تحميل رواية «مالكة قلب الزين» PDF
بقلم ريشه ناعمه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"بابا... هو حضرتك بتقول إيه؟" نظرة ليان كانت متوترة، شفايفها بتتحرك بسرعة، وكأن لسانها سبق عقلها. هي فعلاً سمعته، لكن رافضة تستوعب الكلام. والدها وقف قدامها بثبات، كأن الموضوع أبسط من إنه يتهز له، وقال بهدوء: "بكرة الصبح هننزل الصعيد، نِزور أبويا." "طب إنت مش كنت بتقول إنك قافل من البلد؟ ومفيش نازلة غير في عز العزا أو الفرح؟ يعني فجأة كده قررت نِروح؟!" قالها ليان وهي بتشد طرحتها بعصبية، ما بين الشك والقلق، كانت حاسة إن ورا الزيارة دي حاجة تانية. رد والدها من غير ما يبص في عينيها: "اللي زيي ما ين...
رواية مالكة قلب الزين الفصل الأول 1 - بقلم ريشه ناعمه
"بابا... هو حضرتك بتقول إيه؟"
نظرة ليان كانت متوترة، شفايفها بتتحرك بسرعة، وكأن لسانها سبق عقلها.
هي فعلاً سمعته، لكن رافضة تستوعب الكلام.
والدها وقف قدامها بثبات، كأن الموضوع أبسط من إنه يتهز له، وقال بهدوء:
"بكرة الصبح هننزل الصعيد، نِزور أبويا."
"طب إنت مش كنت بتقول إنك قافل من البلد؟ ومفيش نازلة غير في عز العزا أو الفرح؟
يعني فجأة كده قررت نِروح؟!"
قالها ليان وهي بتشد طرحتها بعصبية، ما بين الشك والقلق، كانت حاسة إن ورا الزيارة دي حاجة تانية.
رد والدها من غير ما يبص في عينيها:
"اللي زيي ما ينفعش يتأخر على نداء أبوه، وأنا اتناديِت، يبقى أروح."
وفي بيت تاني، بعيد عن القاهرة، كانت السكينة متعلقة في سقف بيت كبير، والعتمة بتغطي الحوش الواسع.
صوت جدّي، غليظ، قال:
"زين."
ظهر من آخر الممر راجل طويل، عريض الكتفين، في عينه حاجة مش مفهومة.
مفيهوش هزار، ملامحه ساكنة، لكن جواه نار.
"نعم يابا."
"عمّك جاي... ومعاه بنته."
"عمّي محمد؟"
"أيوه. وليان هتيجي معاه... وانت، لازم تجهّز قلبك."
زين بصّ له بثبات، قال بجملته المعتادة:
"إللي تأمر بيه يا بوي، يتنفّذ."
لكنه ما قالش اللي جواه.
ما قالش إنه فاكِر آخر مرة شاف فيها ليان…ولا قال إنها سابت علامة في عقله، كانت شبه ابتسامة، وشبه طعنة.
القاهرة – ليلة السفر
ليان كانت قاعدة قدام شنطتها، بتبص لها كأنها شنطة أحكام إعدام.
كل حاجة جواها بتقول إن في حاجة مش مظبوطة… لكن والدها كان قافل، ورافض يشرح.
وفي اللحظة دي، دخل أخوها مازن وقال لها بصوت ساخر:
"خلي بالك يا دكتورة، أول ما توصلي هناك، ممكن تلاقي جدك بيحلفك على المصحف إنك توافق!"
"بتهزر إنت؟! ده إحنا رايحين زيارة… مش رايحين نكتب كتاب!"
ضحك، لكن نظرته قالت إنها مش هزار خالص.
وفي اللحظة اللي ليان كانت بتجهز فيها شنطتها،
وفي اللحظة اللي زين لبس فيها الجلابية وطلع على سطح البيت يمشي تحت الهوا،
كان الجد الهواري الكبير بيبص للصورة القديمة اللي فيها ولاده، وقال بصوته اللي بيتسمع حتى لو واطي:
"اللي اتولدوا من نفس الدم، لازم يتجمعوا تاني.
واللي اتفارقوا، هيرجعوا بحكمة من الزمن.
أما الحب... فليه ترتيبات تانية."
رواية مالكة قلب الزين الفصل الثاني 2 - بقلم ريشه ناعمه
كانت ليان واقفة قدام المراية، وشها مش باين فيه تعبير واضح.
شعرها الغجري سايب على كتفها، وعيونها الخضرا بتلمع تحت نور الأباجورة، كأنها بتفكر، بس التفكير هرب منها.
"هو أنا رايحة أزور، ولا رايحة أواجه؟"
قالتها لنفسها وهي بتربط طرحتها بنعومة، وحاجبها مرفوع باستغراب.
مازن دخل الأوضة تاني، ووقف عند الباب وقال:
"مالك يا بنتى ما تروقى كدا عامله كدا ليه."
ردت وهي بتعدّل إسورة كانت هدية من صاحبتها:
"وأنا مش رايحة أتفسّح يا مازن، رايحة عشان بابا… وبعدين يعني، هو أنا داخلة كهف!"
ابتسم بخبث، وقال:
"والكهف أهو… هيبتلعك."
***
في الصعيد
الليل كان هادي، لكن الهدوء في الصعيد دايمًا بيخبي وراه أصوات.
أصوات خيول بتنهج، مَيّة بتترش، وصوت خطوات تقيلة على أرض ترابية.
زين كان واقف قدام الإسطبل، لابس جلابية رمادية، سادة.
عيونه السودة بتلمع تحت ضوء القمر، وعضلات دراعه باينة وهو بيطبطب على رقبة الحصان.
الحصان ده… هو الأقرب لقلبه.
وكان كل ما حد يقوله "اتجوز"، يرد من غير تفكير:
"الوحيد اللي بيفهمني، واقف على أربع."
آسر ابن عمه، جه من بعيد وقال بصوت خشن:
"الضيفة چاية بكرة."
"عارف."
