الفصل 2 | من 25 فصل

رواية معشوق الروح الفصل الثاني 2 - بقلم اية محمد

المشاهدات
84
كلمة
4,859
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

غادر سيف القصر وبداخله نيران تشتعل. لا يقوى على تحمل النظر إلى من ولجت لقلبه ثم طلبت الرحيل. صف سيارته ثم صعد لشقتته بالدور السادس بتلك العمارة الفاخرة. ليزفر بضيق حينما تسللت رائحة حريق الطعام المعتادة. توجه للمطبخ وهو يتمتم: _الرحمة يارررب لم يقو على تحمل الرائحة فكاد أن يختنق. فركض سريعاً للنافذة لتزيل تلك الرائحة الكريهة. بدأت الرؤيا تتضح شيئاً فشيء ليجدها تكاد تختنق هي الأخرى. فجذبها للخارج.

تطلع لها بصمت وهي ترتشف المياه تارة وتسعل تارة أخرى. فشدد على شعره الطويل بغضب ليتحكم فيما تبقى بأعصابه قائلاً بهدوء زائف: _مفيش فايدة فيكِ يا تقى؟؟؟ فتحت عيناها القرمزتان بضيق وهي تعدل من حجابها قائلة بغضب: _ليه بس عملت أيه؟؟؟ تطلع خلفها بزهول ثم قال بصدمة: _كل دا وعملتي أيه؟ يا حبيبتي أنتِ مش بتعرفي تطبخي. خلاص أرضي بنصيبك منعاً لسلامتك وسلامتنا معاكِ. تطلعت له بغضب شديد ثم صاحت بضيق:

_بقا كدا يا أستاذ سيف، طيب أوك أنا بقا جعانة. توجه للهاتف على الطاولة فتعالت شرارة اللهيب بعينيها قائلة بخبث: _لا أنا زهقت من الأكل الا كل يوم حضرتك بتطلبه من بره. وضع الهاتف من يده قائلاً بسخرية: _أه وحضرتك بقا متصورة أني هرجع كل يوم من الشركة وهقف أعملك الأكل؟ جلست على المقعد ثم وضعت قدماً فوق الأخرى بتعالي: _بالظبط كدا. زفر بضيق فأعاد خصلات شعره المتمردة على عسلية عيناه قائلاً بنفاذ صبر:

_لو متخيلة أني هقف في المطبخ الا كله دخان دا أعملك أكل تبقي بتحلمي. وقفت بابتسامة واسعة: _لا دانت إبن خالتي وأخو جوزي الله يرحمه ومرضاش أبداً أعرضك للموقف دا. عشان كداا، عشان كدا هسمحلك تعملي الأكل في مطبخي. تطلع لها بضيق: _وحضرتك بتجربي نفسك هنا ليه مدام افتكرتي دلوقتي شقتك!! أخرجت مفتاح شقتها المقابلة لشقة سيف وشريف قائلة بغضب: _أنت عايزني أبوظ شقتي!!! لم تجد الكلمات مخرج فجذبها بغضب شديد:

_أدامى عشان أخلص من الليلة السودة دي. وبالفعل توجه معها للداخل يعد لها الغداء مثلما يفعل كل يوم. وقفت تتأمله بصمتٍ شديد وحزن ينبع من الأواصر. كيف تخبره بأنها تعشقه منذ الطفولة؟ لم يكن أخيه هو اختيارها بل ضغط من الجميع بأنه أنسب شابٍ إليها. لم يروا عشق السيف النابض بقلبها. أنهى سيف أعداد الطعام ثم وضعه أمامها على الطاولة قائلاً بضيق: _متخديش على كدا. شرعت بتناول طعامها قائلة بسخرية: _هو أنا لسه مأخدتش.

رَمقها بنظرات محتقنة ثم جذب المقعد أمامها: _يبقا تروحي أسبوعين عند خالتي تتعلمي الأكل وترجعي. رفعت عيناها المحتقنة من كثرة ضحكاتها قائلة بصعوبة: _طردتني. تطلع لها بصدمة ثم صاح بسخرية: _الله يرحمك يا سامي ياخويا عرفت ليه عمرك قصير؟!

