إسلام قاعد على الكرسي قدام خالد، ضهره محني وإيده على ركبته، شكله مرهق وعينيه زايغة من كتر التفكير. خالد بيحطله كوباية مية قدامه وبيقوله بقلق: مالك؟ شكلك مش تمام خالص. إسلام بصوت واطي وتعب: ملقتش حنين في البيت... معرفش راحت فين يا خالد. خالد بصدمة: إزاي يعني؟ مش كانت قاعدة مع عمتك في بيتكم؟ إسلام بياخد نفس عميق: حصلت مشكلة... ومشيت هربت وسابت البيت. أنا كنت مأمنها عندهم، بس... طلعوا ميستهلوش.
كنت فاكرها هتفضل هناك لحد ما أرجع، بس كنت غلطان. حطتها مع وحوش بإيدي لدرجة هربت منهم. بس وربنا ما هيفلتوا بعملتهم دي. قالها بتوعد وغضب. خالد بعدم تصديق: طب وانت مبعتهاش ليه عند خالك في ألمانيا؟ ده أضمن من هنا بكتير أهو، حتى مكنتش هتشك إنو حد يكون عارفك ويعملها حاجة. إسلام بيهز راسه: رفضت... وكنت خايف عليها. خفت تكون في خطر، كان لازم تبقى بعيد عن كل اللي أعرفهم، بعيد عن أي وش ممكن يكون ورايا.
ومفيش حد يعرف إني في المهمة دي.. وعمتي ست ساذجة شوية هي وعيالها، لا هيسألوا ولا هيدورا. أهو واحد سافر وخلاص. بيسكت لحظة وبعدين يكمل وهو بيعض شفايفه: بس حنين عرفت... يوم ما كنت ماشي. وقلتلها محدش يعرف... عشان حياتي ما تبقاش على المحك أو حد يعملها حاجة. وأنا متأكد إنها مقلتش لحد... بس... راحت فين؟ هي صغيرة ومتعرفش حد... راحت فين؟! بيحط إيده على دماغه ومفيش في وشه غير حيرة وقهر. خالد بيقوم يقعد جنبه ويطبطب على ضهره:
متقلقش... أكيد بخير وهنلاقيها إن شاء الله. بس قوم... غير هدومك دي واستحمى وتعالى نتعشى ونفكر هنعمل إيه. إسلام بيقوم بسرعة: لا لا... أنا لازم أتحرك، مش هعرف أنام، لازم ألاقيها بأي طريقة. خالد بيضحك وهو بيقف قصاده: والله ما هتخرج من هنا قبل ما تغير هدومك وتاكل. أقسم بالله لو طلعت من الباب لمراتي تكون طالق بالتلاتة. إسلام بيتفاجئ وبيضحك: إيه ده! إيه الحلفان ده؟ متقوليش إنو حرام.
وبعدين أنا مش عاوز أتقل عليك ولا على المدام... إن شاء الله مرة تانية. خالد واقف وبيضحك: مدام إيه بس؟ هو أنا اتجوزت من وراك؟! إسلام بستغراب: البنت اللي فتحتلي الباب... مش مراتك؟ خالد بيضحك بصوت عالي: دي أختي يا عم! اسمها ريم، كانت بتدرس طب بره ولسه راجعة من كام شهر. يعني بالذمة هتجوز وأنا مش عازمك؟ ده إنت تيجي تشهد على كتب الكتاب بإيدك. إسلام بيبتسم لأول مرة من وقت ما رجع: آه... تمام. بس همشي برضوا. خالد بحسم:
خلاص بقى، ريم بتحضر الأكل، وانت هتستحمى وأنا هجبلك طقم من عندي. وبكرة من أول النهار، ننزل ندور على حنين سوا... مش هنسكت لحد ما نلاقيها. إسلام بيهز دماغه بيأس ويقعد. عند حنين وكريم. بعد العشا خرجوا من المطعم. كريم كان فرحان بيها، ولسانه ما بيسكتش غزل فيها، وهي كل ما يسمعها كلمة تبتسم في هدوء. وصلوا العربية، وكريم كان لسه هيفتح الباب ليها عشان تركب. لكن فجأة وقفت... وبصّت للشارع كأنها بتشوفه لأول مرة. بصتلها
باستغراب وسألها بهزار: مش هتركبي؟ قالت وهي لسه بصّة للشارع وابتسامة صغيرة على وشها: بقالى كتير ممشيتش في الشارع... ممكن نتمشى شوية؟ كريم سكت لحظة... وبعدين ابتسم. وقفل باب العربية وهو بيقول بحنية: بس كده؟! إنتِ تؤمري يا جميل. وفعلاً... مشيوا جنب بعض، خطواتهم هادية. هو بيحكي عن نفسه وشغله وحياته. وهي ساكته... بس بتسمعه وبس. وصلوا البيت ودخلوا وهما لسه بيضحكوا. والسلم طلعوه مع بعض، مش مستعجلين.
