الفصل 6 | من 20 فصل

رواية مالك المصري الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
37
كلمة
1,382
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

"أفعل يا إبن آدم ما شئت فكما تْدان تُدان". ترددت في عقل "فارس" الواقف أمام باب غرفة "مالك" المغلق على ابنته، مرت ذكريات بينه وبين والدتها لن تُنسى من ذاكرته للأبد. "افتح يا مالك الزفت! " صاح بها بصوتٍ كالإعصار الغاضب، ومن ثم نظر لـ "غفران" وتحدثا في نفس واحد: "اللي عملناه في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟

ساد الصمت للحظات قبل أن ينفجر الجميع في نوبة ضحك ما عدا الصديقين "فارس" و "غفران"، يتطاير الشرر من أعينهم يدل على مدى غضبهم. "افتح يالا.. افتح أكسر أم الباب على دماغك! قالها "غفران" وهو يلكم الباب بكل قوته، ليوقفه "فارس" الذي تحدث بنبرة هادئة لكنها كانت حقًا مرعبة حين قال: "اهدي يا غفران.. إسراء هي اللي هتفتح الباب دلوقتي حالا".

جملته كانت موجهة لابنته التي كانت تقف تنظر بانبهار للخزانة المملوءة بأغراضها حين كانت طفلة صغيرة، الكثير والكثير من صورها بمراحل عمرها المختلفة معلقة على جدران الخزانة، فستانيها، ألعابها، خصلات من شعرها حتى ثيابها الداخلية الطفولية محتفظ بهم بعناية فائقة.

صوت والدها الغاضب جعلها تنتبه على حالها لتجد نفسها محاصرة بين "مالك" وبين الخزانة، يقف خلفها مباشرة، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان، تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح عنقها. "عجبتك؟ " غمغم بها بهمس متلهف داخل أذنها، استدارت ونظرت له بعينيها نظرتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا، بل تُذيب عظامه أيضًا، ورفعت يديها دفعته بكفيها بصدره بعيدًا عنها مردفة بتحذير:

"خليني أفتح الباب لبابي الأول، لأن لو ما فتحتش هيدخل هو وساعتها اللي هيعمله فيك مش هيعجبنا إحنا الاتنين". اعترض طريقها واقترب منها أكثر حتى التصق ظهرها بالخزانة خلفها، ومال برأسه على وجهها، تأمل ملامحها بافتتان مغمغمًا: "وافقي على جوازنا يا إسراء". "أوعى من طريقي خليني أفتح الباب وبطل جنان يا مالك.. أنت مافيش فيك حتة سليمة يضربوك فيها! قالتها وهي تدفعه ثانية وتهرول تجاه الباب بخطى راكضة. "خد لك ساتر يا مجنون".

نطقت بها قبل أن تفتح الباب، دون صوت اكتفت بتحريك شفتيها فقط. ألقى لها قبلة بالهواء، وغمز لها بشقاوة مرددًا باهيام: "بيك.. أنا مجنون بيك". "تعالالي يا عم المجنون.. أنا بقي هعقلك وهعلقك". كان هذا صوت "فارس" الذي اندفع لداخل الغرفة هو و "غفران" فور فتح الباب، وهموا بالهجوم عليه لتركض "إسراء" وتقف أمامهم تمنعهم من الوصول إليه مردفة بنبرة راجية: "بابي.. انكل غفران اهدوا المرادي بليز.. أنتو مش شايفين هو متبهدل إزاي!

"لدرجة دي خايفة عليا يا قلب مالك"، قالها وهو يلف ذراعه حول خصرها وجذبها بلهفة داخل حضنه ظهرها مقابل صدره وقام بطبع قبلة عميقة على وجنتها، شهقت "إسراء" بقوة وقفزت مبتعدة عنه لداخل حضن والدها ورمقته بنظرة نارية وهي تقول: "تصدق أنا غلطانة إني بدافع عنك.. تستاهل كل اللي حصل لك واللي هيحصل لك دلوقتي".