رمقته بنظرة مشتعلة فتوجه لشقته سريعاً قبل أن يدلف مع تلك الفتاة بالمعركة اليومية. ولج لغرفته فخلع قميصه ثم تمدد على الفراش بتعب شديد. حاول غلق عيناه ولكن صورتها لم تتركه بمفرده فحاذت بذكريات الماضي المشتعل. بالقصر.. كانت تبكي بغرفتها بعدما رأت أخيها يترك القصر. فحاولت منار إخراجها مما هي به ولكن لما تستطع. فبعثت برسالة نصية لأخيها الذي أتى على الفور.

ولج مالك للداخل وهو يتأملها بحزن نابع من القلب. فشاهندة هي مثل منار تماماً. جذب المقعد ثم جلس أمامها قائلاً ببسمته الهادئة: _أيه يا شاهي منزلتيش تتغدي معانا ليه؟ رفعت عيناها المحتقنة بالدموع: _ماليش نفس يا أبيه. منار بحزن: _حاولت معاها يا مالك مفيش فايدة. أستدار لشقيقته قائلاً بصوتٍ ثابت: _روحي أعملي ليزيد القهوة وأنا هفضل معاها شوية. _حاضر.

قالتها ببسمة رضا لعلمها لحاجتها لمطيبة الخاطر. وهذا ما سيفعله أخيها فتوجهت للمطبخ التي تدلفه لعمل القهوة فقط لبراعتها بها. حتى أن يزيد لم يتناولها إلا من يديها هي. رفعت عيناها المترقرقة بالدمع تشكو له ما بها فقالت بصوت متقطع من العتاب: _أنا عارفه أن الا طارق عمله صعب بس متوقعتش منك كدا يا أبيه. لم تنكمش ملامح الهدوء على وجهه. فمالك محترف بإلتزام الصمت على عكس يزيد. فخرج صوته قائلاً بهدوء:

_تعرفي أيه عن أبوكي وأبويا يا شاهندة؟ تعجبت من سؤاله بذاك الوقت بالتحديد. فخرج صوتها المندهش: _أعرف أن بابا وعمي الله يرحمهم كانوا أيد واحدة ذيك أنت ويزيد بالظبط. إبتسم قائلاً بسخرية: _كانوا. أنكمشت ملامح وجهها بعدم فهم. فأكمل بهدوء: _جدنا الله يرحمه ساب ثروة كبيرة جداً وقسمها طبعاً بما يرضي الله بين بابا وعمي وعمتك. رفعت عيناها بصدمة حينما علمت بوجود عمة لها؟ فهي لما تكن بعلم لوجودها. أسترسل مالك حديثه بهدوء:

_متستغربيش لينا عمة وموجودة لحد النهاردة بس مع اختلاف بسيط لازم تعرفيه وهو أنها بتعاملنا كعدو ليها. بتحاول تحطمنا كلنا حتى لو وصلت للقتل مش هتردد. لم تكن تعبيراتها توحي بالصدمة بل بالزهول والاستغراب. أكمل هو:

_زمان أخدت حصتها من التركة وسافرت بره مصر. حاول بابا وعمي يوصلها بس مكنش في أي خبر يوصلهم لها. اشتغلوا وكبروا فلوسهم وبقوا ملوك السوق باتحادهم. بعد سنين رجعت عمتك بس كانت على الحديدة ذي ما بيقولوا. السؤال كان هنا الفلوس دي راحت فين؟ بس مش دا كان سؤال أبوكي ولا أبويا. بالعكس قدملوها الراحة ورحبوا بيها في عيلتنا من غير ما يسألوها السؤال دا. صمت قليلاً بأنتظاره يكمل. فأكملت تلك العجوز التي دلفت للغرفة

بعدما علمت من منار ما حدث: _دمرتنا ووقعت بينا كلنا. حتى أنا كرهت أمك وأحنا أصلاً أخوات. خالت الأخين يكرهوا بعض ويفضوا كل حاجة بينهم لحد ما كل حاجة اتدمرت يا بنتي. وقف مالك وتوجه إلى والدته سريعاً يعاونها على الدلوف بمقعدها المتحرك. أنحنى يقبل يدها قائلاً بلهفة: _أيه الا خالكي تسيبى أوضتك يا حبيبتي. إبتسمت لفلذة كبدها الذي يرتعب لأجل صحتها الثمينة قائلة ببعض التعب:

_عرفت الا طارق عمله فجيت أشوف شاهندة لأني عارفه أنها متعلقة به. أستدارت بوجهها لشاهندة قائلة بحزن: _عمتك دمرتنا يابنتي. فرحت لما علاقة أبوكى وعمك اتفككت. بس أنا كنت ابتديت أفوق من الفتن الا كانت بتحصل في البيت. ليه المشاكل كترت مع دخولها؟ ليه كان بيحصل مشاكل بيني وبين أمك الله يرحمها وأحنا أكتر من سلايف؟ مكنش في حل غير دخولها عيلتنا الا للأسف دمرتنا كلنا من قبل ما نفوق.

