمل على الخزانة.
فتوجهت منار إليها تبحث عن الدواء، ولكنها عثرت على صورة غريبة، حملتها بين يديها والذهول يقسم ملامح وجهها. فجذبت الدواء وقدمته لوالدتها، ومازالت الصورة بيدها تتفحصها باستغراب.
وضعت أمل الكأس المعبأ بالمياه على الكومود، ثم تطلعت لابنتها المزهولة، فوضعتها على قدم والدتها قائلة بحيرة:
"مين دول؟"
تطلعت أمل للصورة أمامها بحزن شديد، فالصورة كانت لمالك وشقيقه التوأم حديثي الولادة.
خرج صوتها بألم:
"دا مالك ومروان."
رددت بخفوت:
"مروان مين؟"
ابتسمت أمل قائلة بشيء من التحمل:
"أنا كنت حامل بتوأم، بس لما اتولدوا مروان مات بعد الولادة بساعات."
ثم رفعت الصورة بابتسامة:
"الصورة دي أبوكي هو اللي صورها ليهم بعد ما خرجوا من أوضة العمليات، وأنا احتفظت بيها."
أجابت بحماس كبله الحزن:
"يعني أنا كان هيبقى عندي أخين توأم."
ابتسمت قائلة بصبر وتحمل:
"بس إرادة ربنا قوية يا حبيبتي، أكيد له حكمة في اللي حصل دا."
"ونعم بالله." قالتها منار بإيمان قوي نجحت أمل بزرعه بقلبها.
***
بغرفة يزيد.
كان يقف أمام النافذة المصنوع من الزجاج، مائلاً بجسده على الحائط، يتأمل قطرات المياه المتساقطة على أشجار الحديقة فتجعل جمالها خلاب.
كلمات تلك الفتاة تتردد بذهنه فتجعله يبتسم بتلقائية. تلونت عيناه بالغضب حينما رفع الهاتف ليجد اسم أخيه الذي يحاول الوصول إليه منذ أيام، فأغلق بوجهه حتى لا تحرقه عاصفة الغول.
انحاز تفكيره لتلك الفتاة البريئة التي تزوج منها على الأوراق ولم يمنحها الدعم. واجبات الزوج تحتمه على ذلك، ولكنه مقيد بقيد مجهول بالنسبة له.
***
سطعت شمس يوم جديد، ربما ستنير بكشف حقائق للبعض وجمع آخر خيط بالعشق الروحي.
بشقة تقى.
طرق شريف الباب، ففتحت والدتها قائلة بابتسامة هادئة للغاية:
"شريف."
دلف للداخل قائلًا بابتسامة واسعة:
"صبااااح الخيرات والجمال وريحة الفطار اللي تدخل القلب."
تعالت ضحكاتها قائلة بصعوبة التحدث:
"عملت حسابك معانا، متقلقش."
أقترب من الطاولة يتأمل الطعام بابتسامة واسعة:
"لا كدا بقا هنزل أجيب عيش سخن وأجي، متقفليش الباب."
تعالت ضحكاتها:
"حااضر."
وهبط شريف للأسفل. استندت على الحائط بتعب شديد إلى أن خرجت من غرفتها، فتأملت القاعة بأمل تخفى حينما وجدت والدتها تقف بمفردها. خرج صوتها بارتباك وهي تبحث بعينيها عنه:
"هو سيف كان هنا؟"
تأملت لهفتها بالبحث عنه وأمنيتها بوجوده، فتلون وجه سماح بغضب كبت لسنوات، فصاحت بعصبية:
"مفيش فايدة فيكِ يا تقى، كل اللي في دماغك سيف وبس؟ مش ناوية تفوقي من اللي أنتِ فيه دا؟"
جلست على المقعد بتعب شديد والدمع يلمع بعينيها. فقالت ببكاء:
"غصب عني يا ماما."
بادلتها الحديث بلهجة قوية للغاية:
"لا مفيش حاجة اسمها غصب عنك، وأنا مش هسيبك كدا كتير ومش همشي من هنا غير ورجلي على رجلك. أنا سبتك بمزاجي، لكن دلوقتي لا."
تطلعت لها بصمت، قطعته بدموع وصوت منكسر:
"زي ما غصبتي عليا أتجوز سامي."
أقتربت منها سماح والدماء تتغلغل بعروقها:
"أنا مغصبتش عليكي تتجوزي سامي، أنا فوقتك من الحلم اللي أنتِ عايشة فيه. سيف عمره ما فكر بيكي بالطريقة دي وأنتِ عارفه كدا كويس."
صرخت ببكاء هستيري:
"بس أنا بحبه ومش هبعد من هنا، حتى لو اتجوز وعاش حياته، كفايا إنـي أشوفه قدام عيوني."
قالت تلك الكلمات وقلبها ينشطر لآنين وأوجاع. قالتها بصعوبة وقلبها يكاد يتوقف عن الخفقان. قالتها بحزن شديد لمس قلبه والدتها، فبكت هي الأخرى. قالتها والأخر يقف أمام باب شقتها بصدمة كبيرة. نعم، استمع لحديثها. نعم، هو الوحيد الذي تمكنت من إيصال كمية الوجع بحديثها لقلبه، ربما لأنه كان بنفس المعاناة من قبل.
أقتربت سماح منها قائلة بدموع:
"حرام عليكي يا تقى، والله حرام اللي بتعمليه فينا دا."
وجذبت حقيبتها وتوجهت للخروج، فأسرع سيف لشـقته قبل أن تراه.
جلس على المقعد بإهمال يتذكر نظراتها وكلماتها الغامضة، فربما الآن قد توصل لنهاية المطاف وهو العشق الذي بقلبها.
غادرت سماح ودموع الحسرة تكتسح وجهها على ابنتها الوحيدة، لا تعلم أنها بالداخل تبكي بألم ومعاناة أكبر. استندت على الطاولة تحتضن دموعها، فالأمر صار معتادًا عليها أن تلملم دموعها بمفردها.
أقترب منها بخطى مضطربة، ولكن أنين قلبه لسماع دموعها هو من ولج به للداخل. رفع يديه على رأسها، فرفعت وجهها بتعجب حينما رأته يقف أمامها. حاولت الحديث ولكن لم تستطع. تزاورتها أسئلة وشكوك مريبة، ولكن بالنهاية بينهم رابط عن سبب وجوده.
جذب المقعد وجلس بجانبها. عيناه تتحاشي النظر إليها، والصمت هو الإمبراطور بمملكة الأنين، حتى تمرد صوته فخرج بحزن:
"أنا مش عارف أقولك إيه."
"بس كل اللي أنا عايزك تعرفيه إنـي حاسس بيكي أوي، لأني مريت بنفس التجربة اللي أنتِ فيها وعارف بشاعة الوجع دا."
تحاشت النظر له بعد افتضاح أمرها، فقالت بتوتر:
"إيه الكلام دا يا سيف؟"
ابتسم ومازالت عيناه تنظر للفراغ:
"خلاص يا تقى، أنا عرفت كل حاجة."
وضعت عيناها أرضًا تبكي بقوة، فجاهدت للحديث بقوة حتى لو كانت مصطنعة، ولكنها فشلت بنهاية المطاف، فقالت بدموع:
"اسمع يا سيف، أنا لما حبيتك مكنش قدامي قيود. بعترف إني لما اتجوزت أخوك كنت لسه بحبك، بس يشهد ربنا إني محاولتش أكون خاينة بأي شكل من الأشكال، حتى مجرد التفكير فيك."
ثم أكملت ببكاء ونحيب قوي:
"ماما صح، أنا لازم أمشي من هنا."
وتركته تقى وتوجهت لغرفتها تلملم ملابسها ومتعلقاتها الشخصية، ومازال يجلس هو بالخارج بحيرة من أمره، ولكنه اتخذ قراره بالرحيل، فربما سيجمعهم محطة أخرى ليرأف بها.
***
بغرفة مالك.
نهض عن الفراش بغضب شديد لمن تحاول إيقاظه منذ الصباح، فزفر قائلًا بغضب:
"أيـييـيـيـه؟!"
جلست على المقعد المقابل له قائلة بابتسامة واسعة:
"صباح الخير يا مالك."
أعاد خصلات شعره المتمردة على عيناه قائلًا بضيق:
"نعم! داخلة في الوقت دا عشان تقوليلي صباح الخير؟!"
أعدلت من حجابها قائلة بغرور:
"لا."
رمقه بنظرة مستميتة، فهدوؤها يشكل خطرًا بالنسبة له، وما زاده دخول شاهندة للداخل قائلة بابتسامة واسعة:
"صباح الخير يا أبه."
تخلى عن الفراش مشيرًا بيديه:
"هتقولوا في إيه ولا أطردكم وأخلص."
جلست شاهندة بجوار منار قائلة بارتجاف:
"أنتِ لسه مقولتيش."
أجابتها بغرور:
"من غيرك ميحصلش يا شاهي."
ضيق عينيه بغموض، ثم جذبهم من أطراف ثيابهم قائلًا بصوت مخيف:
"أنا كنت عارف إنكم بتخططوا لكارثة، اجتماعكم انتوا الاتنين يعني كارثة على طول."
خرج صوتها بخوف:
"عيب كدا يا أبه، أنت تعرف عننا كدا؟"
أسرعت منار هي الأخرى بالحديث:
"إحنا ملاك ماشيين على الأرض."
":على بابا يابت." قالها مالك وهو يشدد من جذبها، فصرخت قائلة: "طب ياعم أحنا بالصلاة على النبي كدا عايزين نطلع رحلة."
صاح كالرعد:
"تطلعوا فين ياختي؟"
ابتسمت شاهندة قائلة بصوت مرتفع:
"رحلة يا أبه.. كملي يابت."
وبالفعل أكملت قائلة بابتسامة هادئة:
"فكنا عايزنك تقنع الغول أقصد أبه يزيد يفك الحصار عننا."
جذبهم بقوة قائلًا بسخرية:
"دانا اللي هفك رقبتكم لو فتحتوا الموضوع دا تاني، فاااهمين؟"
شاهندة:
"أنا فهمت، شوف أختك."
منار:
"أنا فهمت من أول إمبارح."
وهرولت الفتيات مسرعين من أمامه، فتطلع بغضب قائلًا بصوت مخيف:
"قال رحلة قال، لا وأكلملهم يزيد دا اللي كان ناقص."
وأغلق الباب بقوة. أكملت الفتيات الركض لتصطدم بالمضلع البشري، أو ربما هو الغول كما يطلق عليه.
تأملهم بنظرات ثابتة يتأمل بهم ارتباكهم الملحوظ، ثم أقترب منهم قائلًا باستغراب:
"في إيه؟"
جذبت منار شاهندة قائلة بابتسامة زائفة:
"صباح الخير يا غ، أقصد يا أبه."
شاهندة بنفس البسمة:
"صباح العسل يا يزيد."
رمقهم نظرات شك، ثم قال بنبرة لا تحتمل نقاش وعيناه على غرفة مالك:
"هتقولوا في إيه ولا أطلع أعرف بنفسي؟"
أسرعت منار قائلة بلهفة:
"كنا بنتحايل على مالك يودينا المول نجيب الحاجات اللي ناقصانا، ودا جهود من ثلاث أيام بنتحايل ومافيش نتيجة، وأنت عارف بنتحرج من الحرس ومش بنعرف نشتري حاجة."
أشار برأسه بتفهم وأكمل طريقه لغرفة مالك قائلًا بنفس لهجة الثبات:
"جهزوا نفسكم."
ابتسموا بسعادة، فحاولوا من قبل أن يقنعوا مالك، ولكنهم حصدوا على موافقة من الغول نفسه، فكلمته كالسيف.
ولج للغرفة فوجده يرتدي حذائه قائلًا باستغراب:
"أنت لسه هنا يا يزيد؟"
جلس على المقعد واضعًا قدمًا فوق الأخرى قائلًا بسخرية:
"لا شبح."
ابتسم مالك قائلًا بسخرية هو الآخر:
"والمفروض إني أخاف وأجري؟"
ابتسم يزيد:
"لو هنتكلم على الافتراضات هنخسر بعض، صدقني."
ألقى نظرة أخيرة على بدلته السوداء التي يرتديها مرات معدودة لاجتماعه العاجل.
جذب يزيد المجلة الورقية يتطلع بها، ثم قال وعيناه عليها:
"غير هدومك عشان هتروح المول."
استدار قائلًا بنظراته الساحرة:
"نعم ياخويا، مول إيه دا؟"
":زي ما سمعت." قالها يزيد ومازالت عيناه على الجريدة.
فابتسم مالك بخبث، فعقله من ألماس:
"أوك يا يزيد، هروح معاهم المول، بس طبعًا سمعتنا قدام الناس اللي جايه من إيطاليا والاجتماع اللي بعد ربع ساعة دا لازم تحضره بدالي."
أشار بلا مبالاة:
"أوك."
دلف سيف قائلًا بابتسامة مصطنعة:
"صباح الخير يا شباب."
مالك:
"صباح النور يا سيفو، تعال اقعد."
أجابه بعملية:
"لا يالا عشان الاجتماع."
مالك باستغراب:
"مالك يابني؟"
سيف بثبات:
"مفيش، بس بقول عشان مش نتأخر."
مالك:
"يزيد اللي هيحضر الاجتماع، أنا اتعافيت من المعاكسات النهارده."
وهنا علم الغول ما يجول برأس رفيقه، فرمقه بنظرة مميتة، ولكن نظرة المكر مستحوذة على عين مالك.
وقف ثم توجه للخروج قائلًا بصوت هادئ:
"ماشي يا مالك، أرجعلك بس."
ثم تطلع لسيف قائلًا بغموض:
"يالا يا سيف."
وبالفعل تبعه سيف للأسف، وهو بحالة من الفكر لا يرثى لها، لا يعلم بأن رفيقه يشعر به ويعلم بما يفكر.
بالأعلى، خلع مالك البدلة السوداء وارتدى سروالًا من الجينز الأسود وتيشيرت ضيق من اللون الأبيض، مرتديًا ساعته الفاخرة، وتاركًا رائحته عنوانًا لوسامته الساحرة.
هبط للأسفل فوجدهم بانتظاره والابتسامة بادية بشدة على وجوههم. استند بجسده على الحائط قائلًا بمكر:
"إحنا فينا من كدا؟"
ابتسمت شاهندة قائلة بغرور:
"كل شيء يجوز بالحرب."
منار بتأييد:
"أينعم، وأنا جيتلك واتكلمت معاك بما يرضي الله، والبت شاهي شاهدة."
رفع ساعته قائلًا بسخرية:
"شاهدة على الخيرات ياختي.. انجزي بقا أنتِ وهي، مش عايزني أجي معاكم، ورحمة أبويا لأربيكم عشان تقولوا حقي برقبتي بعد كدا."
هرولوا سريعًا لسيارته، فأرتدى نظارته الشمسية ولحق بهم.
***
بمنزل محمود.
تعالت ضحكات ليان قائلة بصوت متقطع:
"خلاص يا محمود، والله هموت من الضحك."
فاتن بسعادة:
"والله أنا طول عمري بقول على الواد دا بارد جدًا ومستخف دمه، بس النهاردة حبيته لله في لله عشان رجعك لينا من جديد."
انكمشت ملامح وجهه بغضب:
"بقا كدا يا أم محمود، ابنك بارد؟!"
فاتن بابتسامة واسعة:
"أنت عارفني مش بحب الكذب."
تعالت ضحكات ليان قائلة بغرور:
"وأنا أتفق مع مامتي العسل فيما نُسب إليك."
محمود بسخرية:
"دلوقتي بقيتوا حلف، دانا كنت هاخدك معايا المول وأنا نازل أشتري لنفسي حاجات، قولت آخد البت أنقلها معايا كام فستان، بس غيرت رأيي."
ليان بلهفة:
"بجد يا محمود؟ يارب نفسي أخرج."
قالت والدته بجدية:
"مينفعش يابني، دي لسه تعبانة، أنت شايف اللي حصلها في المستشفى آخر مرة."
أسرعت ليان بالحديث:
"أنا بقيت أحسن والله، طب تعالي معايا."
محمود بتفكير:
"والله فكرة."
فاتن بخبث:
"لو هتجيب لي فستان أنا كمان هجي."
تعالت ضحكاتهم بسعادة، فحقق معتقدات ليان بأن بقاءها معهم سيجعلها تتحسن سريعًا، على عكس والدتها، فلم تهتم بها بعدما أفاقت من الجراحة، كل ما أعناها بأن ابنتها مازالت على قيد الحياة.
***
بشركات نعمان.
وصل يزيد لمكتبه فوجدها تجلس على مقعدها بهدوء مريب، وتعب بدا على وجهها، حتى أنها حاولت الوقوف حينما رأته، ولكن لم تستطع. ود لو اقترب منها ليعلم ما بها، ولكن سيف يلاحقه كظله، فدلف لمكتبه يدرس الملف الذي قام مالك بدراسته من قبل.
جلس على يمينه سيف، وهو بداومة من الفكر، فأخرجه منه يزيد قائلًا بثبات:
"الـلي بتفكر فيه مش منطقي يا سيف."
رفع رأسه قائلًا بصدمة:
"وأنت عارف أنا بفكر في إيه؟"
خرج صوت يزيد قائلًا بثبات وعيناه مازالت تتفحص الملفات:
"عارف تفكيرك كله أنها كانت زوجة أخوك، بس اللي مش قادر تستوعبه بأنه خلاص توفى."
زفر بقوة كأنه يخرج همومه دفعة واحدة، ثم صاح قائلًا بحيرة:
"مش عارف أفكر يا يزيد، هي مهما كانت بنت خالتي وأنا مش هعرف أشوفها بتتعذب كدا، لأني جربت نفس الإحساس دا قبل كدا."
قال كلمته الأخيرة بحزن شديد، واسترسل كلماته:
"بس مش قادر أنسى أنها كانت زوجة."
قاطعه قائلًا بهدوء:
"كانت."
أعاد رأسه على المقعد قائلًا باستسلام:
"مش عارف أفكر خالص يا يزيد، بجد حاسس إني في دنيا تانية."
وضع الملف بجواره قائلًا بثبات:
"سيف، أنا الوحيد اللي عارف قد إيه تقى اتبهدلت وعانت، هي مش بتحبك من يوم ولا من شهر، من سنين، عشان كدا بقولك اديها فرصة، وعشان أنا ابن خالتكم انتوا الاتنين وفاهمكم كويس بقولك الكلام دا."
أشار برأسه باقتناع. فدلف العامل ليخبرهما بأن المجموعة وصلت لقاعة الاجتماعات. أعطى يزيد الملف لسيف وأخبره بأنه قادم خلفه، فتوجه الآخر للقاعة.
خرج يزيد من مكتبه يتأملها باستغراب، ثم أقترب منها قائلًا بنبرة عملية مصطنعة:
"رجعتي الملفات اللي أدتهالك امبارح؟"
رفعت عيناها قائلة بنبرة ساكنة:
"أيوا يا فندم."
وجذبت الملفات وتقدمت منه وقدمتها له. تناولها منها قائلًا بصوت متلهف:
"أنتِ كويسة؟"
أشارت برأسها قائلة بعملية:
"الحمد لله."
لاحظ أنها ليست على ما يرام، فقال بشك:
"متأكدة؟"
اكتفت بإشارة من رأسها، فأكمل طريقه للقاعة.
***
بالمول.
لم تكلفه شاهندة عناء الشراء على عكس شقيقته، فمن الصعب إرضاء ذوقها.
زفر مالك بغضب:
"كل دول ومفيش حاجة عجبه حضرتك."
منار بغضب:
"مفيش حاجة عجبتني، الله."
ثم خرجت للمقابل له تنقي ما تريد. أخبرت شاهندة مالك أنها ستجلس بالأسفل حتى ينتهوا من جولة منار بالشراء.
أقتربت من الفساتين المعلقة تختار منهم بملل. فوقف مالك يتأملها بغضب شديد.
على الجانب الآخر.
كانت تنقي ليان ما تريد، فأبتعد عنها وعن والدته التي تعاونها على المشي. رفع يديه ليجذب إحداهما، فتفاجأ مع من تقف بجواره. تطلعت له منار بخجل شديد، على عكسه كان يتأملها بابتسامة جذابة، ثم قال:
"حيرانه في الاختيار ليه؟"
رفعت عيناها بخجل وهي تتأمل الفساتين قائلة بحزن:
"لفيت المول كله ومافيش حاجة عجبتني لدرجة إن أخويا قرب يقتلني."
تعالت ضحكاته التي أسرت قلبها، فأخفضت بصرها على ما بيده بإعجاب. لاحظه، فقال بجدية:
"عجبك؟"
أشارت له برقة، فناوله لها قائلًا بابتسامة هادئة:
"هيليق عليكِ أكتر من ليان."
قالت بتطرف:
"مين ليان؟"
ابتسم قائلًا بنظرات غامضة:
"أختي."
رفع عينيه على الفستان المقابل له وحمله قائلًا بتفحص:
"طب إيه رأيك في دا؟"
طارت نظراتها به، فقدمه لها قائلًا بابتسامة ساحرة:
"إحنا في الخدمة."
ابتسمت برقة، فغادر ليبحث ما يناسب شقيقته. لما تتركه نظراتها إلى أن اختفى من أمام عينيها.
وقفت ليان بمفردها بعدما دلفت فاتن الغرفة الخاصة بالملابس، تتطلع للفراغ بصمت، إلى أن شعرت بدفء مريب بمكانها، فأستدارت لتجده يقف أمام عينيها، بطالته المرسومة بحرفية.
طافت عيناه المكان بملل، إلى أن تلاقت مع من تتأمله بصدمة، فتأملها بشيء لا يوصف من الصدمة والفرحة والاستغراب.
أقترب منها وهو كالمغيب. كلمات يزيد تتردد بذهنه: "ليست صدفة". تلك الكلمة أشعلت بداخله موجات يصعب وصفها. وقف أمام عينيها، فلم يعد يفصلها عنه الكثير. تذكرت أنها رأته من قبل، ليس بالمشفى، هو الظل الذي يراودها بأحلامها كثيرًا، هو من يقف أمام عينيها. لم تجد الكلمات مخرجها الصحيح، فما من شيء مناسب للقول.
خرجت فاتن من الغرفة بعدما ارتدت الجلباب الفضفاض قائلة دون النظر لمن يقف:
"حلوة عليا يا لين."
قطعت النظرات بينهم. أيقظتهم على حلم اليقظة. نعم، إنها ليست سلسلة أحلام. لا، هو واقع غامض بين الأرواح.
أقتربت فاتن منه قائلة بتذكر:
"أنت!"
انتبه لكلماتها، فتطلع لها ليتذكرها هي الأخرى، وليان بحالة استغراب من معرفتهم ببعضهم. رفعت يدها قائلة بفرحة:
"أزيك يا حبيبي."
أشار لها بعينيه وابتسامته التي تكاد ترسم لصدمته:
"الحمد لله، أخبار بنت حضرتك؟"
تطلعت له ليان بصدمة، فأكملت الأخرى وهي تطلع لليان بسعادة:
"الحمد لله يابني، بدعيلك والله."
ثم تطلعت لليان قائلة بابتسامة واسعة:
"دا الشاب اللي اتبرعلك بالدم يا حبيبتي."
صدمة اجتازت أواصرها، ولكن لم تكن كصدمته. حديثها الآن أكد له أنها لم تكن صدفة. قلبه أشعل بالفكر، فلم يجد الإجابة سوى أن القدر يلعب به لعبة مريبة، أو أنه اختل عقليًا ليصدق ما يحدث.
لم يستمع لكلمات فاتن، فاستأذنت من ليان ودلفت لتبدل ملابسها، ربما تركت لهم مساحة من الوقت.
كانت بحالة من الارتباك، فخرج صوتها قائلة بتوتر لما هي به:
"مش عارفة أشكرك إزاي؟"
نظراته ساكنة، فخرجت الكلمات بدون عقل:
"تتجوزيني."
قالت بصدمة:
"نعم؟!"
ابتسم قائلًا بتأكيد:
"زي ما سمعتيها بالظبط."
تلربكت ملامح وجهها، فقالت بصوت منخفض:
"أنت مجنون صح؟"
أجابها بصدق:
"ياريت أكون مجنون، أرحم من اللي أنا فيه."
لم تقو على تحمل كلماته، والأقسى نظراته الجامحة التي توقعها ببئر عميق ليس به مخرج سوى الغرق بطياته.
أنهت فاتن تبديل ثيابها، ثم خرجت، فألتقطت ليان نفسها حينما ابتعدت عنه، على عكسه هو. توقف قلبه ببطء، فتعلقت العينان ببعضهما البعض حتى اختفت من أمامه.
أقترب منهم محمود قائلًا باستغراب:
"خلصتوا؟"
أجابته والدته بابتسامة هادئة:
"أيوا يا حبيبي."
رفع يديه لليان قائلًا بغرور:
"رايك بذوقي يا ليو."
كانت بعالم آخر، لم تستمع لأحد منهم، خطفت النظرات لمن يقف متخفيًا، ولكنه ظاهر أمامها عن تعمد.
شعرت بأن هناك ما يربط بينهم، ربما لو علمت بأنها تبرعت له من قبل بدماءها، علمت صدق حديثه. أما هو، فشعور مريب يطارده، ولكن ما يعلق بتفكيره أن لا يتركها من بين يديه.
خرجت تبحث عنه، فقالت بصوت لفت انتباه الجميع:
"أنت فين يا مالك؟ أنا خلصت."
استدار محمود والجميع لها. لاحظت منار وجود محمود وأسرته بنفس الرواق، فأقتربت منهم قائلة بابتسامة رقيقة وهي تشير على ليان:
"دي أخت حضرتك."
ابتسم قائلًا بتأكيد:
"أيوا يا ستي، ودي والدتي."
رفعت يدها تبادل السلامات بينهم، فأنغمست فاتن بالنظرات بتلك الفتاة التي تمتاز بخلق بادٍ من طريقة حجابها الفضفاض وأسلوبها الرقيق بالتعامل.
شعرت ليان بالارتياح لها، فأبتسمت وهي تخبرها بأنها أنهت المرحلة التعليمية، وهي الآن تشعر بالارتياح لفراغها.
فاتن:
"وأنتِ يا حبيبتي جاية المول لوحدك؟"
استدارت بتذكر:
"لا." ثم أشارت لمالك الذي أقترب، فقالت بابتسامتها المميزة: "دا مالك أخويا، ودا دكتور محمود دكتوري بالجامعة."
تطلع مالك لمحمود بصدمة، وهو الآخر تعلو صدماته، ثم قال بصوت خافت:
"مالك نعمان؟!"
ابتسم مالك قائلًا بغموض:
"حققت أمنيتك وبقيت دكتور جامعة."
