"إنتي... حامل؟ اتجمّدت. ما عرفتش أرد إزاي. ما كنتش عارفه، لالا، ما كنتش عاوزة. قربت مدام سميحة مني وهي بتبص لي بريبة. "إنتي... ي حنين... إزاي؟ إمتى؟ ومين؟ انتي إزاي متقوليش إن حد عمل معاكي حاجة زي كده؟ قعدت على الأرض. ما كنتش مستوعبة الصدمة والي حصل. بكيت. بكيت زي العيال، زي طفل تايه مش عارف هو مصيره إيه. كل ما أقول بدأت تضحك ليا، ترجع تاني. واضح إني مش مكتوب لي أعيش في أمان. كنت بتكلم وأنا مصدومة. "أنا مغلطتش...
والله مغلطتش... هو..... هو اللي عمل كده.... هو اللي ظلمني...... ك... كريم... أنا ماليش ذنب والله ما عملت حاجة. هو.... هو اعتدي عليا عشان..... عشان كده سبته وهربت... خفت أحكي لكِ اللي حصل تسبيني وأنا معنديش مكان تاني أروح له." كانت مصدومة. بصت لي كأنها مش مصدقاني. "أنا مش قادرة أستوعب... إزاي ي حنين إزاي تخبي عني حاجة زي كده...... ده بيت محترم وأنا مش فاتحة بيتي للحوامل اللي جايين من الشارع."
بصت لي وأنا مصدومة من كلامها. مقدرتش أرد. فقالت: "هديكي يومين... تفكري فيهم هتروحي فين." مشيت وسابتني قاعدة مكاني. من صدمتي مقدرتش أتحرك. فضلت قاعدة مكاني لحد ما الجو بقى ليل. "هتروحي فين تاني ي حنين؟ يظهر إن ده نصيبك في الحياة. متفرحيش... ملكيش أمان ولا... مكان." عيوني دمعت. افتكرت إني دلوقتي مبقتش لوحدي. بقى في روح كمان جوايا. حطيت إيدي على بطني. "أنا مكنتش عارفة أعيش لوحدي. دلوقتي انتي كمان... هنعمل إيه؟
ملناش مكان نروح فيه. ما كناش لازم نكون هنا." بكيت كتير لحد ما دموعي نشفت. حاولت أقوم. كنت مرهقة، بس كان لازم أعمل حاجة. فكرت كتير. لو خرجت من هنا هرجع تاني للبهدلة والشارع. والطفل اللي جاي ده إيه هيحصل فيا في النهاية؟ هو ملهوش ذنب. يمكن ربنا كتب إنه يجي عشان يكون ليّا حد في الدنيا أعيش عشانه. على قد ما كنت حزينة إنه هييجي بالطريقة دي، على قد ما كنت فرحانة إنه هيكون عندي حد ليّا في العالم ده.
قمت وأنا بمشي بالعافية، واستندت على الحيطان لحد ما وصلت لباب الأوضة بتاعتها. قعدت عند باب أوضتها. ما نمتش. فضلت أبكي وأترجاها. النهار طلع وأنا لسه مكاني. الخدم كانوا بيبصولي بنظرة شفقة. ومدام سميحة كانت ساكتة. حتى مفكرتش ترد عليا. خرجت وشافتني ومشيت بدون أي حاجة. الخدامة قومتني وخدتني الأوضة وأكلتني. بس أنا مكنتش عاوزة كده. أنا عاوزاها تخليني أقعد عندها حتى لحد ما أولد. فضلت كده كل ليلة أعيط وأقول لها:
"بالله عليكي... سبيني هنا... مش عشان أنا عايزة أعيش... علشان البيبي ده... ملوش ذنب... أنا مش بطلب شفقة، بطلب بس مكان أمان... هشتغل خدامة عندك والله هعمل كل حاجة تقولي عليها بس بالله عليكي مش عاوزة أرجع الشارع تاني." ما كانتش بترد. بس كنت كل ما أبص في عينيها، ألاقي دموع محبوسة. بس مكنتش بتدي أي ردة فعل. وفي ليلة... وأنا نايمة على الأرض قدام باب أوضتها... فتحت الباب. "العيّل ده ملوش ذنب...
بس لو هتفضلي، يبقى تسمعي كلامي حرف بحرف." وقفت وأنا مبسوطة جداً. قلت لها ودموعي مغرقاني: "حاضر... والله حاضر... هعمل أي حاجة تقولي عليها." طلبت مني طلب غريب. "بُصي يا حنين... أنا مش هكدب عليكي، اللي حصل حصل... والولد ده جه للدنيا خلاص... بس لازم نفكر بعقل. الناس برا ما بيرحموش، وكل خطوة لازم تتحسب صح." حنين: "أنا مش هسيبه... حتى لو الدنيا كلها ضدي. بس أنا ماليش غيره." "عارفة...
بس علشان تعيشي انتي وهو من غير متاهات ولا فضايح... لازم نلاقي طريقة الناس ما تسألش... ولا تجرّح. وعشانك انت في المستقبل." حنين بقلق: "زي إيه؟ "في دور أيتام بتسجل الأطفال اللي مالهمش أهل معروفين... إحنا ممكن نعمل ورق كفالة كأنك اتبنيتيه... يبقى قانوناً معاكِ... والناس تفكر إنك بتربيه ...