"هتعمل إيه عاد؟"
زين لفّ وشه ليه، وابتسامته كانت شبه سخرية:
"هاعمل ايه يعنى."
وفي قلبه:
"هشوف… إذا كانت لسه البت الصغيرة، ولا بقت حاجة... ممكن تغيّر كل حاچة."
***
الصباح – طريق السفر
العربية ماشية على الطريق الزراعي، والتراب بيطير وراها زي ستارة بتتقلب.
ليان كانت قاعدة جنب الشباك، وساكتة بقالها نص ساعة.
وعينيها معلّقة في الفراغ… مش في الأرض، ومش في السما.
"بابا؟"
"نعم يا ليان."
"هو جدو فعلاً عايز يشوفنا؟ ولا في حاجة تانية؟"
رد والدها وهو بيحاول يتحاشى النظر ليها:
"جدو عايز يشوفك… بس ممكن كمان… يشوفك في بيت تاني."
"بيت تاني؟"
"قصدي… يعني… البلد هناك لها طابع مختلف."
ليان ما ردّتش، لكن عقلها اشتغل بسرعة.
فيه حاجة مش مفهومة… ونظرة أبوها لما قال "بيت تاني" كانت مش بريئة.
لكنها قررت… تكمل وتشوف ايه اللى هيحصل.
***
الصعيد – بعد الغروب بشوية
زين كان واقف قدام السور، بيبص على الطريق.
الهوى كان بيهز الجلابية حوالين جسمه القوي، وريحة عطره الجذاب كانت فايحة.
فجأة… حصانه رفع راسه، ونهق بصوت عالي، كأنه شاف حاجة.
زين اتلفت.
"جات؟"
رواية مالكة قلب الزين الفصل الثالث 3 - بقلم ريشه ناعمه
بيت الهواري – بعد المغرب بشوية
البيت الكبير ما كانش ساكن… كان صامت، لكن وراه أنفاس ناس كتير.
السور العالي، الأبواب الخشبية اللي بتزيح بتنهيدة، والنجفة الكبيرة اللي نازلة من السقف… كل تفصيلة في المكان بتقول إن العيلة دي مش عادية.
العربية وقفت.
والتراب لف حوالين العربية كأنه بيرحب.
ليان نزلت على مهَل.
لبسها بسيط: بلوزة طويلة، بنطال واسع، وطرحة ناعمة ملفوفة بعناية.
ملامحها جميلة جدا.
عيون خضراء مترقبة.
خطوتها محسوبة، وظهرها مش منحني.
وفي وسط البيت… وقفت.
زين كان واقف من بعيد، عند باب الإسطبل.
إيده على باب الخشب، وعينه مثبتة عليها.
ما نطقش.
لكن جواه اتفتح باب كان مقفول سنين.
"كبرِت."
كانت آخر صورة ليها بنت صغيرة بتجري حواليهم، شعرها مفكوك، وعينيها بتضحك.
دلوقتي؟ واقفِة، سكتة… لكن في عينيها حكاية محتاجة وقت تتقري.
ليان رفعت نظرها من الأرض، والعين قابلت العين.
ثواني قليلة…
كأن الزمن اتجمّد حواليهم.
لكن التقاليد دايمًا أسرع من العيون.
زين نزل عيونه علشان مينفعص يبص ل ست.
"ادخلي يابنيتي."
قالتها جدة ليان، اللي خرجت من الباب الكبير وهي لابسة جلابية سودة مطرزة، ووشها مليان حكمة وطيبة.
ليان ابتسمت ابتسامة سريعة وقالت:
"إزيك يا تيتة… إزيك يا جدو."
جدّها كان قاعد في صدر البيت، عصاته جنب الكرسي، وصوته لما نطق كان فيه نبرة فرح متخنقة:
"نورتِ الدار يا ليان… نورتِ قلب جدّك."
في أوضة صغيرة على الجنب، زين دخل وراه خالد أخوه، اللي همس له وهو بيشد عليه:
"هي دي ليان؟"
"أيوه."
"شكلها متغيّرة كتير…"
زين بصّ له وقال بهدوء:
"كلنا اتغيّرنا… بس في ناس بتغيّر غيرها."
خالد ضحك وقال:
"أبوك حاططك في دماغه… شكل الموضوع مش زيارة وبس."
زين بصله، وبنبرة خفيفة قال:
"عارف… وبنستنى نِشوف."
ليل الصعيد – أول ليلة
ليان كانت قاعدة في أوضتها، النور خافت، والهدوء غريب عليها.
كانت بتبص من الشباك على الحوش… وشافت واحد بيتمشّى جنب الخيل.
مشيته تقيلة…
شعره مسفلت تحت نور القمر…
وخطواته متوازنة كأن الأرض بتحترمه.
ما كانتش شايفة وشه، لكن حاسّة إنه هو.
وهمست:
"ده زين؟"
وفي اللحظة دي… كأن الحصان حس بيها، لف برقبته ناحية الشباك، ونهق بصوت عالي.
زين رفع راسه، وبص ناحيتها.
شافت عيونه…
عيون سودا، مش بتقول كتير… لكن بتحكي أكتر مما لازم.
رواية مالكة قلب الزين الفصل الرابع 4 - بقلم ريشه ناعمه
عيون ليان كانت مركّزة على الشخص اللي ماشي جنب الحصان…
الهدوء اللي كان بيغلف الموقف اتقطع بصوت نهقة مفاجئة.
والحصان لفّ وشه ناحيتها، وزين… رفع راسه، وبص للشباك.
نظرتهم اتلاقَت.
ثواني مش طويلة، لكنها كانت كافية تشيل حاجات كتير.
هي: اتشدّت… مش خوف، لكن حاجة تانية. حاجة مش مفهومة.
هو: ثبّت عينه، ومارمش… كأنه بيختبر قوتها.
ليان رجعت خطوة صغيرة، مش منكسرة… لكن مستغرَبة.
قلبها قالها: "فيه حاجة... والليلة دي مش عادية."
***
تاني يوم – الصبح بدري.