أحتضنه محمود قائلًا بسعادة:
"ياه على السنين، مش مصدق إني شوفتك بعد كل السنين دي."
منار بصدمة:
"أنتوا تعرفوا بعض؟"
محمود بتأكيد:
"إحنا كنا بدسك واحد أنا وهو ويزيد، وكنا أكتر من الأخوات، اتفرقنا بالكليات، كل واحد دخل كلية شكل."
مالك بغضب:
"مفكرتش تسأل علينا ولا مرة؟ هتفضل زي ما أنت واطي."
محمود بتأييد:
"واطي فعلاً، سبك وقولي إيه الجديد؟ أنا كنت سامع إنك كتبت كتابك."
لا تعلم لما توقف قلبها حينما سمعت حديث أخيها. نظرات مالك لها غامضة، كأنه يخبرها بأنها مازالت تشك بأن هناك رابط مريب بينهم.
خرج صوت مالك أخيرًا:
"فعلاً، بس الفرح مكملش."
أجابه بلهفة:
"ليه؟"
تلون الحزن وجه مالك، ولكنه قال بثبات:
"عملت حادث من خمس سنين وهي كانت معايا بنفس العربية وتوفت."
فاتن بدموع:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصبرك يا حبيبي."
ثم استدارت بوجهها لمحمود:
"سبحان الله، صاحبك اللي اتبرع لليان بالمستشفى."
محمود بذهول:
"بجد؟"
ابتسم قائلًا بنظراته الفتاكة:
"أهم حاجة إنها كويسة."
ثم وجه حديثه لمحمود:
"تعال ننزل تحت في الكافيه، أهو نتكلم شوية، وبالمرة أجيب أختي، عفت نفسي من المهمة المميته دي."
تعالت ضحكات الجميع، على عكس ليان التي تلتزم الصمت والذهول. شعورها بأنها بحلم، أو تعدت مرحلة الجنون، كيف تحلم بأحد لخمس سنوات وتراه أمام عينيها؟!
هبط الجميع للأسفل، فأقتربت شاهندة منهم بغضب:
"كل دا يا أبه؟"
رفع يديه بطريقة درامية:
"مش أنا يا قلب أبه، وأنتِ عارفه."
ابتسمت قائلة بهدوء:
"خلاص عفونا عنك."
تعالت ضحكات فاتن، فتطلعت لها شاهندة بتعجب. عرفتهم منار ببعضهم، ثم جلست ليان وفاتن على طاولة منار وشاهندة، وجلس محمود مع مالك على طاولة منعزلة.
***
بالمقر.
خرج يزيد من غرفة الاجتماعات، فزفر قائلًا وهو يتأمل حالة سيف:
"يا بني مش هتاخد عليك كدا، يا تفرد وشك يا تغور من هنا."
رمقه بنظرة محتقنة، ثم رفع الملفات من يده على صدر يزيد قائلًا بضيق:
"أنت صح، أنا همشي من هنا عشان أرتاح من خلقتك العكرة، أنت وابن عمك."
وغادر سيف، ليبتسم يزيد قائلًا بمكر:
"لو حد تاني مكنش هيمشي على رجليه."
وناول الملفات للعامل وتوجه لمكتبه. وقف بخطاه وهو يرمق مكتبها بنظرة تمردت على ثباته، فلم يجدها، فأكمل طريقه للداخل.
أغلق العامل باب المكتب، فتوجه لمقعده، ولكنه توقف عن الخطى حينما لمحها تفترش الأرض بإهمال. حملها بين ذراعيه بلهفة تحتل وجه يزيد نعمان لأول مرة، فصرخ للعامل الذي طلب الطبيب على الفور.
وضعها على الأريكة ونظراته تمتلأ بالخوف، يتأمل تلك المشاكسة التي احتلت وجهها العبث.
دلف الطبيب، فأسرع إليها، وبعد ما قام به من فحص أخبره بلطف:
"واضح إنها بتمر بظروف صعبة مؤثرة على نفسيتها بالسلب."
أجابه بصدمة حقيقية:
"ظروف إيه؟ دي مش بتبطل ضحك ولا هزار."
علق الطبيب حقيبته قائلًا بخوف:
"أنا دكتور يا يزيد بيه، وقلت اللي شايفه."
أشار له بثبات، فوضع الأدوية على الطاولة المجاورة لها قائلًا بهدوء:
"5 دقايق ومفعول الحقنة هيشتغل وهتفوق."
أشار له برأسه، فتتبعه العامل للخارج. جذب يزيد المقعد وجلس على بعد ليس ببعيد منها يتأملها بصمت وزهول. كيف تبتسم إن كان بداخلها هم أو مشكل ما؟
بدأت بسمة باستعادة وعيها بضعف شديد، فوجدته أمامها. استقامت سريعًا بجلستها قائلة باستغراب:
"هو إيه اللي حصل؟"
لم يتخل عن ثباته، فخرجت نبرته المعتادة:
"المفروض إن دا سؤالي أنا."
رفعت يدها على وجهها قائلة بتعب:
"أنا كنت برتب الأوراق ومحستش بنفسي بعد كدا."
رفع عينيه يتفحص وجهها، فقال:
"خدي الأدوية اللي قدامك هتريحك."
رفعت يدها، فجذبت الأقراص من أمامها، ثم ارتشفـت المياه قائلة بامتنان:
"شكراً."
":مفيش داعي للشكر." قالها يزيد وعيناها تتفحصها. وقفت، ثم توجهت للخارج، ولكنها توقفت حينما استمعت لصوته:
"لو حابة تحكيلي على اللي مضايقك، مستعد أسمعك."
استدارت باستغراب:
"مضايقني إزاي؟"
تخلى عن مقعده واقترب منها قائلًا بابتسامة هادئة:
"الدكتور بيقول كدا."
ابتسمت قائلة بحزن:
"لا، مفيش عندي مشاكل، إلا عندي مستحيل حد على وجه الأرض يحله."
ضيق عينيه باستغراب، فأكملت بدموع:
"الأشخاص اللي بيسيبوك بمحطة الموت صعب حد يرجعهم لحياتك. شوفت إنه مفيش حل لمشاكلي."
وتركته ورحلت، لينقبض قلبه بعدما رأى دمعاتها.
***
غادر كل منهم وجهته بعدما اتفق محمود ومالك على زيارته لهم بالمقر قريبًا. صعدت ليان السيارة وتظراتها متعلقة به، لا تعلم لما يراودها هذا الشعور؟ كل ما تعلمه بأن هناك أمرًا ما.
على عكس مالك، فكان متجهم التفكير، كيف ذلك؟ تذكر كلمات رفيقه: "أنها ليست صدفة". أن تأتي فتاة منذ خمس أعوام تنقذه من الموت، ويأتي هو ينقذها من الموت حينما كانت بحاجة إليه. يا له من قدر، أو ربما اجتماع أرواح، وربما هنالك قلوب ستصنع قصة عشق مخلد.
***
بشقة سيف.
وقف أمام باب شقته ونظراته على الباب المقابل له. كلماتها تجعله كالعاجز الذي لا يقوى على الحركة. لأول مرة يشعر بأنه لم يتخذ القرار الصائب.
دلف للداخل، فتمدد على الأريكة وكلماتها تصدح بأنحاء الغرفة، جعلته كالدمية الفاقدة للتنفس والحياة.
دلف شريف للداخل قائلًا بغضب:
"أنت راجع من غير الأكل ليه؟"
أجابه الآخر بشرود وتماسك:
"اطلب اللي أنت عايزه من الفون."
قال بضيق:
"لا مش بيعجبني، انزل أنت هات من المطعم اللي بتجيب منه أكلهم جميل."
زفر سيف بغضب:
"أنت بتطلب مني ولا بتأمرني؟ انزل هات اللي يعجبك وحل عني أحسن لك."
شريف بمرح:
"أحل عنك إزاي يا سيفو؟ وأروح فين أنا واللي في بطني دا؟ يرضيك كدا تخني بعد العشرة يا خاين؟"
انكمشت ملامحه الرجولية بقوة، فجذبه قائلًا بسعادة:
"تصدق أنا كان نفسي أطلع خنقتي على حد، وكالعادة أنت ابن حلال."
خرج صوته بصعوبة:
"مين قالك كدا؟ أنت كنت سألت أمك قبل ما تموت إذا كنت ابن حلال ولا لا."
لم يتمالك أعصابه، فهوى على وجهه بلكمة، وكالعادة تمدد غائبًا عن الوعي، ليرمقه سيف متمتمًا بغضب:
"أنت ليه بتحسسني؟ أنا بديك بنج يالا، مش مهم، المهم أرتاح من برودك."
***
عاد الجميع للقصر، فصعدت الفتيات للأعلى لترى أمل ماذا اشتروا.
وضع مالك مفاتيحه على الطاولة وهو يبحث بعينيه عن رفيقه، إلى أن وجد نور المكتب مضيئًا، فعلم بوجوده.
ولج للداخل، فجلس على المقعد بإهمال، والصدمة مازالت متخفية بملامح وجهه. أعتدل يزيد بجلسته حينما رآه، فقال باهتمام:
"في إيه؟"
زفر بقوة، ثم قال بصوت ثابت:
"مش عارف، أنا اللي اتجننت ولا الدنيا ولا في إيه؟"
ابتسم بسمته الرجولية قائلًا بسخرية:
"جايز انتوا الاتنين."
رمقه بجدية، فأنصت له ليكمل مالك:
"شوفتها."
يزيد بصدمة:
"تاني؟!"
أشار برأسه واسترسل حديثه:
"هي نفسها البنت اللي أنا اتبرعت لها بالدم من كام يوم."
نظرات يزيد لم تكن أقل من نظرات مالك منذ قليل، فترك مقعده وجلس مقابل له قائلًا بذهول:
"أنا مش مصدق اللي بسمعه. سبحان الله قادر على كل شيء، تظهر لك في وقت كنت بتواجه فيه الموت وتقدم لك حياة، وتيجي هي بعد خمس سنين تواجه نفس المصير وتكون أنت اللي تخرجها منه!!!!"
مالك بهدوء مريب:
"معتش عارف أفكر، لما شوفتها لقيت نفسي بطلبها للجواز، قالت إني مجنون."
ابتسم يزيد قائلًا بجدية:
"أكيد في واحد يشوف بنت مرتين ومايعرفوش عن بعض حاجة ويطلبها للجواز. أكيد يعني هي متعرفش الكلام اللي انت جمعته دا."
لمعت عيناه بشرارة غريبة:
"لازم تعرف."
يزيد بتفهم:
"ناوي على إيه؟"
ابتسم قائلًا بأريحية:
"أخوها هو نفسه محمود زميلنا."
يزيد باستغراب:
"محمود مين؟" ثم صاح بتذكر: "بجد محمود، هو فين؟"
ابتسم قائلًا بسخرية:
"بقا دكتور جامعة زي ما كان حابب، بس أنا أقنعته يجي لنا الشركة عشان نفسه يشوفك."
أجابه بتأكيد:
"وأنا كمان والله نفسي أشوفه."
صمت قليلاً، ثم قال بابتسامة مكر:
"متقولش بقا إن دي كمان صدف؟"
تعالت ضحكات مالك قائلًا بصعوبة من وسط سيل الضحكات:
"أنا مش مصدق اللي بيحصل لحد دلوقتي."
اكتفى بابتسامة صغيرة قائلًا بثبات:
"مش عارف مالي، بس شاكك إني هحصلك بالجنون عن قريب."
اعتدل مالك بجلسته قائلًا بصدمة:
"الغول وقع؟!!!!"
صاح بغضب:
"بقول شاكك، لسه متأكدتش من مشاعري."
مالك باهتمام:
"مين؟ وفين؟ وأمتى؟؟؟"
كاد أن يجيبه ولكنه تصنم محله، لتحتل علامات الغضب عيناه حينما وجده يقف أمامه. تطلع مالك لما أغضبه هكذا، فحل الغضب قسمات وجهه.
أقترب طارق من أخيه قائلًا بحزن:
"يزيد اسمعني، والله أنا..."
قاطعه حينما صرخ به بقوة زلزلت القصر:
"اخرج من هنا فورًا قبل ما أفقد أعصابي وأقتلك بإيدي."
أقترب منه مالك قائلًا بتحذير:
"اهدأ يا يزيد، الله." ثم استدار لطارق قائلًا بغضب: "وأنت ليك عين تدخل هنا؟"
وضع عيناه أرضًا قائلًا بحزن:
"أنا عايزكم تسمعوني بس."
":اللي عملته لا يغفر لك ولا يشفع لك. اخرج من هنا قبل ما، ورحمة أبويا، أنسى إنك أخويا وأقتلك بإيدي." قالها يزيد بعدما ترك مقعده ليقف أمام عينيه.
جذبه مالك بقوة، فمازال قوته الجسمانية تجتاز للتداخل:
"قولتلك ميت ألف مرة، اتحكم في أعصابك."
استمع له وجلس على مقعده مجددًا ونظراته تكاد تخترقه، فقال طارق بدمع يلمع بعينيه:
"يا يزيد، أنا وحش وعارف دا، بس عمري ما أوصل للحقارة دي. صدقني، أنا كنت مغيب خالص، مش عارف كان مالي في اليوم دا. أنا عارف إن الشلة اللي أنا معاهم مش كويسة، بيشربوا وبيعملوا أكتر من كدا، بس والله كنت بروح أسهر معاهم من غير ما أشرب حاجة. أنا فاكر اليوم دا كويس، مش عارف إيه اللي جرالي خلاني مش عارف أتحكم في نفسي خالص، ولما صحيت تاني يوم الصداع كان هيفرتك دماغي، والبنت كانت مرمية جنبي بالمنظر اللي أنا مقدرتش أستحمله، هربت وأنا مش عارف حصل إمتى وإزاي، ولا أعرف مين دي، حتى؟"
تطلع مالك ليزيد بنظرة جعلته ينقل ما يفكر به له، فخرج صوته الصارم المصطنع:
"دا مش تبرير. عمومًا، اطلع أوضتك وسيبني أتكلم أنا وأخوك شوية."
تطلع له طارق بصدمة من حديثه وهدوء يزيد، ولكن أمام نظرات عين مالك الجامحة انصاع له وصعد لغرفته.
نقل نظراته لمالك قائلًا بغضب:
"إيه اللي عملته دا؟ أوعى تقول لي إنك صدقته؟!"
جلس مالك على المقعد وعيناه تزوغ بالفراغ قائلًا بثبات:
"طارق عمره ما كان كداب يا يزيد، هو كدا أكد لي شكوكي."
":اللي هي؟!" قالها يزيد بسخرية، فرمقه بنظرة غضب قائلًا بثبات: "هتعرف لما أجيب الكلاب دول، وساعتها لو طلع اللي في دماغي صح، ورحمة أبويا، لتكون نهايتها على إيدي، بس لحد ما دا يحصل، طارق يبقى هنا."
وقف والغضب ينهش وجهه:
"ماشي يا مالك، هصبر، بس والله لو طلع إنه له دخل من قريب أو من بعيد، أنت عارف تصرفي هيكون إزاي؟"
قال بثبات:
"طارق فعلاً عمل كدا."
صاح بعصبية:
"أنت هتجنني!!"
أقترب منه مالك بعينيه الغامضة:
"يزيد لازم تهدأ وتسمعني. في فرق بين إنه عمل كدا برغبته وبين إنه كان غصب عنه، ودا اللي أنا هعرفه، وخليك عارف نقطة مهمة، إن نوال لو ليها دخل بالموضوع دا، أكيد هتكون عرفت الفايدة."
شعلل فكره، فتطلع ليزيد بصمت، فمازال تفكيره عميق للغاية، ولكن ماذا لو أن هناك رابط خفي ومجهول؟
***
سطور من عشق ستسطر بالتاريخ بتجمع #معشوق_الروح... ليان*مالك... معركة ستخوضها ضد مجهول لتأسر من متعجرف، وربما ستخسر شيئًا ما سيجعلها مأسورة الغول تحت مسمى #معركة_العشق_والغرور. انضم لقائمة الأبطال ليحصد رقمًا قياسيًا بكنـيته المجهولة، فربما سبب ما سيجعلها من حلف الانتقام ليقلب السحر على الساحر ويكون الضربة القاضية لنوال نعمان. #فراس... عشق سيتغلف على قلبه ليصنع عالمه الخاص الذي سيدمره عاصفة رملية فتجعله كالبركان الناري. #سيف_تقى... مجهولات... وعشق... علاقات ستحفر عالم العشق. #محمود_منار......... #شريف... فتاة ما... ربما مجرم نزع قلبه من الرحمة، وربما ضحية للثائر من يزيد نعمان. #طارق... انتظروا أحداثًا من نوع آخر ستدمر القلوب قريبًا ب#معشوق_الروح (#معركة_العشق_والغرور) #بقلمي_ملكة_الإبداع #آية_محمد_رفعت
***
أشكر كل اللي تفهم الظروف اللي بمر بيها، وأنا قدرت دا بأني أول ما برجع البيت بسهر بقالي كام يوم عشان أعرف أكتب الفصل.
الرواية الورقية #تمائم_عشق_لم_يكتمل بمعرض إسكندرية بأرض الكوته #جناح_39_دار إبداع للنشر.
أتمنى الرواية تعجبكم ومتنسونيش بالدعاء #آية_محمد_رفعت
***
•
رواية معشوق الروح الفصل السادس 6 - بقلم اية محمد
بالقصر...
صعد طارق لغرفته والتفكير يكاد يخترق عقله فيجعله عرضة للهلاك.
رفع يديه يلامس مقبض باب غرفته بشرود، إنتهى إلى أن رأى شقيقاته يقفن أمامه بصدمة من وجوده بالقصر.
إبتسم وهو يقترب منهم قائلاً بفرحة:
_ وحشتوني.
إبتعدت عنه شاهندة ونظرات الغضب تحتل عيناها، فتجعلها كالجمر الذي أفتك به، لتنقلب نظرات السعادة لرؤياهن لحزنٍ ليس له نهاية.
وضع عيناه أرضاً ليتذكر كلمات مالك بأن الجميع إمتلأت قلوبهم بالخوف القاتل منه، فلمعت الدموع بعيناه وتهرب سريعاً لغرفته تحت نظرات إستغراب منار وشاهندة من وجوده بالقصر مجدداً.
بالأسفل
كان مستنداً برأسه على مكتبه الضخم كمحاولة للثبات لوقت طويل، كما أخبره مالك ينتظر عودته ليعلم الحقيقة.
رفع هاتفه حينما صدح برسالة من رفيق العمر يحثه به أن يتواجه للمكان المذكور.
جذب يزيد مفاتيح سيارته وتوجه للمكان بسرعة البرق ليجده منعزلاً عن الجميع، وبالخارج بعض الحرس الخاص بالقصر.
لم يكن وقت الإستكشاف لمعرفة سبب وجودهم، بل أسرع للداخل ليجد ثلاث شباب مقيدون، وجوههم ممتلئة من الكدمات والضرب المبرح، ربما غضب مالك هو من أيصل له مفهوم ما يحدث.
خرج صوته أخيراً:
_ مين دول يا مالك؟
أرتدى جاكيته ونظراته تفتك بهم قائلاً بصوت كالرعد:
_ لو مش هنتعب حضراتكم تقولوا اللي حصل تاني.
أسرع الشاب بالحديث خوفاً من أن يتلاقى نصيب إضافي منه، فأستغل مالك إنصات يزيد لهم وخرج مسرعاً.
صدم يزيد فقال بصدمة كبيرة:
_ وصلت بيكم الحقارة لكدا؟!!!
ثم رفع عيناه التي تشبه صفارات الموت لهم، فحل وثاقه قائلاً بسخرية:
_ اللي مالك عمله فيكم رحمة عن اللي أنا بفكر فيه، اللي زيكم المعاملة دي متلقيش ليهم.
وأنهال عليهم يزيد بالضرب القاتل، فما أرتكبوه مجرد من الإنسانية والرحمة.
***
_ يعني إيه يا فراس؟
قالتها نوال بنفاذ صبر، فتمدد على الأريكة بعينان مغلقة:
_ زي ما سمعتي، البنت مش هتقع بسرعة كدا، ودا اللي أنا عايزه.
تأملته بحيرة من أمرها:
_ أنا مش عارفه أفهمك بجد.
فتح عيناه وإبتسامة السخرية تعبئ وجهه:
_ ولا عمرك هتفهميني.
وجذب جاكيته ثم توجه للخروج مستديراً بتذاكر:
_ أوه نسيت أقولك، بنت أخوكِ أحلى من الصور بكتير.
وغمز لها بسحر عيناه، فأبتسمت بسخرية على ما ينوي فعله، أما هو فغادر لشتقته الذي إستأجرها بنفس عمارة سيف ليكون قريبٍ منهم.
تناولت القهوة ثم توجهت لغرفة المكتب بالقصر، أضاءت الضوء وتوجهت لتجلس على المقعد المخصص لها، ولكن كانت الصدمة كبيرة للغاية حينما وجدت من يجلس محلها، واضعاً قدماً فوق الأخرى بتعالي وكبرياء، عيناه تنظران لها بثقة تجعلها تبتلع ريقها بخوفاً شديد.
خرج صوتها المرتبك للغاية:
_ أنت دخلت هنا أزاي؟
تعالت ضحكات مالك فبثت الرعب بقلب نوال، فتأرجح بمقعدها قائلاً بتسلية:
_ شوفي أنتِ بقى طقم الحرس اللي بره دا، ممكن دماغه فوتت ولا حاجة.
لمعت عيناها بشرارة الكره والحقد الدفين، فصاحت بغضب وهي تتجه لشرفة القصر:
_ أنتوا يا بهايم!
أكادت أن تكمل، ولكنها تفاجئت بعين تشع جمرات من جحيم.
رفع يديه فأغمضت عيناها بخوف لا مثيل له، ولكنها تفاجئت بكأس من المياه، فأكمل قائلاً بسخرية مريبة:
_ أعصابك يا عمتي، أنتِ ست كبيرة في السن، مينفعش كدا.
تناولت منه الكوب ووضعته على الطاولة جوارها قائلة بشجاعة مصطنعة:
_ أنت عايز أيه يا مالك؟
جذبها للمقعد المقابل للمكتب، فجذبت يدها برعب، فأبتسم بسخرية وهو يجذب المقعد ليكون على مقربة منها بعيناه المخيفة:
_ قولت أجي أزورك، مهما كان فأحنا في الآخر بينا قرابة، وأهو بالمرة أشكرك على الواجب اللي عملتيه مع طارق.
تلون وجهها بالأصفر القاتم دليل الخوف المريب، فخرج صوتها المتقطع:
_ واجب إيه؟
تعالت ضحكاته ثم تلونت الجدية عيناه قائلاً بصوتٍ يصعب سماعه:
_ أقذر شلة في الجامعة يحاولوا يستدرجوا طارق للشرب والمخدرات، ولما فشلوا مكنش في غير خطة ممتازة عشان تدمر الكل، يحطوا في العصير بتاعه مخدر قوي يخلي العقل يتغيب لمدة 12 ساعة متواصلين، وعشان تكمل الحكاية زي ما حضرتك عايزة لازم البنت اللي تكون موجودة تكون عذراء من طبقة متوسطة اللي بتكون متماسكة بالشرف والعفة بقوة، فتعمل زي ما البنت عملت بالظبط، قضية وشهرة لعيلة نعمان، لا بجد شابو ليكي، قدمتي للحيوانات دي بنت بسيطة، دمرتوها هي ومستقبلها لمجرد أنها راجعة البيت في الوقت دا، لا والله دانتي كريمة، لما طلبتي منهم أي بنت بس تكون باين عليها الاحترام والفقر عشان لما ترفع القضية الكل يدعمها، نسيتي إن يزيد ومالك من الصعب تحطيمهم، ولا اللي عملوه طول السنين دي.
قالت بسخرية:
_ لو جاي عشان تفكرني باللي أنا عملته تبقى بتضيع وقتك ووقتي.
إبتسم قائلاً بشر:
_ أنتِ صح، وأنا هعمل نفس اللي عملتيه بالظبط وهمشي بنفس الطريق، وأوعدك إنك هتشرفي السجن قريب أوي، زي ما استخدمتي الأولاد دول أنا كمان هستخدمهم عشان أدمرك، مع فرق بسيط إن معايا الحق، وخليكي فاكرة الكلمة دي كويس.
ورمقه بنظرة مريبة ثم خرج من باب القصر الرئيسي، غير عابئ بالحرس، أما هي فألقت ما على الطاولة بغضب شديد، تحاول التحكم بأعصابها بداخلها، خوف مريب من القادم، ولكن زادها حماس التخلص من مالك، فهو يشكل خطر مريب بعقله الذهبي على مملكتها.
سرحت بأفكارها بمقارنة خافتة بينه وبين فراس، فأبتسمت بسخرية لتشابه نظرات العينان المخيفة، ثم قالت بغرور:
_ زي ما قدرت أفرقوا من صغركم 29 سنة هقدر أدمركم كلكم.
ثم تعالت ضحكاتها وهي تنفس السجائر بجنون.
***
بمنزل ليان
كانت تتناول الطعام بشرود بذاك الظل الذي لاحقها بالحقيقة، فحاول محمود إخراجها من صمتها قائلاً بخبث:
_ وأنا كمان يا لين العشا مش عاجبني.
تطلعت له فاتن بغضب:
_ قوم اعمل لنفسك الأكل بعد كدا.
تناول محمود الطعام بلهفة:
_ لا دا عاجبني بشكل يا أم محمود، تسلم إيدك.
إنفجرت ليان ضاحكة فشاركوها الإبتسامات، فشَرَع جرس الباب بالدق ليرى محمود ماذا هناك.
رمقته حنان بنظرة مميته، ثم دلفت للداخل، فأتبعها هذا اللعين كما ينعته محمود.
ولجت للداخل وهي تتأمل المكان بتقزز واضح للجميع، فوقفت أمام إبنتها قائلة بشفقة مصطنعة:
_ أنتِ إزاي عايشة هنا يا بنتي؟
تأملتها ليان بغضب فقالت بشكل مباشر:
_ جاية ليه؟
تدخل حسام قائلاً بغضب:
_ كلمي أمك كويس.
قالت بسخرية:
_ أمي!! هي فين أمي دي اللي سابت بنتها لمجرد أنها اتطمنت بأنها عايشة!!
رمقت فاتن بنظرة مميته:
_ أنا عارفه مين اللي حفظك الكلمتين دول.
شاركها حسام السخرية:
_ وتلاقيهم كمان اللي وزوا الحيوانة دي تعمل عليا نمرة عشان يوقعوا بينا.
صاح محمود بغضب:
_ لحد كدا وكفايا، أنتي والحيوان دا اتحديتوا حدودكم وأنا مش هسمح بكدا، أخرجوا من هنا، اللي يحترم البيت دا أحترمه، غير كدا معنديش كلام تاني.