ولا كأنهم عايزين الليلة دي تخلص. عند باب الأوض، وقفوا قدام بعض. نظرة طويلة هادية. مفيهاش كلام بس مليانة حاجات كتير. حنين فتحت باب أوضتها، ودخلت بهدوء. كريم لسه واقف مكانه بيبص لضيفها بهدوء. وبعدين دخل أوضته هو كمان. وقفل الباب وراه على ليلة من أجمل ليالي عمره. بعد دقايق... كريم كان لسه بيقفل باب الأوضة بعد ما غير هدومه واستحمى. جسمه دافي من الماية، وعقله دافي من ضحكة حنين اللي لسه سايبها من شوية على السلم.
بيِقرب من السرير وبيمد إيده للموبايل. لكن فجأة الباب بيخبط. وقف استغرب: مين جاي دلوقتي؟ فتح الباب... لقاها حنين واقفة قدامه بأسدال بسيط، وشها هادي وعينيها فيها لمعة. كريم بستغراب: في حاجة ي حنين مالك انت كويسة؟ حنين بابتسامة بسيطة: الفجر قرب يأذن... قولت نصليه مع بعض... ينفع؟ سكت بصّلها. الهدوء في ملامحها، الدعوة الطيبة دي، الحنية اللي في صوتها. حط إيده على دماغه، وتنهد. حنين باستغراب: بتعرف تصلي ولا لأ؟
كريم بصوت متلخبط: آه… بعرف أصلي… سكت لحظة وقالها وهو ناظر للأرض: بس بقالي كتير… كتير أوي مصلتش… صراحة… خايف. حنين بابتسامة: خايف من إيه؟ من ربنا؟ ده ربنا بيستناك… مش بيطردك. مسكت إيده… وهو استغرب. دخلته الأوضة بهدوء، وقعدته على طرف السرير وقعدت جنبه، لسه ماسكه إيده. حنين بصوت دافي: عارف؟ النبي ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل". يعني مستنيك… مش بيعاقبك ولا بيكرهك.
كريم بهمس: بس أنا عملت حاجات كتير… مش عارف أبدأ إزاي. حنين بإصرار: ابدأ من السجدة الجاية… من *الله أكبر* اللي هتقولها دلوقتي. دي مش بس تكبيرة، دي بداية جديدة. لو كنت فاكر إنك بعيد، فربنا أقرب من حبل الوريد… وبيقول: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. هو قالها صريحة… متقنطش. كريم بصوت متأثر: أنا عمري ما حسيت بالسلام ده. حنين: يبقى قوم… وصلي، وربنا هيكملك الباقي. أنا هدخل أوضتي أجهز وهستناك.
سابت إيده وقامت وخرجت من الأوضة وهي سايبة وراها ريحة طيبة وكلمات زي البلسم وقلب بدأ يتحرك. كريم قعد لحظة وبعدين قام بهدوء. وبدأ يتوضى زي ماهو عارف. وبين كل خطوة كان بيقول جواه: يارب… رجّعني ليك. عند اسلام. بعد ما اتعشى مع خالد… كان حاسس بخنقة في صدره مش عارف يبلع لقمة. بس خالد فضل يهوّن عليه ويصرّ إنه يبات عنده. عشان تاني يوم يطلعوا بدري يدوروا سوا على حنين. إسلام في الأول رفض… قال له: مينفعش، عندي شغل و...
بس خالد قاطعه: شغل إيه يا عم؟! تنام وترتاح وتصحى على بهمه كده. وبعدين لو عشان ريم وكده، فهي طلعت لستي فوق هتنام عندها. واهلي زي ما انت عارف قاعدين في السعودية. وفعلاً… بعد شد وجذب، وافق إسلام. بات عند خالد بس النوم كان ليه رأي تاني وعقل إسلام منمش بيفكر. هيا فين!؟ عايشة إزاي!؟ لحد ما الصبح طلع. أول ما نور الشمس بدأ يطل من الشباك. خالد صحى وفطّر هو إسلام على السريع. ونزلوا. ركبوا العربية، وإسلام قاعد ساكت.