تأملتها باستغراب لكلمتها الأخيرة. فأكملت بدموع كأنها ترى المشهد يعاد أمامها: _كنت في شقتي لما سمعت صوت زعيق جامد. فنزلت أشوف في أيه لقيتها واقفة بتتخانق مع أبوكي وعمك. وفجأة اتفاجئت بعدد كبير من الرجالة المقنعين ضربوا أبوكي ووالدتك بالنار و.. لم تستطع أن تنطق تلك الكلمة. فجاهدت للحديث بصعوبة:

_وعمك. أنا صدمتي كانت كبيرة وأنا شايفة جوزي على الأرض غرقان في دمه. بس مكنش قدامي وقت للتفكير. استغليت انشغالها لما دخلت أوضة المكتب. وجريت على شقتي أخدت مالك ومنار وجيت عشان أهرب. افتكرتكم. طلبت من مالك يهرب بمنار لبيت جدته. وأنا طلعت تاني. والحمد لله الا كان باب الشقة بتاعكم مفتوح. الظاهر أن مامتك كانت نزلت على صوت الخناق. دخلت وأخدتك انتِ ويزيد وطارق وهربنا من البيت ده. هربت وسبت جوزي وأنا مش عارفه إذا كان عايش ولا خلاص مات.

كانت الدموع تشق وجهها بقوة. فقالت بصوت متقطع: _مبلغتيش ليه الشرطة؟ تطلعت له بألم: _حاولت بس مكنش في أدلة. لأنها لبست الجريمة لناس ما أعرفهاش. والقضية اتقفلت على كدا. _وبعدين؟ قالتها بكسرة وحزن. فأجابت أمنية بدموع:

_عمتك استولت على كل الأملاك. معرفش أزي بس أنا وأنتم بقينا في الشارع. مفيش غير بيت والدتي الا حمانا. نزلت اشتغلت عشان أصرف عليكم. وأنا بعاملكم كلكم على أنكم أولادي. مفرقتش بينك وبين منار. بالعكس أنتِ كنتِ أكتر من بنتي. مالك ويزيد كانوا على علم بكل دا لأنهم مكنوش صغيرين. أكمل مالك بشرود:

_اشتغلت أنا ويزيد لحد ما عملنا اسم. كبرنا ورجعنا جزء من حقنا. بس طبعاً مش كله. بدأنا نضربها في شغلها لحد ما كانت مفاجأتها أننا أولاد نعمان. أنا بقولك كل دا ليه يا شاهندة عشان أعرفك أد ايه كلنا عانينا لحد ما وصلنا هنا. طارق بيهدم العيلة دي بتصرفاته. وأنا مكنش قدامي أي اختيارات لأني مش هسمح للماضي أنه يتكرر والعيلة دي تنهدم لأي سبب من الأسباب.

كانت مفاجأة كبيرة لها. ولكنها التزمت الصمت تحاول استيعاب ما يحدث. مجرد سماع ما حدث جعلها لا تقوى على التفكير بشيء آخر. بالأسفل.. طرقت باب المكتب عدة طرقات. فأستمعت لصوته بالدلوف. ولجت لتجده يجلس على مكتبه وعيناه مغلقة بإحكام. كأنه بمحاولة لنسيان شيئاً ما. وضعت القهوة على المكتب ثم قالت بهدوء: _القهوة يا أبيه. فتح عيناه الخضراء ببطء شديد ليجدها تقف أمامه بنظراتها الحزينة. فأستقام بجلسته قائلاً باستغراب:

_عرفتي منين أني محتاج قهوة؟ إبتسمت قائلة بسخرية: _أكيد مش أنا. مالك الا طلب مني أعملك. بادلها البسمة بإعجاب على رفيق دربه الذي يعي كل صغيرة متعلقة به. أرتشف القهوة بتلذذ قائلاً دون النظر لها: _شاهندة عاملة أيه دلوقتي؟ جلست على المقعد المجاور له قائلة بهدوء: _ماما ومالك معاها بيحاولوا يخرجوها من الا هي فيه. رفع عيناه قائلاً بغضب شديد: _أنا مش عارف هي زعلانة ليه كداا. هو عامل مشكلة دي مصيبة هتحل فوق دماغنا. ثم زفر بغضب

وهو يحاول التحكم بأعصابه: _بسببه اتنزلت عن أخلاقي. بس عشان الولد البرئ ده مالوش ذنب في الا بيحصل. لما يجي على الدنيا ويلاقي كل دا بيحصل. خرج صوتها أخيراً: _بس يا أبيه حرام تنسب ولد ليك وهو مش ابنك. رفع يديه على رأسه يحاول التحكم في هدوئه الغير معهود: _أنا مش عارف أفكر في حاجة يا منار. كل الا في دماغي أحل المشكلة دي قبل ما حد يعرف بيها. شعرت به من نبرة صوته. فقالت بحزن: _ربنا يصبر البنت دي بجد.

وتركته ورحلت لتصدح كلماتها عقله الهائج. فتحت عيناها ببطء شديد فوجدتها جوارها. حتى محمود كان يجلس بجانبها. أقترب منها قائلاً بابتسامة واسعة: _حمدلله على سلامتك. فاتن ببكاء: _كدا تخضينا عليكِ. إبتسمت قائلة بصوت متقطع من التعب: _كنت عايزة أشوف معزتي عندكم. إحتضنتها قائلة بعتاب: _أخس عليكِ يا ليان دانتِ بنتي الا مخلفتهاش يابت. لمعت الدموع بعينيها قائلة بتأييد: _وعمري ما شوفتك غير كدا. رسم الغضب قائلاً بحزن:

_كدا طب وأنا!! تعالت ضحكات ليان قائلة بصوت يكاد يكون مسموع: _أنت الخير والبركة. إبتسم محمود ثم أحتضانها قائلاً بسعادة: _الحمد لله. أنا كنت هموت لو جرالك حاجة. بكت وهي تشدد من احتضان أخيها قائلة بدموع: _يارتني سمعت كلامك يا محمود لما قولت أن دا حيوان ميستاهلنيش. بس أنا سمعت كلام ماما ووفقت ارتبط بيه. أخرجها من بؤرة دموعها تلك الكلمة "ماما". فقالت بصدمة وهي تتأمل الغرفة بتفحص: _هي فين ماما؟!! إرتبكت فاتن فبدأ بحديثها:

_جالها تلفون مهم ومشت يا حبيبتي. حتى مكنتش عايزة تمشي. بس أنا صممت عليها تروح تشوف ليكون في حاجة مهمة. ومردتش تمشي غير لما اطمنت عليكِ. إبتسمت بسخرية: _مفيش داعي تكدبي عشانها. أنا عارفه كويس أني أخر اهتماماتها. إحتضنها محمود قائلاً بعتاب: _مش قولنا منفكرش بالطريقة دي تاني يا ليان. بكت بأحضانه قائلة بتعب شديد: _دي الحقيقة ولازم تلحقني. أنا عمري ما شوفت بعينيها حنان ليااا. فاتن بخوف شديد عليها:

_طب ارتاحي شوية يا حبيبتي وسيبك من أي حاجة عشان خاطري متزعليش نفسك. أنتِ لسه تعبانة. أنصتت لها وأغلقت عيناها بمحاولة للتهرب من حقيقة مزرية تلحق بها. فرأت هذا الظل يقف أمامها كلما كانت بحاجة إليه يظهر لها. ظهرت البسمة على وجهها تحت نظرات استغراب محمود الجالس جوارها. لا يعلم أنه عشق الروح.

رأت هذا الظل يقف أمامها. أعتادت على وجوده بحياتها منذ خمسة أعوام. كانت ببدء الأمر تتعجب من وجوده ولكنها أعتادت عليه. رأته يقف أمامها ولكن تلك المرة بدت ملامحه تتضح ولكن ليس كثيراً. فربما يتبقى القليل لترى ملامح وجهه وربما إجابة لها عن سؤالا يتردد لمسمعها منذ 5 أعوام. غاصت بنوم عميق بعد أن بدأت الأدوية بالعمل. بشقة سيف..