صوت الديوك، ريحة العيش البلدي، والخُطى اللي بتتحرك في الحوش الكبير…
ليان صحيت على صوت خبطة خفيفة على الباب.
"صاحيِة يا ليان؟"
كان صوت بنت ناعم، خجول.
ليان قامت وفتحت الباب.
"أهلاً… إنتِ؟"
"أنا سارة… بنت عمك احمد."
ابتسمت ليان وقالت: "أهلاً يا سارة، اتفضلي."
البنت دخلت بهدوء، وشالت صينية فيها فطار.
"امى قالت أقدمهولِك بنفسي… و… بصراحة، كنت عاوزة أشوفِك."
ليان ضحكت بخفة: "شُفتيني؟ طب وطلعت إيه؟"
سارة بصت لها بتركيز، وقالت: "مش زي ما اتقال علينا في العيلة… خالص."
الكلمة دي خبطت في ودن ليان.
"يعني اتقال عني إيه؟"
سارة سكتت لحظة، وقالت بسرعة: "مش مهم… المهم إنك منوّرة، والبلد بقالها كتير ماشافِتش حد زيك."
ليان ابتسمت، لكن جواها حاجة بدأت تتحرك.
***
بعد ساعة – في الإسطبل.
زين كان بيكمّم الحصان، بيركّب له السرج بنفسه.
إيديه قوية، وراسية… ووشه شبه ما بينطقش، لكن عينه كانت شغّالة.
خالد، أخوه، دخل عليه وقال: "قُلت أهو أسبقك، وأشوفك بتفكّر في إيه."
"أنا مش بفكّر… أنا بشتغل."
"بس اللي بيشغلك… إيه؟"
زين رفع عينه ببطء، وقال بصوت خفيض: "فيه بنات… لما يدخلوا مكان، المكان ما يفضلش زي ما هو."
خالد ضحك وقال: "أمال لو عرفِت إن في العيلة كام واحد نفسهم فيها…"
زين اتوقف، مسح إيده في فوطة صغيرة، وبصلّه من غير تعبير: "الموضوع مش مسابقَة… واللي جاي، محتاج عقل قبل العين."
---
داخل البيت.
ليان نازلة من السلم، لابسة بلوزه بينك، وتحته بنطال واسع ابيض وطرحة بيضه.
خطوتها ساكتة، لكنها واثقة.
كانت ماشية ناحية الحوش، لكن لقت زين واقف عند المدخل… ماسك كوب شاي، سايب ظهره للحائط.
هو شافها… وهي شافته.
بس المرة دي، كان لازم حد يبتدي الكلام.
ليان وقفت، وقالت بصوتها القاهري، له نغمة خفيفة من التحدي: "كويس إنك سايبلي الطريق… ولا كنت هتمنعه كمان؟"
زين لفّ ناحيتها، وبهدوء صعيدي ناعم قال: "الطريق بيتسيب… بس مش لكل حد."
"يعني إيه؟"
"يعني… اللي يعرف يمشي فيه، أهلاً وسهلاً. واللي يتلخبط في أول خطوة… بيرجع من غير ما حد يزعّله."
سكتت لحظة، وبعدين رفعت حاجبها وقالت: "غريب كلامك."
"وإنتِ… غريبة على البلد. بس مش على الناس."
السكوت وقع بينكم.
مش بَرود… لكن بداية نار صغيرة.
لسه مش باينة… لكنها شغّالة.
------
السكوت وقع بينكم.
مش بَرود… لكن بداية نار صغيرة.
لسه مش باينة… لكنها شغّالة.
ليان مرّت من قدامه، ونظرتها مكسّرة في الأرض…
لكن طرف عينها شافه واقف، ثابت كأن الموقف ماعدّاش عليه.
بس الحقيقة؟
الموقف وصل لآخره جواه… وهو ساكت.
ما اتكلمش، بس قالها بعينه: "أنا شايفك… وعارفك… وهفهمك."
***
قُرب المغرب – في الحوش الخلفي.
ليان كانت زهقانة.
الستات قاعدين بيتكلموا في حاجات مالهاش فيها… طبخ، عزوة، خطبة يارا بنت سعيد، والخروف اللي اتدبح مبارح.
قامت من وسطهم بهدوء، وطلعت تمشي على الجنب.
"هخرج شوية… آخد نَفَس."
حد قال لها: "خلي بالك يا دكتورة، مش القاهرة هنا."
ردت بابتسامة: "اوك متخافيش."
مشيت وسط الحوش الكبير، ولفت من السور الصغير اللي بيوصل للجنب التاني…
كانت عايزة لحظة سكون، تشوف السما من غير همسات.
لكنها ندمت.
في آخر الممر، شافت واحد واقف بيشرب سيجارة… شكله من خدم الأرض أو الرجالة اللي بيشتغلوا مع العيلة.
هو أول ما شافها، عدّل وقفته… وبصّ لها بزيادة.
هي ضيّقت عينيها، وكملت المشي بثقة…
لكن وهو عدا جنبها، قال بصوت واطي: "القاهرة دي طالعة جميلة أوي النهاردة…"
وقفت مكانها.
رواية مالكة قلب الزين الفصل الخامس 5 - بقلم ريشه ناعمه
جسمها اتشد.
القرف طالع من نظرتها.
"انت..." قالتها ليان ببرود.
لكن قبل ما تكمل كلمتها...
"انتَ!"
صوت خشن، عالي، جاي من آخر الممر.
الراجل اتجمد.
ولف بسرعة.
زين... واقف، غضبان، وعينه سودة بتولّع.
قرب منه زمسكه من لياقه الجلبيه وقاله:
"قلتلك قبل كده... مفيش راجل في دار الهواري يطوّل لسانه على حرمة، حتى لو كانت طيف ماشية ف الهوا."
الراجل اتلخبط، قال:
"والله ما قصدي، دي..."
زين قطع كلامه وزقه وقال:
"اطلع برا الإسطبل... من دلوقتي. ما تتشوفش تاني حوالين الدار."