فاتن بعتاب:
_ عيب كدا يا محمود.
قاطعتها ليان:
_ لا مش عيب، محمود صح، يا ريت يا حنان هانم أنتِ وابن أختك المحترم تفهموا كويس الكلام.
تطلعت لها بغضب ثم حملت حقيبتها ورحلت، أما حسام فتطلع لها بنظرات مميته قائلاً بصوتٍ مريب:
_ كل اللي بتعمليه دا آخره معايا طريق مسدود، وابقى خاليهم ينفعوكِ.
جذبه محمود بقوة ثم أغلق باب الشقة بوجهه والغضب يكاد يكتظ عيناه.
بكت ليان بضعف فوجدت يد العون من فاتن كالمعتاد قائلة بصوت حنون:
_ والله ما حاجة مستاهلة دموعك، أوعي تكوني ضعيفة يا ليان، أوعي، الإنسان بيحتاج للحظة ضعف بس مش قدام مخلوق، قدام ربنا على سجادة الصلاة، أشكي همومك وأضعفي زي ما تحبي، لكن مش قدام حد يا بنتي.
رفعت عيناها تتأملها بتفكير واحترام يفوقها أضعاف، ثم هرولت لغرفتها لشعورها بحاجة اللقاء مع الله، بضع ساعات تشكو همها وتزيح كربها.
***
صف سيارته أمام أمواج المياه الهائج، ثم وقف يتأملهم بنظراته الغامضة، الغضب يحتل سكون العينان فيجعلهما مخيفتان.
_ لقيت مجنون زيي.
إستدار مالك على الصوت ليجد شاباً في نهاية العقد الثاني من عمره يقف ويتأمل الأمواج دون النظر إليه، فقال ببعض الغضب:
_ أفندم، مين اللي مجنون؟
إبتسم ذاك الوسيم ورفع عيناه من على طوفان الأمواج ليلتقي بعين مالك، طال صمته وهو يدرس عيناه ليجد كما علم عنه الذكاء والمكر يحيلان بهما.
خرج صوت ذاك الغامض قائلاً بأبتسامة هادئة:
_ عندي ميول لما بكون مخنوق أنزل الميه أو على الأقل أقف أتأملها، ومش بيهمني الجو حتى لو كانت جايباها سيول، فكان البعض بيقولوا أني مجنون، وحالياً صادفت مجنون آخر.
تعالت ضحكات مالك بقوة فخرج صوته أخيراً:
_ لا معاك حق، الجنون التفسير المنطقي.
إبتسم الآخر رافعاً يديه:
_ فراس.
رفع الآخر يديه بأبتسامة واسعة:
_ مالك.
إبتسم الآخر قائلاً بهدوئه الغامض:
_ عارف.
ضيق عيناه ليكمل الآخر بأبتسامة هادئة:
_ مالك نعمان غني عن التعريف.
ثم توجه لسيارته قائلاً بصوته الثابت:
_ مدام الجنون واحد يبقى أكيد هنتقابل تاني.
إستقام مالك بوقفته قائلاً بأبتسامة تسلية:
_ أعتقد عن قريب.
وغمز له فغادر فراس، وصعد الآخر بسيارته.
عاد للقصر فوجده ينتظره والغضب يحيل على قسمات وجهه، لجواره كان يقف سيف بخوف بعد أن فشل في التحكم به.
أقترب منه وعدادات الموت تتطوف بعيناه فخرج صوته بحدة:
_ ممكن أفهم حضرتك كنت فين؟
تأمله بصمت وضيق لعدم تغيره من طباعه الغاضبة:
_ أنت عارف كويس كنت فين، وبعدين قولتلك للمرة المليون حاول تتحكم في أعصابك.
زفر يزيد بغضب:
_ لا، فهمني كدا وسيبك من العصبية خالص، حضرتك روحتلها لوحدك وفي وسط بيتها المليان حرس.
صاح بغضب:
_ حد قالك إني ضعيف ومش هعرف أحمي نفسي؟
تدخل سيف قائلاً بحدة هو الآخر:
_ يزيد ميقصدش كدا يا مالك، بس فعلاً الخطر كان كبير عليك.
جلس على المقعد الخارجي قائلاً بضيق:
_ كان لازم أعمل كدا عشان تعرف هي بتلعب مع مين.
جلس يزيد جواره ثم قال بسخرية:
_ وفهمتها بالكلام!
رفع مالك عيناه لرفيقه فأكمل بغضب:
_ اللي زي دي مش بتفهم بالكلام يا مالك، وأنت عارف كدا كويس.
سيف بغضب:
_ يزيد صح، الست دي زودتها بجد، مش متخيل كمية الحقارة اللي في دمها، ذنبها إيه البنت المسكينة دي تعمل فيها كدا.
تطلع مالك ليزيد بشرود ثم قال بصوتٍ منخفض بعض الشيء:
_ أنا حاسس إننا ظلمنا البنت دي يا يزيد.
إستند بظهره على المقعد مغلق عيناه بقوة كأنه يحتمل ألم لا يقوى عليه.
أنهى ما به حينما صعد لغرفته بصمتٍ مريب، أتابعته نظرات سيف ومالك، فزفر بحزن:
_ اللي بيحصل دا مالوش نهاية.
أجابه على أمتعاض:
_ لا له يا مالك، نوال دي سبب كل حاجة، سلمي رقبتها تحت إيدك، قدمي العيال دي للمحاكمة وبكدا نكون خلصنا منها.
تطلع للفراغ بعيناه الغامضة:
_ مش بالسهولة دي يا سيف، هي مش غبية عشان تقع كدا.
أنا في خطة في دماغي لو مشت زي ما أنا راسمها هتكون فعلاً نهايتها.
أجابه بأهتمام:
_ خطة إيه؟
جذب جاكيته قائلاً بتعب:
_ مش وقته، هحكيلك بعدين.
جذب سيف مفاتيح سيارته قائلاً بتعب هو الآخر:
_ طب أشوفك بكرة إن شاء الله.
جذبه قائلاً بحدة:
_ الوقت متأخر، بات معايا وبكرة أبقى اطلع على الشركة.
كاد أن يتناقش معه بذاك القرار ولكن نظراته جعلته يلحق به بصمت.
***
أنهت صلاتها فوضعت سجادة الصلاة على الأريكة، خرجت للشرفة تتأمل سطوع الشمس بفجر يوم قضته بالتفكير بهذا المجنون.
لا ربما جن عقلها هي.
ساورها سؤال لم يدعها منذ أن ألتقى به.
هل هو الظل الذي كان يلاحقها على الدوام؟
سطعت الشمس لتنير المكان فطلت على وجه ليان كأنها تخبرها بأن هناك من سينير عالمها عن قريب.
دَلفت للداخل على صوت هاتفها المعتاد فأغلقته بعصبية حينما علمت بأنه المتصل، فما زال يحاول إقناعها بأنه بريء وأن أخاها من تعمد ذلك.
أبدلت ثيابها بعد أن قررت البحث عن عمل يخرجها من ضغط التفكير المميت، لم تعبأ بأنها ما زالت مريضة، فكل ما يعنيها بأن تخرج مما هي به.
***
بغرفة مالك
إستيقظ مبكراً عن تعمد، فتطلع لسيف قائلاً بسخرية:
_ أنا مبحرمش كل مرة أنام جنبك أقوم متبهدل بتضرب باللكمات وأنت نايم!
وتركه ودلف لحمام الغرفة ثم شرع بأداء صلاته، فجلس على سجادة الصلاة بتعجب من دعائه، كيف طلب من الله أن يلتقي بها مجدداً!!
لما طلبها زوجة له؟!!
كل ما يعلمه أنه مرتبط بها هي.
أرتدى سروال بني اللون وقميص بدرجة أفتح ثم صفف شعره بحرافية ليهلك القلوب وربما تصريح للموت بدون شفقة أو رحمة.
***
بغرفة طارق
أنهى تلاوة القرآن الكريم بدموع فائضة ليتفاجئ بيزيد يجلس بهدوء، نظراته زرعت الخوف بقلبه، فكم ود أن يخلص نفسه من تلك الجريمة البشعة، ليس خوفاً منه ولا من ابن عمه ولكن خوفاً من الله بعدما لجأ له.
نعم تأخر بذلك ولكنه أعتدل بالطريق الصائب بنهاية الأمر.
خرج صوته أخيراً:
_ رجعت ليه دلوقتي؟
تطلع لكتاب الله بين يديه ثم قال بصوت متقطع:
_ حسيت إني مقصر من ناحيته فرجعت.
إبتسم يزيد بسخرية:
_ العبادة مش وقت الاحتياج.
أجابه بحزن:
_ بس الوقت دا اللي فوقني ورجعني للطريق الصح.
أقترب منه يزيد قائلاً بغموض:
_ والصح إنك تقضي على بنت بريئة.
صاح بعصبية:
_ مكنتش في وعي والله، ما فاكر عملت كدا إزاي أو إيه اللي حصل.
وزع نظراته بينه وبين الفراغ بغموض ثم قال بثبات:
_ مصدقك.
تأمله طارق بصدمة فأكمل يزيد بهدوء:
_ مالك أثبت برائتك.
مع آخر كلمة هبطت دمعة عزيزة من عيناه، لم ينكر بأنه فعل السوء من قبل، ولكن ليس لذاك الحد المتدني.
لم يكن بالهين ولم يعتاد على الحنان، فقال بحزم وثبات مريب:
_ مفيش راجل بيعيط، عايزك تفوق لمذكرتك ومتفكرش في أي حاجة تانية، فاهم.
أجابه بفرحة محفورة بدموع الصدمة:
_ حاضر، أوعدك إني هنجح وهحقق كل اللي بتتمناه.
أشار برأسه فألقى طارق بأحضانه، تطلع له بثبات تمرد بأبتسامة فرفع يديه يحتضنه هو الآخر.
***
بمنزل ليان
هبطت بعد محاولات عديدة بإقناع فاتن، فأخبرتها بأنها بحاجة للخروج بمفردها حتى تزيل ما بصدرها.
وأمام رغبتها انصاعت لها فاتن.
خطت للخارج بخطى بطيئة كأنها تستمتع بالهواء الطلق أو تشعر بشيء جديد عليها لم تعش به، لم ترى من يقف على مقربة منها بسيارته ينتظر تلك الفرصة ليرضخها له حتى وأن كانت الطريقة التي يفكر بها وضيعة للغاية.
***
توجه مالك للأسفل ولكنه توقف حينما وجد طارق يقف أمامه والفرحة تنير وجهه، فقال بلهفة:
_ مش عارف أشكرك إزاي؟
خلع مالك نظارته قائلاً بأبتسامة محفزة بالسخرية:
_ متفرحش أوي، أنت عملت كدا فعلاً بس كنت مغيب، وبعدين لو عايز تشكرني معنديش مانع أقولك الطريقة.
تعجب طارق من حديثه فأكمل مالك:
_ الطريقة رقم واحد أنك تصحى سيف وتتولى شرف المهمة الثانية أنك تنجح أنت والحيوان ابن خالتك.
أتاه صوته من خلفه:
_ حد جايب في سيرتي.
تأمله مالك بسخرية:
_ أنت بتطلع إمتى؟
رفع شريف نظارته بغرور:
_ وقت ما حد بيجيب سيرتي المبجلة.
طارق بسخرية:
_ هتفضل مغرور ياض.
رمقه بأزدراء:
_ أه، وزيد كمان مش بحب هزارك البايخ.
شريف بأبتسامة واسعة:
_ غبي، وأنا اللي كنت جاي أباركلك على البراءة.
طارق بتأفف:
_ لا فيك الخير يا خويا.
رسمت عين مالك بالخبث:
_ إيه دا يزيد.
إرتاعب بوقفته فقفز على ذراع طارق قائلاً بصدمة:
_ إجرى يالاااااا الغول وصل.
تطلع طارق له بغضب وهو يشدد على قميصه فنزعه:
_ هجري إزاي وأنا شايل كوم من اللحم الضاني.
رمقه بنظرة محتدة:
_ هو أنا أتخن منك يا زفت.
طارق:
_ ودي محتاجة كلام ولمؤاخذة.
تطلع لهم مالك بأبتسامة تسلية ثم غادر تاركهم بحرب مازالت تشتعل.
***
بغرفة مالك
صفف سيف شعره بعد أن استيقظ من نومه على صوت طارق وشريف بالخارج.
دَلفت منار للداخل قائلة بأبتسامة تلقائية:
_ صباح الخير يا مالك.
تفاجئت به بغرفته فتخشبت محلها، رمقه سيف بنظرة غريبة ثم توجه للخروج ولكنه توقف حينما قالت بصوت حزين:
_ ممكن تسمعني يا سيف.
ظل كما هو عيناه على باب الغرفة والثبات بخطاه، أقتربت منه منار لتقف على مقربة منه فخرج صوتها المرتبك:
_ سيف أنا عارفة إنك زعلان مني بس والله ما ذنبي أشوفك أخ ليا.
ثم اقتربت منه أكثر:
_ يا سيف لو بصيت حواليك كويس هتشوف اللي بتحبك من سنين وبتتمنى تشوفك سعيد لأن حبها صادق.
تطلع لها بصدمة من معرفتها الأمر فأكملت بثبات:
_ متستغربش، كلنا عارفين بحبها ليك إلا أنت، صدقني يا سيف، تقى إنسانة كويسة وتستاهلك بجد.
فتح باب الغرفة وغادر بصمت يفكر بحديثها.
أما هي فجلست على الفراش بحزن.
***
وصل يزيد للشركة فولج لمكتبه ليجد الجميع اجتمع على طاولة الاجتماعات.
جلس على مقعده الرئيسي وهي تقف لجواره حاملة الملف الخاص به.
شرع العامل بالتحدث عن التعاقدات الأخيرة للشركة وعن المستحقات والدخل، كما شرح الآخر آخر تطورات بتحديثات المباني الخاصة بالعمالة وهو ينصت لهم بصمت.
انقلب لغضب حينما لاحظ نظرات أحد الموظفين لـ بسمة.
استدار بوجهه له قائلاً بجفاء:
_ روحي على مكتبك.
تأملته بصدمة فخرج صوتها بذهول:
_ والاجتماع؟
رمقها بنظرة محتقنة:
_ أظن سمعتي كلامي كويس.
شعرت بالحرج فغادرت بصمت، جلست على المقعد فدق هاتفها، رفعته بهدوء:
_ أيوا يا بابا.
_ محبتش أزعجك فخرجت وأنت نايم، المهم طمني على بسملة الحرارة نزلت؟
زفرت بحزن:
_ إن شاء الله هتبقى كويسة.
_ حاضر، مع السلامة.
وأغلقت الهاتف ثم جذبت الملفات تكمل ما بدأته.
***
بالقصر...
أسرعت لأحضانه بسعادة قائلة ببكاء:
"_ الحمد لله، كنت متأكدة إنك مستحيل تعمل كدا."
أبعدها طارق عن أحضانه قائلاً بضيق مصطنع:
_ لا مهو كان واضح.
دَلفت أمل للداخل بمساعدة ابنتها قائلة بأبتسامة مشرقة:
_ قلبك أبيض يا بني.
قاطعها شريف بسخرية:
_ دا قلبه أبيض!!! والله أنتِ اللي عيونك عسل.
منار بحدة:
_ بتعاكس مامتي وأنا واقفة؟
طارق بمكر:
_ اطلبي الشرطة.
بدون تفكير تعالت ضحكات شاهندة:
_ قرار عسل، أصلي نفسي أزور حد من عيلتنا يكون مسجون وأخد له عيش وحلاوة بالشوكولاتة.
جذبها شريف بغضب:
_ والحد دا يبقى أنا يا بت!!
إبتسمت بغرور:
_ أنت بتمسكنى كدا وأخويا واقف؟
شريف بحيرة من أمره:
_ دا سؤال ولا إجابة.
جذبه طارق بمرح وهو يكيل له الضربات:
_ أقولك أنا.
تعالت ضحكات الجميع فجذبت شاهندة حقيبتها ثم انحنت وطبعت قبلة على جبين أمل قائلة بأبتسامة هادئة:
_ ادعيلي يا نونو، عندي امتحان صعب جداً.
إبتسمت قائلة برضا:
_ ربنا يوفقك يا بنتي.
يارب.
إبتسمت شاهندة فجذبت مفاتيح سيارتها وغادرت مسرعة لتلتقي بمن تعمق بنبض القلب منذ اللقاء الأول.
***
انتهى الاجتماع فخرج يتأملها بنظرة جعلتها تشعر بأنها ارتكبت جرماً ما.
أقترب منها بنظرة تتزايد قائلاً بصوت مميت:
_ واحدة محترمة كانت حست بنظرات الحقير ده وخرجت من نفسها، لكن حضرتك كنتِ فرحانة أوي إنه مبهور بجمالك.
صدمت من حديثه فقالت بصوت متقطع:
_ إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟
تأملها بلهيب عيناه ثم صاح بسخرية:
_ لا بريئة ومتعرفيش حاجة!
وضعت الملفات على المكتب قائلة بصوت متمرد مرتفع للغاية:
_ واضح إنك مفكر إني زي باقي البنات الضعيفة اللي هتعدي لمديرها أي حاجة عشان محتاجة الشغل لأنها مش لاقية تاكل، تبقى غلطان، مش أنا اللي تكلمني بالأسلوب ده.
رفع يديه أمامه وجهها قائلاً بعين تلونت للأحمر القاتم:
_ صوتك ميعلاش عليا، واعتبري نفسك مستقيلة من هنا.
تطلعت له بغضب مميت ثم حملت حقيبتها وغادرت، زفر بغضب لعدم تمكنه من جمح زمام أموره، لم يشعر بذاته إلا وهو يلحق بها.
نعم تمرد قلب الغول ليلحق بفتاة تمرد عليها لسانها.
فتحت باب المصعد ودلفت فولج خلفها قائلاً بصوت ثابت كأن لم يفعل شيء:
_ إيه اللي مدخلك الأسانسير ده؟
رفعت عيناها له بنظرة لم يفقه بفهمها فتوجهت للائحة الخاصة بالمصعد تحاول إيقافه ولكنها تفاجئت به يقف عند منتصف الطابق الأخير وما قبله.
إبتسم يزيد قائلاً بسخرية:
_ لأول مرة ألجأ لحركات الشباب الطايشة.
تطلعت له بزهول فزدادت بسمته قائلاً بتأكيد:
_ أيوا أنا اللي اتفقت مع العامل يوقفه.
زاد الغضب بعينها فأبتسم قائلاً بغرور مصطنع:
_ هنسى إني مديرك وإنك مجرد موظفة وهنتعامل على هذا الأساس.
صاحت بسمة بسخرية:
_ شايف نفسك رئيس جمهورية.
تعالت ضحكاته فتأملته بصمتٍ وغموض ليقترب منها قائلاً بهمس:
_ عيونك اللي حلوة شايفاني كدا.
إبتعدت عنه سريعاً وحمرة الخجل تزور وجهها:
_ أنت عايز مني إيه؟
إبتسم قائلاً بهيام بعينها:
_ مش عارف.
كادت الحديث فقاطعها قائلاً بشرود:
_ تعرفي إني من ساعات كنت بقول لمالك ابن عمي إنه مجنون، شكلي طلعت أجن منه.
لم تتفهم ما يقوله فتوجهت للائحة تحاول مرات عديدة لجعله يتحرك.
جذبها يزيد بقوة لتقابل عيناه فدب الخوف بعينها قائلة بدموع:
_ لو سمحت خرجني من هنا.
إبتسم وهو يرى دمعاتها قائلاً بثقة:
_ أنا كدا صح.
إنكمشت ملامح وجهها بعدم فهم فرفع يديه يلامس دمعاتها قائلاً بأبتسامة هادئة:
_ من أول مرة شوفتك فيها هنا وأنا حسيت إنك غريبة أو مجنونة، في الحقيقة مكنتش عارف أحدد مشاعري من نحيتك كانت أغرب، عارفة ليه؟
أشارت برأسها وهي هائمة بحديثه فأكمل هو:
_ لأنك كنتِ سبب كتير في سعادتي، أنتِ اللي حركتي قلبي في أيام بسيطة، أنا خرجت من تفكير الغيرة والحزن عشان دموعك، بأني بحبك يا بسمة.
فتحت عيناها على مصرعها وهي تستمع له، فتأمل عيناها بتطرف لأن يعلم كيف تحمل تلك الفتاة القوة والضعف والثقة والجنون بأناً واحد.
تحرك المصعد للأسفل بعد انتهاء المدة التي حددها يزيد للعامل وما زالت النظرات تحتضن بعضها البعض، ما زال ذراعيه تطوف ذراعها وهي بعالم من الصدمة والذهول.
وقف المصعد فأخفض ذراعه قائلاً بصوت هادئ:
_ مقصدتش أهينك يا بسمة ولا أقلل منك، أنا كدا ودا طبعي، لما بتعصب مش بحس باللي حواليا، لما تخرجي من هنا فكري في كلامي كويس، واعتبري النهاردة إجازة ليكِ، بس من بكرة عايز أرجع ألاقييكِ على مكتبك.
وقبل أن تستوعب كلماته غادر على الفور وهي بمحلها تتأمله بصدمة وغموض.
***
أسرعت بسيارتها لتلحق بالجامعة لتأخرها الملحوظ.
جن جنونها حينما توقفت السيارة عن العمل، فهبطت تتفحصها بجنون.
رفعت شاهندة الهاتف لتصرخ حينما وجدت الوقت ينفذ، فأسرعت لسيارات الأجرة تنتظر أي منهم.
مرت الدقائق ولما تجد واحدة، فتخذت قرارها بأن تخطو للطريق الرئيسي فهناك ستجد الكثير.
وبالفعل أسرعت بخطاها غير عابئة بالطريق ولا بتلك السيارة التي تقترب منها عن تعمد.
صرخت بقوة حينما قطع الطريق عليها بعدما كادت أن تصطدم به، فتطلعت للسيارة باستغراب ليخرج من رآته من قبل.
خلع نظارته قائلاً بضيق:
_ أنتِ بتطلعيلي منين؟
وقفت أمامه بصمت تتذكره فقالت بهدوء:
_ هو أنا عملت إيه حضرتك اللي دخلت عليا بعربيتك.
تأملها بهدوء ثم قال بسخرية:
_ لا والله، آسف إني قطعت على حضرتك الطريق لأني فاضي وبتسلى، وواضح إني عصبت سيادتك.
صاحت بغضب:
_ بتتريق حضرتك.
أجابها بنفس مستوى الصوت:
_ رجعي كلامك، وبعدين لما حد بيمشي على طريق العربيات بياخد جانب مش بيمشي بنص الطريق.
رمقته بضيق:
_ والله أنا أمشي بالحتة اللي تعجبني.
بادلها بنظرة مميتة فقال بسخرية:
_ أنا مش فاضي للهبل ده.
وتركها وتوجه لسيارته فقالت بصوت مسموع:
_ إيه الجنان ده على الصبح.
ثم صمتت قليلاً فتوجهت له بضيق وهي تطرق على زجاج السيارة برقة.
تعجب فراس وفتح النافذة قائلاً بسخرية:
_ نعم، نسيتي حاجة فحابة تضيفيها.
أجابته بحزن:
_ معلش لو ضايقتك فأنا بعتذر، بس أرجو حضرتك تسامحني عشان اليوم ما يضعش عليا.
إنحنت ملامح وجهه بزهول فقال:
_ مش فاهم.
أجابته بهدوء وحزن:
_ يعني لو غلطت فيك سامحني، لأني خايفة جزاء صيام النهاردة يضيع عليا، فالله يكرمك تسامحني.
كان يتوقع منها طلبها لإيصالها، ولكن كانت صدمته كبيرة حقاً.
طال صمته فحزنت للغاية وعلمت أن الصمت رفض قاطع، فأرتدت حقيبتها باعتدال وأكملت طريقها.
أكمل خلفها بسيارته فقال بهدوء:
_ سامحتك.
إبتسمت قائلة بأمتنان:
_ شكراً.
أجابها بأبتسامة هادئة:
_ وممكن أوصلك لأي مكان تحبيه.
وضعت عيناها أرضاً ثم قالت بهدوء:
_ أنا مقدرة مساعدتك ليا، بس للأسف مش هقدر.
وأسرعت من خطاها فأبتسم بغموض وزاد من سرعته ليختفي من أمامها.
كان تفكيره بتلك الفتاة الغامضة لم يلتقي بها سوى مرة، فكانت بالصمت والآن، وكانت بالصدمات.
رفع فراس هاتفه على صوت رسالة من المغرب تحثه بأن السيدة التي خدمتهم طوال تلك السنوات على فراش الموت وتريد رؤيته بقوة وإلحاح.
لم يبالي بها وألقى هاتفه على المقعد المجاور له، وعين تلك الفتاة وحديثها تأبى تركه كأنها عاصفة مدمرة.
***
جلست على الطاولة الخاصة بالمطعم بشرود بعد أن وجدت عمل واستقباله بالغد، تاهت نظراتها بالفراغ تتذكر كيف كلماته.
نظراته الغامضة.
وضع النادل القهوة أمامها وغادر لتكمل رحلة الصمت.
ليخرجها منه من يقف أمامها لتحيل الصدمة ملامح وجهها.
***
بمكتب يزيد
إستند برأسه على المقعد بعالم آخر غير الذي له، سيف يتحدث معه بأمور الشركات.
تعجب سيف من هدوئه فقال بقلق:
_ يزيد أنت كويس؟
إبتسم بسخرية، فكيف تعلم الراحة والسكينة قلبه الذي أصبح عاشق لتلك الفتاة المجنونة.
أجابه بثبات مخادع:
_ وريني الأوراق وروح أنت على مكتبك، في بنت عايزة تعلمها الإدارة في القسم الخاص بيك أنت ومالك.
رمقه بتعجب:
_ ومن إمتى وأنا بعلم حد!!
إبتسم الغول بمكر:
_ بس أنا طلبت كدا.
زفر سيف بغضب وهو يتوجه للخروج متمتماً بكلمات سمعها يزيد جيداً:
_ هموت وأفهم دماغك.
وما أن غادر حتى رفع هاتفه ليطمئن على رفيقه، فأتاه صوته المنزعج:
_ أنت فين؟
مالك:
_ بتفسح... هكون فين يعني، في المطعم بستنى العميل اللي حضرتك صممت إني أقبله هنا، مش عارف ليه؟
_ لأن دا الصح مع أمثالهم.
= لا متقولش تباعهم!!
_ بالظبط، وجوده هنا مش كويس لينا، أكيد عاملين كل دا عشان يصورا مداخل المكاتب، بس أنا عجبتني اللعبة وهكملها بعيد عن الشركات وبطريقتك.
إبتسم مالك قائلاً بأعجاب:
_ واضح إن دروس الهدوء أثمرت.
