الفصل 10 | من 20 فصل

رواية ماضي لا يغتفر الفصل العاشر 10 - بقلم ريتاج ابو زيد

المشاهدات
20
كلمة
3,722
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

غمزت له بطرف عينيها ثم قالت كأنها تأمره: -عايزة أيس كريم وشوكولاتة، ادخل البس بسرعة يلا أنس مش في الأوضة. هز رأسه كأنه ولد مطيع يتلقى أوامر من والده، ثم دخل وهو يلتفت حوله كي لا يراه أحد. بعد خمس دقائق خرج لهم بزي رياضي بسيط حيث ارتدى "سويت شيرت" باللون الرمادي وبنطلون باللون الأسود. نزل هو ونادر لها فقال الثاني بسخرية: -والله كنت استنيتي الأوبر يا بنتي كان زمانك وصلتي بيتك، بس رحيم غير أي حد.

لكمه بخفة في كوعه لكي يتوقف عن حديثه الساذج، ثم حمحم وقال: -يلا يا حلو من هنا هنرش مايه. ثم أشار لها أن تتحرك معه للسيارة، فتح لها الباب وركبت هي بخجل ثم قالت: -أستاذ رحيم أنا تعبتك معايا أوي. قال بنبرة مرحة وهو يستعد للقيادة: -بلاش أستاذ دي خالص، أنا رحيم بس. ردت بهدوء وهي تلتفت تنظر إليه حيث أنها جالسة على الكرسي الذي بجانب كرسي القيادة: -بجد أشكرك على كل حاجة، واستأذنك تاخد أجرة المشوار. ضحك رحيم بهستيرية

فقالت وهي تضحك بلا وعي: -انت مالك فيك حاجة، بتضحك كده ليه؟ قال لها وقد أدمعت عيناه من فرط الضحك: -أصل انت غريبة عايزة دلوقتي تديني الأجرة. قالت وهي تنظر إليه بعدم فهم: -أنا مش فاهمة حاجة. -انت مش فاكراني صح. هزت رأسها بالنفي، فكتم هو ضحكته وقال بهدوء مراعيًا لحساسية الموقف الذي سيحكيه:

-انت يا ست طلبتي أوبر عشان يوصلك المستشفى لمامتك، واللي هو أنا، وساعتها انت من القلق والتوتر على والدتك الله يرحمها نزلتي من غير ما تدفعي الأجرة. أدمعت عيناها على سيرة والدتها وصمتت برهة ثم نظرت إليه بعمق وشهقت، فأوقف السيارة بسرعة ونظر إليها بفزع فقالت هي بصدمة: -انت اللي خدتني عربيتك ساعة لما وقعت. نظر لها بضيق ثم قال بسخرية: -هو انت لسه بتستوعبي، وبعدين كل ده شهقة. قالت بضيق وهي تضم يديها إلى صدرها: -انت بتستظرف.

رد بهدوء: -يا ست لأ بس اتخضيت لما عملتي كده. -على العموم شكراً. -العفو. أطبق الصمت على السيارة لخمس دقائق، قطعه هو عندما قال: -طب الطريق من المعادي للزمالك أكتر من نص ساعة، هنفضل ساكتين. ردت عليه وهي تفك يدها التي كانت ضامها وتلتفت له: -اتكلم، عايز تتعرف؟ رد عليها دون النظر إليها وهو معطي تركيزه للطريق: -مش بالظبط بس يعني بما إننا اتقابلنا كذا مرة وبدل ما نفضل ساكتين نتكلم. ردت هي بمرح:

-هعرفك بنفسي أنا نور ضياء سراج، بابي صاحب شركة للفاشون والأزياء، ومامي كانت صاحبة أتيليه، وأنا في آخر سنة كلية السن إيطالي، وبابي بيخليني أشتغل معاه في الشركة، بس دلوقتي همسك أتيليه مامي وبجد نفسي أشتغل في حاجات كتير أوي، ومعنديش أخوات، ها وانت. رد بسخرية على اسمها: -اسمك نور ضياء سراج إيه الاسم ده؟ -ماله الاسم؟ -كله نور وإضاءة. أومال لو عرفت إن مامي اسمها شمس. سخر من اسمها ثم قال بالمرح نفسه التي تكلمت به:

-اتشرفت يا آنسة نور، أنا رحيم أدهم القماش متخرج من تجارة إنجلش، عندي أخت واحدة أصغر مني بسبع سنين، بشتغل أوبر. عقدت حاجبيها ثم قالت: -تجارة إنجلش وشغال أوبر؟ قال موضحًا لها بهدوء لكنه أحس بخفقان قلبه: -الموضوع كبير شوية، بس كل الحكاية إن ربنا موفقنيش في شغل بشهادتي.

أحست أن هناك شيء ما يُخفيه لكنها آثرت الصمت وعدم التدخل في ما لا يعنيها، فقالت مستفسرة أكثر عن حياته السطحية دون التدخل في تفاصيل خاصة، لكنها أخطأت الهدف حيث إنها سألت سؤال بالنسبة له من أشد الأسئلة: -وباباك شغال إيه؟ قال بصوت مكتوم: -كان عنده شركة أدوية. قالت هي باستغراب: -حرفياً أنا مش فاهمة حاجة، يعني إيه كان عنده. -كان صاحب شركة أدوية بس اتقفلت. -هتضايق لو سألت ليه؟ رد بهدوء:

-مش بحب أتكلم مع حد معرفوش عن حياتي الخاصة. أحست باحراج فقررت الصمت حتى نهاية الطريق، وقُطع الصمت مرة أخرى عندما رنّ هاتفها فردت هي قائلة: -أيوه يا مونيكا أنا في الطريق خلاص. سألتها مونيكا سؤال كانت إجابته: -طيب خلاص استنيني في الكنيسة، وأنا هجيب حاجات من البيت وأجي. ظهرت على ملامحه علامات الدهشة، حيث جحظت عيناه وفرغ فاه ويعقد حاجبيه، ثم نظر إليها بعد أن أنهت المكالمة وقال: -ممكن سؤال؟ -اتفضل. -انت مسيحية؟

قالت بضيق من سؤاله: -هتفرق معاك في حاجة. قال موضحًا بهدوء: -لأ هتفرق إيه، مسيحية أو مسلمة مش هتفرق كلنا أخوات، وأنا أصلاً بيضايقني موضوع التفرقة بين الأديان لأن كل واحد حر يختار ديانته، وكل واحد هيتحاسب لوحده محدش مسؤول عن حد، عشان كده من الأحسن كل واحد يركز في حياته. ابتسمت من حكمته في الكلام ثم قالت بهدوء: -أنا مسلمة، بس صحابي مسيحيين والناس بتفتكرني مسيحية زيهم. رد عليها بعدما نظر إليها: -يمكن عشان مش لابسة حجاب.

قالت بضيق مرة أخرى: -والله حسيتك راجل عاقل من شوية، ليه كده؟ -يا آنسة نور، الموضوع بجد مهم إحنا كمسلمين لازم نتبع تعاليم ديننا، بصي مفيش حاجة اسمها أنا مش مقتنعة، في حاجة اسمها أنا غبية براس كبش، مفيش حاجة اسمها الحجاب بيخنقني والجو حر، في حاجة اسمها أنا معنديش دم وبستهبل، مفيش حاجة أسمها شكلي وحش بالحجاب، الحجاب أصلاً انت بتلبسيه عشان تخفي جمالك. نظرت له بغضب ثم صاحت بحدة:

-طب ما انتو كرجالة مأمورين بغض البصر بتبصوا على البنات ليه. قال بغضب هو الآخر: -مين قالك إن أنا مش بغض بصري، أنا عمري ما تعاملت مع بنات أصلاً غير أختي وجارتي اللي متربية معايا وكمان لما كبرنا مفيش بينا لمس ولا حتى بتقعد قدامي بشعرها، وأنا مقولتش حاجة عليكي أنا بقول في العموم، وزي ما قلت كل واحد هيتحاسب لوحده، وأنا قلت الكلام ده لأنك زعلتي أن الناس بتفتكرك مسيحية. زفرت بضيق ثم قالت:

-خلاص، حصل خير، انت كلامك أصلاً صح بس بجد شكلي مش حلو بالحجاب. ضحك هو ثم قال لنفسه بصوت مسموع: -استيعابها بطيء أوي أو هي ربنا خلقها براس كبش بجد. قالت بضجر: -سمعتك على فكرة. -خلاص أنا آسف، تعالي نكمل بهدوء، إحنا خلاص أصلاً كلها خمس دقايق ونوصل، قوليلي مثلا بتحبي إيه. -يعني إيه بحب إيه. -هواية، شخص، أكل كده يعني. قالت وقد رجع مرحها مرة أخرى: -بحب الموسيقى والعزف والغنا والرقص والتيك توك و.. بتر حديثها عندما قال بدهشة:

-غنا ورقص. قالت بغيظ منه مرة أخرى: -مش معنى إني بحب الغنا والرقص إني شغالة في كباريه، بعدين انت ماشي تعترض على كل حاجة ليه كده يا عم؟ قال هو يضحك: -والله مش بعترض أنا بستغرب بس، ويا ست مقولتش عليكي حاجة، كملي كلام مش هقاطعك. -قول انت علاقتك إزاي مع اللي حواليك عندك صحاب؟ -عندي أغلى واحد في حياتي وهو صاحبي نادر، وابن خالتي اللي دايماً بعتبره أخويا وأبويا، وأحلى تلاتة في حياتي أمي واختي جميلة الصغيرة وخالتي.

-احكيلي عن اختك بجد كان نفسي يكون عندي أخ. -أختي أغلى حاجة في حياتي بجد، بحبها أوي، وزعلان على الحال اللي وصلتله، جميلة إنسانة قوية وشجاعة، ونفسي تفضل كده طول العمر، وتخف وترجع زي الأول. -هي عندها إيه؟ -عندها متلازمة جوسكا، مرض نفسي بيجي بسبب الضغوطات النفسية والمشاكل الحياتية بشكل عام، هو مرض عبارة عن فرط تفكير، والتحدث مع الذات بشكل سلبي، وممكن لو في مرحلة متأخرة يؤدي إلى الفصام والانتحار. ردت بأسف:

-ربنا يشفيها يا رب، خليك دايمًا معها. -حاضر يا آنسة نور. -بلاش آنسة بقى، ممكن تقولي سنيورة. ضحك عليها ثم قال: -بدل ما تقولي بلاش ألقاب، طيب حاضر يا سنيورة. صمتت لبرهة ثم قالت بهدوء: -رحيم هو انت ممكن تعلمني السواقة، عشان… قبل أن تكمل كلامها رنّ هاتفه برقم نادر، فرد عليه بمرح، لكن تحول المرح إلى خوف وقلق. قال بصوت مرتعش مختنق وقد بُرزت قطرات العرق على جبينه تناقض الجو البارد:

-أنا جاي يا نادر بالله عليك خلي بالك عليهم. أنهى المكالمة ثم وقف السيارة جانبًا وقال: -انزلي معلش مش فاضل كتير على بيتك، أنا لازم أمشي. ردت بقلق لأجله: -أنا ممكن أجي معاك، هو إيه اللي حصل حد من عيلتك حص… قطع حديثها بصراخ حاد: -انت مالك، انزلي بقى خليني أمشي. نزلت هي وقد أدمعت عيناها، ورحل هو ليرى مصيبة اليوم.