الراجل لف ومشي وهو بيعرق من الخوف.
ليان بصّت لزين، وقالت وهي بتحاول تسيطر على نبرة الرجفة:
"هو...."
قاطعها زين ورد بهدوء، لكن صوته تقيل:
"وإنتِ ما تطلعيش لوحدِك تاني من غير ما تقولي."
"ليه؟ خايف عليا؟"
"لا. بس البلد دي ليها شكل... وناسها ليهم عُرف. واللي من برّا... بيتوه من غير ما يحس."
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنعومة:
"أنا مش ضعيفة يا زين واقدر ادافع عن نفسى لو حصلى حاجه."
هو بصّ لها، وقال بجديّة:
"أنا ما قولتش كده... بس لو حد قلّ أدبه تاني، هسيبهولك؟ ولا تتوقعي أعمل فيه إيه؟"
ليان بصّت له بثبات...
لكن في جواها، حاجة كانت بتترجف.
ما فهمتش إيه ده... بس كان فيه أمان غريب، مَلبوس على حِدّة.
***
قبل العشاء – داخل البيت
في الصالة الكبيرة، نزل الجد الهواري من الدور اللي فوق.
بطيء في خطواته، لكن كل رجل في الدار وقف أول ما ظهر.
قال بصوته اللي بيلف البيت كله:
"ليان."
هي رفعت عينها، وقالت بهدوء:
"نعم يا جدو."
"تعالي تعشي معايا الليلة دي في الطرقة اللي ورا، فيها هدوء... ونِقاش محتاجينه."
الكل سكت.
العيلة عارفة... اللي يتعشى مع الجد لوحده... بيتفتح له باب مش عادي.
محمد، والدها، بسحب نفس طويل، كأنه كان منتظر اللحظة دي.
وزين... ما قالش حاجة.
بس كباية الشاي اللي في إيده، شرب منها نصها في مرة واحدة.
رواية مالكة قلب الزين الفصل السادس 6 - بقلم ريشه ناعمه
الصالة الواسعة في الطرقة الخلفية اتوضبت على الهادي.
سفرة صغيرة، وعليها طبقين.
الإضاءة خفيفة، ورائحة المسك والنعناع مالية الجو، كأنها متعمّدة تهدي الأعصاب… أو تربّكها.
ليان دخلت، ووشها ساكن… لكن عقلها مش ساكت.
"ليه عايز يقعد معايا؟"
الهواري قاعد منتظر.
جسمه كبير، لابس جلابية بيضا نقية، وعصاه جنب رجله، كأنها سيف مش عصاية.
"اقعدي، يا ليان."
ليان ابتسمت باحترام، وقعدت.
"شكراً، يا جدو."
قال بهدوء:
"البلد نورت بيكم… وانتِ نورتِ بيتنا، يا ليان."
"منوره بيك يا غالى."
سكت لحظة، وعينه ثابتة عليها.
زي اللي بيقرا تفاصيل الوش… مش بس بيبص.
"محمد… مش بيرجع البلد غير لو ليها سبب."
ليان بصّت له بسرعة، ووشها بدأ يتغيّر.
"بابا… كان وحش جدو، حابب يزوركم."
"لا يا بنتي… اللي زاي محمد، ما بيتحرّكش من غير داعي. وأنا اللي دعيتكم."
ليان قلبها دقّ بسرعة، لكنها حاولت تبتسم:
"تشريف لينا طبعاً."
سحب نفس، وقال بصوت غامق:
"اللي زيّك… ما ينفعش يعيش في مدينة بس. البلد محتاجة وش زيك، دم نضيف… عقل صاحي."
سكتت.
حاسّة إن فيه كلام مستخبي.
"أنا كبرت يا ليان…و عايز اطمن عليكى قبل ما اموت… و مش بحب أسيب الأمور للقدر بس."
عيون ليان اتفتحت، بس ما اتكلمتش.
هو كمّل:
"لو كنتِ فاهمة، فالكلام وصل. ولو مش فاهمة… فاسمعي مني."
هي قالت بصوت واطي:
"حضرتك تقصد…"
"أيوه. أنا عايزِك لزين."
الدنيا اتسكتت.
صوت طبق اتحرّك على الترابيزة كان أوضح من صوت النفس.
ليان حطت إيديها في حجرها، وقالت:
"بس أنا… ما أعرفوش كويس،و… بابا ما قاليش حاجة عن كده."
الهواري اتكلم بقوة:
"لأني أنا اللي رتّبت، وأبوك وافق… وما قالكيش، عشان تتعرفي عليه من غير ما قلبِك يرفض قبل ما يشوف."
ليان اتنفّست بسرعة.
"أنا مش ضد الجواز… بس أنا مش لعبة تتكتب في ورق!"
الهواري ضحك ضحكة خفيفة… مش سخرية، بس عجبه ردها.
"جميلة… وحُرّة… بس شوفي، يا ليان، في الصعيد… لما كلمة تطلع من فم كبير العيلة، البيت كله بيمشي وراها… حتى اللي مش من هنا."
سكتت.
قلبها بيخبط، ومخّها مش قادر يركّب الكلام.
"أنا مش جاهزة… وأنا مش عارفة زين أصلًا! طب هو عايز؟ ولا دي خطته هو بس؟!"
***
وقتها… صوت خبطة قوية على باب الطرقة.
الهواري بصّ للباب.
"ادخل."
كان خالد، أخو زين، وشه متوتر.
"چدى… آسف، بس حصلت مشكلة في الضيافة. واحد من رچالة الأرض اتخانق مع حد من رچالة عم سعيد… والسلاح اتطلع."
الهواري وقف على طول.
ليان وقفت بسرعة، وقالت:
"سلاح؟!"
خالد قال:
"أيوه… والموضوع كبير. وزين هناك دلوقتي… وبيفصل بين الاتنين، بس فيه تهديدات."
الهواري بصّ لليان وقال:
"ده الصعيد يا ليان… ما فيهوش هزار. واللي هتكون مع الهواري… لازم تكون قد الدم قبل العِشرة."