ولج شريف للداخل فبحث عن أخيه بغضبٍ جامح. إلى أن وقعت عيناه عليه وهو يتمدد بغرفته. فأقترب منه قائلاً بغضب شديد: _طبعاً نايم ولا على بالك حاجة. فتح عيناه باستغراب ليجد شريف أمامه والغضب معكوس على وجهه. فأعتدل بجلسته قائلاً بزهول: _في أيه؟ أقترب منه شريف قائلاً بسخرية: _مكنتش متخيل منك كدا. بقا مخليني أدافع عن الوسخ ده. أنا لو كنت أعرف الا عمله والله لكنت مخلص عليه. زفر بملل وهو يفرك رأسه:

_أنا عملت كدا خوف على يزيد مش أكتر. لكن الحيوان ده أخر اهتماماتي. جلس جواره بصمت ثم تطلع لصدره العالي بضيق: _أنت قاعد كدليه؟ حاول كبت ضحكاته. فأخيه الأصغر يغار من عضلات جسده. حتى أنه حاول كثيراً ممارسة التمارين الرياضية الشاقة ليصبح مثله ولكنه لم يتمكن من ذلك. توجه لخزانته قائلاً بهدوء: _واحد وقاعد في بيته هيقعد أزي. رفع قدماً فوق الأخرى قائلاً بغرور: _مش بيتك لوحدك يا حضرت.

حطم هذا الأحمق حائط الصمت الذي يلتزمه سيف. فأستدار له بعيناه التي أصبحت متوجه بفعل الشرار: _بره. شريف بصدمة: _أيه؟ اقترب منه بنظرات كالسيف: _اخرج بره أوضتي. قولت. ألتقط التفاح من جواره قائلاً بعدم مبالاة: _ولو مخرجتش هتعمل أيه يعني؟ كانت دعوة صريحة لسيف بأن يقتص منه. ولج مالك ويزيد للداخل باستخدام المفتاح الخاص بهم ليجتمعوا بالمساء كالعادة. فتصنموا محلهم

حينما وجدوا الأمر كالتالي: سيف عاري الصدر ومنقد على شريف المنبطح على الفراش ووجهه متورم من اللكمات حتى قميصه منفتح على مصراعيه. مالك بسخرية: _أحنا جينا في وقت غلط ولا أيه؟ نظرات يزيد الساكنة كانت دافع قوي لشرود سيف. فأستغل شريف الفرصة ودفشه بعيداً عنه ثم لملم قميصه قائلاً بصوت مثل الفتيات: _يا فضيحتي لاا متفهموش غلط. الحيوان ده هو الا غرغر بيا. وأنتوا عارفين شرف البنت ذي عود الكبريت طشة واحدة.

رمقه يزيد بنظرة تشبه هلاك موته. ثم خرج للقاعة. أما مالك فلوى فمه بتقزز قائلاً بسخرية: _بيئة ذي أخوك. وتركه وتوجه للخارج خلف الغول. أستدار شريف بابتسامة واسعة انتهت حينما تلقى لكمة قوية من سيف الغاضب ليلقى حتفه ويتمدد على الأرض كالجثة الهامدة. جذب سيف قميصه ثم أرتداه مسرعاً ونظرات الغضب عليه: _غبي. قالها وخرج للقاعة فوجد يزيد يجلس بثباته المعتاد ومالك يجلس لجواره. سيف بثبات: _غريبة أنكم جيتوا النهارده بدري عن معادكم.