إبتسم يزيد قائلاً بسخرية:
_ تلميذك.
وأغلق الهاتف ليفق على حقيقة صادمة، تلونت دقات قلبه بلون مخيف.
تمردت الدفوف بدف غامض.
مؤشرات قلبه تخبره بأنها بمكانٍ ما.
بحثت العينان عنها فوقعت على من تجلس على بعد ليس ببعيد عنه لتكتمل الصدمة بحقيقة جميلة.
رفعت عيناها لتجده يقف أمامها، جذب حسام المقعد فجلس قائلاً بغضب:
_ ممكن أفهم مش بتردي على تلفوناتي ليه؟
تلونت عيناها بجمرات نارية فجذبت حقيبتها وتوجهت للخروج فحذبها بعنف قائلاً بصوت كهلاك:
_ مش هنمشي غير لما أعرف بتهربي مني ليه.
جذبت يدها وهي تصيح بصوت مسموع لمالك والجميع:
_ أنت إيه مش بتفهم، علاقتنا انتهت يا بني آدم، ثم إنك بتلاحقني ليه؟ كل اللي بتفكر فيه إنك ترمي خيانتك القذرة على أخويا حتى بعد ما شفتك؟!!!!
طب لما خرجت من عندك وعملت الحادثة مفكرتش جرالي إيه؟
لا كل تفكيرك كان إذا كنت كشفت حقيقتك ولا لا، بجد أنت إنسان حقير.
وتوجهت للخروج وهو يتلفت من حوله بخجل فلحق بها بوجه متهجم لا ينذر بالخير.
أسرعت بخطاها لتجده خلفها يجذبها بقوة لسيارته فصرخت به بجنون ولكن لم تستطيع تخليص نفسها منه لتجد مقبض حديدي يحيل بينهم ونظراته تهلع القلوب.
رفعت عيناها فوجدته يتطلع لها، لا تعلم لما كانت بحاجته.
لم تشعر بأنه بمكانٍ ما.
تعجب حسام من نظراتهم المطولة فحاول بجذب يده من بين القبضة الحديدية ولكن هيهات لم يستطيع.
أفاق مالك على صوته فنقل نظراته على عيناه قائلاً بصوت كالموت:
_ لو مستغني عن عمرك خاليك مكانك.
رمقها بغضب قائلاً بسخرية:
_ مين ده؟ أه قول لي كدا بقى إنك شايف حد غيري.
تلونت عيناها بالدموع فشعر مالك بخنجر طعن قلبه ليهوي على وجهه بلكمة قوية نزف لأجلها دماء كثيفة، فربما كان تصريح ليعلم بقوة الخصم.
أسرع لسيارته قائلاً بعصبية:
_ ماشي يا ليان هتشوفي بنفسك هعمل إيه؟
وغادر سريعاً بسيارته، وقفت تتأمل الطريق الخالي منه ثم رفعت عيناها على من يقف جوارها وبداخلها نبضات مريبة.
خرج صوتها أخيراً:
_ بشكرك.
قالتها وتوجهت للرحيل فأسرع بالحديث:
_ على فين؟
أجابته وعيناها على الطريق:
_ أكيد على البيت.
قال بملامح ما زالت مصدومة:
_ طب تعالى هوصلك.
أسرعت بالخطى:
_ لا مفيش داعي.
جذبها قائلاً بصوت متعب للغاية:
_ لا لازم تسمعيني اللي بيحصل ده مش صدف.
لم تستمع لكلماته فعيناها على يديه المطوفة لذراعها، أذنيها على ما تستمع إليه لأول مرة.
دقات قلبها تعلو وتخفق بصورة مريبة، دوامة الظل تتطوف بها لتجده أمامها ثم بدأ الملامح بالأتضاح لتجده مالك!!!
محاورات وأسئلة تزورها.
نبضات ودفوف تحاربها، لم تحتمل كل ذلك لمجرد لمسة لها فأبتعدت عنه سريعاً وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة كمن ركضت لمسافة أميال تحت نظرات استغرابه، فقترب منها قائلاً بحرص:
_ لازم تسمعيني يا ليان، صدقيني مش هاخد من وقتك كتير.
حاولت الحديث ولكن لم تعرف الكلمات، فتفهم أمرها وأخرج هاتفه ثم شغل السماعات الخارجية لتستمع لصوت محمود قائلاً بفرحة:
_ لحقت أوحشك!
مالك بجدية:
_ محمود في شخص بيحاول يضايق ليان فحبيت أوصلها لو معندكش مانع.
صاح بلهفة:
_ مين؟!! أكيد الحيوان حسام، مكفهوش اللي عمله ورحمة أبويا ما أنا رحمة وصلها يا مالك.
أغلق الهاتف قائلاً براحة:
_ أظن ثقة أخوكِ فيا تخليكي تطمنيلى.
لم تكن بداومة الواقع وجدت نفسها مستسلمة لقدماها فصعدت معه بسيارته ليتوجه لمكان ربما بعد رؤيته تستطيع أن تفكر وتعلم بإرادة المجهول بجمعهم.
خرج صوتها المتقطع:
_ البيت مش من هنا.
أجابها وعيناه على الطريق:
_ عارف يا ليان، متخافيش مش هاخد من وقتك كتير.
تلفتت حولها برعب حقيقي قائلة بخوف:
_ أنت جايبني هنا ليه؟
تطلع لها بعيناه الساحرة:
_ متخافيش يا ليان.
توقف الزمان بعد نظراته فحاولت التحكم بعيناها ولكنها فشلت فشل مريع.
***
بالجامعة
أنهى محمود المحاضرة وأسرع بالخروج ولكنه تخشب محله حينما وجد هذا اللعين يجلس على الطاولة الخاصة بكافي الجامعة مع منار.
كانت صدمة كبيرة حقاً.
أقترب منهم قائلاً لها بغضب شديد:
_ إيه اللي مقعدك مع الحيوان ده؟
لم تتفهم حديثه ولكن استغل حسام الأمر قائلاً بخبث:
_ وده شيء يخصك! اتنين قاعدين أكيد اللي بينهم مفهوم.
صعقت منار فقالت بجنون:
_ إيه اللي انت بتقوله ده!!
أشار لها محمود بالصمت ثم انحنى ليكون على مقربة منه قائلاً بصوت هادئ:
_ أوراقك معايا يعني مكشوف للكل، ومتنساش أنا ممكن أعمل فيك إيه؟ يعني بالعربي كدا بهددك، لو مبعدتش عن أختي وعن أي حد يخصني هتكون نهايتك على إيدي، والتصريح منك.
قال كلمته الأخيرة وعيناه على منار المرتبكة من نظراته.
لم يحتمل هذا اللعين الكلمات فغادر وهو يتوعد له ولمالك ولها بالهلاك.
ما أن غادر حتى قالت ببكاء:
_ ده أخو زميلتي في الجامعة، شفته مرة معاها فجيه النهاردة وطلب مني دقيقة واحدة عشان في موضوع مهم، طلب مني نخرج من الجامعة لأي كافي بس أنا مرضتش وقولتله هنا، اتفاجئت إنه بيسألني عن أخويا وشغله وان هو خاطب أو متجوز، معرفش يسأل ليه؟
أجابها بغضب:
_ لأنه غبي، عشان مالك أنقذ ليان منه فعايز يدفعه التمن.
ثم بدأ بالهدوء:
_ خلاص سيبك، أنا هحل الحوار ده، أنتِ لسه عندك محاضرات؟
أشارت بمعنى لا فأجابها بأبتسامة هادئة:
_ السواقة في حالتك دي خطر ووحشة جداً، فممكن أتنازل وأوصلك.
آبتسمت برقة مشيرة بنعم فأتبعته لسيارته، ربما أول الطريق لقصة عشق ستحطم القيود، حينها لابد من العقبات ولكن بالاتحاد ستحطم ما يقف عائق أمام عاشق ومعشوق.
عشق.
مجهول.
روح.
اكتمال.
خدعة.
انتقام.
لهيب.
نيران.
اسرار.
رواية معشوق الروح الفصل السابع 7 - بقلم اية محمد
هبطت بقلب مرتجف وتقدمت معه لتقف أمام المقبرة التي تحمل اسمًا مشابهًا لها بعين من الصدمة. تأملت نظراته بسكون، ثم اقترب ليقف أمام عينيها قائلاً بصوت مؤثر بفعل الصدمة:
_ أنتِ مكتوبة لي أنا يا ليان.
كادت أن تتحدث، فرفع يديه على مسافة من فمها لتلتزم الصمت. طافت عيناه بعينيها فسحبها وهو يتوجه للمقبرة ليخرج صوته بجزيئات الأنين:
_ عبرت بحبي لها بالزواج. كانت أمنيتي أشوف البنت اللي حببتني في الحياة.
ابتسم بحزن لامع:
_ سعادتي لما بقيت زوجتي ما تتوسفش. وأهمها وهي بترفع النقاب عشان أشوفها. عشت معاها أحلى أيام ممكن أرسمها.
كانت تنصت له بشعور مريب يختل بين الغيرة والحزن، فالتفت لها قائلاً بنبرة ساكنة:
_ كل أحلامي اتحطمت من خمس سنين. واجهت الموت وفقت على حقيقة بشعة. حقيقة اتقبلتها وأنا واقف هنا أنها خلاص سابتني. حسيت أن الدنيا وقفت خلاص، الأمل زال. الحياة اللي اتقدمت لي من خمس سنين خلتني عاجز إني أفكر فيه.
قطعت حديثه بهدوء:
_ طب وأنا علاقتي إيه بكل دا؟
طال صمته وهو يتأملها، فأقترب منها قائلاً وعيناه تتحاشي النظر لها:
_ إحنا لازم نكون مع بعض.
ارتسمت ملامح السخرية على وجهها:
_ عشان اسمي ليان على اسمها؟
قاطعها بصوت ثابت للغاية:
_ لا، عشان وجودك جنبي بالوقت اللي كنت بفارق الحياة وأنتِ اتبرعتيلي بدمك وقدمتيلي حياة جديدة عشان الزمن يدور وأظهر لك بالوقت اللي احتاجتيني فيه وأعمل نفس اللي عملتيه. عشان قلبي اللي بيحس بوجودك، مش لأن الدم واحد. لأنك عشق الروح يا ليان.
صدمت من حديثه وتذكرت منذ خمس أعوام حينما كانت بالمشفى مع رفيقتها وعلمت بأن هناك أحدًا ما يسارع للحياة وهي تحمل الأكسير له. كادت أن تنسى الأمر، ولكن شعرت بأن دقات قلبها تكاد تتوقف عن الخفقان. نداء مكبوت مستميت كان يدفعها. رفعت عينيها له فأكمل قائلاً بذهول:
_ ليه مع خروج ليان من حياتي تظهر لي؟ ومع خروج البني آدم ده من حياتك أظهر لك؟ ليه أول ما شفتيني حسيتي إنك تعرفيني قبل كده؟ ومتسألنيش عرفت إزاي، لأنه كان واضح عليكي جداً. بلاش ده، ليه دايماً بدعي ربي إنك تكوني لي من غير ما أشوفك أو أعرفك غير مرة واحدة؟ وليه بنتقابل وقت الاحتياج؟ لو عندك تفسير منطقي لللي بيحصل ده، ساعتها ممكن تفكيري يهدأ.
وزعت نظراتها بينه وبين المقبرة بخوف من التفكير، فالأمر جنوني بعض الشيء. اقترب منها قائلاً بعين تزيح النظرات عنها:
_ كل ده يا ليان مؤشر إننا لبعض.
رفعت عينيها له فشعرت بأنها بحاجة للبكاء أو الابتسام، لا تعلم ما تشعر به سوى الهرب من أمام ذاك الغامض، فقالت بهدوء محفور بالرجاء:
_ ممكن أمشي من هنا لو سمحت؟
مالك بتفهم:
_ هسيبك تفكري كويس.
لم تسنح لها الفرصة بالرد، فهرولت للسيارة بخوف أو هربًا من نظراته، ولكن لم تستطع الهرب من محارب كلماته لتعلم هي الأخرى بأن هناك رابط ما يحيل بينهم.
***
بالشركة.
ولج سيف لمكتبه بعد أن علم بأن الفتاة بانتظاره بالخارج. خلع جاكيته وتوجه لمقعده ليستمع صوت طرقات، فأذن للطارق بالدخول. دلفت تقى للداخل وهي تتأمل المكان بإعجاب وزهول، فلاول مرة تأتي لذاك المكان. أنهت جولتها بصدمة وجود سيف بالغرفة وعلى المقعد المخصص. لم تكن صدمته أقل منها، فوقف يتأملها بذهول:
_ أنتِ إيه اللي جابك هنا؟
أجابته بهدوء ورسمية:
_ واضح أن يزيد اختارك عشان تدربني على الشغل.
ردد بصدمة:
_ أنتِ عايزة تشتغلي!
تهربت من عينيه:
_ لو ما عندكش مانع.
زفر بغضب فقال بصوت يحمل الهدوء المصطنع:
_ اتكلمي بأسلوب أحسن من كده يا تقى.
رمقته بنظرة غامضة كأنها تشتاق لسماع اسمها من بين شفتيه، كأنها بحاجة لسماع صوته حتى ولو ثار عليها بالغضب. تعشقه بنهاية المطاف، فربما علمت الآن لما الهوس أرقى درجات الجنون. اخفضت نظرتها سريعًا وتوجهت للخروج، فتوقفت حينما صاح بتعجب:
_ راحة فين؟
استدارت بوجهها:
_ هخلي يزيد يشوف حد يفهمني طبيعة الشغل. واضح أنك مش متقبل فكرة نزولي، فمش محتاج تبرر الرفض.
جلس على مقعده قائلاً بحزم:
_ أوك يا تقى، نتعامل بحدود الشغل. اتفضلي.
وأشار بيديه على المقعد المقابل له، فخطت للداخل بخطى مرتجفة وجلست تنتظره بالبدء. أخرج اللاب الخاص به وشرع بتوضيح مهامتها.
***
وقفت السيارة أمام منزلها، فتبقت ساكنة مكانها كأنها لم تشعر بانتهاء الطريق. رغبة خفقان القلب تزهقها بأن تظل جوار الحمى ودفء الهمس يحاورها بأن تتحلى عن الألم والآنين. رفع عينيه من على مقبض السيارة يتأمل سكونها بصمت وشعاع منير بعينيه الفريدة من نوعها. رفعت عينيها فالتقطت بطوفان خاص بسحر العينين لتهرب كلماتها وينثر العطر الخاص بفنون قراءة لغات العيون. تخلت الأرواح عن مقاعدها ليعد الجسد للحياة حينما هطلت الأمطار كالصاعقة، فشرعت بأسترجاع الروح للجسد مجدداً.
تأملت ليان الأمطار بضيق، ثم فتحت الباب لتهبط سريعًا قبل أن تبتل، ولكن شيء ما منعها وجعلها تستدير لتجده مالك يتمسك بمعصمها. خرج صوته الساكن:
_ فاكرة يا ليان.
يا الله، ليان. هو اسمها، نعم هو، فقد أوشكت على نسيانه. أو ربما أوشكت على نسيان حياة بأكملها. جذبت يدها سريعًا وولجت مسرعة للمبنى قبل أن تبتل تحت نظراته الساكنة لها. غادر مالك بسيارته وهي تتأمله من الأعلى. غادر وهي تشعر بأن قلبها يتلون بظلام مخيف. تعالت أصوات الأنين بقلعة النبض لتتمرد على حصونها لتؤكد لها بأن الرابط ليس توحد الدماء، ولكن توحد الأرواح. صعدت الدرج بابتسامة خفيفة حينما تذكرت كلماته ونظراته التي جعلتها كالبلهاء أمامه. انقلبت السعادة حزن حينما علمت بأن النظر له ليس مصرحًا لها، وتيقنت بأنها تريده الآن لها، فربما تصريحه بالزواج منها ليس جنونًا كما اعتقدت.
***
وقف محمود أمام القصر، فهبطت منار قائلة وعيناها أرضاً:
_ شكرًا يا دكتور.
أخفى بسمته على كلمتها وتأمل القصر بإعجاب، فهو يتذكر بأن مالك ويزيد كانا يسكنان بشقة أقل من المعتاد، فكيف لهم بذلك. أفاق على صوت سيارة تقترب منهم، فاعتدلت منار بوقفتها والابتسامة تزداد حينما رأت يزيد يهبط من سيارته ويقترب منهم قائلاً بتعجب لرؤية السيارة الغريبة عن القصر:
_ في حاجة يا منار؟
ابتسمت قائلة برقة:
_ دا دكتور محمود صديق مالك.
تداخلت كلماتها بتذاكر لأخبار مالك له من قبل، فأقترب منه قائلاً بعدم تصديق:
_ طول عمري بقول عليك واطي، يعني جوا البيت ومش عايز تنزل.
سماعه لصوت يزيد جعله يتذكره جيدًا، فهبط من سيارته قائلاً بفرحة هو الآخر:
_ يزيد نعمان.
احتضنه يزيد وهو يتأمله قائلاً بحزن:
_ كبرنا يا ضنا.
تعالت ضحكات محمود قائلاً بسخرية:
_ لا اتكلم عن نفسك، أنا لسه شباب. حتى لا اتجوزت ولا بفكر، الحمد لله.
تعالت ضحكات يزيد بسخرية:
_ وأحنا يعني اللي بقا عندنا أولاد. الحال من بعضه، وبعدين هنتكلم هنا. تعال تعال.
أوشك على الصعود للسيارة، فجذبه يزيد قائلاً بابتسامة مرحة:
_ لا الحرس هيتوالوا الأمر.
تعالت ضحكات محمود قائلاً بهدوء:
_ ماشي يا عم.
وبالفعل دلف محمود للداخل وجلس مع يزيد بالقاعة يتحدثان بذاكريات مرت منذ سنوات، ليعلم منه محمود كيف كافحوا ليصنعوا تلك الإمبراطورية العريقة، ويعلم منه يزيد كيف حارب زوجة أبيه وكيف أنها نقلت كافة الممتلكات لاسمها، فعاش هو ووالدته بمنزل بسيط الحال من دخل عمله. خرج صوت يزيد بغضب:
_ وسكت ليه؟ ما رفعتش عليها قضية؟
أجابه ببعض الحزن:
_ ما قدرتش يا يزيد، مهما كان والدة ليان. ما رضيش أخليها تشوف والدتها كده. أنا بشوف ليان أختي من دمي مش من والدي الله يرحمه وبس.
ابتسم يزيد بإعجاب:
_ لسه زي ما أنت يا صاحبي.
ابتسم محمود بسخرية:
_ أهبل وبيضحك عليا، هعمل إيه!
رفع يزيد يديه على قدم محمود قائلاً بثقة:
_ بالعكس، في فرق بين الطيبة واللي بتقوله. وده قليل في زمانا يا محمود. الفرق بينك وبيننا إنك ساكت خوف على مشاعر أختك، لكن إحنا مش بس حقنا اتاخد مننا، لا دي قتلت أبويا وعمي بدم بارد وعايزة تكمل المسيرة فينا. وأخرهم اللي حصل مع طارق أخويا.
محمود باستغراب:
_ إيه اللي حصل؟
شرع يزيد بقص ما حدث على مسمع طارق المندهش، فكما يقال من يستمع ما يحدث لأناس أخرى يعلم قدر ما به فيحمد الله كثيرًا. طال الحديث بينهما، فعرض يزيد عليه أن يترك عمله وينضم لهم بالشركات، فرفض بشدة وأخبره أنه يعشق عمله. فبعد عدد من الجدلات اتفقوا على مداولة العمل بعد المحاضرات بالشركات، ليصبح محمود المسؤول الأول عن قسم المتعلقات المالية بشركات نعمان.
***
بالشركة.
أنهى سيف ما بيده، فاستدار ليجدها تطبق ما أملاه عليها بحرافية نالت إعجابه. رفعت الحاسوب قائلة بخوف:
_ كده يا سيف.
لم تجد رداً عليها، فرفعت عينيها لتجده يتأملها بابتسامة فتكت بها، ليكمل بسخرية:
_ من أول يوم ووشك عمل كده. طب اللي جاي!
جذب منها الحاسوب وما زالت تتأمله. ألقى نظرة إعجاب قائلاً بابتسامة واسعة:
_ لا برافو عليكي بجد يا تقى.
رفع عينيه وأكمل:
_ متوقعتش إنك تفهمي بسرعة كده. وقطعت كلماته حينما وجدها تتأمله بشرود وعشق يلمع بعينيها. قرأ سطور من ريحان تنير بسحاب مكبوتة بعشق سنوات. ربما الآن يعلم كم كانت تكن له الحب مثلما أخبرته منار. أفاقت من شرودها على دموع تهوى من عينيها، فألتقطت حقيبتها وهرولت للخارج ببكاء. نعم، علمت بأنها لن تستطيع الصمود بالأيام القادمة. أرادت العمل لنسيانه، ولكنها تجد أن خيوط الغرام والعشق تلحق بها أينما كانت. رفع يديه يزيح خصلات شعره بجنون. أغمض عينيه بألم لشعوره بما يكمن بقلبها. سؤال واحد يعاركه بقوة، أن كان سيتحمل أنين حبه لأخرى حينما يتزوج بها.
***
خرجت من الجامعة بفرحة كبيرة، فأخرجت الهاتف حينما صدح برقم أمل.
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. دعواتك جت بفائدة يا أحلى أم في الدنيا.
تعالت ضحكات أمل:
_ لا يا قلبي، ده تعبك وسهرك في المذاكرة وربنا سبحانه وتعالى مش بيضيع تعب حد.
_ الحمد لله، قوليلي بقى منار فين ويزيد وأبوه مالك رجعوا؟
= منار رجعت من الجامعة وطلعت تريح فوق، ويزيد رجع تحت مع صديق له. أما مالك فلسه مرجعش. وبعد التحقيق ده، رايحة فين؟
تعالت ضحكات شاهندة:
_ دايماً قافشاني كده. هروح أشوف البت تقى، مشفتهاش من زمان.
أمل:
_ سلميلي عليها ومتتأخريش يا شاهندة، الدنيا قربت تليل.
_ حاضر، لو اتأخرت هخلي سيف أو شريف يوصلني.
= ماشي يا حبيبتي، في رعاية الله.
وأغلقت شاهندة الهاتف، ثم اعتلت السيارة الأجرة سريعًا من الأمطار.
***
توجه للأعلى، فصدح هاتفه برقم رفيقه من المغرب، فأخرجه قائلاً بغضب:
_ بقيت مكلمني أكتر من سبع مرات. شكلك فاضي.
_ قولتلك ألف مرة عندي كذا حاجة مينفعش أرجع وأسيبها.
_ خلاص هشوف كده لو هرجع في نفس اليوم، أوك. تمام، سلام.
وأغلق الهاتف، ثم دلف للمصعد ليتفاجأ بها. رفعت عينيها حينما ولجت للداخل لتجده يدخل خلفها هو الآخر. تأملها بتعجب، ثم قال بابتسامة مهلكة:
_ أنتِ تاني.
أخفت بسمتها ووضعت عينيها أرضًا، فولج للداخل بعدما أدخل رقم الطابق الخاص به، وهي بحالة لا توصف، حتى أنها نسيت بأنها بالطابق السابق له. تأملها بتسلية وهو يرى الخجل المتسرب لوجهها. بداخله خوفًا بأن يتمرد القلب فتصبح الخدعة هلاكه ويقع بسحر عينيها، أو ربما قد أوقع نفسه بمحطة خاصة بها.
وقف المصعد، فخرج فراس ثم استدار لها قائلاً بابتسامة سخرية بعدما طبع على اللائحة الخاصة بالمصعد الدور الخاص بها:
_ مكنش في داعي إنك تعذبي نفسك وتوصيليني.
كادت تتحدث بغضب، ولكن قاطعها حينما غمز لها بعينيه، ثم أغلق باب المصعد ليهبط بها للطابق الأسفل، فيجعلها تعود لأرض الواقع بأنها بلهاء أمام هذا الغامض. خرجت من المصعد وهي تتأمل الدرج المؤدي للطابق الخاص به بابتسامة خجل ردت وجهها الأبيض، فجعلته كتلة من النيران. رددت كلمة خافتة "غبية". أتاها الصوت من خلفها:
_ أول مرة تعرفي!
استدارت برعب لتجد شريف يقف أمامها بابتسامة واسعة، فصاحت بغضب:
_ خوفتني يا غبي.
تلون وجهه بالغضب المميت:
_ مين ده يا بت اللي غبي؟ هو أنا اللي واقف أشتم نفسي؟
لم تعبأ به وتوجهت لشقة تقى تطرق بقوة، فلم تجد الرد. اقترب منها شريف قائلاً بغرور:
_ تقى مش هنا ومش هقولك فين. خالي غبائك يشرحلك الطريق.
وتركها ودلف لشقته، تاركاً الباب على مصراعيه. جلس أمام التلفاز، ثم حمل تلك الثمرة الضخمة يلتهمها بصورة مقززة كما اعتقدت شاهندة، فقالت بعصبية:
_ إيه القرف اللي أنت فيه ده؟
رفع قطعة منها وهو يشير لها بفخر:
_ تاخدي بطيخ يابت.
تلونت عيناها بالغضب:
_ في حد يأكل كده؟
أكمل تناولها قائلاً بسخرية:
_ مادام شوفتيني يبقى فيه.
اقتربت منه وهي بحيرة من أمرها قائلة برجاء مخادع:
_ طب يا باشمهندس شريف، ممكن تقولي تقى فين؟
اعتدل بجلسته قائلاً بسعادة وهيام:
_ بشمهندس، طالعة منك عسل يابت، عشان كده هقولك اللي أعرفه.
جلست مقابله له قائلة بسعادة:
_ قول.
شريف بغرور بعدما وضع قدماً فوق الأخرى:
_ تاني يوم بعد المستشفى الصبح، أنا نزلت أجيب عيش عشان أفطر معاهم. ما لقيتش البت ولا أمها.
شاهندة باستغراب:
_ راحوا فين يعني؟
أجابها بابتسامة واسعة:
_ معرفش.
تطلعت له بغضب:
_ نعم!!!
جذب ثمرة فاكهة قائلاً بغضب وهو يلتهمها:
_ قولتلك اللي أعرفه، من معلومات هامة جدًا.
لم تشعر بذاتها إلا وهي تلقي بوسادة الأريكة على رأسه قائلة بغضب:
_ كمل أكل يا شريف، أنا غلطانة إني كلمتك.
وتركته وغادرت وهي تتفحص الهاتف وتحاول معرفة إلى أين ذهبت تلك الفتاة، ولكن الهاتف أصبح مكونًا من جزيئات صغيرة حينما اصطدمت بالمدرعة البشرية من وجهة نظرها، لترفع رأسها بغضب شديد فوجدته أمامها بعجلة من أمره ويرتدي الجاكيت وهو يتوجه للخروج سريعًا. تطلعت له بغضب:
_ لا كده كتير.