ليان ما ردتش… بس عيونها قالت:
"أنا مش خايفة… بس أنا محتارة."
---
ليان وقفت لوحدها، في مكانها، والطرقة فاضية.
قلبها بيدق بسرعة… مش بس من كلام الجد، لكن من الجملة الأخيرة:
"اللي هتكون مع الهواري… لازم تكون قد الدم قبل العِشرة."
خطواتها خرجت برّا البيت.
حاولت تهدى نفسها… بس أصوات بعيدة، صوت خِناقة، ناس بتصوت… كانت أقوى من تفكيرها.
سمعت صوت رجالة… وسمعِت اسم زين!
"زين! إلحق… السلاح طلع!"
خطواتها جريت لوحدها، حتى قبل ما تدرك.
جسمها بيجري أسرع من عقلها.
لفت عند الإسطبل، ودخلت ناحية الأرض اللي جنب السور الكبير… ولقيت المشهد.
رواية مالكة قلب الزين الفصل السابع 7 - بقلم ريشه ناعمه
زين واقف وسط الرجالة.
وشه مرفوع، وصوته عالي، وبيفصل بين اتنين رجالة تقريبًا هيكسروا بعض.
واحد ماسك سلاح صغير… التاني ماسك شومة.
ليان شهقت، حاولت تقرّب، بس خالد حط ايده قدامها:
"اقفي مكانك يا دكتورة! ده مش مكانِك!"
هي بصّتله بحدة:
"سبني! هو هناك… و ممكن يتإذى!"
في اللحظة دي، واحد من الرجالة حاول يضرب زين بالشومة،
وزين بسرعة ردّ الفعل، مسكه من إيده… ووقع الاتنين على الأرض.
لكن الشومة اتفلتت… وجات في كتف زين!
ليان صرخت:
"ززين!!"
كل الدنيا اتحركت بسرعة.
الناس جريت.
السلاح وقع.
الهواري وصل بصراخ، رجالة العيلة دخلت شدّوا الرجالة عن بعض.
وزين؟
واقف، بيضغط على كتفه… والدم بينقط من بين صوابعه.
بس هو ما قالش ولا آه.
بصّ لليان من بعيد،
شافة وشها الأبيض اللي اتحوّل لاحمر، وعينيها الواسعة الخضرا اللي فيها رُعب مش مفهوم.
"مالكِ يا دكتورة؟" قالها وهو بيتنهّد، كأن اللي حصل ده حاجة بسيطة.
بس ليان كانت بتقرب منه، ودموعها في عنيها من غير ما تحس.
"إنت… إنت اتعورت جامد !"
هو ضحك ضحكة صغيرة:
"ضربة عيل… ما تكسرش الهواري."
لكنها قالت بصوت متوتر:
"بس بتنزف…لازم تروح المستشفى."
هو بصّ لها نظرة مطوّلة…ونادى على خالد:
"خدني على المستشفى… والست ليان… خلوها ترجع الدار."
لكن ليان قالتها بصوت حاسم:
"أنا هاجي."
هو رفع حواجبه:
"إنتِ؟!"
"أنا دكتورة… وده مش مجرد حد من الناس. ده…"
سكتت فجأة.
ما قدرتش تكمل.
"ده زين."
المستشفى الريفي – بعد ساعة
الجرح اتخيط.
والكتف اتربط.
والدكتور قال إنها مجرد "خياطة بسيطة".
لكن ليان كانت قاعدة على الكرسي اللي جنبه… وعنيها مش بتفارق ملامحه.
هو ساكت.
هي ساكتة.
لحد ما قال فجأة:
"خُفتِ عليّا؟"
بصّت له شوية… وبعدين قالت بصوت واطي:
"أنا دكتورة… والخوف رد فعل طبيعي في موقف زيه."
هو ضحك:
"يعني… لأ؟"
هي قالت وهي بتبعد وشها:
"ما ينفعش تسألني كده."
"ليه؟ عشان أنا اتخبطت؟ ولا عشان… قلتلك قبل كده متخرجيش لوحدِك؟"
هي رفعت عينيها، وقالت بهدوء:
"لأ. عشان انت اللي فجأة… بقيت كل الأسئلة."
هو سكت.
وللحظة… حسّ إن قلبه بيضحك قبل وشه.
رواية مالكة قلب الزين الفصل الثامن 8 - بقلم ريشه ناعمه
كان السكون مالي المكان، وريحة المطهرات في المستشفى الريفي مخنوقة زي الأنفاس اللي ليان بتحاول تسيطر عليها من ساعة ما دخلوا.
بُقها نشف، وعنيها بتتحرك بسرعة يمين وشمال، مش من قلق طبي، لا، القلق دلوقتي اسمه: زين.
قلبها كان بيخبط بانتظام غير منتظم. بتحاول تهدي نفسها، تقول إن كل ده هيعدي، وإنها بس بتبالغ.
لكن الصورة اللي في دماغها مش بتروح…
الشومة وهي نازلة على كتفه. الدم اللي سال. صوته، وهو بيقول بكل صعيديته: "ما تكسرش الهواري."
هي دلوقتي قاعدة على كُرسي قدام أوضته، رجليها متشابكة، وصباعها بيخبط في بعض بتوتر.
خالد داخل وخرج، الدكتور جه، وناس من العيلة اتحركت،
لكن ليان؟ مكانها لسه هو هو.
في اللحظة دي، صوت ناعم ومشدود جه من وراها:
"هو نايم جوّه؟"
ليان التفتت، عينيها الواسعة الخضرا لمحت بنت محجبة، ملامحها حادة، عينيها غامقة، ووشها مش مريح.
"آه... نايم شوية، الدكتور قال يرتاح."
البنت قربت، وعلى وشها ابتسامة خبيثه:
"أنا يارا… بنت سعيد الهواري. بنت عمه. أو... أكتر شوية."
