يا أمنية القلب فليذهب هذا العالم بأجمعه إلى زوال، و تبقي ليِ أنتِ فقط أيتها الصديقة، الرفيقة، المحبوبة و العشيقة. مر أسبوع كامل استطاع خلاله "فارس" إنهاء الأوراق المطلوبة لسفر ابنته، حتى تلك الورقة التي أخفاها "مالك" عنهم لتصبح هي العقبة الوحيدة بالنسبة لهم، حصل عليها رغمًا عن أنفه.
كل هذا من أجل تنفيذ رغبة صغيرته، وتحقيق حلمها وكل ما تريده حتى لو كان عكس إرادته هو ووالدتها، كما اعتادت جميع مطالبها أوامر واجب تنفيذها مهما كلف منه الأمر. واليوم هو آخر يوم لها ستقضيه برفقة عائلتها، وستغادر المنزل بل البلد بأكملها في الصباح الباكر. ظلت والدتها مستيقظة طيلة الليل، لم يغمض لها جفن رغم محاولات "فارس" معاها دون كلل أو ملل.
"سبني يا فارس أقوم أجهز الفطار.. أنا مش جالي نوم خالص وكمان خديجة وجوزها وعهد وولادها وإيمان وبنتها جاين يفطروا معانا وهنقضي اليوم كلنا سوا مع بنتك قبل ما تسافر." أردفت بها بصوتٍ مختنق بالبكاء وهي تكافح بضراوة لتبتعد عن ذراعيه التي تحتويها بلهفة. لم يتركها "فارس" تبتعد أنش واحد عنه، ضمها لصدره مقبلًا جبهتها وخصلات شعرها المتمردة على وجهها مغمغمًا.
"حبيبتي الشمس لسه مطلعتش.. ارتاحي شوية وأنا هكلم المطبخ يجهزوا أفخم فطار وهتصحي تلاقي كل حاجة جاهزة." اعتدلت جالسة داخل حضنه، مدت يدها والتقطت عقدة شعرها وقامت برفعه على هيئة ذيل حصان مردفة بتنهيدة حزينة. "أنت عارف إني بحب أعمل لكم الأكل بأيدي. وهخبز لإسراء العيش والفطير اللي بتحبهم عشان تاخد منهم معاها وهي مسافرة." كانت تتحدث بنبرة جامدة، متعمدة عدم النظر له.
نهض هو مستندًا بجزعه على الفراش من خلفه، ومد يده أمسك ذقنها بين أصابعه يحثها على النظر له. "بصيلي يا إسراء." رفعت عينيها ببطء ونظرت له بأعين دامعة نظرة يملؤها العتاب. "اتكلمي.. قوليلي اللي في قلبك.. متفضليش ساكتة كده.. سكوتك ده بيدبحني." هبطت دموعها على وجنتيها بغزارة، التقطهم هو بأطراف أنامله، بل خطفها كلها لداخل حضنه بعناق محموم، لتجهش هي في البكاء وتهمس بصعوبة من بين شهقاتها الحادة قائلة.
"أنا مش عايزة بنتي تسافر وتبعد عن حضني يا فارس.. مش هقدر استحمل بعدها عني.. قلبي مش مطمن لسفرها وهيتخلع من مكانه من خوفي عليها." كان يستمع لها بقلبٍ ملتاع لا يقل عن خوفها بل أكثر منها، لكنه رسم القوة على محياه ونظر لها بابتسامة دافئة مرددًا. "بنتنا متتخافش عليها.. إحنا ربيناها أحسن تربية وهنفضل معاها وفي ضهرها لحد ما تتعلم أحسن تعليم وترجع لنا بألف سلامة ومعاها شهادتها العالية اللي كانت بتتمناها."
"أنا موافقة على كل كلمة قولتها.. نعلمها أحسن تعليم بس وهي هنا معانا.. في وسطنا وتحت عنينا." قال "فارس" بثقة. "وهناك برضوا هتبقي تحت عنينا ومش هتغيب عن عينك لحظة.. أنا مش عايزك تقلقي ولا تخافي عليها من أي حاجة.. بنتنا هتبقى متأمنة بحرس جمهوري.. عارفة يعني إيه؟! حركت رأسها بالنفي ليكمل هو بغروره المعتاد. "دي حراسة الرؤساء يا بيبي." داعب أرنبة أنفها بأنفه ومسح بكلتا يديه على كامل ظهرها مدمدمًا.