وتوجه للخروج، فصاحت بغضب:
_ يعني غلطت ومتكبر كمان إنك تعتذر.
اختفى فراس وهو يتفحص ساعته قائلاً بلا مبالاة:
_ آسف.
انكمشت ملامحها بضيق وهي تلملم الهاتف:
_ هعمل بيها إيه؟ هترجعلي الفون؟
زفر قائلاً بهدوء مخادع:
_ أنا مستعجل جدًا.
فرفع المال من جيب سرواله قائلاً بسرعة كبيرة:
_ خدي دول وهاتي فون بدل اللي اتكسر.
زاد غضبها أضعاف مضاعفة قائلة بسخرية:
_ لا والله، كتر خيرك. شايفني بقاطعها؟ مخرجًا إحدى الهواتف الخاصة به قائلاً بجدية ألتمستها به:
_ آسف مرة تانية. ده فون جديد بدون أرقام ومن غير شريحة، بس بجد أنا متأخر على الطيارة ومش فاضل غير ربع ساعة، فـ أرجوكِ تتقبلي اعتذاري.
لم تشعر بيدها التي تناولت منه الهاتف. لم تشعر بانقباض قلبها وهو يسرع بالخروج من المبنى ليلحق بالطائرة التي أخبرها بها منذ قليل. الحزن يخيم على وجهها بعدما أخبرها بالسفر. هل ستكف عن رؤيته؟ فضت التفكير به ووضعت الهاتف الذي يلمع بمجموعة من الصور الخاصة به بالحقيبة، ثم توجهت للخروج لتجد سيف أمامها. رمقها باستغراب:
_ شاهندة!
أجابته بلهفة:
_ سيف، الحمد لله. أخوك هيجيبلي ذبحة قلبية.
ابتسم قائلاً بتأييد:
_ اقتله ونخلص كلنا.
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_ يا ريت، بس هو بيعمل جو مرح كده في العيلة. سيبه وأمرنا لله.
_ لا، جاية على نفسك أوي يا بت.
قالها شريف وهو يقترب منها بنظرات توحي بالقتل، فقالت بخوف:
_ ده أنا بشكر فيك أهو. الحق أخوك يا سيف.
رمقه بنظرة، فهرول للداخل لتكبت ضحكاتها وتتحدث بجدية:
_ تقى فين؟
وضع عينيه أرضاً في محاولة للهرب، قائلاً بتصنع اللامبالاة:
_ عند والدتها.
أجابته بذهول:
_ ليه؟
حاول التهرب من إجابتها قائلاً بهدوء:
_ راحت مع خالتك وهتفضل هناك على طول.
طالت صدمتها، فخرجت الكلمات مبعثرة:
_ إيه؟ إزاي؟ تقى مكنتش حابة ترجع خااالص!!!
ثم لمعت عيناها بشرارة الشك الذي نقل لسيف بأنها تعلم هي الأخرى بحبها له، فغادرت للمصعد بصمت، ليلحق بها قائلاً باستغراب:
_ راحة فين؟
أجابته بهدوء:
_ هروح أشوفها عند خالتي.
رفع يديه على شعره بتفكير:
_ طب استني، هغير هدومي وهجي معاكِ.
رفعت يدها قائلة بهدوء:
_ هات مفاتيح عربيتك، أستناك فيها.
قدم لها المفتاح بتفهم ودلف ليبدل ثيابه.
***
عاد مالك للقصر فولج للداخل ليتفاجأ بمحمود ويزيد. اقترب منهم بعدما خلع جاكيته قائلاً بابتسامة هادئة:
_ الاجتماع سري ولا إيه؟
ابتسم محمود قائلاً بسخرية:
_ اجتماع وسري مع الغول؟ اتجننت أنا عشان أغلط في كلمة ألقي رقبتي على دراعي.
تعالت ضحكات الجميع. جلس مالك جوار محمود قائلاً بصوت منخفض سمعه يزيد:
_ والله أنا ابتديت أخاف على نفسي منه.
محمود بنفس النبرة المنخفضة:
_ الله يكون في العون، ده أنا بقالي معاه ساعة وحاسس إني قاعد مع تريبل إيتش.
التقط يزيد السكين الموضوع على الطاولة يتأمله بنظرات مريبة لهم، ثم قال بصوت ثابت:
_ شميّت ريحة اسمي في الموضوع.
محمود بصدمة:
_ هو كان في موضوع أصلاً!
تعالت ضحكات مالك قائلاً بشماتة بعدما صافح محمود:
_ أهلاً بك مع عرين الغول.
محمود بسخرية:
_ عرين وغول، طب سلام أنا بقى وأسف لدخول حياتكم بعد السنين دي.
تعالت ضحكاتهم بسعادة لتجمعهم من جديد.
***
بالمطار.
بعثت رسالة من هاتف الطبيب لهاتف فراس بأن المريضة تخبره بأن أمر السفر يكون خفيًا عن نوال، وإلا أنه لن يتمكن من اللحاق بها، فستكون فارقت الحياة على يد أحد رجالها، وهذا ما زرع الشك بقلب فراس ليعلم ماذا هناك بعد أن أخبر رفيقه بأنه سيأتي غدًا. فإذا بالطبيب يخبره بسوء حالته ويجعله يهرول سريعًا ليعلم ما الأمر الذي يخص نوال.
***
بمنزل تقى.
استمعت لدقات الباب المرتفعة، فأرتدت حجابها وفتحت لتتفاجأ به أمام عينيها. حل الصمت على تعبيرات وجهها، فقط نظرات امتلأت بالدمع والآنين لرؤياه. أفاق على صوت شاهندة، فتراجعت للخلف حتى يتمكنوا من الدلوف. أغلقت الباب والتفكير يشغل عقلها، ثم جلست على الأريكة تخطف نظراتها له بارتباك. جلست شاهندة جوارها قائلة بابتسامة واسعة:
_ واضح أننا خفينا وبقينا عال.
ابتسمت بسمة خافتة:
_ الحمد لله. طمنيني عنك وعن يزيد ومالك والكل.
وضعت شاهندة حقيبتها:
_ كلنا بخير الحمد لله. ثم ألقت نظرة متفحصة على المنزل باستغراب:
_ أمال خالتي فين؟
أجابتها بملل:
_ نزلت من بدري أوي ولسه مرجعتش. ثم وقفت وتوجهت للمطبخ قائلة بابتسامة هادئة:
_ هعملكم حاجة تشربوها.
صاحت بغضب:
_ نعمين يا أختي، عايزين أكل. أنا صايمة والمغرب أذن من نص ساعة.
رمقتها بغضب:
_ وأنا مش بعرف أطبخ ولا أعمل حاجة غير القهوة.
شاهندة بحزن:
_ ولا أنا.
ثم لمعت عيناهما ببريق لامع، فتطلعوا له ليعتدل بجلسته قائلاً بتحذير:
_ مطبخ وأكل تاني، لا.
جذبته شاهندة ببرائة مصطنعة:
_ وتسيب أختك جعانة يا سيفو.
رمقهم بنظرة محتقنة قائلاً بغضب:
_ البسوا، أنزلكم نتعشى بمكان. لكن طبيخ والكلام ده انسوا.
وبعد دقائق.
شاهندة بغضب:
_ ركز مع الفراخ يا سيف، شكلها اتحرقت.
استدار بوجهه والغضب يشكل قسماته:
_ مدام شايفة نفسك شيف، متتولي شرف المهمة دي.
ابتسمت بسخرية:
_ سيف، مين ده؟ أنا بفك الخط في الطبخ بالعافية.
رمقها بغضب وأكمل ما يفعله بضيق. أكملت تقى تقطيع الخضروات بشرود وهي تخطف نظراتها له وهو يراها ويتصنع بأنه غافل عنها. حملت شاهندة الأطباق للخارج، فوضع سيف الطعام بالأطباق ولحق بها. جلست تأكل بتلذذ:
_ أكلك حلو يا سيفو.
رمقها بنظر مميت:
_ متخديش على كده أنتِ كمان يا أختي.
تعالت ضحكاتها قائلة بمكر:
_ أنا داخلة على طمع بعد الأكل.
قاطعها قائلاً بنبرة لا تحتمل أي نقاش:
_ خلصي الأكل عشان أوصلك وأخلص من أم الليلة دي.
جلست تقى على الأريكة تطلع لمن تجلس على المقعد تلتهم الطعام وتكبت ضحكاتها. رفع سيف عينيه عليها قائلاً بهدوء:
_ هتيجي الشركة بكرة يا تقى؟
تلون وجهها بالتوتر لتذكر نظراتها أمامه، فقالت بارتباك:
_ مش عارفة، أنا كنت فاكرة إني لما هشتغل هرتاح نفسيًا من القعدة في البيت، بس.
قاطعها بسخرية:
_ هو أنتِ لحقتي؟ ده يوم واحد. عمومًا، اللي تحبيه اعمليه.
ثم وجه حديثه لشاهندة بعدما تأمل ساعته:
_ يلا يا شاهندة، اتأخرتي ويزيد ممكن يزعقلك.
أجابته بتفهم وهي تلملم أغراضها:
_ حاضر.
جذب مفاتيحه وغادر للأسفل وهو يشعر بالضيق لما فعله بها بدون تعمد.
***
غادر محمود القصر وعاد للمنزل، فدلف لغرفة ليان ليطمئن عليها بعدما أخبره مالك بما حدث معها، ولكنه وجدها تغط بنوم عميق، يراه بها لأول مرة، حتى أنها لا تشعر بوجوده كالعادة. داثرها بالغطاء وتوجه لغرفته والتفكير للتخلص من ذاك اللعين يشغل باله.
***
أوصل سيف شاهندة للداخل وغادر على الفور، ليتوقف بسيارته على الشاطئ، فوضع رأسه على مقبض السيارة يحاول التحكم بموجة تفكيره.
***
بغرفة يزيد.
أبدل ثيابه لسروال أسود قصير وتيشيرت أبيض ضيق للغاية يبرز عضلات جسده المفتول، ثم توجه للفراش على أمل النوم، ولكن كالعادة خطفت تلك الفتاة نومه الهنيء، فابتسم بسخرية على ما فعله، فهو يرى نفسه أحمق لسهولة انهيار حصونه أمامها. أخرجه من بحوره العميقة دلوف طارق للداخل قائلاً بصوت ينقل ما يشعر به من آلام:
_ صاحي يا يزيد؟
اعتدل بفراشه قائلاً بتعجب:
_ في إيه؟
ولج للداخل ثم جلس على الفراش يجاهد للحديث، فخرج صوته أخيرًا قائلاً بحزن:
_ مش عارف أنسى اللي حصل ده يا يزيد. البنت دي ذنبها إيه يحصل لها كده؟
أجابه بسخرية:
_ أنت بتسألني أنا؟
رفع عينيه اللامعة بالدمع:
_ مش لاقي إجابة غير إني حقير أوي.
زفر يزيد واحتضنه باستسلام قائلاً بلهجة مختلفة عن طباعه المتعصبة:
_ كان غصب عنك أكيد. بعد المخدر القوي ده مكنتش هتبقى في وعيك. عايزك تنسى اللي فات وتركز في حياتك يا طارق.
خرج من أحضانه قائلاً بسخرية:
_ أركز إزاي؟ أنا بشوفها قدامي ليل نهار، مش قادر أنسى شكلها خالص.
رفع يديه على خصلات شعره المتمردة على عينيه قائلاً بتفكير:
_ بعد الجامعة تعال المقر، اشتغل لك كام ساعة وأوعدك هتتهد خالص من التفكير.
ابتسم بفرحة:
_ بجد؟
رمقه بنظرة مميتة، فابتلع باق جملته وتوجه للخارج بسعادة، ولكنه توقف بتذكار واستدار قائلاً بخوف:
_ هو أنا ممكن أتزوجها يا يزيد؟
تطلع له يزيد بصدمة، فلم يكن بأوسع مخيلاته أن يكبر أخيه بحديثه لدرجة تحمل الزواج وأعبائه. هناك عقبة أخرى، كيف يخبره بأنها الآن زوجته؟ لم تجد الكلمات مخرجًا منه، فعلم طارق بأنه تفوه بشيء محال وغادر لغرفته. ظل يزيد كما هو متخشبًا بمكانه من التفكير، لم يغلق له جفن، فكيف له بمعاصي الله! لا طالما كان ودودًا إليه، يفعل الطاعات ويبتعد عن المعاصي، حتى أنه ومالك أنشأوا مسجدًا بالشركات والمقر مع تصريح بساعة كاملة مع آذان الصلوات ليتمكن الجميع من ممارسة الطاعات دون حجة بالعمل، ليس فرضًا منهم للصلاة، ولكن لمن أراد ذلك. رأى نفسه خاطئًا بحقها، فوضع بالحسبان أن يراها ويتحدث معها.
***
وصلت الطائرة للمغرب، فخرج فراس ليجد أحد أصدقائه بالخارج، فصعد معه بالسيارة التي توجهت للمشفى. ولج فراس للغرفة المملوءة بالأجهزة الطبية، ليجد من قامت بخدمتهم أكثر من ثلاثين عامًا تقطن على فراش الموت. مزق قلبه، فظن أن حالتها ليست كهذا. اقترب منها حينما أشارت له بيدها ودموعها تغزو وجهها، قائلة بصوت متقطع:
_ تعال يا فراس.
أقترب منها ثم جذب المقعد وجلس على مقربة منها ليتمكن من سماع صوتها الهزيل. تأملته قليلاً ثم قالت بتعب شديد:
_ أنا بخدم أبوك من أكتر من ثلاثين سنة، من لما كان في مصر وسافر المغرب اتجوز مغربية وعاش معاها هناك، وأنا كنت بخدمهم على طول، بس المشاكل بينهم مكنتش بتخلص.
اشتد تعبها، فأسرع فراس بالحديث:
_ مش مهم، ارتاحي وكملي بعدين.
ابتسمت قائلة برضا:
_ معتش في بعدين يابني، اسمعني الله يكرمك.
لتكمل بتعب ليس له مثيل وهي تنقل الكلمات:
_ المشاكل كانت بسبب الخلف، فأبوك قال إنها مش بتخلف وعمل مشاكل كتير أوي ونهايتها أنه اتجوز نوال.
قال باستغراب:
_ بس بابا متجوزش غير أمي ونوال. معنى كده إن الجوازة الأولانية من أمي؟
أجابته بتعب شديد:
_ مش أمك يا فراس.
_ إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟
قالها بغضب شديد بعدما توكأ المقعد وهب بالوقوف، فجذبته قائلة بتعب يشتد بقوة:
_ مفيش واحدة هتقابل وجه كريم وهتكذب، يابني سيبني أقولك الباقي.
انصاع لها فراس وجلس وهو بصدمة ليس لها مثيل، فأكملت هي بتعب ودموع وهي تجاهد للحديث:
_ أول لما عرفت أنه اتجوز عليها، انهارت وطلبت الطلاق. أبوك مرضاش يطلقها، فسبتله البيت ومشيت. نوال فضلت عايشة مع أبوك سنة من غير عيال. عمري ما هنسى اللي حصل في اليوم ده.
أشار بوجهه، فأكملت وهي تجاهد للحديث:
_ كان أبوك مسافر، مهو شغله كله سفر. نوال اختفت من البيت لمدة أسبوع، وكانت منبهة عليا إن لو أبوك اتصل أني أرد وأقول إنها تعبانة مش قادرة تتكلم. بره... في الحمام. المهم إنه ميعرفش حاجة عن اختفائها. وبعد ما الأسبوع خلص لقيتها راجعة البيت بطفل صغير لسه مولود. ويومها دخلتلي المطبخ ونبهت عليا إني مش أجيبه سيرة إنها كانت بره البيت المدة دي، وإني أقول إن مراته الأولى جت البيت ورمت الطفل ده.
صدمة اعتلت وجه فراس، فأكملت بتعب ودموع:
_ مكنش قدامي إلا الكدب يابني، مش عشان إنها هتقطع عيشي زي ما كانت بتقول، لا، كنت خايفة على بناتي منها. نوال ست شريرة.
_ وبعدين؟
قالها بخوف شديد من القادم، فأكملت قائلة بتعب شديد:
_ لما أبوك رجع واتفاجئ بيك، قالتله إن مراته جت هنا ورميتك وقالت: "خاليه يطلقني وأنا هنزل عن حضانة الطفل". أبوك كان طاير من السعادة إنها كانت حامل، وفوراً نزل طلق مراته الأولانية وكتبك باسمه وباسم طلقيته، لأنه راجل عادل، مسمعش كلام نوال وكتبك ابنها. وفاتت السنين والسر متغطي لحد ما بقى عندك 18 سنة. أبوك كتبلك جزء من أملاكه وجزء لنوال، بس بعد اللي حصل نقل أملاكه لدار أيتام، كأنه كشف حقيقتها.
أجاب بلهفة:
_ حقيقة إيه؟
اشتد التعب، فقالت بتلهف:
_ معرفش يابني، كل اللي أعرفه إنه عرف إنه مش بيخلف. فلما راح اتهم طليقته بأنها خاينة، لقاها متعرفش حاجة عن الطفل. فالشكوك راحت لنوال. واجهها، والغريبة إنه اتقتل تاني يوم، بس طبعًا بعد ما أخد الأملاك منها. وأنت سابلك شركة واحدة في المغرب، اللي نوال أخدتها منك، معرفش إزاي.
تعالت ملامح الصدمة وجهه، فقال بذهول:
_ يعني أنا ابن مين؟
أجابته بيأس:
_ مش عارفة يابني، بس اللي أعرفه إن بعد موت أبوك، لما عرفت إنها على الحديدة نزلت مصر لأهلها. لكن أنت ابن مين، الإجابة عند نوال نفسها، لأنها مش هتستفيد حاجة لما تجيب طفل من الملجأ تربيه. أعتقد إن الموضوع أكبر من كده.
أسند ظهره على المقعد بصدمة كبيرة جعلته كالثلج، لا يقوى على الحركة. كيف كان كالدمى بين يديها؟ من هو ومن عائلته؟ سؤال تردد على مسامعه إلى أن صعد على متن الطائرة للعودة مرة أخرى لمصر.
***
زف الليل بشواطئ الأنين وشواطئ الروح. زف ببعض الألم والجراح، زف بآنين من حقيقة مؤلمة، زف بابتسامة تترسم على بعض الوجوه ودمعة تغزو البعض الآخر. وسطعت شمس يوم جديد لتنير بضوء ليس له حدود.
بقصر نعمان.
استيقظ يزيد من نومه، فأسرع بتبديل ثيابه، ثم توجه للشركة ليرى هل ستأتي أم ستنهي قصة لم تشرع في التشكل. صعد لمكتبه فوجدها تجلس على المقعد المقابل له، لا يعلم لماذا احتلت الفرحة ملامح وجهه. وقفت تتأمله بخجل من نظراته الفتاكة، فرفعت الملفات قائلة بعملية مخادعة:
_ الملفات اترجعت كويس جدًا على فكرة.
ابتسم قائلاً بثباته المعتاد:
_ هشوف بنفسي.
امتلأ وجهها بالغيظ، فجلس على مكتبه ونظراته تطوفها، لتتوجه للخارج، ولكنها استدارت قائلة بتذكر:
_ أه، على فكرة أنا جيت هنا عشان أقولك إنك مغرور جدًا.
أنهت كلماتها وهرولت للخارج بسعادة طفولية، فجلس على مكتبه والابتسامة تنير وجهه على من غزت قلبه وأعلنت بأنه يحتل قلبها. هرولت سريعًا كمن رأت شبحًا، فبعدما ألقت بتهمتها على الغول، ماذا تنتظر؟ ركضت لتصطدم بطارق بعدما أفاق من الصباح ولحق بأخيه ليستلم العمل الذي أخبره به. رفعت عينيها لترى من يقف أمامها.
***
بمنزل محمود.
استيقظ محمود على صوت هاتفه، فرفعه ليجد رسالة نصية من يزيد تنص على:
"الشركة مش زي الجامعة يا دكتور، معاك 10 دقايق وألاقيك هنا، وإلا أنت الجاني على نفسك."
قرأ رسالته وهرول للحمام متمتمًا بخفوت:
_ وأنا كان مالي ومال أم الشركات، هو أنا فالح في الجامعة وطلابها لما أروح الحسابات، منك لله.
أعدت فاتن الفطور، ولكنها حزنت حينما رفض محمود وهرول سريعًا لسيارته، لتودعه بدعواتها الدائمة له. فدلت لغرفة ليان تخبرها بأنها ستذهب لترى شقيقتها لمرضها المفاجئ وأنها ستعود ليلاً. وغادرت فاتن، تاركة ليان تواجه مصيرًا مجهولًا على يد حسام، الذي علم من رجاله بخلو المنزل من الجميع إلا تلك التي حركت غرائزه منذ أن رآها من اللقاء الأول، وها هي تحاول التخلص منه بعد أن فضت خطبتها، فظنت أنها تخلصت من لعين لا يعينه سوى إرضاء غرائزه الوضيعة.
ألغاز ربما انتهت، وربما شرعت في الابتداء. مجهول... وعشق روحي خالد... اتحاد... قوة... انتقام... حقائق ستكشف عن قريب. انتظروني بأحداث نارية بمن.
رواية معشوق الروح الفصل الثامن 8 - بقلم اية محمد
أصطدمت به وهى تهرول لتحظو بحياتها التى ستفتك على يد الغول.
رفعت عيناها لتتفاجئ به، فخرج صوته بهدوء:
_ مش تخلى بالك؟
صاحت بغضب:
_ أفندم!!
إبتعد طارق عنها ثم قال بتعجب:
_ على فكرة أنتِ الا خبطى فيا مش العكس!
رفعت يدها على خصرها بغضب أشد:
_ ودا يديك الحق أنك تلطش بالكلام مع خلق الله!
جحظت عيناه على تلك الفتاة التى تحمل الجنون بشكلاٍ يراه لأول مرة، حتى أنها أستمرت بالحديث، فأسرع بالتحدث قائلا بلهفة لينال الحرية:
_ أنا أرتكبت خطأ فاحش وبعتذر جداً ومتكفل بأى تعويضات مادية ومعدنية.
أنفجرت ضاحكة بعدما إستمعت له قائلة بعد صعوبة للحديث:
_ لا حلوة بس حضرتك عارف أنت بتكلم مين؟
أعاد خصلات شعره للخلف بحيرة من أمره:
_ فى الحقيقة لا بس أحب أعرف.
تلفتت للخلف بتراقب ثم قالت بصوتٍ منخفض:
_ أنا سكرتيرة الغوريلا الا جوا دا.
كبت ضحكاته قائلا بجدية مصطنعة:
_ يا راجل!
أشارت برأسها بتأكيد فسترسل حديثه بزهول:
_ بس أنا على حد علمى أنه أسمه غول!
لوت فمها بضيق:
_ غول ولا غوريلا كلهم وحوش بالنهاية.
أجابها بتأكيد:
_ معاكِ حق والله.
أعتدلت بجلستها قائلة بوعي:
_ مقولتليش بقا أنت مين؟
إبتسم إبتسامة واسعة:
_ أخو الغوريلا أو الغول مش هتفرق على رأيك.
شعرت بصدمة ليس لها مثيل، فجذبت الملف وتوجهت لمكتبها على الفور.
إبتسم طارق بسخرية وأكمل طريقه للداخل.
***
بمنزل محمود.
جلست على طاولة الطعام بملل من عدم وجود أحداً بالمنزل، فأخرجت هاتفها تلهو به بملل شديد، ولكنها شعرت بأن هناك شيئاً ما يحدث بالخارج.
جذبت حجابها وتوجهت لباب الشقة تستمع ما يحدث.
تراجعت للخلف وهى ترى رجال يطوفون بالمكان ويقترب أحداهما من الباب بإشارة من الأخر، فيحاول فتحه بدون صوتٍ ملحوظ.
أرتعبت ليان وركضت لشباك المنزل تحاول الصراخ، ولكن تفاجئت بهم بالداخل، فصرخت بقوة وركضت لغرفتها التى أغلقت بابها بأحكام، ولكن أمام طرقهم المبرح لن يصمد طويلا، فأخرجت هاتفها من جيب البيجامة تطلب أخيها بسرعة كبيرة والصرخ يعلو شيئاً فشيء، لعل من يستمع لها يكون النجأة لها مما تراه.
***
بمكتب مالك.
تعالت ضحكاته قائلا بعدم تصديق:
_ قالك كدا معقول؟
زفر محمود بغضب:
_ بتضحك؟!!
كبت ضحكاته قائلا بسخرية:
_ أمال عايزنى أعملك أيه من أول يوم وحضرتك بتعيط طب بعد كدا هتعمل أيه؟
جحظت عيناه برعب:
_ هى فيها بعد كدا لا دانا أرجع شغلى أحسن.
أعتدل مالك بجلسته قائلا بجدية مصطنعة:
_ جبان يا حودة.
كاد أن يعنفه ولكن قطعهم دخول سيف للداخل قائلا بأبتسامة هادئة:
_ صباح الخير.
إبتسم مالك قائلا بسخرية:
_ صباحو تأخير.
أرتمى بجسده على المقعد قائلا بتعب:
_ مكنتش جاي من الأساس بس أفتكرت الميتنج.
ثم أكمل بتعجب لرؤية محمود:
_ مش تعرفنا يا مالك.
رفع محمود يديه قائلا بأبتسامة واسعة:
_ مفيش داعى مالك يعرفنى معاك محمود لطفى دكتور جامعى وكنت زميل الأستاذ دا هو ويزيد طول فترة الدراسة.
رسم سيف البسمة بترحاب:
_ وأنا سيف إبن خالة يزيد ومسؤول عن الشركات.
رمقهم بسخرية:
_ نجبلكم شجرة وأتنين ليمون عشان تعرفوا تتكلموا براحتكم.
أستدار الجميع ناحية الصوت ليتفاجئوا بيزيد أمامهم ونظرات الغضب تحتل عيناه.
أسرع سيف بالخروج قائلا بأبتسامة واسعة:
_ أشوفك بعدين يا حودة.
محمود بغضب:
_ حودة وهتسبنى هنا! خدنى معاك.
وأتابعه محمود للخارج، فجلس يزيد على المقعد المقابل لمالك قائلا بغموض:
_ كنت عايز أقولك على حاجة يا مالك.
أستقام بجلسته قائلا بلهفة:
_ حاجة أيه دي؟
زفر وهو يلقي بثقل جسده على المقعد:
_ طارق عايز يتجوز البنت دي.
مالك بتفهم:
_ حقه يا يزيد.
رمقه بصدمة:
_ نعم!!