ليان رفعت حواجبها:
"أكتر؟"
يارا ضحكت، ضحكة بارده:
"يعني… اللي الكل متوقع تبقى مرات زين في يوم. حتى لو لسه ما حصلش رسمي، إنما العشم والنية والناس كلها عارفة."
ليان حركت راسها بهدوء:
"معرفش إن النية بتتكتب في البطايق."
يارا ابتسمت، بس عينيها ضاقت:
"وانتِ… جيتي ليه؟"
"وهو ابن عمي. وإتصاب، ومكنش ينفع أسيبه."
يارا قربت أكتر، وقالت بنبرة صعيدية مغطية بلطافة مزيفة:
"أنا بس بحب أعرف… مين اللي بيدخل حياة زين. لأن حياته مش ساحة مفتوحة… وبينك وبين بنات عمّه تاريخ طويل."
ليان بصتلها بثبات:
"أنا مش جايه أفتح ساحة، ولا داخلة أطفي نيران حد… بس اللي يوجعني… لازم أطمن عليه. واللي يهمني… لازم أعرف أخباره."
لحظة صمت مرّت… بعدها يارا انسحبت بخطوتين، وقالت:
"خلي بالك… الصعيد ما بيرحمش اللي يتعدى حدوده."
وليان ردت بابتسامة بسيطة:
"وأنا مش طالعة من حدودي… أنا بس اتولدت على حدود تانية."
***
داخل أوضة زين
كان نايم على السرير، ملامحه ساكنة، لكنه صاحي.
سمع صوتهم برا، سمع نبرة ليان… وكأن قلبه ارتاح وهو مغمض.
لما ليان دخلت، فتح عنيه:
"كده يا دكتورة… قلقتي الناس وسبتي بيت العيلة؟"
قالها وهو بيحاول يضحك:
"هو أنا اللي خبطت بالشومة؟ ولا انت؟"
هو ابتسم:
"أنا… بس واضح إن وجعي جايلك أكتر منّي."
قربت منه شوية، وقعدت على الكرسي اللي جنبه:
"إنت غريب أوي… ولا بتتألم، ولا بتتضايق، ولا حتى بتبين! إنت بشر ولا صنم؟"
"صعيدي."
ردها وهو بيحرك كتفه بحذر.
ضحكت، ضحكة قصيرة، وقالت:
"الصعيدي مخلوق تاني؟"
قال وهو بيبص لها:
"الصعيدي… لما يوجعه حاجة، بيعضّ على لسانه. ولما يفرح… بيخبي الفرحة. ولما يحب… بيموت ومش يقول."
بصّت له بصمت، وعينيها لمعت لحظة، لكنها غطتها بكلام:
"يعني لو أنا ما كنتش جيت… كنت هتموت من غير ما تقول؟"
هو سكت، وبعدين قال:
"كنت هعيش… بس ناقص."
***
في بيت الهواري – بعد المغرب
الدار مزدحمة، الرجالة قاعدة على المصطبة الكبيرة، والأولاد بيركضوا، والستات بتجهز العشاء في الجانب التاني.
الجد الهواري قاعد بصمت، في ايده مسبحته، وعينه مركزة في لا شيء.
محمد الهواري، والد ليان، جه وقعد جنبه:
"زين اتخبط، ودي حاجة مش سهلة. إنما اللي صعب بجد… إنه يبتدي يبص لليان بنظرة مختلفة."
الهواري بصله، وقال:
"كنت عاوزها تبصله هي الأولى. بس واضح إن الوقت جري، والناس حوالينا بدأت تشم ريحة التغيير."
"تقصد مين؟"
"سعيد، وأخته نجلاء، وغيرهم. كلهم شايفين إن دخولك بالصغيرة قلب المعادلة. والغيرة بتولع قلوب البنات، زي ما تولّع الهشيم."
"بس إحنا ما جيناش نولّع… جينا نزورك."
الهواري بص له، وقال بنبرة جامدة:
"بس ربك أراد… إن الزيارة تكون بداية. مش نهاية."
***
في إسطبل الخيل – تاني يوم الفجر
الجو ساكن، والندى على الأرض زي الكحل على رمش الفجر.
ليان لبست عباءة بسيطه ، وخرجت تمشي.
كانت محتاجة تهرب من كل الأصوات، وكل العيون اللي بتحاصرها.
وصلت الإسطبل، وقبل ما تدخل، سمعت صوت خطوات وراها.
"مين اللي قايم بدري كده؟"
التفتت… وكان زين.
لابس جلابية بيضا، وصدره لسه متربط، لكن شكله هادي.
بس اللي في عنيه؟ كان نار.
"ما كانش المفروض أخرج… بس مشيت من غير قصد."
قالت له وهي بتبص في الأرض.
"يعني انتي مشيتي برجلك… بس قلبِك؟ هو اللي جابك هنا."
سكتت.
"بتحبي الخيل؟"
سألها.
قالت:
"بحبهم. من وانا صغيرة… بس عمر ما كنت قرّبت من واحد."
هو فتح باب الإسطبل، وخرج حصان أسود، فخم، برقبة مرفوعة:
"ده... اسمه حرب. عنيد... بس وقت الجد، ما يخافش."
بصت له، وبعدين للحصان:
"زيك."
قال:
"انتي خايفة تركبي؟"
قالت:
"مش عارفة."
قرب منها، ومدّ إيده:
"جربي."
لما حطّت إيدها في إيده… كل الدنيا اتبدلت.
---
لحظة واحدة، وصرخة رجّت المكان.
خالد جري ناحيتهم:
"زين! الجد… وقع في المجلس! وشه ازرق، ونَفَسه راح!"
زين ساب إيد ليان، وبص فيها لحظة، ثم جري بأقصى سرعته.
وليان وراه.
والخيل نَهقت، كأنها حسّت بالخطر.
رواية مالكة قلب الزين الفصل التاسع 9 - بقلم ريشه ناعمه
الصراخ خبط في قلب الدار زي الطلق الحي.
الهواري الكبير، جبل الهوارة، سقط على الأرض وسط رجاله، ووشه مائل، ونَفَسه متقطع.