"سبهولي"، نطق بها "غفران" وهو يسدد له لكمة قوية تفاداها "مالك" ببراعة، ليفاجئه "فارس" بلكمة من الجهة الأخرى تراجع على آثارها عدة خطوات للخلف. "بتبوس بنتي قصاد عيني يا بجح! قالها وهو يهم بلكمه مرة أخرى لكن "مالك" تفاداها وضحك بملء فمه وهو يقول: "تربيتك وتعليمك يا سيادة الدنجوان فارس باشا".

صك "فارس" على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها من شدة غيظه، بينما "غفران" كان يستعد للهجوم عليه ليمنعه "فارس" بنظرة من عينيه حين رأى حالة "مالك" التي ازدادت سوء جعلته يترنح في وقفته قليلاً. "مالك أنت كويس؟ كان هذا صوت "إسراء" التي اقتربت منه بخطوات متلهفة. نظر لها "مالك" بابتسامة دافئة، وتحدث بصوتٍ مُتعب قائلاً: "بقيت كويس لما شوفتك".

زاد ترنح جسده حتى أوشك على السقوط لولا يدها هي التي التفت حول خصره بطرفة عين وأسندته بجسدها الصغير، جاهد هو حتى يستعيد توازنه لكن شدة إرهاقه لم يمهله، فرتمي بثقل جسده عليها دون إرادته جعلها تصرخ استغاثة قائلة: "الحقنا يا بابي". ليسارع كلا من "فارس" و "غفران" نحوهما وقاموا بمساندته وتوجهوا به نحو فراشه، بقي "مالك" متمسكًا بها بذراعه السليم، ليبعد والدها يده عنها، فهمس "مالك" بنبرة متوسلة بين الوعي واللاوعي:

"خليها معايا يا فارس.. متخدهاش مني". "أنت مالك ياض مدغدغ المرادي ليه كده؟ قالها "فارس" بقلقٍ جم وهو يتنقل بنظره بينه وبين "غفران" الذي أجابه بهمس قائلاً: "البيه مطبق بقاله كام يوم في مهمة انتحارية الحمد لله أنه رجع منها عايش". رمقه "فارس" بنظرة غاضبة وهمس من بين أسنانه قائلاً: "ولما أنت عارف كل ده سبتني أضربه ليه بس يا جدع أنت!! .. وكمان كنت عايز تكمل عليه!! .. أنت عايز تموت جوز بنتي يا غفران؟!

"إسراء".. تفوه بها "مالك" وهو يجاهد ليفتح عينيه ليبحث عنها. جلست "إسراء" على طرف الفراش وتحدثت بصوتها الناعم قائلة: "أنا هنا يا مالك". مدت يدها وضعتها على يده ليقبض هو على كفها بلهفة، نظر لها بأعين شبه مغلقة، وهمس بضعف قائلاً: "خليكي معايا.. أوعى تسبيني وتمشي". "مش همشي.. اطمني". أردفت بها وهي تضع كف يدها الأخرى على جبهته ليغرق هو في نومٍ عميق على الفور دون أن يترك كفها.

"يا نهار أبيض ده حرارته عالية جدًا.. مكة هاتي مية بسرعة.. وأنتي يا طنط عهد من فضلك تعالي ساعديني نعمله كمادات". انبلجت ابتسامة على قسمات "فارس" وهو يقول: "تيجي نجيب المأذون ونجوزهم ونخلص". قال "غفران": "بنتنا تقول موافقة بس وأنا أبعت أجيب المأذون وقتي". "أيه رأيك يا إسراء.. نبعت نجيب المأذون؟! " أردف بها "فارس" بنبرة جادة وتمنى بداخله أن يلين قلبها وتوافق على زواجها من هذا المجنون بعشقها.