وصل رحيم إلى بيت خالته، وكان هناك سيارتين تحت البيت، وواقف بجانب كل سيارة رجل، استطاع هو التعرف عليهم إنهم رجال أمن مظهر. صعد رحيم السلالم بسرعة بدل ركوب المصعد لأنه به عطل وبطيء، حتى وصل إلى الشقة وكان بابها مفتوح على أخره والحرس الخاص له يقفون أمام أفراد عائلته وموجهين أفواه سلاحهم على رأسهم ومظهر يجلس ويضع رجل فوق الأخرى يدخن سيجارة. دخل رحيم وعيناه دامعتان بقلق وخوف، قال له مظهر وهو ينفث دخان

سيجارته بطريقة كلاسيكية: -أهلاً وسهلاً برحيم ابن حبيبي أدهم القماش. قال رحيم بصوتٍ واهن: -انت عايز إيه. نهض ثم هندم ملابسه بالطريقة الكلاسيكية نفسها وقال: -عايز أقولك إن مش مظهر اللي يتهدد، الموضوع وسع منك يا رحيم كل مرة بتيجي تزعق وتمشي بس آخر مرتين بتمد إيدك وكده عيب، أحب أقولك إن ده تهديد، وبالمناسبة مش هتعرف تمسك عليا حاجة لأن مفيش دليل أصلاً يثبت أني قتلته. نفث دخان سيجارته في وجهه ثم قال بضحكة خبيثة:

-حضر محامي لأدهم القماش وخالد الحداد عشان واحد هياخد إعدام والتاني هيموت في السجن. ثم نظر لـ عبير وقال بسخرية: -كل اللي حصل ده عشانك، عشان واحدة ست، والله كل ما أفتكر الموضوع يضحكني. قال رحيم بجمود: -مظهر انت مش هتعرف تعمل حاجة، الحق دايمًا بيفوز، الغدار اللي زيك نهايته معروفة، واحد قاتل ونصاب وخاين وحرامي مصيره معروف. اقترب مظهر منه بثبات ثم قال باستياء: -مين بيتكلم رحيم ابن عبير؟ ، يا بني العب بعيد عن الكبار.

اقترب منه رحيم أكثر حتى اختلطت أنفاس هذا النجس مع أنفاسه وقال بثقة وثبات: -مش لعب يا مظهر حرب، جهز ليك محامي وحضر نفسك انت كويس، وأيوة أنا رحيم أدهم القماش ابن عبير الحداد. ضحك مظهر بسخرية ثم أشار لرجاله أن يتحركوا وكاد أن يخرج لكن جميلة استوقفته عندما قالت بسخرية:

-بما إن مواضيع كتير أوي ظهرت، أحب أقولك إنك خايب يا مظهر، وحاجة كمان اللي طول عمرك بتدور عليه أنا عارفة مكانه فين، عارفة مين صاحب التهديد كمان، لكن على مين بما إنك بتحب اللعب فجميلة أدهم القماش حريفة.

ثم انهت حديثها بغمزة من طرف عينيها ووقفت بجانب أخيها، وكانوا واقفين بثبات وثقة يحسدوا عليها، على الرغم من أن رأسها لم يكتفي عن الضجيج، وهناك شيء يرعبها من الداخل لكنها قررت التغلب عليه، حتى أن مظهر خاف من ثقتهم وثباتهم، وبرز العرق من جبينه عند سماع كلام جميلة. وكاد أن يتكلم لكن رحيم استوقفه حين قال: -خلاص يا مظهر خلصت، اعمل اللي عايزه، بس استعد لنهايتك، خد رجالتك واطلع بره. قالت جميلة بسخرية مرة أخرى:

-بس انت كل دي رجالة عشان تطلع تهددنا، على أساس إننا لما تجيب كل الناس دي وتدخن السيجارة وتلبس بدلة هنقول إيه الراجل الكاريزما الجامد اللي بيخوف ده وهنترعب، امشي يا خايب يا أوڤر. رحل مظهر لكنه لم يخرج من باله كلام جميلة كيف تعرف ماذا يريد، ومن يطارده. وهل هي تعرف حقيقي أم إنها تستغل الموقف وتقول كلام عبثي هي لا تعرف عنه شيء؟ قال رحيم لأخته مستفسرًا بعد رحيل مظهر: -يعني إيه اللي قلتيه لمظهر ده أنا مفهمتش حاجة.