"عايزك تفرحي بنجاح بنتنا ومتفكريش في أي حاجة تضيقك.. عشان البنت فرحتها تكمل بدل ما هي زعلانة على زعلك ومش مبطلة عياط بسبب خصامك ليها.. هانت عليكِ متكلميهاش يومين بحالهم!! بكت "إسراء" بكاء مرير وهي تقول بحسرة. "زي ما أنا هونت عليها وهتسبني وتسافر أيام وشهور ويمكن سنين طويلة." "خلاص لو هيرضيكي أنها تفضل هنا ومتسافرش والسنة تروح عليها أنا هلغي سفرها وحالًا."
أنهى جملته ومد يده جلب هاتفه وطلب إحدى الأرقام، ضغط على زر الاتصال أمام عينيها المتسعة. "أؤمرني يا فارس باشا." أتاه هذا الصوت عبر الهاتف، لتسرع "إسراء" وتغلق الخط قبل أن يفتح زوجها فمه ويجيب عليه. حاولت "إسراء" السيطرة على حدة بكائها، فدفنت نفسها بين حنايا صدره وهي تقول بقلة حيلة. "مش هيرضيني يا فارس.. مش هيرضيني أضيع السنة على بنتنا." *** بمنزل غفران.
اقتحم "مالك" المنزل بملامح بدت مخيفة من شدة غضبه، لم يتفوه بكلمة واحدة واندفع بخطى شبه راكضة تجاه غرفته ليوقفه صوت والده يتحدث بأمر قائلاً. "اقف عندك يا سيادة الرائد." وقف مكانه دون أن يلتفت، ليكمل "غفران" بتعجب قائلاً. "داخل كده من غير لا كلام ولا سلام.. أيه مش شايفني أنا وجدتك قاعدين؟! استدار "مالك" ونظر له بأعين تقدح شررًا مردفًا. "أنت يا بابا اللي خلصت ورق سفر إسراء!
"أيوه أنا.. كنت عايزني أتأخر على صاحب عمري وأساعدك تدمر مستقبل بنته ولا إيه؟! قالها "غفران" بلهجة حادة، ليبتسم له "مالك" ابتسامة مزيفة مردفًا. "وجوازي منها كان هيدمر مستقبلها؟! صاح "غفران" بانفعال قائلاً. "يا ابني افهم.. البنت صريحة معاك وقالتلك أنها مبتفكرش في الجواز دلوقتي ولو فكرت مش هتفكر فيك أنت لأنك بالنسبة ليها زي أخوها.. أنت بقى اللي بتحبها دي مشكلتك أنت لوحدك مش مشكلتها هي عشان تعطلها عن دراستها."
كل كلمة تفوه بها كانت بمثابة سوط غليظ يهبط على قلب "مالك" يدميه دون رحمة، ومع ذلك بقت ملامحه جامدة، ولم تختفي ابتسامته وهو يقول بثبات يُحسد عليه. "عندك حق يا سيادة الوزير.. عن إذنك هدخل أنام لأن زي ما حضرتك عارف مطبق من إمبارح." أنهى جملته وسار من أمامه كالإعصار، لتنظر له "فاتن" وتتحدث بعتاب قائلة. "ليه كده بس يا ابني.. أنت قسيت عليه وجرحت قلبه بكلامك ده."
"يعني أنتي عاجبك حاله وهو عمال يجري ورا سراب والبنت هو مش في دماغها أساسًا ومافيش أي حاجة شغلها غير تعليمها.. أنا قولته كده عشان أفوقه لنفسه.. يمكن يشيلها هو كمان من دماغه." "بس إسراء مش في دماغ ابنك يا غفران." كان هذا صوت "عهد" التي خرجت للتو على صوت زوجها، جلست بجواره ووضعت يدها على موضع قلبه مكملة بأسف. "إسراء في قلب مالك." ساد الصمت للحظات قطعه "غفران" بعدما ابتلع غصة بحلقه.
"الواد هو وأخته واقعين على بوزهم في حب ناس مشغولين بغيرهم.. واحدة بتعلمها.. والتاني خاطب بنت خاله وفرحه الأسبوع الجاي." "أيه.. حسن فرحه الأسبوع الجاي ده؟! قالتها "عهد"، "فاتن" بنفس واحد، وبهمس بالكاد يُسمع حتى لا يصل لسمع "مكة". أومأ "غفران" لهما برأسه مغمغمًا. "مكة لازم تعرف وهتحضر فرحه كمان." امتلئت أعين "عهد" بالعبرات وتحدثت بذهول قائلة. "أنت بتقول أيه بس يا غفران!