أكمل مالك بهدوء:
_ زي ما سمعت حقه يطلب الطلب دا وحقها أنها ترفض ومتنساش أنها متعرفش الحقيقة يعنى فى اعتقادها أنه طارق مش كويس.
خرج صوته الساخر:
_ وأنت عايزنا بقا نشرحلها أنه ميقصدش والكلام دا!
أسرع بالحديث قائلا بهدوء:
_ لا بس على الاقل تعرف وليها حرية الاختيار.
صاح بغضب:
_ تختار أيه أنت مجنون؟!! دا جواز مش لعبه هتنازل بيها له أنا مش عارف أفكر خالص حاسس أنى بمتاهة.
أجابه مالك بهدوء:
_ طب بس أهدا وكل شيء هيتحل.
زفر وهو يحاول التحكم بزمام أموره.
فصدح بالغرفة صوتٍ لهاتف غير مؤلوف، فتطلع مالك لجوارة قائلا بستغراب:
_ محمود نسى الفون.
يزيد بسخرية:
_ مش بقولك غبي أروح أشوف شغلى أفضل.
تعالت ضحكات يزيد، فجذب الهاتف يتفحصة بأهتمام لتعلو دقات قلبه حينما رأى أسمها ينير شاشة الهاتف.
لم يشعر بأنامله وهى تتحرك بحرية على حروف الأسم المختوم بحروف نبض القلب، بسمته إرتسمت بتلقائية وهو يتذكر خجلها.
فتح الهاتف وقربة من أذنيه على أمل سماع صوتها، ولكنه فزع حينما إستمع لصراخها المكبوت ببكاء حاد:
_ ألحقنى يا محموووود.
ثم صاحت بنوبة من الصراخ حينما تحطم الباب ليظهر أمامها رجلين بطول مريب وجسد يبث الرعب بالأبدان.
تراجعت للخلف ببكاء ورعبٍ شديد وهى تصيح بقوة:
_ أنتوا مين؟ وعايزين منى أيه؟
أقترب منها أحدهما وهو يجذبها بهدوء:
_ أما تيجى معانا هتعرفي.
دفشته بعيداً عنها قائلة برعب بعدما جذبت الزجاج المحطم نتيجة لقوتهم:
_ لو قربت منى هقتلك.
أنقبض قلب الراجل قائلا برعب لرفيقه:
_ أرجع حسام بيه عايزها سليمة.
هنا كانت الرسالة واضحة لها لتعلم بأنه من بعث هؤلاء اللعناء ليقتص منها، فعلمت النقطة التى ستستغلها للخروج من هنا كما كانت تعتقد.
رفعت الزجاج على رقبتها قائلة بغضب:
_ أخرجوا من هنا حالا والا هقتل نفسي هنا وأدمكم.
تراجع الراجل بخوف من رب عمله.
أما على الجانب الآخر كان يضع الهاتف بصدمة على أذنيه ويهرول سريعاً لسيارته يجتاز المسافات بسرعة ليس لها مثيل.
بقاء الهاتف على قيد الأتصال هو من جعله على فيد الحياة.
علاقته بها تثير جدله بقوة فيشعر بأنه على وشك خسارة قلبه الذي يصارع بنبض ليس له مثيل.
***
وصلت تقى للشركة بعد ساعة كاملة قضتها بالتفكير وأنهتها بقرارها بإستكمال العمل.
دلفت لمكتب يزيد أولا بعد أن أوصلتها بسمة والغضب يشكل وجهها.
جلست على المقعد قائلة بفرحة:
_ بجد يا يزيد سيف قالك كدا؟
إبتسم لسعادتها الكبيرة بأبسط الأشياء وأكمل بتأكيد:
_ أيوا يا بنتي والله وطلب أنك تكوني فى القسم بتاعه يعنى اعتبري نفسك شغالة معاه.
طافت أحلامها قائلة بفرحة:
_ طب أروح أنا بقا.
أوقفها قائلا بثباته الدائم:
_ أعتقد التقل أفضل من كدا.
أستدارت بغضب ليكمل عمله ببرود كأن لم يكن، فقاطع كلماتها المتعصبة دخول طارق قائلا بندم:
_ أنا راجع البيت يا يزيد وأوعدك أني عمري ما هشتكى من حاجة أبداً.
رددت تقى بستغراب لرؤيته:
_ طارق!!
رمقها بحزن:
_ أيوا طارق ياختي الا كان طاير من السعادة عشان هيشتغل هنا بس بعد الا شوفته والحسابات المميته دي غيرت رأيي فهروح على الجامعه بقا سلامو عليكم.
وتوجه للخروج ولكنه تخشب محله حينما هوى الرعد المخيف قائلا بأنقباض:
_ طاررق.
إبتسمت تقى وغادرت سريعاً بعدما رددت بهمسٍ له:
_ ربنا معاك يا خفيف.
رمقها بغضب فأسرعت بالفرار.
***
تراجعت للخلف بزعر وهو يقترب منها بمحاولة مخادعة للحديث ليستغل زميله الفرصة ويستدير من الناحية الأخرى فيتمكن من السيطرة عليها، وبالفعل ما حدث كما هو مخطط، أنتشل منها الزجاج وهى تصرخ بقوة.
أفتكت بقلب مالك الذي أسرع بالسيارة كالطوفان المميت أو كمن يتحدا الرعد والعواصف لينجو بحياته المرتبطة بدقات القلب وعلاقة الروح.
جذبوها بقوة بعدما كمموا فمها وقيدوا حركاتها ثم حملها أحداهما للسيارة التى تنتظرهم بالأسفل.
تحركت السيارة سريعاً عن المكان الممتلأ بالأناس الفقراء فأغلبهم من التزم الصمت خوفاً من مظهرهم الخارجى ومنهم من حاول التداخل ليكيل لهم المستعمرات البشرية ضربات قاتلة جعلتهم عبرة لمن أراد إنقاذ تلك الفتاة.
كانت تتمدد بالخلف أرضاً والسيارة تتطوف بقوة ولكنها توقفت حينما أعلنت إشارات المرور ذاك أو ربما اتصال الأرواح من دق بقلبها فجعلها تشعر بأنه قريبٍ منها.
نعم هو بالسيارة المقابلة لها يتأمل الطريق بغضب شديد كاد أن يكسر الطريق ولكن مرور الأطفال منعه من ذاك أو ربما لقاء عابر مخطط له، صارعت لتتحمل على جسدها بعد محاولات عديدة من من يجلس جوارها تمكنت من رؤيته يجلس بالسيارة المعاكسة لها.
لجوارها رجل شرطة ولكن لم يعنيها سوى من وقعت عيناه عليه.
رفعت يدها المقيدتان تضرب الزجاج بقوة فجذبها الرجل سريعاً، حاولت العودة للزجاج الشارع لروحها ولكن لم تتمكن من ذلك لقوته الجسمانية فأثارت ضجة بالسيارة.
شعر مالك بأن هناك أمراً غامض بين ضربات قلبه وتلك السيارة السوداء، كان بحرباً ليس لها مثيل أيتبع أحساس القلب وهوس الروح أما يذهب للمنزل سريعاً.
تحركت السيارات حينما تعدلت أشارة المرور ومازال يضرب المقبض بغضب إلى أن أتبع قلبه وأبدل مسار السيارة بقوة كادت أن تفتك به بحادث ليس له مثيل ولكن لم يعنيه سوى أنقاذ من سلبت القلب وآسرت الروح بلجام العشق الغامض.
بدأ الشكوك تزاوره بأنها بالسيارة بعد أن نخفت السيارة بأماكن مجهولة.
أخرج مالك هاتفه ثم شرع بالاتصال برفيقه فالأمر غامض للغاية.
***
بالشركة.
دلفت تقى لمكتبه قائلة بأبتسامة هادئة:
_ صباح الخير.
إبتسم سيف قائلا بسحراً لا يمتلكه سواه:
_ صباح النور يا تقى تعالى.
وبالفعل دلفت لتجلس بالقرب منه، أخرج سيف مهامها قائلا بهدوء:
_ دا أول ملف ليكِ وريني بقا همتك أنا هشوفه بعد ما تخلصي خالص.
أشارت برأسها وهى تتفحصه بهدوء وتنفذ ما علمها إياه.
أما بمكتب بسمة.
كانت تجلس بالخارج حينما تلقت اتصالاً هاتفياً قلب حياتها.
وقفت قائلة بصدمة:
_ أيه؟!! أنت بتقول أيه؟!!
ثم صرخت بقوة:
_ لاااا مستحيل لااااااا.
و سقطت أرضاً تبكي بقوة وتصرخ بقوة أكبر.
بغرفة يزيد.
كان بالداخل مع مجموعة من الموظفين حينما استمع لصراخها فهرول للخارج سريعاً ليجدها تبكي بقوة وضعف شديد، انحنى ليكون على مستواها قائلا بلهفة وخوف:
_ في أيه يا بسمة؟ مااالك!!
رفعت عيناها الزرقاء بدموع ولون يشبه الهلاك، تتأمله بصمتٍ وحزن دافين.
دموعها تنسدل بصمت وعيناها تتأمل عين الغول الفاقد بذاك الوقت لقلبه المقزز ليصبح بئرٍ من الحنان والخوف القاتل على معشوقته.
على من ملكت قلبه من الوهلة الأولى.
دمعاتها تزداد شيئاً فشيء، هموم العالم ألقى على مسامعها منذ قليل، قيود وعادات وجع وآنين ألقته حينما وقعت بأحضانه فاقدة الوعي، احتضانها بخوف شديد ثم حملها للداخل والرعب يلعب دوره الحاسم على قسمات وجهها.
حاول إفاقتها ولكن لم يستطيع فأتى الطبيب ليخبره بأنها بصدمة عصبية مريرة ولن يتمكن من إفاقتها حتى لا تزداد حالتها سوء فالأفضل لها فاقدة الوعي.
تعجب يزيد من مطلبه الغريب ولكنه سينفذ أي شيء ليجعلها آمنة فحملها للقصر كما أخبره الطبيب بعدما فشل في معرفة عنوان لأهلها.
ربما دخولها لحياته ولقصره ليس مخطط له وربما مستنقع أحزانها لديه رابط أو شيئاً خفي يجمعها به.
***
بسيارة مالك.
حاول الوصول ليزيد ولكن هاتفه خارج التغطية فترك رسالة له مع تتبع للمكان الذي هو به.
توقفت السيارات أمام مكانٍ يراه مالك لأول مرة، فهبط منها الرجال وهى معهم تخطو بخوف شديد ودموع غزيرة جعلت قلبه ينقبض بقوة.
مكانٍ مظلم مخيف للغاية، عتمته ليست المخيفة بل رائحته الكريهة المعبأة بالخمر الشيء المغيب للروح والجسد المحرم من الله عز وجل ويستبيحه ذاك الحقير من يجلس بمنتصف الغرفة الواسعة التى تمتلأ بعدد مهول من الزجاجات الفارغة وفراش ضخم للغاية وكوماد صغير بجواره ومقعد واحد من يجلس عليه.
شعرت بانقطاع الأحبال الصوتية لديها فقالت بعد معاناة للحديث:
_ أنت جايبني المكان دا ليه؟
تعالت ضحكاته وهو يقترب منها ويحرر قيود يدها بقوة جعلتها تصرخ ألمًا من قوة ربط الحبال فرفع يديه يكيل لرجاله اللكمات قائلا بغضب:
_ أنتوا عاملين فيها كدا ليه؟
بكت ليان وهى تتأمل جنونه وعدم اتزانه رائحة فمه نقلت لها صورة مقززة عما يتناوله.
رفع يديه على وجهها قائلا بصوتٍ مخيف:
_ متخافيش يا لين أنا جايبك نتسلى شوية.
أبعدت يديه عنها قائلة بصراخ:
_ متلمسنيش.
تعالت ضحكاته والرعب يتوالى بقلبها والدموع تعرف كيف الطريق على وجه الآنين.
***
بقصر نعمان.
وضعها يزيد بحرصٍ شديد على الفراش وعيناه بالحزن تفترش وجهها.
رفع يديه يزيح دموعها بخنجر يزداد بطعن قلبه فخرج صوته المنهزم لأول مرة:
_ أيه الا حصلك يا بسمة؟
ازدادت دموعها فعلم بأنها تستمع إليه ليكمل وهو يجفف دموعها بأنامل يديه الحنونة:
_ لو أعرف مالك بس؟!!
ثم تمسك بيدها قائلا بحزن:
_ مش هسيبك صدقيني أنتِ هنا معايا.
أزدادت دمعاتها فزداد حزنه ليعلم الآن أنه لم يخطئ فهو بحالة عشق مريبة.
دلفت أمل للداخل ومعها شاهندة التي أتت على الفور حينما بعث لهم يزيد مع الخدم، تأملتها أمل بأهتمام ثم قالت بحزن:
_ مش دي البنت الا كانت معاك؟
أشار برأسه بحزن فأقتربت منها شاهندة قائلة بستغراب:
_ مالها يا يزيد!
قص عليهم يزيد ما حدث فأقتربت منها أمل ورفعت يدها على رأسها تقرأ آيات من القرآن بحزن.
تأملها يزيد بصمت فأستمع لآيات الله التي ترتلها أمل بصوتٍ عذب.
صدحت رسالة مالك فأخرج يزيد هاتفه لينصدم بقوة مما رآه فقال بسرعة وهو يتوجه للخروج:
_ منار فين يا شاهندة؟
أجابته بستغراب:
_ في الجامعه.
غادر سريعاً وهو يحمد الله بأن وجد وسيلة للاتصال بمحمود بعدما نسى هاتفه.
***
بالجامعة.
تفاجئت منار بعدد مهول من الاتصالات من يزيد فأخرجت هاتفها بقلق:
_ أيوا يا آبيه.
صوته المتلهف:
_ محمود فين يا منار؟
اجابته بستغراب:
_ معرفش هو مش علينا النهارده.
أكمل حديثه بسرعة كبيرة:
_ شوفيه فين فى مكتبه ولا بأي مدرج وإعطيه الفون حالا.
أجابته بخوف:
_ في أيه يا آبيه؟
صاح بغضب:
_ مش وقته.
وبالفعل هرولت منار تبحث عنه بالجامعة إلى أن وجدته بمكتبه فدلت وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة:
_ دكتور محمود كويس أني لقيت حضرتك.
وقف يتأملها بستغراب وخوف:
_ في أيه! أنتِ كويسه؟
أشارت برأسها وهى تناوله الهاتف قائلة بصوت متقطع:
_ آبيه يزيد عايزك ضروري.
ألتقط منها الهاتف ليستمع من يزيد ما حدث مع شقيقته وأخبره أن المكان الموجودة به على الهاتف الخاص بيزيد وحدد له المكان الذي سيلتقي به ليذهبوا لمالك.
ما أن استمع محمود لما يقوله يزيد حتى أطبق على يديه بقوة وغضب شديد بث الرعب بقلب منار فركض سريعاً للمكان الذي أخبره به يزيد.
***
إبتعدت للخلف وهى تبكي بقوة قائلة بصوت مرتجف:
_ أنت فاكر أني كنت هسمح لحيوان زيك يبقا زوجي بعد الا شوفته!!
تعالت ضحكاته قائلا بعين لامعة بشيء يصعب وصفه:
_ أديكى هتبقي مرأتي بس من غير ورق.
صدمت من حديثه وحاولت الركض ولكن هيهات جذبها بقوة للفراش فصرخت بقوة حينما حاول التهاجم عليها ولكنها صعقت حينما طاح بعيداً عنها فتطلعت لمن يقف أمامها كالسد المنيع، جسده كفيل بحجب النور عنها، حاولت رؤية وجهه لتتأكد بأنه هو ولكن وجهه مقابل لمن يحاول النهوض.
أقترب منه مالك وعيناه تشع شرارت من جحيم يكيل له لكمات قاتلة قائلا بصوت كالرعد:
_ حيوان فاكر نفسك مين!!
أغمضت عيناها بآمان وسعادة حقيقية لوجوده ولكنها فزعت حينما دلف جميع الرجال للداخل بعدما استمعوا صوت صراخه.
ألتفوا حول مالك كالمدرعات القاتلة وهى تحتضن الكوماد بخوف شديد تشعر به لأول مرة.
أخرج أحدهما السكين وأقترب منه فرفع يديه ليغرسها بصدره فصرخت بقوة لأول مرة بأسمه.
مااااالك.
أسمٍ ترنح بين شفتايها.
أمسك معصم الرجل بقوة ولكنه أستدار بوجهه لها بلهفة وسعادة لسماع أسمه ورؤية الخوف على وجهها والدمع المتدفق من سحر عيناها.
أستغل أحداهما إنشغاله بحوريته وهوى على وجهه بلكمة فشهقت خوفاً.
أعاده اللكمة لأرض المعركة فحاربهم بقوة حتى تزايد العدد عليه ليجد رفيقه ينضم إليه حتى محمود جذب حسام بغضب ليس له مثيل الغضب جعله كفيف عن الرحمة لذاك اللعين فأنهى علية بلكمة فقدته واعيه.
أقترب من شقيقته بسرعة كبيرة فأحتضنها بخوف وأقترب من مالك ومازالت بأحضانه تنظر له بتعجب لوجود السريع بالمكان وشعورها بنبض القلب المريب.
رفع محمود عيناه لمالك ويزيد قائلا بأمتنان:
_ مش عارف اشكركم أزاي؟
أجابه يزيد الذي يتأمل نظرات مالك وليان بأبتسامة مكر:
_ عيب يا محمود احنا معملناش غير الواجب وهنكملة لما الشرطة تعتقل الحيوان دا ودي بقا مهمتي.
إبتسم محمود لدهاء يزيد وبالفعل خرج يزيد يتحدث مع الشرطة وقام محمود بتقيدهم جميعاً.
لتبقى ليان أمام أعين عشق الروح.
العينان متعلقة ببعضهما البعض والأرواح تشتعل كالجمر من الآنين والأشتياق لتتوحد بأيام قادمة لتشكل أحداث نارية.
رواية معشوق الروح الفصل التاسع 9 - بقلم اية محمد
تلاقت العينان بلقاء طويل. تقف على بعد قليل منه وعيناها تتأمله بستغراب وزهول.
أقترب منها مالك قائلاً بصوتٍ هادئ:
_ أنتِ كويسة؟
أكتفت بالإشارة له ونظراتها تؤكد بأنها بدرجات الجنون. ظل كما هو يتأمل عيناها بصمت. ما تفكر به يصل له بنظراتها.
أفاق من دوامته على صوت الشرطة.
دلف عدد من الضباط للداخل، فرفعت يدها بخوف على ذراعه، تشدد من ضغطها بقوة وهي ترى أحدهم يقترب منها. وقفت خلف ظهر مالك برعب حقيقي. ونظرات محمود ويزيد تطوفها بستغراب. فمن المؤكد لخوفها الاحتماء خلف ظهر شقيقها، ولكنها احتمت بمالك بدون تعمد، ربما نداء روحي لطوفان العشق.
رفع مالك يديه على يدها الممدودة على ذراعيه، فلفظ قلبها بألحان صعبت بوصفها. حتى هو حاول الحديث كثيراً ولكن لم يستطع، فحاله ليس أقل منها.
أقترب منها الشرطي قائلاً بتفهم:
_ متخافيش، هما 5 دقايق بس. هناخد أقوالك وهتمشي مع جوزك.
صدحت الكلمة بالمكان، فتطلع محمود بصدمة. ليزيد المبتسم يمكر، فرفع يده على كتفيه قائلاً بخبث:
_ شكلنا هنبقى نسايب يا حودة.
ملامحه تحمل الجدية، فلأول مرة يرى شقيقته تحتمي بأحدٍ ما مثلما تفعل مع مالك. شعر بأن هناك رابط ما يجمعهم.
جذبها مالك من خلف ظهره لتقف أمام الشرطي، تقص بدموع ما حدث منذ الوهلة الأولى إلى أن تدخل مالك لينقذها منه.
أنهى الشرطي الإجراءات اللازمة نظراً لحالتها المرتبكة، ثم غادر محمود وليان بسيارة يزيد ومالك يتابعهم.
***
بالشركة.
أنهت تقى الملف ثم قدمته على المكتب قائلة بخوف:
_ كدا يا سيف؟
أنهى سيف اتصاله ثم رفع أنظاره على الملف بتفحص دام لأكثر من أربعين دقيقة قائلاً بملامح ثابتة:
_ لا طبعاً مش بالطريقة دي، عندك تعديلات كتيرة.
تطلعت له بحزن، فترك مقعده وجلس جوارها يحدد لها بعض النقاط الهامة. ثم جذب جاكيته وتوجه لقاعة الاجتماعات تاركاً إياها تعدل ما تركه لها.
***
هبط محمود وليان أمام المنزل وغادر يزيد ومالك المبتسم بسعادة كلما تذكر حمايتها به.
صعدت ليان للأعلى والدموع لتذكر ما حدث تلون وجهها وعيناها بالأحمر القاتم.
دلف محمود للداخل ليتفاجئ بولدته تجلس أرضاً، منهارة من البكاء بعدما علمت من الناس هنا ما حدث لليان.
تلون الأمل بشعاع نور حينما رأتها تدخل هي وابنها المنزل سالمة، فهرولت إليها سريعاً بلهفة وسعادة امتزجت بالدموع:
_ الحمد لله أنك بخير يا حبيبتي.
ثم أخرجتها من أحضانها قائلة بغضب:
_ قوللي إيه اللي حصل ومين الناس دي؟
جلس محمود على الأريكة قائلاً بغضب عاصف:
_ بعتهم الحيوان ده، بس خلاص يزيد عمل معاه الصح ولبسه قضايا تخليه يعفن ميت سنة في السجن.
أجابته بستغراب:
_ يزيد كان معاكم؟
خلع جاكيته قائلاً بتأكيد:
_ أيوا، وإلا أنقذ ليان ابن عمه مالك. من غيره ما كناش هنعرف مكانها ولا أي حاجة.
احتضنتها فاتن بخوف، فقالت بامتنان:
_ ربنا يجزيهم خير يارب ويبارك فيهم.
ثم توجهت للمطبخ قائلة بتماسك مخادع:
_ هعملكم حاجة تروق أعصابكم، منهم لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.
وبالفعل تركتهم وتوجهت للمطبخ تعد لها شيئاً يعيد توازنها. أما محمود فأقترب منها قائلاً بحزن:
_ خلاص يا ليان، مش هيكون له وجود بحياتك، انسيه وانسى أي حاجة ليها علاقة بيه.
رفعت عيناها الممتلئة بالدموع ليخرج صوتها المتقطع بصدمة:
_ أنا إزاي كنت هعيش مع البني آدم ده؟
رفع يديه يجفف دموعها قائلاً بحزن:
_ خلاص يا ليان، احمدي ربنا إنك كشفتيه بنفسك.
رفعت عيناها تتأمله بابتسامة بسيطة تجاهد للخروج قائلة بسخرية:
_ أنا مسمعتش كلامك قبل كده يا محمود، واخترته هو، اخترت الحيوان ده.
تعالت شهقات بكائها الحارف، فأحتضنها محمود بقوة قائلاً بألم:
_ خلاص بقا يا لين، وبعدين يا ستي هو خد وجبه وزيادة، أروحله السجن أقتله وأخلص.
ابتسمت على حديثه المرح، فأخرجها من أحضانه قائلاً بابتسامة جذابة:
_ أيوا كدا، اضحكي.
ثم أكمل بتذكر:
_ هو انتِ تعرفي مالك؟
طافت ذكرياتها بخيال أكد لمحمود بأن ما يجمعهم ليس رؤية واحدة، لا هناك شيء ما مفقود. سماع اسمه كان كفيل بجعلها رائحة الأمان تتسلل لها. سماع اسمه جعلها تشعر بعاصفة تلتف حولها فتجعلها كالهائمة بعالم من الأساطير.
رفع محمود يده على ذراعيها بتعجب، فعادت لأرض الواقع قائلة بصوت منهزم:
_ مش عارفه.
أعتدل بجلسته قائلاً بسخرية:
_ إزاي، هو يا أه يا لا!
أستندت بجسدها على الأريكة لتقص بهيام قصتها الغامضة مع مالك نعمان.
كان محمود بحالة من الهدوء والصدمة بآنٍ واحد، فخرج صوته أخيراً:
_ سبحان الله، أنا مش مصدق اللي سمعته ده! والأغرب بالنسبالي ليه مالك مقاليش؟
أجابته بستغراب هي الأخرى:
_ معرفش يا محمود، كل اللي أقدر أقولهولك إني لما بشوفه بحس إني أعرفه من سنين. أنا كنت بشوفه كل يوم بأحلامي، مش عارفة كل اللي بيتبرع لحد بالدم بيحصله كدا.
قاطعها قائلاً بزهول:
_ لا طبعاً، عموماً ارتاحي في أوضتي على ما أرتب الأوضة بتاعتك.
ابتسمت بفخر بأخيها ودلفت لغرفته لتعبها الشديد.
***
بقصر نعمان.
صعد مالك لغرفته بفرحة تكسو وجهه، يحمل ذراعيه كأنها كنز ثمين. نسمات تلونهم بطيف لمساتها، فجعلت قلبه بين صراعٍ ليس لها طريق للطواف.
ألقى بنفسه على الفراش بإهمال يتذكر نظراتها.
عشق اسمه حينما نطقته هي. يالله، أهذا هو العشق كما يقال؟ إذاً مالك نعمان أسر بالعشق الروحي.
***
صعد يزيد لغرفته مسرعاً ليجدها غائبة عن الوعي مثلما تركها. أستند بجسده العملاق على الباب بحزن لرؤيتها هكذا.
لمعت عين أمل ببريق جديد لرؤية الحب يتوج عين يزيد، فخرج صوتها الساكن:
_ متقلقش يابني، أنا وشاهندة هنفضل جانبها.
أشار برأسه وغادر لغرفة مالك.
ولج للداخل فوجده يفترش الفراش بشرود، فألقى بنفسه جواره واضعاً يديه خلف رأسه يخطف النظرات له ببسمة سخرية:
_ كنت فاكر إنك مجنون، بس حالياً بقينا اتنين.
أستدار مالك بوجهه ليجده يتمدد جواره، أعتدل بنومته قائلاً بستغراب:
_ أنت بتعمل إيه هنا؟
جذب الغطاء قائلاً بسخرية:
_ زي ما حضرتك شايف.
جذب الغطاء من على وجهه قائلاً بغضب:
_ ما أنا شايف وكل حاجة، بس عندي فضول أعرف منك لو مش هتعجبك.
وضع وسادة خلف ظهره قائلاً بهدوء معاكس:
_ شكلي هحكيلك على اللي حصل النهاردة.
وضع مالك خلف ظهره وسادة هو الآخر:
_ قول.