نظرت لأمها وخالتها وقد أدمعت عيناها، ثم نظرت إلى رحيم ارتمت في أحضانه ولم تستطيع كتم دموعها أكثر فبكت بانهيار. بكت بحرقة وهي تتشبث بملابسه بقوة، انهارت بعدما كانت واقفة كالجبل الشامخ.

الجميع لم يفهموا شيء ذهبت لها خالتها وأخرجتها من حضن رحيم إليها وهي تقول تطمئنها بأن مظهر لن يفعل لهم شيئًا وكلام من هذا القبيل ظنًا منها إنها خائفة، واقترب أنس منها وأخذ يقول لها إن جميع الظروف ستتحسن، وإنها قوية، وذهب ليجلب لها الأدوية، لكن رحيم كان متيقن بأن الموضوع أكبر من خوف أو تعب من أحداث المتتالية. خرجت جميلة من حضن خالتها ثم قالت: -أنا مش هاخد علاج يا أنس، أنا محتاجة ارتاح، عايزة أفضل لوحدي شوية.

ردت أمها بقلق: -لأ يا جميلة بلاش تقعدي لوحدك، خليكي معايا. لم تستمع لكلام أمها ورحلت إلى غرفتها المخصصة لها في بيت خالتها. جلست قرفصاء على الأرض وهي تمسك رأسها تحاول أن توقف الضجيج الذي برأسها، الأفكار والذكريات والأحداث، لكنها فشلت في ذلك، حبت على الأرض ثم فتحت درج الكومود الذي بجانب السرير واقتلعته من مكانه حيث إنها خافية سرها خلف درج الكومود.

السر عبارة عن ورق، ورق متجمع في ما يُسمى "أجندة" لكنها أصغر قديمة وأوراقها بالية، لكن ما يوجد بداخلها له قيمة. قفلت باب الغرفة بالمفتاح ثم جلست على السرير وفي يدها الأجندة وهو تتذكر كيف وقعت بيديها. قبل سنتين. مرضت المربية ومدبرة المنزل التي تُدعى فوزية، وجاءت من قنا إلى المعادي بالقاهرة حتى تتلقى العلاج، فقررت أن تمكث في بيت وفاء أو عبير، فقررت في النهاية المكوث في بيت عبير.

وفي يوم كان البيت خالي من سكانه ماعدا فوزية وجميلة، أحست الأولى بتعب شديد وأن نهايتها قد حانت فقررت أن تُفشي بالسر لأي شخص بالبيت الآن، وكان لا يوجد سوى جميلة. نادت عليها بصوت واهن أن تأتي، وبالفعل لبت ندائها وجاءت على الفور لها، فقالت لها أن تُعطيها الأجندة من حقيبتها وتنصت لها في كل كلمة ستقولها:

-بصي يا جميلة، أنا يا بنتي عارفة كل حاجة من أولها لآخرها، كل الحقايق معايا، وأنا حكيت لأمك قبل كده حاجات كتير بس معرفتهاش على الحاجات الأهم يا حبيبتي. تنهدت بتعب ثم قالت:

-الأجندة دي أنا كتبت فيها كل حاجة اديها لأمك وخالتك وفاء عشان يعرفوا الحقيقة، يعرفوا أن سبب كل حاجة مش مظهر لوحده، سبب كل حاجة أبوهم، وأكتر ناس كانوا ضحية هما أدهم وخالد، عرفيها أن حب خالد ليها كان حب حقيقي أنا شاهدة عليه، وأن أدهم أكتر شخص حنين وبيخاف عليها، وقوليلها أن أدهم كان قد المسؤلية. أخذت جميلة تبكي ولم تستوعب ما تقوله، قالت بصوت مرتعش وهي تمسك يدها بقلق على صحتها:

-أنا مش فاهمة حاجة، بس أهدي عشان انت تعبانة أنا هتصل بماما وكلهم. قالت وصدرها يعلو ويهبط من التعب وشحب وجهها كأنها من ضمن الموتى:

-لأ يا جميلة عقبال ما أمك تيجي هكون روحت لمكان تاني، اسمعيني بسرعة، مظهر كان متفق مع جدك على كل حاجة من الأول، جدك طماع، كان عنده كل حاجة بس كان طماع، اتفق مع مظهر إنهم يجوزوا عبير لأدهم عشان ياخدوا منه فلوسه، وخالد يتجنن عليها ويسجنه ويتنازل عن ورثه، بس في الآخر جدك معرفش يتهنى بالفلوس لأن سلوى عرفت كل حاجة و…

رنّ جرس الباب فنهضت جميلة بأقصى سرعة حتى تفتح للطارق الذي كان رحيم، سحبته وهي تبكي إلى غرفة فوزية التي شحب لونها وازرقّت شفاها وتجاهد كي تستنشق الهواء من حولها للتنفس. أخذت تقول دون توقف: -أنا عرفت يا جميلة الكلام ده من جدك، جدك حكالي كل حاجة أنا وجدك كان فيه بينا علاقة، والحمد لله إني بعرف أكتب وسجلت كل كلمة، لغاية ما… شهقت بعنف وأخذت تبصق وتتقيأ دماء، لكنها عافرت حتى تُكمل:

-جدك اتقتل يا جميلة، مظهر وقعه واتخبط في دماغه جامد، مظهر السبب، وبعدين… أخذت تتقيأ أكثر وتسعل فركض رحيم ينادي أي شخص ليساعدهم، واتصل بالدكتور، واتصل بـ نادر وقبل أن يقول شيء له صرخت جميلة بقوة تنادي على رحيم فعرف أن وقتها في هذه الدنيا قد انتهى، جثى على ركبتيه واضع يديه على مؤخرة رأسه ثم صرخ هو الآخر من أعماق قلبه، كأنه استغل الفرصة في إخراج كل مشاعر الكتمان.

في اليوم التالي على وفاتها، ذهبت جميلة لأخيها حتى يقرروا ماذا سيقولون لأمها قال رحيم بصوت متعب: -أنا مش هقول حاجة لماما ولا انت بلاش نتكلم أحسن، هنستفاد إيه لما نقول لها مظهر السبب كده كده هي عارفة، وأنا خايف عليها لما تعرف إن أبوها اتقتل ممكن يحصل حاجة، ومفيش دليل ضد مظهر، والموضوع بقاله سنين يا جميلة وإحنا ما صدقنا نرتاح شوية من المشاكل.

فهمت جميلة أنه لن يعرف ما عرفته هي ولم يعرف بالأجندة، ولا يعرف أيضًا بأن جده هو السبب في كل شيء كما قالت لها فوزية فقررت الصمت ولا تحمله فوق طاقته، واتفقا على إنهم لم يخبروا أحدًا بما حدث، وجميلة أيضًا قررت مع نفسها إنها ستخفي الأجندة والحقيقة بعيدًا عن الجميع، وهذا ما حدث بالفعل.

لكن في يوم وبعد مرور شهرين على وفاتها فكرت في إن تقرأ الأجندة التي أخبتها خلف درج الملابس الداخلية وأغراضها الخاصة، وتأخذها معها في كل مكان دون علم أحد. فتحت أول صفحات الأجندة لتتفاجأ بأن المكتوب متناسق على شكل قصة، كأنها تسردها كرواية وبذلت فيها مجهود لكي تنال إعجاب جميع القراء.

لملمت أغراضها من حولها وقالت لأمها أنها ستنام وقفت عليها الباب من الداخل لكي لا يزعجها أحد، اعترضت أمها على قفل الباب من الداخل لكنها وافقت في الأخير. جلست على السرير وفتحت أولى صفحاتها لتغرق في سطور تلك الرواية الحقيقة التي كانت سبب قوي في إصابتها بمتلازمة الحديث مع النفس، التي تروى من خادمة عشقها سيدها الخائن الطامع، وأبطالها هم أبوها وأمها وابن عم أمها وصديقهم، لتعرف المعنى الحقيقي لمثل الغدر من أقرب الناس إليك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...