مالك بسخرية: _هو معاد حكومي!! إبتسم قائلاً ببعض الخوف: _لا بيتك ومكانك تشرف في أي وقت. والله أنا كنت هخرج بس قولت لا مستحيل تفوتني القعدة الحلوة دي. خرج صوت الغول أخيراً قائلاً بثبات: _قبل أي قعدة والكلام ده عملتوا أيه في موضوع البنت دي. سيف بهدوء: _لسه يا يزيد. هو على طول كدا. مالك وصل لأبو البنت وتقريباً كدا عرف يقنعه. لكن الرد لسه مجاش ومتنساش الموضوع مش سهل. دلف شريف وهو يجاهد للوقوف قائلاً بضحكة واسعة:

_ها يا شباب هتطلبوا أكل أيه النهاردة. تأفف مالك قائلاً بسخرية: _أنت مبتفكرش غير بالاكل؟!! سيف: _هو مش عايش غير عشانه أصلا. هو وتقى. إبتسم يزيد قائلاً بثبات: _تقى هي عاملة أيه؟ سيف بجدية: _الحمد لله يا يزيد. أهو كلنا بنحاول ننسى الا حصل عشان نقدر نكمل. رفع يديه على كتفيه بجدية: _ربنا يصبركم يارب. سامي مكنش ابن خالتي بس كان ذيك وزي مالك. وربنا الا يعلم. إبتسم سيف قائلاً بتأكيد:

_عارف يا يزيد. ربنا يبارك لنا فيك يا صاحبي. إبتسم مالك بفخر وهو يتأمل عمود الصداقة يترعرع أمام عيناه ليصبح أمتن وأقوى من سابق. وضع شريف التسالي أمامهم وبدأ كعادتهم يتبادلون الحديث في الأمور الشخصية والبعض المتعلق بالعمل. بمكان آخر..

كانت دموعها كشلالات لا توقف. نذير النيران بقلبها تكاد تحرق ما تبقى بجسدها. حطام ذكريات تلك الليلة كفيلة بجعلها ترى الموت ألف مرة. صوت توسلها يعلو بذهنها حينما كانت تتوسل لوحش جرد قلبه من الرحمة والإنسانية. وما زاد ألمها شعورها بأنها ضعيفة وعاجزة أمام جبروت عائلة هذا اللعين. فلم يعن لهم الأمر شيئاً حتى ولو كانت بوضع توقيعها لجوار الاسم الملون بالورقة التي بيدها "يزيد نعمان". تفكير عميق يطوف بها. القرار بيدها هي. هل سترضخ عائلتها بتلك الإهانة أم ستجعلها فريسة لعائلة نفوذها هكذا؟

كفكفت دموعها بقسوة كأنها تمنح القلب وعداً بأنها من ستأثر لنفسها. وضعت اسمها جوار هذا الاسم لتكون له زوجة. ولكن بداخلها تقسم وتتوعد له بأنها من ستحول حياته لجحيم. فربما لا يعلم الرجل بقوة امرأة جرحت بأعز ما تملك لتتحول من قطة صغيرة لنسر جارح ذات مخالب حادة للغاية. بشقة سيف.. تعالت ضحكات شريف قائلاً بتأكيد:

_أه والله بعد الكلمتين الا قولتلهم الدكتور بتاع الجامعة قالي برة. وقفت وبصيت كدا وروحت قولتله بره بره. أنت هتطردني من الجنة. راح قالي كدا. طب اعتبر نفسك شايل المادة. مالك باهتمام: _ردك كان أيه بعد الجملة دي. شريف بسخرية: _ولا حاجة. ضربت النظارة وقولتله أنا شيلتها من زمان ومعنديش مانع أشيلها مرة واتنين لأن العشق أقوى من حب المادة نفسها.

تعالت ضحكات مالك. فغارت منه الوسامة بغمزاته البادية على وجهه الرجولي. على عكس يزيد الذي رمقه بنظرة جعلته يقول بصوت متقطع: _قولتلك ماليش في التعليم. صممت تدخلني هندسة. طب ازاي وأنا بفك الخط بالعافية. رفع يديه على شعره الغزير. فأرتاعب شريف ولكنه ظن أنه نجا. فكاد أن يكمل حديثه ولكنه صرخ حينما جذبه يزيد بقوة كبيرة ليواجه غضب الغول كما يلقب: _عارف لو سقط السنة دي هعمل فيك أيه؟ كاد الحديث ولكنه يشعر بالاختناق.