وبالفعل قص يزيد ما حدث لمالك المنصدم مما يستمع إليه، فقال بزهول:
_ بس مينفعش يا يزيد، أكيد أهلها قلقانين عليها جداً.
زفر بغضب:
_ أعمل إيه يعني؟ أنا أول مرة معرفش أوصل لملف موظف عندي بالشركة، ومكنش في وقت أعاقب المسؤول عن الكلام ده.
أجابه بتفهم:
_ طب هي هتفوق إمتى؟
حل الحزن على ملامح وجهه:
_ معرفش، الدكتور بيديها أدوية تخليها فاقدة الوعي.
مالك بتفكير:
_ طب إيه اللي وصلها للحالة دي؟
أجابه بغضب:
_ قولتلك معرفش، أنا خرجت من المكتب لقيت حالتها كدا.
_ ربنا يستر.
قالها مالك وهو ينهض عن الفراش ويتوجه لخزانته.
***
بالشركة.
تعجب سيف من أختفاء مالك ويزيد من المقر، فعلم منهم ما حدث. فأخبره يزيد أن عليه تحمل مسؤوليات الشركات اليوم لعدم استطاعتهم بالحضور.
دلف لمكتبه بصدمة تفوقه أضعاف حينما رأى عدد مهول من الملفات والموظفين، ليخبره أحدهما بأن العمل على هذا العدد هام جداً.
جلس على مقعد قائلاً بصدمة:
_ منهم لله، إيه كل ده!!!
تعالت ضحكات تقى وهي ترى تعبيرات وجهه المضحكة.
رمقها بنظرات مميتة وجذب أحدهما ليشرح بالعمل بغضب شديد. جذبت مقعد ووضعته جوار المقعد الرئيسي الخاص به قائلة بجدية:
_ قولي أساعدك إزاي؟
رفع عيناه قائلاً بابتسامة ساحرة:
_ حابة تساعديني بجد!
أشارت برأسها، فناولها الملف قائلاً بهدوء:
_ رجعي الملفات دي واقرأيها كويس وأنا هوقع وراكِ من غير مراجعة.
أشارت برأسها وشرعت بتنفيذ ما طلبه منها.
***
بمنزل محمود.
أستندت برأسها على الوسادة تتذكر ما حدث بستغراب. تذكرت كيف وقف أمامها كالمدرع البشري لحمايتها، كيف تطلع لها بعشق حينما صاحت باسمه. على نبض قلبها بقوة وهي تتذكر كيف أحتمت به.
رددت اسمه مجدداً بصوت خافت لعلها تلتمس ما حدث لها منذ قليل، ليعود خفقان القلب بقوة كأنه مقبرة مميتة وإسمه من أعاده على قيد الحياة.
أحتضنت وسادتها بابتسامة هادئة حينما تذكرت كلمات الشرطي بأنه زوجها.
***
بغرفة شاهندة.
حينما أطمئنت على بسمة، ولجت لغرفتها بوقت متأخر للغاية، فتمددت على الفراش بإهمال وذراعيها تبحث عن الهاتف فوجدته أسفل الوسادة.
حملت شاهندة الهاتف بين يديها لأول مرة وهي تتفحصه بعينٍ تبعث للقلب شعاع، فجعلته يحفر صورته بقلبها. خشيت أن ترضى فضولها فتغضب ربها، فأسرت بوضع الهاتف بالكوماد ثم تمددت وهي تتذكر كيف اصطدم بها وحديثها المضحك بعض الشيء، ربما لا تعلم بأنه نصفها الآخر.
***
دلف للداخل بخطى مسابقة بهلاك الموت. طالته طاغية وقابضة للأنفاس.
سكونه مريب لمن حوله وعلى رأس القائمة هي. أسرعت بالحديث بعدما جلس أمام عيناها ونظراته كالعاصفة الهادئة قائلة بستغراب:
_ مالك؟
وضع قدماً فوق الأخرى قائلاً بصوت ثابت معتاد:
_ مفيش، وصلي رسالة إنك عايزاني فجيت أشوف خير؟
تركت نوال مقعدها وجلست على المقعد المقابل له تشعل سيجارة بارتباك وخوف:
_ أنا عايزة أشوف وصلت لفين في موضوع شاهندة.
حل الصمت ملامح وجهه وهو يدرس خوفها قائلاً بسكون مريب:
_ وده يهمك في إيه؟ أنتِ عايزاني أدخل العيلة دي، وده اللي بعمله.
_ لا مش عايزك تدخل العيلة دي.
قالتها بسرعة كبيرة، سرعت الشك بعقل فراس ولكنه هادئ الطباع ليتحدث بثبات ليس له مثيل:
_ ليه؟
أسرعت بالحديث:
_ من غير ليه، أنا قررت أقتل مالك، بس قبل ما ده يحصل لازم أحرق قلبه وقلب يزيد، اللي معرفتش أعمله بطارق هعمله مع نقاط ضعف عيلة نعمان بحالها.
ضيق عيناه بعدم فهم، فأكملت هي بفرحة:
_ الخطة المرة دي مش هيكون ليها مثيل ولا هتفشل زي اللي حصلت مع طارق وأضطر أقتل البنت زي ما عملت.
تطلعت له بستغراب، فتعالت ضحكاتها قائلة بغرور:
_ أمال فاكرني هجازف بنفسي لما يستخدم العيال دول ويخليهم يبلغوا عني ويشهدوا ضدي، اللي حصل للبنت وعيلتها خلاص، يخليهم يترعبوا لميت سنة قدام.
ثم أخرجت الصور ووضعتهم على المكتب قائلة بعينٍ كالجمر:
_ والمرادي اللي جاي صعب أوي.
تطلع فراس لصورة منار وشاهندة بين يديها بشيء من الغموض بداخله قسم كالطوفان يدمرها، فربما هو العاصفة المدمرة لها لعلمه ما نقاط ضعفها ودراسته لشخصيتها الوضيعة. وربما وضعته على أول الطريق ليجد عائلته الحقيقية.
***
بالمكتب.
مرت الساعات وبدأ النهار بالسطوع ومازال سيف يعمل بتعب شديد، فأغلق أخر ملف بين يديه والرؤيا تجاهد للوضوح.
أستدار بوجهه ليجدها غافلة على الملف الأخير، فأبتسم بسخرية على تصميمها بالمساعدة.
أقترب منها سيف قائلاً بصوت منخفض حتى لا يفزعها:
_ تقى.
ما أن لفظ اسمها حتى ابتسمت بتلقائية مرددة بهمس كأنها تراه بحلمها:
_ سيف.
ضيق عيناه بستغراب وتأمل بسمتها، فأعاد النداء من جديد ليجدها تبتسم، فتأكد من أنها تراه بأحلامها.
جذبها سيف قائلاً بهدوء:
_ تقى، فوقي.
لم تستجيب له واعتدلت بنومها بلا مبالاة، زفر بغضب، فكيف له بحملها للسيارة، فهي ليست تحل له. فعلها من قبل حينما كانت فاقدة الوعي ولكن الآن ليس من مخرج.
خطرت على باله فكرة، فأقترب منها وأسند ظهرها على المقعد ثم ضغط على الزر ليتمدد بشكل منتظم. خلع جاكيته ثم داثرها جيداً وتمدد هو الآخر على الأريكة بنهاية المكتب وعيناه هائمة بها.
لم يذق النوم من التفكير.
***
سطعت الشمس بأشعتها المتوهجة، فاليوم هو المحفل للجميع.
بقصر نعمان.
استيقظ يزيد من نومه المقلق، فنهض عن الفراش بعدما داثر مالك جيداً، ثم توجه لغرفته بخوف شديد ليجدها استعادت وعيها والأغرب أنها تجلس على الفراش بصمت مميت، حتى عيناها لا تتحرك تنظر للأمام بسكون.
دلف للداخل سريعاً ثم جلس أمام عيناها قائلاً بسعادة لرؤيتها:
_ بسمة.
نقلت نظرات عيناها إليه وهي تتأمله بصمت. حذف بدمعاتها المتلاحقة التي مزقت قلبه بأنتصار، رفع يديه يزيح دموعها قائلاً بحزن:
_ قولي لي، إيه اللي حصل ووصلك لكده؟
تطلعت ليديه الممدودة على وجهها، ثم أعادت النظر لعيناه بنفس السكون والصمت، فقط عيناها تزف الألم. كيف ستخبره بأن من دق له القلب هو من تسبب بجرحها هكذا؟
جفف دموعها قائلاً بألم:
_ مش عايزة تقولي لي مالك؟
رفعت عيناها من عليه وتطلعت أمامها بسكون مزق ما تبقى بقلبه. رفع يديه على خصلات شعره ليتحكم بغضبه، فتلك المرة لابد أن يتمالك بالهدوء.
توجه لخزانته فجذب ما يناسبه وتوجه لحمام الغرفة ليخرج بعد قليل بطلته الوسيمة للغاية بالحلي السوداء، فكأنها صنعت خصيصاً لأجله.
ثم صفف شعره بعناية وهو يخطف نظراته لها بالمرآة.
أستدار يزيد والحزن يحتل وجهه لرؤيتها هكذا، لم يعتاد على أن يراها بطياف الحزن، فكانت بسمتها معتادة على وجهها، أين حوريته المشاكسة الذي وقع بغرامها منذ الوهلة الأولى.
أقترب منها ثم جلس على مقربة منها قائلاً بحزن:
_ السكوت مش هيفيدك بحاجة يا بسمة، أنتِ مش عارفة أنا بتعذب إزاي وأنا شايفك كدا.
رفعت عيناها له بغموض، فأكمل بثبات:
_ أنتِ ليه مش قادرة تصدقي إنك تهميني أوي، لأني بحس إنك روحي.
سقطت الدموع كالسيل من عيناها، فجذبها لتقف أمام عيناه قائلاً بغضب:
_ قولي لي مالك وحالا يا بسمة، مش هقدر أنتظر أكتر من كده.
خرج صوتها أخيراً بدموع ليس لها مثيل. خرج والآنين يصاحبه، فيجعله هلع للقلوب. خرج بجمر من الأحزان قائلة بصوت منخفض وقدماها لم تعد تحملها:
_ أهلي ماتوا يا يزيد.
صدم مما استمع إليه، فصرخت بجنون:
_ ما عادش ليا حد، أهلي اتقتلوا كلهم ماتوا بسببك أنت، أيوا أنت السبب.
تعالت صرخاتها فدلت شاهندة للداخل ومنار، وهرول مالك هو الآخر وهي تصرخ به بجنون:
_ أنت السبب، أنت وعيلتك دمرتوناااا كلنا.
كان بصدمة ليس لها مثيل وهو يستمع لها، حتى مالك تخشب محله وهو يستمع لها. أما طارق فتطلع للجميع بعدم فهم.
أقتربت منها أمل قائلة بدموع:
_ ليه كدا يا حبيبتي، إيه اللي دخل يزيد في اللي حصل لعيلتك؟
كفت عن البكاء وأقتربت لتكون على مستواها:
_ أهلي ماتوا بسببه هو، أنا ما عادش ليا حد.
ثم وقفت تطلع لمن بالغرفة بابتسامة من وسط الدموع:
_ بس ليا واحد بس ممكن أروحله، أه، أكيد مش هيرميني بره.
شاهندة بهدوء لمعرفة حالتها النفسية:
_ اهدئي يا بسمة.
ابتسمت قائلة بسخرية:
_ بالعكس، أول مرة أكون هادية كدا. أنا لازم أخرج من هنا وأروحله.
جذبها يزيد بقوة وغضب قد فشل بالتحكم به:
_ تروحي فين ولمين؟
تطلعت لعيناه بصمت وابتسامة مجهولة للجميع، ثم قالت بسعادة:
_ هروح لجوزي.
تخشبت يديه على ذراعها مردداً بصوت صادم:
_ جوزك!!!
ابتسمت قائلة بتأييد:
_ أيوا يا يزيد بيه، أنا متجوزة.
صاح بغضب قاتل:
_ إيه الجنان ده!!!
زادت بسمتها والدمع يخالف لها:
_ ده مش جنان، دي الحقيقة، أنا متجوزة.
صفعها بقوة لتهوي على الفراش، غير محتمل لما تتفوه به. لا هي ملك له، هي الحب الأول والأخير بحياته. كيف تخبره بأنها لأخر.
تدخل مالك على الفور حينما شل حركة يزيد قائلاً بغضب:
_ أنت اتجننت يا يزيد.
حاول أن يتباعد عنه ولكن لم يستطع، فتدخل طارق هو الآخر وجذبوه خارج الغرفة وتبقى صوت بكائها الحارق بالغرفة.
أقتربت منها أمل بدموع:
_ معلش يا بنتي، اعذريه.
رفعت عيناها والدم يسيل من فمها من قوة يزيد الزائدة:
_ أعذره!!! أعذره على إيه ولا إيه؟
لم تفهم أمل ما تقصده بسمة. كلماتها تحمل مغزى لأوجاع كبيرة. دموعها تنسدل بخليط من الضعف والقوة.
أقتربت منها منار قائلة بهدوء:
_ خدي أدويتك وهتبقى كويسة إن شاء الله.
أنصاعت لها بسمة وتناولت الدواء لحاجتها له، لتغرق بنوماً عميق بفعل المهدئ.
داثرتها شاهندة بحزن، فالجميع أحبها بصدق لطبيعتها العفوية، ربما لا يعلمون بأنها سلاح ذو حدين.
***
بغرفة مالك.
دفشه بقوة كبيرة وغضب أكبر:
_ أنت مجنون تمد إيدك عليها؟
شدد خصلات شعره بجنون:
_ إزاي تكون لغيري، أزاااي؟
طارق بحزن:
_ أهدا يا يزيد، أكيد يعني مجتش فرصة تقولك إنها متجوزة.
رفع قدماه بقوة فسقطت الطاولة متناثرة لجزيئات من الزجاج المحطم كحال قلبه، ليصيح بقوة:
_ هي ملكي ومش لغيري، حتى لو اضطريت أقتل الحيوان ده.
صاح مالك بغضب:
_ شايف نفسك سفاح أو كافر، هتغضب ربنا! ... ثم إنك متزوج يعني، مش شايف فرق يعني.
صدم طارق مما استمع إليه، فصاح بغضب وهو يتأمل طارق:
_ اتجوزتها عشان أداري جريمة الأستاذ، وأنت عارف كدا كويس.
أقترب منه مالك ذو العقل المذهب:
_ زي ما حضرتك اتجبرت تتجوز واحدة، جايز هي كمان كانت مجبورة على كدا.
توقف يزيد بتفكير، ليكمل مالك:
_ قولتلك ألف مرة يا يزيد، سيطر على أعصابك قبل ما تفقد كل اللي حواليك، وأولهم البنت الوحيدة اللي حضرتك حبيتها. القرار دلوقتي يرجع ليك أنت.
ثم استدار لطارق قائلاً بهدوء:
_ يلا يا طارق.
وبالفعل تركوا الغرفة ليزيد حتى يسترجع عقله.
***
بالقاعة.
دلف مالك للداخل قائلاً بهدوء:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
أقتربت منه أمل باستخدام المقعد المتحرك:
_ منار أديتها الأدوية ونامت.
ثم أكملت بقلق:
_ طمني على يزيد.
أشار برأسه بمعنى أنه بخير. ثم تطلع لشاهندة قائلاً بغموض:
_ علاقتك ببسمة قوية يا شاهندة.
أجابته بحيرة:
_ أنا كلمتها كذا مرة من أول مرة دخلت القصر، وكنت جنبها وهي مريضة.
أجابت منار بدلاً عنها:
_ أيوا يا مالك، هي بترتاح لشاهي.
أكتفى بإشارة رأسه قائلاً بثبات:
_ خليكم جنبها لحد ما تتحسن، وبعدين نشوف حكايتها إيه؟
أمل بارتباك:
_ ليه قالت إن يزيد له علاقة في موت أهلها!
أشار برأسه بعدم فهم:
_ مش عارف يا ماما، لما تفوق أكيد هتتكلم. أنا هروح أشوف محمود وهرجع على طول.
ابتسمت بسمة بسيطة:
_ ماشي يا حبيبي، خلي بالك من نفسك.
قبل يدها قائلاً بسعادة:
_ حاضر يا حبيبتي.
وتوجه مالك لغرفته البديلة بالمكتب ليبدل ثيابه. أما شاهندة فصعدت لتكون جوار بسمة، وأمل أقتربت من طارق لتعلم ما سبب حزنه، فتفاجئت بأنه علم بأمر زواج يزيد وتضحيته لأجله.
***
بغرفة المكتب.
ولجت منار خلف مالك تبحث عنه، فأشار لها بعدما ارتدى قميصه:
_ أنا هنا.
أستدارت قائلة بخضة:
_ فزعتني يا مالك.
أقترب منها مقبلاً رأسها:
_ حقك عليا.
ابتسمت على حنان أخيها الملازم له، ثم قالت بارتباك:
_ هو أنت رايح لمحمود، أقصد دكتور محمود.
ضيق عيناه بغموض، فأكملت بتوتر:
_ أصل إمبارح أبيه يزيد كلمني وطلب مني أديه الفون، فمن شكله كدا كان باين إن في حاجة كبيرة.
خرج صوته ومازالت ملامح الغموض تحتل وجهه:
_ كان في مشكلة مع ليان أخته واتحلت الحمد لله.
أجابته بلهفة:
_ مشكلة إيه؟
صفف شعره وهو يقص لها باختصار ما حدث، فقالت بحزن:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طب هي عاملة إيه دلوقتي؟
جذب جاكيته قائلاً بهدوء:
_ مش عارف، بس هروح دلوقتي أطمن من محمود وأشوفهم لو محتاجين حاجة.
أسرعت بالحديث:
_ ينفع أجي معاك؟
تطلع لها بتفكير، ثم قال بعد مدة طالت بالصمت:
_ أوك، بس أنجزي.
هرولت لغرفتها بسعادة ملموسة لمالك.
***
بغرفة مالك.
أسند يزيد رأسه على المقعد بحزن شديد يخاطب نفسه بخطاب طويل محفور بالآنين.
"ياترى ده عقابك ليا يارب! تمن اللي عملته في البنت البريئة دي.. خليتني أحب بسمة في أيام وأتعلق بيها بسرعة عشان أنكسر.. يارب أنت الوحيد اللي عالم إني بحبها أوي، متجرحنيش فيها يارب. عارف إني غلطت، بس كنت بحاول أنقذ عيلتي من اللي جاي، سمعة أخواتي البنات كانت ممكن تتلوث بسبب اللي طارق عمله. يارب أنا خلاص حاسس إني مش عارف أفكر ولا عارف أنا عايز إيه، كل اللي بطلبه منك إنك متبعدنيش عنها لأي سبب من الأسباب."
زفر بقوة بعدما أنهى حديثه بينه وبين ذاته وخرج من غرفة مالك لغرفته ليرى شاهندة تجلس جوارها وتعتني بها جيداً، حتى أنها أغلقت الضوء وتركتها تغوص بنوم عميق.
***
بالمكتب.
أفاقت من نومها لتجد أنها مازالت بالمكتب، أعتدلت بجلستها وهي تتأمل المكان بعين تبحث عن معشوقها. حملت جاكيته بين أحضانها بسعادة وتوجهت إليه بخطى مضطربة لتجلس أرضاً تتأمله بابتسامة عشق محفور بقلبها.
تخشبت محلها حينما فتح عينيه كأنه تصنع بأنه غافل ليرى ماذا ستفعل. شهقت خجلاً واستقامت بوقفتها حتى تغادر الغرفة، ولكنه تمسك بمعصمها بقوة جعلت وجهها يتلون بلون الأحمر القاتم. جذبها لتقف أمام عينيه قائلاً بصوته الرجولي:
_ لسه بتحبيني يا تقى؟
أستدارت لتكون أمام وجهه مباشرة قائلة بصوت متقطع ودموع تلحقها:
_ لسه!!! أنت بتسألني معقول؟
تحلت بالصمت وهي تتأمل عينيه، فكادت أن تصبح هشة للغاية. حاولت تخليص يدها لتهرب سريعاً من أمام عينيه وبالفعل استطاعت، فتوجهت للخروج والبكاء يحيل على وجهها.
تخشبت محلها وتوقف قلبها عن الخفق حينما قال بصوت جادي:
_ تتجوزيني يا تقى؟
تخشبت محلها وقدماها تتثاقل شيئاً فشيء، لا تعلم كيف استدارت ولما الدموع لم تتركها حتى بفرحتها العظيمة التي هي بها الآن.
تمردت قدماها وحواجز قلبها وهرولت سريعاً لتقف أمامه مشيرة برأسها سريعاً بالموافقة، فأبتسم سيف على طفولتها، ثم رفع يديه يزيح دموعها ونظراته تتفحص عينيها بشعور جديد يدلف لقلبه، فجعله كالمغيب، ولكن هيهات رضاء الرحمن أعظم من أي شعور يطوف به، فمازالت ليست زوجة له.
ليخرج منها قائلاً بجدية مصطنعة:
_ بس عندي شرط.
_ إيه هو؟
قالتها بخوف شديد، ليكمل هو بغضب:
_ تتعلمي الطبخ.
تعالت ضحكاتها ليشرد هو بها، فقالت من وسط سيل الضحكات:
_ هتعلم منك بعد الجواز.
تلون وجهه بالغضب قائلاً بثبات مريب:
_ بره يا تقى.
قالت بزعل طفولي:
_ ليه بس؟
أشار بعينيه على الباب:
_ قولتلك بره.
حملت حقيبتها وهرولت للخارج قبل أن يقتلها بيديه.
خرجت سريعاً لتلتقي بشريف، فأقترب منها قائلاً بفرحة:
_ الحمد لله دي لسه عايشة، يبقى أكيد الواد سيف حي يرزق.
أجابته بستغراب:
_ بتكلم نفسك يا شريف؟
صاح بغضب:
_ أه ياختي، اترسمي بقا أنتِ والأستاذ سيف فين من امبارح تلفوناتكم مقفولة وأمك عاملة كل شوية ترن عليا تقوليش مخلفكم وناسيكم، قولت لها ممكن يكونوا هربوا مع بعض وهيتجوزوا، قالت...
قاطعته قائلة بهيام:
_ هنتجوز أنا وسيف.
صاح بغرور:
_ والله، قولت لها كدا مصدقتنيش، المهم ياختي تاخدي بعضك كدا وتروحي تقوليلها بنفسك عشان أنا قرفت من العيلة دي وأولهم ولاد خالتك، عن أذنك.
وتركها شريف وغادر ونظراته الغاضبة تلحق بالجميع.
***
بمنزل محمود.
دلت فاتن للداخل بالعصائر قائلة بسعادة:
_ نورتونا يابني والله.
ابتسمت منار قائلة برقة:
_ ده نور حضرتك يا طنط.
جلست جوارها بعدما قدمت لها المشروب قائلة بامتنان لمالك:
_ مش عارفة أشكرك إزاي يا مالك على اللي عملته لليان.
أعتدل بجلسته قائلاً بغضب مصطنع:
_ إيه الكلام ده، تشكريني على إيه؟ أنا عملت الواجب.
أجابته بسعادة:
_ ربنا يحفظك يا حبيبي ويسعد قلبك يارب.
أجابها بهيام لدعائها:
_ يارب.
قاطعتهم منار بتعجب:
_ هي فين ليان؟
ابتسمت قائلة بهدوء:
_ زمانها جايه يا حبيبتي، كمان كلمت محمود وزمانه على وصول.
أشارت برأسها بخجل، وما هي إلا ثواني معدودة حتى دلفت ليان وعيناها تفترش الأرض من الخجل.
رقصت دقات قلبه على ألحان عينيها، أقتربت لتجلس على مقربة من منار بعد أن رحبت بها بسعادة. حرصت على التهرب من نظراته ولكن لم تستطع، فقلبها يتوق لرؤياه.
تعلق العينان ببعضهما البعض، فكانت بصراع مجهول لا يعلمه سوى عاشق الروح.
تبادلت منار الحديث مع فاتن براحة نفسية كبيرة، والأخرى تتمنى بأن تكون زوجة لأبنها.
قامت فاتن وتوجهت للمطبخ لتعد لهم القهوة، فتابعتها منار لتعاونها على ذلك. لم تشعر ليان بأنها بالغرفة معه بمفردها.
قطعت سيل النظرات بكلماتها المرتبكة:
_ أنت مين؟!! وليه كل ما أقع في مشكلة بلقيك جامبي!!
ابتسم قائلاً بجانب وسامته:
_ هتصدقيني لو قولتلك إني معرفش إيه اللي بيجمعني بيكي.
ثم صمت قليلاً ليعود لموجه الحديث:
_ اللي أعرفه إنك ملكي يا ليان وهفضل على طول كدا في وشك لحد ما توافقي على جوازنا.
ابتسمت قائلة بخجل:
_ هتجوزك إزاي وأنا معرفش عنك حاجة!
أقترب منها بعشق جارف مردداً بهمس:
_ أنا اللي قلبي أول ما تبعدي عنه بيتوقف عن النبض. أنا اللي بحس الدنيا كلها ولا حاجة قصاد نظرة من عينكِ. أنا اللي بحس إن قلبي مش ملكي، ملكك أنتِ وبس. لو الحب اتسطر بكلام فالعشق هو الجمل اللي بتكملها.
تلون وجهها بلون يصعب وصفه، حتى أنها رسمت بسمة خفيفة للغاية.
بالخارج.
أغلق محمود الباب ثم كاد أن يتوجه لغرفة الضيوف ولكنه استمع صوت ضحكات والدته. ولج للمطبخ ليجدها ترتدي المريول وتعاونها على إعداد القهوة بطريقتها المميزة.
خرج صوته وعيناه هائمة بها:
_ مساء الخير.
تلفتت فاتن بابتسامة واسعة:
_ أنت جيت يا حبيبي، مالك منتظرك جوا.
رفع عيناه من عليها بصعوبة قائلاً بابتسامة هادئة:
_ عن أذنكم.
_ اتفضل.
قالتها بخجل وعين تفترش الأرض، دلف للداخل قائلاً بابتسامة واسعة:
_ إيه المفاجأة الحلوة دي.
أكتفى مالك بابتسامة هادئة قائلاً بسخرية:
_ واضح إنها مفاجأة، قولت أجى أطمن عليك.
جلس جواره قائلاً بمرح:
_ والله أنا بخير بشوفتك يا مالك يا خوي.
تعالت ضحكات مالك ليأسر قلب ليان، انضموا لهم فاتن ومنار ليكمل مالك بهدوء ونظراته عليها:
_ بما إنك وصلت وكلنا مجتمعين، فأنا حابب أطلب إيد ليان من سيادتك. عارف إن الوقت مش مناسب بس أنا من وجهة نظري مفيش أنسب منه.