.. بنتك بتحبه.. عايزها تحضر فرحه وتشوفه وهو عريس وبيتجوز واحدة غيرها!! .. أنت عايز البنت يجرالها حاجة؟! "بالعكس يا عهد.. أنا بقوي ولادي.. مش عايز أشوفهم ضعاف بالشكل ده وقلوبهم اللي ممشياهم.. لازم يفوقوا عشان يعرفوا يختاروا صح بعد كده." "ومن إمتي الحب كان اختيار يا أبو مالك؟ أردفت "فاتن" وهي تتنقل بنظرها بينه وبين زوجته تذكرهم بقصة عشقهم الجنونية. أطلق "غفران" زفرة نزقة من صدره مغمغمًا.
"مش عايزهم يعيشوا اللي عشناه.. مش عايز ولادي يتحرقوا بالنار اللي اتحرقنا بيها يا أمي." ربتت "فاتن" على كتفه بحنو وتحدثت بتعقل قائلة. "مافيش حلاوة من غير نار يا حبيبي.. وأنت الحمد لله حاربت وانتصرت وفزت بحبيبتك وبقت في حضنك. سيب ولادك هما كمان يحاربوا يمكن يفوزوا بحبهم هما كمان خصوصًا أن اللي بيحبوهم يستاهلوا." نظر لها "غفران" نظرة مليئة بالغضب وتحدث بلهجة لا تحمل الجدال.
"لو على مالك فأنا هسيبه يعمل اللي يعمله ويحارب براحته يمكن يوصل لقلب بنت فارس.. لكن مكة بنتي اللي هياخدها مني لازم يحارب هو وأهله كلهم عشان يوصل لها." نهضت "عهد" واقتربت من حماتها ساعدتها على النهوض وهي تقول. "طيب يالا بينا عشان إسراء اتصلت بيا كذا مرة تستعجلنا وقالتلي أنهم مستنينا ومش هيفطروا غير لما نروح لهم عشان نفطر سوا." أردف "غفران" قائلاً. "طيب صحي مكة خليها تيجي معانا والولاد يبقوا يحصلونا براحتهم."
قالت "عهد" وهي تسير للخارج برفقة "فاتن". "دخلت صحيتها كذا مرة مرضيتش تصحى.. خليها لما تقوم براحتها وأنا قولت لزين ميجيش من غيرها." سار "غفران" خلفهما نحو الخارج بعدما راق له عدم مجيئها الآن خاصةً وأنه سيأخذ "حسن" رئيس الحرس الخاص به معه. *** بقصر "فارس".
تجمع الأهل والأقارب والأصدقاء على طاولة طعام تحتوي على كل ما لذ وطاب بحديقة القصر، جلس "فارس" يترأس الطاولة وعلى يمينه زوجته وعلى شماله "خديجة" عمته من يعتبرها بمكانة والدته، بينما جلست إيمان بجانب "إسراء" وعهد بجانب "خديجة" وبقت "إلهام، فاتن" بجوار بعضهما وجلسوا بنات "فارس" "إسراء، زهراء، رواء، خديجة، إلهام، غرام تحملها"فاطمة" ابنة "إيمان" بجوارها تجلس"مكة" التي جاءت برفقة أشقائها الثلاثة" زين، فهد، فارس، بينما جلس" غفران، هاشم" زوج خديجة بالجهة الأخرى من الطاولة.
"منورنا والله يا جماعة." قالتها "إسراء" بابتسامة بشوشة ومن ثم نظرت ل"عهد" وتابعت بتساؤل قائلة. "مالك مجاش ليه يا عهد؟! ابتسمت لها "عهد" ابتسامة تخفي بها توترها مدمدمة. "اممم.. ما أنتي عارفه يا إسراء.. مالك شغله ملوش مواعيد." رمقت "إسراء" ابنتها بنظرة خاطفة تخبرها بها أنها مازالت غاضبة من قرارها وأردفت بعتاب قائلة. "يعني ماكنش قادر يستأذن نص ساعة ويجي يفطر معانا انهارده."
ترقرقت العبرات بعينيها وتابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة. "هو مش عارف إن إسراء مسافرة أصبح بدري." مد "فارس" يده وأمسك كف يدها ضغط عليه برفق وهو يقول. "حبيبتي هو أكيد هيجي.. أنتي عارفة مالك ميقدرش يتأخر علينا." كانت "إسراء" تجلس بشرود مصوبة نظرها تجاه باب القصر تنتظر حضوره، وجوده يشعرها بالأمان والاطمئنان، وهي لن تنكر أنها تشعر بقلق وخوف مبهم من سفرها بعيداً عن عائلتها.