فقال بصوت متقطع: ^الحقني يا مااااالك. تعالت صوت ضحكاته بقوة قائلاً وهو يتجه للكوماد: _ولا أعرفك. ثم حمل مفاتيح سيارته متجهاً للخروج. فأستدار بعدما فتح الباب قائلاً بغمزة من عيناه: _بعد الا هيحصل ده مش محتاج مذاكرة للنجاح. وأغلق الباب ثم توجه للمصير الذي سطر حياته منذ خمسة أعوام. فجعلها هشة وبلا هدف. صرخ شريف بسيف حينما تخل عنه مالك: _أبوس ايدك تعتبرني النهاردة أخوك وتلحقني. جذب الهاتف قائلاً بفرحة:

_كذا راحتك يا يزيد. خرج صوته أخيراً قائلاً بغضب جامح: _أيه الا ناقصك عشان تكون ذي الخلق. شريف بصوت متقطع: _العقل الا ناقصني. دانا لما بروح اشتري حاجة بحسب الفلوس بالعافية. تقوم تدخلني هندسة. يقولك أحسب مقاسات دور كامل منين. مكتش العين بكت. ألقاه يزيد بقوة فسقط على المقعد. ثم أقترب منه فأبتلع ريقه بخوف شديد. أنحنى ليكون مقابلاً له قائلاً بصوته الجمهوري:

_أنا هسيبك النهاردة بمزاجي. بس لما النتيجة تظهر ورحمة أمي ما أنا راحمك. ووقف بطالته القابضة للأرواح. ثم غادر هو الآخر. وما أن غادر يزيد حتى هرول شريف لغرفته جاذباً كل الكتب أمامه حتى كتب العام القادم. فهو مهدد بالقتل من يزيد نعمان شخصياً. دلف سيف للداخل وبيده الشطائر يتناولها بتلذذ وهو يتأمل لون وجه أخيه. فصاح بسخرية: _ناس مبتجيش غير بسك يزيد نعمان.

لم يستمع له. فلأول مرة يشعر بحاجته للعلم بعدما تلقى جزاته من الغول شخصياً. شرا الورود الحمراء مثل كل عام. ثم أنحنى ليجلس أرضاً وعيناه تتأمل تلك المقبرة بعين تفيض بالدمع. الآنين ينقل لها أوجاعه من خلال عبارات العين. وضع باقة الزهور قائلاً بصوت متقطع من البكاء: _كل سنة وأنتِ طيبة يا قلبي. لـ زورده. عاصفة من البكاء جاهدها بالحديث: _أنا جبتلك الورد الأحمر الا بتحبيه.

وضعه أرضاً ثم استند برأسه على الحائط الملون باسمها "ليان عامر". ليسرح بذاكرته لماضي أليم حينما بدأ يستعيد وعيه بعد ساعات طويلة ليجد رفيقه جواره وعلامات الزعر تلون وجهه. حتى والدته كانت مازالت بصحتها تقف أمامه قائلة بدموع: _حمدلله على السلامة يا حبيبي. بحث بعينيه عنها بالغرفة فلم يجدها. فحاول الحركة ولكنه صرخ ألماً. فتداخل يزيد على الفور وبفعل قوته الجسمانية نجح بشل حركاته. حتى هرع الطبيب ليحقنه مجدداً. فجذب

رفيقه ليستمع لصوته الخافت: _ليان فين؟ رفع يزيد يده على كتفيه قائلاً بثبات: _كويسة يا مالك أطمن. غاب عن الوعي بفعل المهدئ. فتحطم قلب رفيقه لعلمه بأن حياة من يعشقها بجنون على حافة الموت. كيف سيخبره بذلك؟ تمسك والدته بذراعيه قائلة بدموع: _خاليك جانبه يا يزيد. أحتضنها بقوة فهي بمثابة أم له قائلاً بهدوء: _مش هسيبه متقلقيش. وبعد عدة ساعات.. دَلفت الممرضة للداخل وعلامات الحزن على وجهها:

_البنت الا كانت مع مالك بيه للأسف توفت. تخشب يزيد محله لشعوره بكم هائل من الآلام. فكيف سيكون شعور رفيقه إن علم؟ بكت بقوة وهي تردد بصوت خافت: _يا حبيبي يابني ربنا يصبرك ويرحمها يارب.

فتح عيناه على تلك الجملة التي ود أن يكون قتيلاً أفضل مما استمع إليه. صدمة يزيد كانت كبيرة حينما وجده يجلس على الفراش ويزيح الأجهزة من يديه بقوة كبيرة وصراخ قوي باسمها "لياااااااان". حاول يزيد التحكم به ولكن تلك المرة فشل في التحكم بوحش ثائر لا يرى أمامه سوى معشوقته تغادر للأبد. دلف لغرفتها المجاورة له ليتوقف نبضات قلبه حينما وجد الغطاء الأبيض يخفي وجهها.