تطلعت له ليان بصدمة وفرحة بآنٍ واحد، حتى فاتن لم تجد لأبنتها شاباً بأخلاقه. أما منار فكانت بصدمة من طلب أخيها ولكنها سعيدة للغاية لأنه وجد من تآلقت على قلبه.
طال صمت محمود، فكان محور لشك الجميع وخوف البعض، فرفع قدماً فوق الأخرى يرتشف القهوة بتلذذ ليخرج صوته بعدما سلطوا جميعاً الأنظار عليه:
_ بس أنا عندي شرط يا مالك، ومن غيره للأسف الجوازة مش هتم.
ضيق عيناه الساحرة بتراقب ليرى ماذا هناك؟ حتى الجميع تراقبوا حديثه بصدمة، فرفع عيناه على منار ليعلم الجميع شرطه.
صدمت منار من نظراته الفتاكة عليها، وعلم مالك مغزى طلبه والجميع، فأبتسم قائلاً بمكر:
_ أنا كنت شاكك فيك.
فاتن بسعادة:
_ ياريت والله، أنا مرتاحة لمنار أوي.
محمود بهيام:
_ مش أنتِ لوحدك يا حاجة والله.
جذب مالك رأسه قائلاً بتحذير:
_ خليك معايا عشان مزعلكش.
محمود بصدمة:
_ يعني إيه مش هتوافق؟
رفع قدميه فوق الأخرى مثله قائلاً بهدوء:
_ معنديش مانع، بس ده طبعاً يديك الحق إنك تشرفني في البيت زي ما أنا عملت بالأصول، ومتنساش لسه رأي أخوها الكبير.
ابتسم بسعادة:
_ مدام معندكش مانع يبقى موافق على جوازك من ليان، وأهو يبقى خطوبتين في يوم واحد. وأستدار لوالدته قائلاً بفرحة:
_ ولا إيه يا حاجة؟
عالت الزغاريد من فاتن بسعادة، ثم قالت بضحكات متتالية:
_ طب غيروا الموضوع، البنات بقوا شبه الطماطم الحمرة.
تعالت ضحكات الجميع وليان ومنار بحالة لا يرثى لها.
***
بغرفة يزيد.
أفاقة من نومها بنظراتها المنكسرة، فخطت لصورته الممتلئة للحائط تطلع له بحزن ودموع كأنها تلومه على ما فعله بها.
سمحت لنفسها تفحص أغراضه حتى وقع بيدها السلاح الخاص به، تلونت عيناها بجمرات وآنين الماضي لترى لهيب أكبر من إطفائه بذاتها.
***
بمكتب نوال.
صاحت بسعادة:
_ برافو عليك، استغل خروج منار وشاهندة في اليوم ده ونفذ خطتنا، وزي ما قولتلك عايزة فيديوهات كاملة للاغتصاب على اليوتيوب وعايزة يشوفوا الموت بس ميمتوش.
حمل الرجل المال بسعادة:
_ بس كدا، تحت أمرك، الخطة هتتنفذ بكرة في معادنا.
أعادت رأسها على المقعد بسعادة:
_ وريوني بقا هتنقذوا شرفكم إزاي!
ثم تعالت ضحكاتها، فربما لا تعلم قوة الورقة الثلاثة أو البطل الخفي صاحب القوة الكامنة التي لم ترى منها سوى القليل.
***
بالقصر.
هبط يزيد وجلس معهم بالأسفل، فأقترب منه طارق بدمع يلمع بعينيه:
_ عملت كدا عشاني يا يزيد؟
يزيد بغضب:
_ طارق، بلاش كلام في الموضوع ده.
شاهندة بحزن:
_ يزيد معاه حق يا طارق، اللي حصل حصل.
أمل بدموع:
_ كفايا بقا كلام في اللي فات، أنا خلاص تعبت.
أستدار الجميع بتعجب لرؤية بسمة تقف أمامهم. وقف طارق ويزيد الذي أقترب منها بقلق:
_ إيه اللي نزلك يا بسمة!
أبتعدت عنه وأقتربت لتقف أمام طارق تحت نظرات استغراب من الجميع.
تأملته قليلاً بصمت ونظرات الحقد والكره تشكل على وجهها، فصرخ الجميع حينما أخرجت السلاح من خلف ظهرها لتضعه أمام أعين طارق بغضب لم يتمكن أحداً من كبته، لتصيح بعصبية:
_ كنت فاكر إنك هتفلت بعمايلك الوسخة!
صدم الجميع حتى يزيد، فربما حكم أنها من فعل بها أخيه المأساة، لا يعلم بأنها مجهول آخر سيكشف ليقلب مملكته رأساً على عقب لتكون الجمرات النارية مشتعلة بفضلها. لنرى الآن مجهول بسمة أو مجهولها المصنوع من يدها هي لتدخل تلك العائلة وتكون زوجة ليزيد نعمان!!!
آنتظروا أقوى الحلقات في #معشوق_الروح ... #معركة_العشق_والغرور.
***
•
رواية معشوق الروح الفصل العاشر 10 - بقلم اية محمد
صدمة اجتزت الأواصر وعلى رأسهم يزيد، متخشبٌ محله بواقعٍ يرفض تصديقه.
دلف مالك من الخارج ومعه شقيقته، ليتصنم محله حينما رأى بسمة تصوّب بسلاحها على طارق.
صرخت منار بخوفٍ شديد، فتقدم مالك منها سريعاً لتصرخ به قائلةً بتحذير:
_الّا هيقرب، هقتله.
تراجع مالك للخلف قائلاً بهدوءٍ معاكسٍ لما به:
_الّا بتعمليه دا غلط يا بسمة.
ابتسمت بسخريةٍ وعيناها تمتلئ بالدموع:
_غلط! والا عمله الحيوان دا مش غلط؟ تستركم عليه لمجرد إن عندكم سلطة مش غلط؟
مالك باستغراب:
_أنتِ بتتكلمي عن ايه؟
رفع يزيد عينيه بصدمةٍ تعلو شيئاً فشيء، فاقتربت منه وما زال السلاح بيدها لتنظر له بنظرةٍ لم يفهمها أحد:
_خايفة؟
تعالت ضحكاتها قائلةً بسخرية:
_يزيد نعمان مهزوز وخايف من شكوكه إنّه يطلع معندوش رجولة مع البنت الّا حبها واغتصبها أخوه، أو الّا منّ عليها باسمه المكتوب جنب اسمها.
أغمض عينيه بألمٍ شديد، ألمٌ يفوقه أضعافاً مضاعفة، لا يقوى على تحمله، لا يقوى على تقبّل حقيقة أنّها زوجته.
صدمة الجميع كانت بنفس المطاف، وعلى رأسهم طارق المتخشب بمحله، لا ليست تلك الفتاة التي ارتكب بها ذلك! هناك خطبٌ ما.
رفعت عينيها له قائلةً بغضبٍ ليس له مثيل:
_أيوا أنا الّا متعمدة أكسرك زي ما أنت كسرتني، غرورك والكبرياء الّا عندك ولا حاجة.
ثم تقدمت لتقف أمامه مباشرةً قائلةً بتحدٍّ:
_أنا في مملكتك ووسط عيلتك الّا بنيتها وبقولك أدامهم كلهم إن الجرح الّا هنا محدش هيعرف يشفيه، خلي صاحبك يحاول، أو أملاكك جايز تشتري راحة بالك بالفلوس!
يزيد نعمان الّا الكل بيعمله ألف حساب وحساب، أتحطم على إيد واحدة ست!
دخلي حياتك من البداية كان متخطط له ولحد هنا مرسوم بقلمي، ودلوقتي لازم آخد حقي وحق أختي الّا أخوك دمرها ودمرنا كلنا من غير رحمة.
أمل بدموع:
_لا يا بنتي متظلميهوش.
صاحت بسخرية:
_مظلمهوش بعد كل الّا عمله مظلمهوش! أنا وأختي كان عندنا أمل واحد بس إنّنا منمدش إيدنا لحد عشان فلوس، اشتغلت أنا وهي ليل نهار عشان منحسسش أبونا بعجزه، ومكنش فيه في يومنا غير الحمد والشكر لنعم ربنا حتى لو كانت بسيطة، لحد اليوم الّا حصلها كدا.
أسترسلت حديثها بسيلٍ من الدموع:
_أتكسرت واتمنت الموت، وأنا كنت جامبها برسم إني قوية. شهور وأيام دخلت فيهم الشركة وكنت بحاول أوصل ليزيد نعمان على أمل إني أشوفه وأحكيله الّا أخوه بيعمله معاها، على الّا سمعته من الناس إنه عادل ومش بيرضي بالظلم. أتحملنا كتير وأولهم حملها الّا بان عليها شهر ورا شهر، والناس بتسأل وتشمت، طلعوا كلام في سمعتنا إحنا الاتنين واتحملنا لحد ما اتفاجئت إن العادل زي ما الناس بتقول بيعرض إنه يتجوزها على الورق.
دمعات... دمعات الجميع تهبط بصمت وألم على معاناة تلك الفتاة وعائلتها.
صوت بكاء طارق يعلو القاعة، غير خائفٍ من السلاح المسلط عليه، ولكن لسماع معاناة تلك الفتاة التي قضى عليها بدون رحمة أو إنسانية.
حاول يزيد التحدث ولكن مما استمع إليه شل لسانه، وتبقى هناك سؤالٌ مجهول، إن كانت تلك الفتاة شقيقة من فعل بها ذلك، فمن زوجته؟
أكملت والدموع تنهمر بقوة على وجهها:
_لأول مرة أشوف فيها أبويا مكسور، عمره ما كسره الفقر زي ما كسره الّا حصل أختي، كانت جثة ولا بتاكل ولا بتشرب، ومكنش قدامي اختيار تاني عشان أدخل العيلة دي وأنتقم منكم. مضيت على العقد وأنا واثقة إنك مش هتهتم تشوف الاسم وتفرق بين بسمة وبسملة، أهم حاجة إن سمعتك خلاص بقت في السليم، ونسيت إني عمري ما هسيب حق أختي الصغيرة الّا حضرتك قررت تخلص منها خالص، فقتلتها هي وأبويا.
نظراته غلفت بالحزن لظنه به هكذا، ولكن ليس بيده شيء، حتى الحديث لا يقوى عليه من الصدمات القاتلة التي تلقاها.
رفعت السلاح على صدر طارق قائلةً بفرحة:
_بس خلاص، حق بسملة هيرجع وبموتك يا حقير.
اقترب منها مالك قائلاً بحزنٍ شديد:
_بسمة أرجوكي تسمعيني، يزيد معملش كدا عشان أخوه، كمان طارق بريء.
تطلعت له بسخرية، فأكمل قائلاً بعينٍ تحمل الصدق:
_صدقيني طارق، وأختك ضحية خلافات بينا وبين واحدة كان دا انتقامها مننا.
اقتربت من طارق قائلةً بغضب:
_لو فاكر إني هخدع تبقى غلط.
اقترب منها مالك وسط الضغط المرتفع بالقاعة ببكاء أمل ومنار وشاهندة:
_ورحمة أبويا أبداً، الّا عمل كدا كان تفكيره إن أختك تبلغ عن طارق ويتفضح وسمعتنا تبقى في الأرض. أنا مش بقول إنه معملش كدا، لا، طارق فعلاً عمل كدا بس كان مغيب، والموضوع إحنا لسه مكتشفينه، بدليل إن نوال نفذت هجومها على عيلتك بالوقت دا عشان كانت خايفة إن الشباب الّا حاطوا لطارق الحباية يعترفوا عليها، فالا حصل كان تهديد ليهم.
صرخت بقوة:
_كذب! كذب!
ورفعت سلاحها بإحكام عليه، وهو يقف أمامها باستسلام.
أشار له يزيد بالتراجع، فتراجع للخلف وتقدم منها بخطى بطيئة للغاية لا تتناسب مع يزيد نعمان.
وقف أمام عينيها بصمت، وهي تتأمله هي الأخرى بسكون، إلى أن قطعه حينما رفع يديه قائلاً وعيناه ترسم بالعشق:
_هاتي السلاح يا بسمة.
أشارت برأسها بمعنى لا، فأقترب أكثر قائلاً بحزنٍ شديد على ما رأت به:
_أنا أكتر واحد حاسس بيكي.
ابتسمت قائلةً بسخرية:
_هتحس إزاي وأنا ناري مش هتبرد على أهلي.
قاطعها بانكسار:
_هحس عشان أنا كمان فاقدهم، والسبب هو نفس الشخص، عشان كدا بوعدك إن حقك هيرجعلك وهتشوفي بنفسك يا بسمة، بس عشان خاطري بلاش تقتلي طارق، هو مالوش ذنب في الّا حصل دا، مش بقول كدا عشان هو أخويا، بالعكس، انتِ عندي أغلى من الكل يا بسمة.
أخفضت عينيها بدموعٍ كثيفة، من تعمدت جرحه، ترى الصدق بعينيه.
أردت أن تحتضنه وتخبره بأنها تعشقه مثلما يعشقها، ولكن من داخلها محطمة تماماً على فراق شقيقتها ووالدها.
تعالت شهقات بكائها، فجذبها يزيد لأحضانه بقوة، فألقت بأحزانها وهمومها بدموع ليس لها مثيل، حتى فقدت الوعي بين يديه، ليحملها بصمت للأعلى، فما بين يديه هي الآن زوجته.
أما طارق فجلس أرضاً يبكي بقوة، فكيف له الآن بطلب السماح من جثة لقت حتفها!
تطلع مالك للفتيات قائلاً بحزم:
_كل واحدة على أوضتها.
انصاعوا له وصعدوا لغرفتهم سريعاً، فأقترب منه مالك بحزنٍ على حاله، ليتحدث هو بصعوبة:
_أنا السبب يا مالك، أنا السبب في كل دا.
رفع يديه على كتفيه قائلاً بثباتٍ معتاد:
_ممكن تهدأ شوية، الّا حصل دا كان غصب عنك، وبعدين بسمة مجروحة، والّا عملته كان معاها حق فيه. ادعي ربنا بأنه ينصرك وأترجاه يسامحك.
استمع له بصمت، ثم صعد لغرفته ليلجأ إلى الحي القيوم.
*************
بغرفة يزيد.
وضعها بفراشه والصدمة ما زالت تحتل ملامح وجهه، كيف استطاعت أن تخدعه كل تلك المدة! أيعني أن قلبها خالٍ من عشقه؟ لا، لم يحتمل تلك الحقيقة.
جلس على الفراش يتأملها بصمت وغموض. كلماتها تترنح بأنحاء الغرفة، فأخرجت الوحش الثائر من عرينه.
ليترك الغرفة ويتوجه للصالة الرياضية بسرعة كبيرة.
**********
بمنزل سيف.
تمدد على الفراش بتفكير بالخطوة التي يفكر بها، زواجه منها صائب أم قرار واجب التفكير به.
زفر بغضب من عدم توصله لطريق يريح ذهنه المتطرف، ليجد بأن عشقها سيجعل قلبه يعود للحياة مجدداً، ليحلم من جديد.
**********
بمنزل ليان.
كانت تحتضن الوسادة بخجلٍ شديد كلما تتذكر كلماته.
طالت ذكرياتها مع سحر عيناه وحديثه عن الزواج منها.
أصبح الوقت متأخر للغاية ولم يعلم النوم طريقه إليها.
تشتاق لسماع صوته، فأغلقت عينيها بقوة كأن روحها تناجيه، ففتحت عينيها بفزع وهي تبحث بأنحاء الغرفة عن ما رأته حينما أغلقت عينيها، فوجدت الغرفة فارغة، فأغلقت عينيها لتجده يقف أمامها بابتسامته الساحرة.
على الجانب الآخر.
كان يجلس على المقعد بشرود بها.
الهواء الطلق يحرك خصلات شعره الطويل بدلل، ليتساقط على عينيه الساحرة.
عيناه مغلقتان بقوة.
حركات جسده تحرك المقعد المستجاب لحركاته بعنف.
توقف عن الحركة بصدمة حينما استمع لصوت ليان تناديه بقوة، ففتح عينيه ليجد الغرفة فارغة، فأغلق عينيه ليستمع لصوتها، ليعلم الآن بأن تلك الحورية قادته للجنون.
***********
مر الليل بظلماته القاسية على الجميع بقصر نعمان، وسطعت شمس يومٍ قضاه يزيد بالرياضة الشاقة.
ولج لغرفته ليتفاجأ بها فارغة، فجن جنونه وهو يبحث عنها كالذي فقد إكسير الحياة.
قلب القصر رأساً على عقب، ليعلم من الحرس بأنها غادرت في الصباح الباكر.
صاح بغضبٍ ليس له مثيل:
_وأنتم أغبياء، ازاي تسبوها تخرج من هنا؟
أخبره رئيس الحرس بخوفٍ بدا بصوته:
_حضرتك معندناش تعليمات بأنها متخرجش من هنا.
قبض قبضة يديه بقوة وهو يصعد لسيارته ويخطو بها للخارج بسرعة كبيرة، لعله يلحق بمن خطفت قلبه، ربما تعمدت ذلك وربما لم تتعمد، وربما ستدفع تذكرة غالية الثمن لأجل ما ارتكبته.
**********
بشقة فراس.
كان يتمدد على الفراش بجسده القوي يتابع التلفاز بشرود بخطته للقضاء على نوال، فصدح هاتفه برسالة قلبت مزاجه للحدة:
"التنفيذ بعد ساعة."
قبض قلبه، لن يحتمل رؤيتها هكذا، يا ويلت هذا القلب، أعشق تلك الفتاة!
*******
بقصر نعمان.
كالعادة لديهم كل خميس زيارة قبر والدهم بالصباح الباكر ليقضوا باقي اليوم بالمسجد جوار المقابر.
خرجت منار وشاهندة لمصيرهم المأساوي، فصعدوا بالسيارة التي يعتليها السائق كالعادة.
تحركت السيارة بطريقها للمقابر والفتيات تجلسن بالخلف.
منار بخجل:
_بس بقى يا شاهندة، الله!
أجابته بابتسامة سخرية:
_بس إيه يا أختي! بقا أنتِ يطلع منك كل دا، لا وكمان اعتبر اتخطبتي وأنا آخر من يعلم يابت!
أجابتها بسخرية:
_وأنا يعني كنت هقولك إيه؟ بس بصراحة أنا كنت برتاح لمحمود جداً وبحس من نحيته بشيء غريب.
احتضنتها شاهندة بسعادة حقيقة:
_ربنا يفرح قلبك ويسعدك يا حبيبتي يارب.
شددت من احتضانها بفرحة:
_ويسعد قلبك يا شاهندة، لأنك تستاهلي بجد.
ابتعدت عنها بسخرية:
_هيسعدني فين يا أختي طول ما أنتِ ورايا.
تعالت ضحكاتها وهي تكيل لها الضربات بالحقيبة قائلةً بضيق مصطنع:
_كدا مااشي يا حيوانة.
تعالت الضحكات ليقطعها صوت الضربات النارية، لتتحول ضحكاتهم لصرخة قوية حينما أصيب السائق بطلق ناري برأسه، لتقف السيارة بعدما اصطدمت بالحقول والمزارع الفارغة.
بكت الفتيات حينما اقتربت من السيارة سيارة سوداء، وبداخلها أربع رجال يرتدون الحلل السوداء الرسمية، ويبدو أنهم حرس لشخصية هامة للغاية.
ارتجفت شاهندة من الخوف، فحاولت منار فتح باب السيارة المجاور لها، وبالفعل بعد معاناة تمكنت من ذلك، لتجذب من تجلس بخوف شديد بقوة للخارج.
ركضوا سريعاً ليتخفوا من أمامهم، فهبط اللعناء ليكملوا طريقهم ركضاً خلفهم لعدم تمكن السيارات من الدلوف.
بكت شاهندة بألم حينما جرحت قدماها بشدة، فلم تستطيع الركض، فقالت ببكاء:
_آه رجلي يا منار مش قادرة.
أجابتها الأخرى ببكاء حارق:
_معلشي يا شاهندة، استحملي، لازم نخرج من هنا، الناس دي شكلها عارفة هي بتعمل إيه.
وبالفعل تحملت شاهندة عليها وبدأت تخطو بضعف معها على أمل الخروج من الحقول أو الوصول لأحدٍ ما أو منزل يحتموا به من هؤلاء الشياطين.
طال الطريق بالركض والآلام تتزايد على وجه شاهندة، إلى أن جلست أرضاً قائلةً بابتسامة رضا لمن تصرخ عليها بالركض لوصولهم إليهم:
_مش قادرة يا منار، اهربي أنتِ، متقلقيش عليا.
صاحت ببكاء:
_مقلقش إيه! أنتِ مجنونة، مش ممكن أسيبك هنا، مصيرنا واحد وهنواجه مع بعض.
بكت الفتيات بقوة، فلعنت منار غباءها لترك الحقيبة والهاتف بالسيارة، فربما كانت ستلجئ ليزيد أو لمالك، ولكن الآن بمن ستلجئ سوى لله!
اقترب منهم الرجال، فتراجعوا بخوف وبكاء شديد، ليجذبهم أحدهم قائلاً بنظرة مقززة:
_لا تستاهل البهدلة دي كلها.
صرخت منار بغضب وهي تحاول تخليص نفسها من بين يديه، والآخر يحمل الكاميرا ليسجل لحظات تشبه الهلاك بالجحيم لتلك الفتيات.
صرخت شاهندة بقوة حينما اقترب منها اثنان منهم، والأخر يحمل الكاميرا، والاخير يتمسك بمنار، فدورها لم يحن بعد.
جذبوا حجابها، فصرخت بقوة مزقت قلبه منار التي تحاول تخليص نفسها منه قائلةً بصراخ:
_سبوها يا كلاب!
وصاحت بالصراخ لعل أحداً ما يستمع صراخها، ولكن هيهات، فالمكان الذي به كان بتخطيط منهم بالتنفيذ هنا.
زحفت شاهندة للخلف بضعف ودماء منثدرة من قدماها، فحملها الآخر لتقف أمام عينيه قائلاً بضحكة مقززة:
_إيه يا حلوة، أنجزي، لسه معانا غيرك.
بكت منار بضعف لعدم استطاعتها على مساعدتها، فألقى الرجل بشاهندة على الآخر وألقى بها عليه كأنها دورة أو رمية تداس تحت الأقدام.
ضحكاتهم زرعت لها جو من الدمار، فألقوا بها أخيراً لتصبح بين يديه.
نعم، هو من خُلق ليكون حمى لها، وخلقت هي لأجله.
بكت بقوة وهي تشد بيدها على قميصه الذي حل ليصبح عاري الصدري من قوة تماسكها به، كأنها تتوسله بأن لا يتركها بين يدي هؤلاء اللعناء.
تطلع لها فراس بصدمة لجرح قلبه لرؤيتها هكذا، دماء جسدها المنثدر جعلته كالجمر الناري.
انحنى معها أرضاً وهي تفقد الوعي تدريجياً، وضع يديه على وجهها برجفة، لأول مرة يشعر بها.
أسرعت الأخرى بالحديث قائلةً بدموع:
_ساعدنا أرجووك.
رفع رأسه على الصوت الذي حطم ما تبقى خلايا قلبه، ربما لا يعلم بأنها شقيقته، شقيقة القلب ورفيقه الدم.
تأملها فراس بهدوء كأنه يدرس ملامحها المسابقة له.
تعالت ضحكات الرجال بشماتة لأن فراس من المؤكد مع الحلف الخاص بهم.
خلع قميصه، فتعالت ضحكاتهم أكثر لظنهم بأنه من سيعتدي عليها، ولكنهم تفاجئوا بأنه وضعه أسفل رأسها حتى لا تجرح.
ثم وقف وعيناه تتحرك كالصقر الهائج ليصبح جواداً بلا حاجز، لم يوجه لأحد الضربات، ولكن كان يتسبب بالضرب المميت في الحال، ككسر حنجرة وذراع وقدم، فهو يعادل جيشاً بأكمله.
ركضت منار لشاهندة بخوف، فوجدتها تفتح عينيها بضعف شديد وتغلقها بتعب أشد، فبكت بكاءً مريراً.
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى أنهى فراس معركته بشراسة وانتصار ساحق، فأقترب منهم بخطاه الثابت ونظراته الغامضة تجاه شاهندة.
مسكت منار معصمه قائلةً برجاء:
_ساعدني أرجوك، بنت عمي بتضيع مني، هي عندها أزمة والّا حصل دا أكيد زود الّا عندها، ارجوك ساعدني أوديها أي مستشفى.
انقبض قلبه، فحملها بين ذراعيه قائلاً بهدوء مخالف لخوفه الشديد عليها:
_متخافيش.
وحملها لسيارته التي تبعد عن المكان بقليل، فأتبعته منار ببكاء شديد.
تخطى الطريق بسرعة ليس لها مثيل، يخطف نظراته لمن تقطن جواره بالمقعد الأمامي، فتفاجئ بإشارات المرور لتقف السيارة.
منار بالخلف تبكي بقوة وعدم استيعاب لما حدث.
رفع يديه على وجه شاهندة يلامس أطراف وجهها بحزن وخوف شديد، ينقل كلماته ببطء:
_مش هسمح لحد يأذيكي.
ثم أسرع لمخالفة الإشارة، ولم يعنيه الشرطي الذي أسرع خلفه، حياتها هي الأهم له.
وصل للمشفى بأقل من دقائق، فحملها للداخل، فأسرع الممرضات بانتشالها من بين ذراعيه، أبي تركها إلا حينما رمقها بنظرة كأنها بها الأمان.
جلس على المقعد بتعجب لحاله، لم يعبئ بنظرات الممرضات المقززة له، حتى قميصه تركه بالمكان اللعين.
حتى برودة الجو لم تعنيه ولم يشعر بها.
اقتربت منه منار ببكاء:
_ممكن تلفونك لو سمحت.
_:أكيد.
قالها فراس وهو يخرجه من جيب سرواله، فأخذته منه بتوتر وارتباك، ليهوي أرضاً من شدة ارتباكها.
بكت بقوة وهي تسقط أرضاً، ليعاونها فراس سريعاً قائلاً بتفاهم:
_قوليلي الرقم وأنا هطلبه.
كانت فكرة سديدة لها، فقدم لها الهاتف لتستمع لصوت مالك، فقالت ببكاء متقطع.
أفاق شيئاً ما عند فراس حينما قالت بضعف:
_مااالك.
ربما لأسمه شيئاً ما، وربما وجود فراس بداية لكشف مجهول سيجمع أخوة فرقوا لأكثر من تسعة وعشرين عاماً، وربما بداية لهلاك نوال نعمان، وبداية لأساطير عشق لم تحدث من قبل، ولكنها فقط بعمالقة العشق الأربعة.
لتنقل قصص مختلفة ونهايتها موحدة بريحان العشق وتمرد الغرور والكبرياء.
انتظروا حلقات نارية من...