العِمدة، الحاجات، الخُصوم، الكل وقف في حالة ذهول مرعبة.
زين جرى من الإسطبل، وليان وراه، ملامحهم متبدلة، والهوى حوالينهم تقيل.
خالد كان بيحاول يفوق الجد، بس الجسد مابيتحركش، وصدره بيعلو ويهبط كأنه بيودّع.
ليان ركعت جنبه فورًا، صوتها ثابت رغم الرعب:
"انقلوه جوّه، بسرعة"
رجالة البيت اتحركت، وزين شايل جده رغم إصابته، ونظراته نار على وشوش الكل، وكأنه بيقول:
"حد لمسه؟! حد أذاه؟!"
تم نقله على السرير العتيق جوه غرفته، وليان جابت سماعتها من شنطتها، وبدأت فحص سريع.
كل حد واقف على أعصابه.
محمد الهواري دخل، صوته متوتر:
"ليان…"
"متكلمنيش دلوقتي."
صمت تام.
ثواني…وبعدين:
"فيه جلطة… ناتجة عن توتر ضغط دم مرتفع فجأة. محتاج يروح المستشفى فورًا، لكن حالته مستقرة مؤقتًا. بس أنا لازم أعرف… حصل إيه؟ مين كان بيكلمه؟ مين زوّده توتر؟!"
فيه نظرات اتجهت ناحية سعيد الهواري، أبو يارا، اللي كان واقف ملامحه جامدة، بس عينه بتزوغ.
زين بصله بقسوة:
"انت قلت له إيه؟"
سعيد رد بنبرة دفاعية:
"كنا بنتكلم في موضوع العيلة، وعِر**ض الناس، وحاجات تخص الد**م… ما قلناش حاجة غلط."
زين قرب منه، واللي حواليهم وقفوا يمنعوا المصيبة:
"قلتله إيه عن بنت عمي؟ عن ليان؟ قلتله إيه يخليه يقع كده؟!"
في اللحظة دي…
ليان بصّت لزين، وشافت الوش اللي ما شافتوش قبل كده.
وش المقاتل.
وش الأسد اللي بيغلي.
وش الراجل اللي مستعد يولّع الدنيا لو تقال على حبيبته حرف.
قالت بهدوء، وهي تحط إيدها على صدره:
"زين… سيبهولي. أنا هرد."
سعيد قال بسخرية:
"وإنتي مين عشان تردي؟ يا بنت القاهرة، يا اللي معرفناش عنك غير من كام يوم؟ إنتي فاكرة نفسك مين فـ عِزّ الهوارة؟"
سكتت ليان لحظة، ثم بصّت لعيلة كاملة، وقالت:
"أنا ليان محمد الهواري. حفيدة الهواري الكبير، اللي قلبه وقع لما عرف إن حفيدته بتتظلم منكم. أنا الدم اللي ساكن هنا بس متربي في مكان أنضف من السُمّ اللي بتوزّعوه ببساطة. أنا اللي ماعرفتش أجي هنا من سنين، بس أول ما جيت، شوفت الغيرة، وشوفت الزيف، وشوفت الطمع في قلوب ناس كانت المفروض تحميني."
زحمت الصمت بكلامها، وزين واقف، بيبص لها كأنها مالكة قلبه… فعلاً.
"أنا لو مش بنت المكان ده، ماكنتش هحس على الراجل اللي واقع قدام عيني وأخاف عليه أكتر من نفسي. ولو مش جزء من تراب الدار دي، ماكنتش واجهت يارا بسكوتي، وسعيد بكلامي، والصعيد بعيني."
في جناح الجد – بالليل
الجد فوق السرير، مرتاح بعد ما نُقل مستشفى المدينة.
زين واقف عند الشباك، وليان جنبه.
قال فجأة:
"أنا مش هسكت. أنا عاوز أقولها."
بصّت له، وقلبها خفق:
"تقول إيه؟"
"إني حبيتك. من أول يوم… من أول ما دخلتي بيتنا، بعين خضرا شافت فيا حاجة أنا نفسي ما شوفتهاش."
ليان اتفاجئت، صمتت لحظة، ثم قالت:
"وإنت مش خايف؟"
"أخاف من إيه؟ من يارا؟ من العيلة؟ من أبويا؟ من المجتمع؟ أنا ابن الصعيد… بس عمري ما كنت عبد لعاداته لو هتخنق قلبي."
فجأة، صوت تكة الباب خبط.
الباب اتفتح، ويارا دخلت.
بس المرة دي، مش بهدوء، لا. بنظرة مجنونة، فيها كره، فيها ندم، فيها نهاية.
"انتو الاتنين… فاكرين إنكو كسبتوا؟ بس الصعيد… ما بيرحمش الخاين. أنا كنت خطيبته، ولو مش رسمي. كنت أولى بيه…"
زين قاطعها، وقال بجفاء:
"عمري ما كنت ليكي. كنتِ حلم نفسك، مش حلمي. وانتي عارفة."
يارا بصّت لليان… ثم خرجت بصمت قاتل، بس عنيها وعدت بانتقام.
بعد منتصف الليل
في جناح الجد، صوت جهاز القلب بيصدر نغمة منتظمة.
لكن فجأة…
صوت إنذار خفيف… ثم ارتجاف في الشاشة.
ليان صرخت:
"زين! الجهاز!"
الجهاز بيعلن هبوط مفاجئ… قلب الهواري الكبير بدأ يضعف.
زين جري ناحية السرير، صوت دكاترة المستشفى اتنادى في السماعة.
ووسط الفوضى… حد دخل أوضة الجد متسلل… وخرج بسرعة.
وفي إيده زجاجة صغيرة فاضية.
رواية مالكة قلب الزين الفصل العاشر 10 - بقلم ريشه ناعمه
الجهاز لسه بيرنّ بنغمة الخطر.
الخطّ اللي على الشاشة بيهتز، وبيروح وييجي.