أقترب منها بقدماً مرتجف للغاية وقلبٍ يذبح ببطء مع كل خطوة يخطوها للأمام. إلى أن جلس جوارها على الفراش. فجذب الغطاء ببطء ليجدها كحال الموتى. فربما رؤيتها أكدت له ما استمع له. لأول مرة تسلل الدمعات وجه مالك نعمان. لأول مرة يبكي بقوة وهو يحركها بقوة ويحثها على الاستيقاظ قائلاً بصوت متقطع حزين:

_ليااان حبيبتي فوقي عشان خاطري. أنا عارف أنك مش بتحبيني أسوق بسرعة وأنا بوعدك مش هكررها تاني بس متسبنيش يا حبيبتي أنا مقدرش أعيش من غيرك صدقيني. لم يستمع لرد كالمعتاد. جثة..... جثة هامدة بين يديه معلنة عن انتهاء رحلتها على الدنيا. صرخ بقوة بعدما احتضنها بين ذراعيه ودمعاته تهوى بلا توقف لتتنقل لرفيق دربه كم الآلام التي يشعر بها رفيقه. ليجد دمعته هو الآخر تلمع ليعتليه الزهول.

مر على هذا الحادث الأليم خمس سنوات ومازال يذكرها. لم يقدر على نسيانها. فكيف سينسى من دعت لقلبه الحياة. من سكنت نبضات القلب والهوى. من هزت مملكة مالك نعمان لتجثو بقلبه. أفاق من ذكرياته على صوت هاتفه المعلن عن رفيق الألم والدرب. ليجد صوته الثابت: _روحت برضو يا مالك؟ إبتسم قائلاً بألم: _مقدرش مجيش هنا في اليوم ده يا يزيد. ده يوم عيد ميلاد ليان وهو برضه نفس اليوم الا خسرتها. زفر قائلاً بألم:

_طب هترجع القصر أمتة. منار بتسأل عليك وأنا قولتلها أنك في شغل بس مش مقتنعة. الوقت اتأخر. أغمض عيناه قائلاً بثبات مخادع: _مش هطول متقلقش.

وأغلق مالك الهاتف وعيناه على المقابر يتطلع لهم بحزن. ثم توجه للمغادرة بعدما قرأ الفاتحة وبعض الصور القصيرة. كما أنه دعا لها بالرحمة وله بالمغفرة لما فعله. فهو لم يحتمل عدم إخبارها بأنه مازال على ذاكرتها. ربما هناك خيط مجهول لعشقه المتيم. وربما رابط للعشق ولكنه تحت مسمى عاشق الروح. علاقة مريبة ستهز أبدان البشرية بقصة مختلفة من نوعها.

تخفى الليل خشية من نور الشمس المضئ لتعلن يوم جديد وبداية لأحداث مخفية بالظهور. هبط من سيارته مرتديًا البذلة السوداء ونظارته التي لا تفارقه. فكان متوجًا لعرش الأناقة والوسامة معاً. فتوجه للمصعد الخاص به ليسرع العامل بفتح المصعد ليتفاجأ بفتاة بالمصعد الخاص به. صدم العامل وعلم بأنها نهايته بالمقر. أما يزيد فتصدع منها بصدمة لعدم مبالاتها لما ارتكبت. فربما لا يعي أنه سيكون مأسورها. لتدلف تلك المشاكسة حياته. ربما صدفة. ربما قدر. ربما علاقة خفية ستحطم حينما تعلم بماضي زواج مجهول. ولكن بعد معاناة ستكون بين يزيد نعمان وتلك الفتاة. لنرى كيف ستهز مملكته؟

ما الرابط الخفي بين وفاة ليان ومالك وليان؟ من تلك المتعجرفة التي ستغير مسار حياة محمود؟ هل سيظل حب تقى خفي؟ وماذا لو كشف بأنها من تسببت بمقتل أخيه؟ ورقة رابحة بالنسبة لأعداء يزيد نعمان ومالك نعمان. من هي؟ وهل ستكون نقطة ضعف أم جهة أخرى؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...