لتنظر له نظرة عاتبة تُذكره بحديثها معه قبل مجيئهم إلى هنا، وردت عليه بذكاء لتغير مجرى الحديث قائلة: "ابعت هات دكتور خلينا نطمن عليه الأول يا بابي". "مكة".. كانت داخل المطبخ تضع إناءً أسفل الصنبور لتملئه بالمياه التي طلبتها منها "إسراء" حين رأت "حسن" يقف أمام النافذة المطلة على الحديقة يتحدث في هاتفه. قادها فضولها وسارت تجاه النافذة التي لا تُتيح لمن بالخارج رؤية من بالداخل، فتحتها بحرص ووقفت تصتت لحديثه.

"قولتلك قبل كده يا فجر متتصليش بيا وأنا في الشغل إلا لو في حاجة مهمة". أتاه صوتها الرقيق تقول بلهفة: "واحشتني أوي يا حسن.. بقالي أسبوع بحاله مسمعتش صوتك". حاول السيطرة على انفعاله حتى لا يجرحها بأسلوبه الجاف، فهي بالأخير لا ذنب لها سوى حبها له، فتنهد وهو يقول بلطف: "أنتى عارفة إني إجازة بكرة.. مش قادرة يعني تستني لبكرة وتكلميني عشان أعرف أكلمك". ضحكت بغنج مدمدمة:

"اممم.. بصراحة مقدرتش أستنى.. قولت أكلمك أسمع صوتك وأقولك إنك واحشتني وأعرف إن كنت واحشتك أنا كمان ولا أنا مبوحشكش يا حسن؟ أطبق جفنيه وهو يتذكر "مكة" حين همس لها وهي داخل حضنه بتلك الكلمة، استرجع إحساسه وقتها ومدى اشتياقه ولهفة قلبه لقربها، تخيلها هي التي تحدثه الآن وتحدث بنبرة عاشق أرهق قلبه الاشتياق قائلاً: "طبعًا بتوحشيني.. بتوحشيني أوي كمان".

جملته هذه سقطت كالصاعقة على رأس وقلب "مكة" زلزلت كيانها كله دفعة واحدة، هبطت دموعها كالشلال على وجنتيها، قد شعرت بروحها تتمزق أشلاء من شدة تألمها، فما أصعب شعور الحب من طرف واحد، يضاهي شعور الموت بسهم حارق يُصيب القلب فيشعله بنيران لا تُطفأ أبدًا.

كان الإناء قد امتلأ حتى فاضت منه المياه، لتأتيها فكرة ربما تهدأ من غضبها وغيظها لو قليلاً، خاصةً أنها تشعر بالغيرة الشديدة عليه تنهش قلبها، وإذا غارت المرأة على رجل تعشقه لا تتحكم في أفعالها حتى أنها لا تدري أعلى الوادي من أسفله. "إما أوريك يا حسن مبقاش أنا مكة".

ابتسمت ابتسامة شريرة وهي تحمل الإناء الممتلئ على آخره حملته وصعدت به على رخامة المطبخ، وهمت بسكبه فوق رأس "حسن"، لكنها فقدت توازنها فصرخت صرخة مرتعدة وهي تسقط من النافذة خلف الإناء. "مكة!!!

كان هذا صوت "غفران" الذي كان يقف برفقة "فارس" بشرفة غرفة "مالك" حين رأى ما فعلته ابنته التي سقطت بين ذراعي "حسن" الذي استقبلها بلهفة فشل في إخفائها، واضعًا يدًا حول خصرها والأخرى أسفل ركبتيها، وقد سقط الهاتف من يده وسقط قلبه معه أرضًا. تطلع لها بأعين جاحظة، وتحدث بأنفاس لاهثة قائلًا: "حصلك حاجة.. فيكي حاجة يا مكة؟!

تطلعت لعينيه بأعين دامعة، لتتعلق عينيه بعينيها مقربًا إياها من صدره، يضمها بلهفة واضعًا جبهته على جبهتها. هيئتهم هذه ذكرته هو الآخر بذكريات بينه وبين زوجته "عهد"، جعلتها تسقط بين ذراعيه هكذا تمامًا، خفق قلبه بخوف مبهم حين شعر أن الزمن عاد بأحداثه أمام عينيه من جديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...