وخالد بيحاول يطمنه ويثبت له إنهم على أول الطريق: بص يا إسلام… هنروح الأول نعمل محضر غياب ليها. بعد كده نلف على كل أقسام الشرطة والمستشفيات اللي نقدر عليها. وإن شاء الله هنلاقيها بإذن الله. سكت شوية وبعدين سأل: بس قولّي… تعرفلها صاحبة أو حد قريب منها؟ يعني ممكن تكون راحتله؟ إسلام بص قدامه كأنه بيسترجع الذكريات وقال: حنين مكانش ليها أصحاب… كان في بنت اسمها رحمة، بس دي راحت مع أهلها الصعيد من زمان.
معتقدش إنها تكون عندها. خالد طبطب على كتفه وهو سايق العربية وقال: متقلقش يا صاحبي… هنلاقيها وربنا كبير. وصلوا القسم ونزلوا على مكتب الظابط. خالد بيخبط على الباب ويفتح وإسلام داخل وراه. الظابط عماد بيرفع عينه من ورق قدامه وهو بيبتسم: الله… خالد بيه! إيه النور ده؟! لما العسكري قال إنك بره مصدقتش. خالد بضحكة خفيفة: نورك يا باشا… عامل إيه؟ عماد وهو بيقوم يسلم عليه: الحمدلله… اتأخرت علينا بقالك كتير مظهرتش.
وبعدين بيبص لإسلام اللي واقف ساكت. عماد بنظرة فاحصة وهو بيحاول يفتكره: حضرتك… احنا اتقابلنا قبل كده؟ وشك مش غريب. إسلام بهدوء: –ممكن… مش متأكد. خالد بيدخل في الموضوع بسرعة: بص يا عماد، إحنا جايين في موضوع مهم أوي… صاحبي ده أخته مختفية بقالها سنة ونص، ومفيش ليها أثر ومنعرفش عنها حاجة. عماد واقف مكانه وبانت عليه الجدية: سنة ونص؟! ده رقم كبير… كنتوا ساكتين ليه كل ده؟ إسلام بياخد نفس طويل وهو بيقعد:
أنا كنت مسافر… ولسه راجع. أول حاجة عملتها نزلت أدور عليها ماعرفتش أوصل لحاجة، ومليش حد غير خالد. عماد قعد وهو بيخرج ورق: –طب اتفضل، قولي اسمها وسنّها وآخر مرة شفتوها كانت فين؟ وعلاقتك بيها كانت إيه وقتها؟ يعني الظروف وقت ما اختفت. إسلام بصوت مبحوح: –اسمها حنين، كانت وقتها 17 سنة، دلوقتي اكيد بقت 18.
كانت عايشة مع عمتها بعد وفاة أهلنا… أنا كنت برة مصر… الي عرفته انو ابن عمتي حاول انو يقرب منها وهيا من خوفها هربت. دا كلام ما اختفت معرفش مشيت إمتى ولا راحت فين، ولا حتى كانت لابسة إيه، ماعرفش حاجة. عماد بيهز راسه بتفهم: مفيش أي خلافات؟ مشاكل في البيت؟ حاجة تخليها تمشي؟ غير الي قلته ده. إسلام بيتكلم بحذر: لسه مش متأكد، بس الظاهر إنو فعلا هو حاول يضايقها… ومفيش حد وقف جنبها عشان كده هربت. خالد مكمل عنه:
–وأول ما إسلام رجع، وعرف جه على طول وأنا قلتله نبدأ من هنا… نعمل محضر رسمي، وننشر صورتها. عماد بجدية: طب عندك صورة حديثة ليها؟ إسلام بيطلع صورة من جيبه، مبهدلة شوية: دي آخر صورة ليها… مش واضحة قوي، بس دي هي اللي معايا. عماد بياخد الصورة وبيبص فيها. عماد: طيب… هنكتب محضر تغيّب، ونبلغ كل الأقسام وهنشيك على سجلات المستشفيات واحدة واحدة. بيبص لخالد وهو بيكتب. عماد:
خلي بالك الموضوع ده مش سهل، بس هنشتغل عليه، ولو في أي معلومة صغيرة افتكرتوها… ممكن تساعد كتير. خالد بصوت واطي لإسلام: –متقلقش… عماد ده ما بيهزرش في شغله، هيعمل اللي يقدر عليه. إسلام بصوت مكسور: نفسي أوصل لها… حتى لو ميتة… بس أعرف. عماد بيبص له بحزم: لا، متقولش كده… هنرجعها، أو على الأقل هنعرف راحت فين. بس أنت ركّز معايا، وما تسيبش أي تفصيلة مهما كانت صغيرة.