ليان كانت بتحاول تنقذ الموقف، وصوتها عالي وهي بتصرخ للدكاترة:
"دخلوا الأدرينالين دلوقتي! وراقبوا الضغط!"
لكن فجأة…
في زحمة التمريض والدكاترة، واحد من رجال الهواري شاف ظل بيعدّي من باب الطوارئ الخلفي للجناح.
ظلّ... بيجري.
وبيخبّي في جلابيته حاجة صغيرة…
زجاجة بلاستيك شفاف، فاضية.
الراجل طلع يجري وراه، لكنه اختفى في لحظة.
نص ساعة بعد الحادث.
الجد اتحط تحت المراقبة المشددة.
ليان سابت الجهاز والدكاترة، وخرجت من الجناح ودماغها بتغلي:
"فيه حد دخل أوضة جدي… ليه؟
وإزاي؟
وإزاي لسه فيه ناس في الدار دي مستعدة تؤذي؟"
زين دخل بعدها بثواني.
عنيناهم تقابلت، لكن فيه نار في عينه.
قال لها بصوت واطي بس حاد:
"انتي كنتي فين ؟"
اتخضّت ليان، وقالت بتلقائية:
"طلعت أجيب الدوا من الاستقبال."
"ومسألتنيش ومقولتليش ليه علشان اجيبه."
سكتت لحظة، وقالت وهي بتحاول تهوّن:
"يعني… مكانش وقت أسألك. أنا كنت بعمل اللي شايفاه صح."
قرب منها خطوة، وقال بنبرة مش بس غضب، فيها غيره… قهر… نار مشتعلة:
"أنا ما طلبتش منك تستأذني…بس أنا راجل، وف صعيد، وده جدي.
وسبتك هنا أمانة، وقلبي بيتخلع عليكي.
وانتي… بتتصرفي على كيفك، كأنّ الدنيا ماشية بنظام غير اللي إحنا فيه."
قالت ليان بصوت متوتر، بس مش خافت:
"ماينفعش كل خطوة أعملها أستأذن فيها.
أنا مش طفلة، وأنا دكتورة، ومسؤولة عن الحالة."
هو وقف، وبص لها من فوق، وقالها بالكلمة اللي جرحتها:
"المسؤولة اللي كانت هتتخطف من فوق باب البيت وهي ماشية لوحدها؟
المسؤولة اللي بتمشي في البلد من غير محرَم، وكأن الناس هنا مش صعايدة؟
الليان دي مش بتاعتي…"
الكلمة الأخيرة وقفت في حلقه، ووقفت في قلبها.
قالت له بهدوء:
"ما تقولهاش وانت متعصّب…لأني لو خدت كلامك ده حقيقي…مش هترجع تصلّحه."
مشيت من قدامه، وسابته واقف، والنار في قلبه بتاكل فيه.
نفس الليلة – بيت الهواري – الجناح الداخلي.
يارا كانت قاعدة مع أمها، وسعيد بيكلمها من بعيد.
قالها بصوت مش طبيعي:
"أنا عايزك تخلصي الموضوع ده. زين مش لازم يفضل متعلّق بالبنت دي.
واستخدمي أي طريقة… مفهوم؟"
يارا بصّت له، ودماغها شغالة بخطة.
وفي اللحظة دي، راحت لعصام أخوها، وقالت له:
"أنا عايزاك تراقب ليان.
وأول ما تخرج… بلغني."
بعد الفجر – الإسطبل.
ليان كانت نازلة الإسطبل بهدوء، وسط ريحة الخيول وصوت الهدوء اللي بتعشقه.
مسحت على خيل أبيض، وابتسمت بحنان.
لكن فجأة، سمعت صوت خلفها:
"انتي ما بتتعلميش؟"
اتلفتت…
زين واقف، بيبص لها بنظرة فيها كل حاجة: وجع، غيرة، كِبر، عتاب، وحب دفين.
قالها:
"تاني تطلعي من غير ما حد يبقى معاكي؟
مافيش راجل في دارنا؟
مافيش أهل؟
ولا أنا بقيت كمالة عدد؟"
قالت ليان بحنق:
"أنا نازلة الإسطبل، مش رايحة مكان بعيد.
وبعدين، أنا قلت لبابا لما كنت قاعده معاه من شويه. هو اللي قاللي انزل."
قالها بصوت خافت، بس بيقطع:
"أنا كنت عايز أكون أول حد تعرفيه قبل ما تاخدي أي خطوة."
نظرت له، وقالت بعيون دامعة:
"إنت مش بس زين…انت الزين كله.
بس لو كل مرة هتزعل علشانني بتصرف، إحنا عمرنا ما هنكمّل."
هو سكت، وراح قرب منها، وقال:
"أنا مش بزعل… أنا بغار.
أنا ما صدقت ألاقيك. وما صدقت قلبي اتخلق ليكي.
مش مستحمل أضيعك، ولا دقيقة."
نهاية اليوم.
زين دخل جناح الجد، بس لقى الدكاترة عاملين حالة طوارئ.
قالوله:
"عندنا اشتباه في محاولة تسميم، بسبب تفاعل غريب حصل في دمه من مادة مجهولة."
زين وقف مكانه، وقلبه وقع.
"يعني إيه؟"
ليان دخلت، وقالت:
"لقيت أثر لمادة مش معتادة في العلاجات.
دي مش دواء… دي سم بطيء."
زين قال بجمود:
"أنا عايز الكاميرات.
وعايز أعرف مين اللي دخل أوضة جدي وقت الطوارئ."
قال الطبيب:
"الكاميرا اللي على باب جناح الهواري…اتكسرت فجأة قبل دخول الشخص المجهول بدقيقة."
هنا، رفع زين راسه… وقال بصوت مرعب:
"أنا مش هرحم.
اللي حاول يأذي چدي… هيشوف وش زين الهوارى الحقيقي."
في خارج فى مكان بعيد عن جناح الهوارى.
يارا واقفة… وبتضحك ضحكة مكسورة، بس مجنونة.
"كلهم بيلعبوا…بس أنا اللي هكسب."