تثق أنه سيأتي إليها، لكنه لأول مرة يتأخر عليها هكذا، لقد مر الوقت وهو لم يأتي، انقضى النهار بأكمله وخيم الليل بستائره دون مجيئه. شعرت برغبة قوية في البكاء، استغلت انشغال الجميع في حفلة الشواء الذي أقامها والدها وذهبت لغرفتها بخطى مهرولة كما لو كانت تريد التأكد من شيئًا ما.
فتحت الباب ودلفت للداخل وأغلقته خلفها ووقفت مستندة عليه بظهرها، دارت بعينيها بأرجاء الغرفة تبحث عنه، انبلجت ابتسامة على ملامحها الفاتنة حين استمعت لصوت يأتي من داخل غرفة ثيابها، كتمت أنفاسها وهي تسير نحوها بلهفة. أطلقت أنفاسها المحبوسة حين رأته هو يقف بطوله المهيب موليها ظهره. "كنت عارفة إني هلاقيك هنا يا مالك.. عمرك ما اتأخرت عليا." "ودايمًا هتلاقيني جنبك يا إسراء."
قالها دون الالتفات لها، وبقي منشغلًا بما يفعله، اقتربت هي منه وطلت برأسها من أسفل ذراعه مكملة بدهشة. "أنت بتعمل أيه؟! أجابها ببساطة قائلاً. "بجهز لك الشنط.. عارف إنك مش هتعرفي تجهيزها وأنتي قلقانة وهتنسي حاجات كتير مش هتفتكريها ولا تعرفي قيمتها إلا لما تسافري وتبعدي عنها." ابتسمت حين تفهمت مغزى حديثه، ومدت يدها وضعتها على كتفه تجذبه منه حتى يلتفت لها. "بتحضر لي الشنط بنفسك وأنت رافض تسافر أصلًا."
التفت لها ونظر لها نظرة تفيض بالعشق مغمغمًا. "مش معنى إني رافض حاجة انتي عايزاها يبقى هبعد عنك بسببها.. أنا هفضل جنبك وفي ضهرك ومكمل في سكتي ليكِ لحد ما يجمعنا القدر ويبقي طريقنا واحد يا إسراء." نظرت له نظرة مشاكسة وتحدثت ببعض الغرور قائلة. "بس أنا سكتي طويلة أوي.. هتوه منك وهيبقى صعب نتقابل أنا وأنت في طريق واحد."
قطع المسافة بينه وبينها بخطوة واحدة، وقف أمامها مباشرةً، شهقت بخفوت حين مد يده حاوط خصرها وخطافها لداخل حضنه، رفعها بمنتهى الخفة بيد واحدة حتى أصبحت قدماها لم تعد تلامس الأرض، نظر لعينيها بعمق وتحدث بإصرار شديد قائلاً. "هدور عليكي وهلاقيكي.. مش هسمح لك تتوهي مني." رفعت يدها وضعت أناملها على لحيته، وهمست بنبرة صادقة قائلة.
"كنت خايفة أوي أسافر من غير ما أشوفك يا مالك.. من صغري وأنت دايمًا حواليا في كل مكان وبصراحة دي كانت أكتر حاجة بتبقي مطمناني.. وجودك أمان بالنسبالي.. بس جه الوقت اللي هكون فيه بعيدة عنك بمسافات لدرجة مش هتعرف تدخل أوضتي وقت ما تحب عشان تشوفني زي هنا يا حضرة الظابط." "أسافر لك بلاد."
قالها وهو يضمها لصدره أكثر، تأمل ملامحها بنظراته المتيمة، لتحاوط هي عنقه بذراعيها وتعانقه بكل قوتها وتبكي بصوتٍ مكتوم حين استمعت لصوته المتلهف يقول. "فلتعلمي يا أنيسة روحي وجليسة وحدتي أني رجوتك من الله واستودعته إياكِ، ودعوته مرارًا وتكرارًا في كل وقت وحين أن تطوي أطراف الأرض وألتقي بكِ من جديد." تسمر محله متخشب الجسد حين قالت جملة كانت صادمة بالنسبة له.
"عايزاك تنساني وتشوف حياتك مع واحدة تانية غيري تبادلك حبك لأني مش ناوية أرجع يا مالك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!