الهدوء مالي الأوضة. حنين قاعدة على طرف السرير وبإيدها مصحف صغير… بتقرأ بصوت داخلي. جنبها ابنها "محمد" نايم. بتسمع خبطة هادية على الباب… الباب بيتفتح وكريم بيطل برأسه… عيونه فيها حيرة وخجل. حنين بصوت واطي وابتسامة فيها دفء: جاهز؟ كريم بيبلع ريقه، ويبص في الأرض ويهز راسه بتوتر: اه… يقرب منها بهدوء… يبوس محمد وهو نايم. وبعدين… يقعد على الكرسي المقابل لها، وسكون بيغلف اللحظة. صوت جميل بيظهر.
الفجر بيأذن… الأذان صوته بيشق الهوى والسكون بتاع الليل. حنين بهمس وهي بتقوم وتمد إيدها له بمصلية: اتفضل… قوم صلي… أنا هقف وراك. كريم ياخد المصلية بإيد بتترعش، يبص فيها ويفردها بحذر كأنه بيحط عمره كله فيها. يقوم ياخد نفس عميق، ويرفع إيده بتردد، وبعدين يكبر. كريم وقف على المصليّة… إيده ترتجف. بس عينه ثابتة على الأرض… مش بيبص لحد كأنه واقف قدام ربنا فعلاً. قال بصوت واطي لكنه تقيل من جوّا: –الله أكبر.
حاسس إنها مش بس كلمة… حاسس إنه أخيرًا اعترف: مفيش أكبر من ربنا. لا وجعه… ولا ذنوبه… ولا اللي عمله. تنقل لفاتحة الكتاب… بس المرة دي، كل آية كانت بتخبط: –*الحمد لله ربّ العالمين*. أنا بشكرك يا رب… مع إني معرفتش أشكرك قبل كده. مع إني بعدت، وظلمت، وضيعت. بس قلبي بيحمدك النهارده… لإنك مخدتنيش من الدنيا وأنا غرقان. –"الرحمن الرحيم". إنت رحيم بيا، رغم تقصيري… ورحيم بيها لما صبرت عليا… ورحيم بابني اللي لسه جاي.
إنت رحيم، وأنا ماليش غير رحمتك. –"مالك يوم الدين". أنا عارف إن في حساب… وإني جايلك يوم… بس يا رب، أنا جيتلك دلوقتي قبل اليوم ده… طمعان يكون رجوعي ليك توبة من الي فات وحزر من اللي جاي. –"إياك نعبد وإياك نستعين". أنا عبدك، يا رب… حتى لو نسيت نفسي. والنهارده… أنا واقف أستعين بيك مش بعقلي، ولا بنفسي ولا بأي حد… محتاجك إنت… تسندني. –"اهدِنا الصراط المستقيم". وهنا دموعه نزلت بهدوء.
الطلب بسيط… بس طالع من قلب تايه بقاله سنين في حيرة. اهديني… لوحدك تقدر تهديني. أنا مش طالب دنيا… طالب بس طريقك. طريقك اللي يوصلني ليك… ويوصل قلبي للسلام. –"صراط الذين أنعمت عليهم* غير المغضوب عليهم ولا الضالين". أنا ضلّيت، يا رب… بس مش عايز أعيش كده تاني. أنا عايز أكون مع اللي أنعمت عليهم، مش اللي غضبت عليهم. قال "آمين". وكأنها نَفَس طويل طالع من صدره بعد غرق طويل في بحر وهموم الدنيا.
ركع وهو بيبكي… مش بيبكي من الخوف. لكن من الراحة اللي عمره ما ذاقها. وفي السجود… حط وشه على الأرض وقال جوّا قلبه: "أنا كنت بعيد أوي… بس إنت ما بعدتش عني ولا لحظة". كل سجدة كانت كأنها غُسْل… كل تسبيحة كأنها مسح على جروح قديمة جواه. لما سلّم ما قدرش يقوم على طول… فضل قاعد ووشه كله مبلول من الدموع… بس لأول مرة قلبه ناشف من الذنوب مرتاح، كأنه أخيرًا زال الهم. بص لحنين وقال بصوت خافت: –هو ده اللي الناس بتحس بيه بعد التوبة؟
ابتسمت وهي بتشوف النور في عينه: –لسه البداية يا كريم… ولسه ربنا عنده أكتر بكتير من كده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!