مش عشان هو ابنك. وعشان انت لسه السن القانوني يمنع إنك تعملي كده. أنا هتكفل بيه. كده محدش هيتكلم. أنا عندي بيت ودخل وسني مش كبير قوي." حنين بصدمة: "يعني أعيش أمّه... بس على الورق أبقى متبنياه؟ "دي أنضف طريقة قدام الناس... وبدون أب، مش هتقدري تسجليه باسمه... ولو عملنا عقد زواج مزور هتقعي في مصيبة. إنما دي طريقة قانونية... والمهم الطفل يفضل في حضنك." حنين بدموع: "هعمل أي حاجة عشان أفضل معاه...
فضلت عايشة معاها. وكل يوم كانت بتتعلّق بيا. تعاملني زي بنتها. تجيب لي لبس الحمل، وتطبخلي أكل مخصوص. وتنده للشغالة: "حنين محتاجة عصير... بسرعة." كنت حاسة إني رجعت بني آدمة. والبيبي اللي جوايا... بقى هو الأمل. هو اللي هعيش عشانه. كانت بتحط إيدها على بطني، وتضحك، وتقول: "شايفة؟ ده رزقك يا حنين... قبل الولادة بشهرين... كانت بتكح كتير، وتتعب، بس تقول لي: "دوخة بس... مفيش حاجة." وفي يوم...
صحيت الصبح كعادتي. نديت عليها، مردتش. استغربت... دخلت أوضتها على أطراف صوابعي. كانت نايمة، ووشها هادي... أوي... هادي لدرجة خلت قلبي يدق فجأة. نديت عليها... قلت يمكن سمعي بيغشّني. هزيت كتفها بلطف... بس مفيش... مفيش نفس، مفيش نبض، مفيش صوت. كانت نايمة، بس مش نايمة. كانت راحت... رايحة من غير ما تقول وداع. راحت هيا كمان وسبتني. راحت من غير ما توصي عليا حد. ولا تبص لي النظرة الأخيرة اللي كنت محتاجاها. صوتها...
اللي كان بيصحيني، اللي كان بيطمني، اللي كنت بسمعه حتى وهي ساكتة... مات. "صرخت... صرخت كأني بصرخ لأول مرة في حياتي... يااااه!!! مدام سميحة!! قومي... بالله عليكي قومي!! وقعت على الأرض جنب السرير. وإيديا كانت بتترجّف وهي بتشد الغطا. صوتي خرج مش صرخة... كان زي الزئير... زي الحيوان اللي انضرب بالنار وبيطلع آخر نفس. "مداااام سميييييحة!!!! صوتي رج السما... كان بيخرج من حنجرتي بس...
بس طالع من قلبي، من ضهري، من سنيني كله. "ما تسبنييش!! أنا مالييش غيرك!!! حضنتها. حضنتها بقوة... وبعيط زي العيال... بدموع ملهاش آخر، بصوت بيوجع الحيطان. "أنا لسه ما صدقت إني لقيت حد يحبني... إزاي تموتي دلوقتي؟! إزاي تسبيني لوحدي؟! كنت بكلمها كأنها سامعة. كأنها هتفتح عينيها وتقول لي "اهدّي يا حنين... أنا معاكِ." بس هي ما فتحتش. قربت بقي من صدرها... كنت بدور على النبض... على النفس... على أي حاجة تقول لي إنها لسه هنا...
بس لأ. كل حاجة بقت ساكتة. حتى الساعة اللي في الحيطة وقفت. والنور اتطفي. والدنيا بقت عتمة جوايا. وقتها... صرخت تاني. صرخة مفيش بعدها حاجة. "يااااااااااااااااااااااااااارب!!! ليه كل حاجة حلوة بتروح مني؟! أنا تعبت... أنا مش قادرة أكمل... وقعدت على الأرض بحضن رجليها بإيدي. وكل جسمي بيرتجف. الموت خبط على بابي وأنا لسه بتعلم يعني إيه أمان. وسابه مفتوح... وسابني بردانة، ضايعة... ومكسورة أكتر من أي وقت قبل كده.
في جنازتها، محدش من قرايبها جه. كانت وحيدة في الدنيا، زيي... يمكن ده اللي جمعنا. بعد الدفن، الناس مشيت. والبيت سكت. أنا رجعت أقعد على الكنبة اللي كنت بقعد فيها وهي بتتفرج على التليفزيون. وحسيت إن البيت بارد... مش من الهوا. من الغياب. بس أنا مش لوحدي... أنا بقيت اتنين... أنا وبيبي. وأقسمت وأنا حاطة إيدي على بطني: "عمري ما هسيبك... ولا هسيب الدنيا تضحك عليّا تاني." عدّى أسبوع على موت مدام سميحة. والبيت بقى بارد...
والشمس اللي كانت بتدخل من الشبابيك، بقت تخبط وتطلع كأنها هي كمان مش طايقة المكان. بعد ما راحت الست الطيبة. وفي يوم... كنت واقفة في المطبخ، بغلي ميه... الجو ساكت والبيت حزين بعد ما مدام سميحة راحت لربها. كل حاجة فيها نقص، وكل صوت بيزن في ودني كأنها بتناديني من العالم التاني. ولولا الحمل اللي في بطني، كان زماني مشيت من غير حتى ما أبص ورايا. وفجأة...
صوت المفتاح وهو بيُفتح الباب. قلبي اتنفض. البيت مقفول، والمفروض مفيش حد معاه نسخة المفتاح غيري. خطيت خطوتين ناحية الباب، وبصيت من فتحة الممر. شخص داخل... راجل... طويل، لابس بدلة رمادي، شنطة في إيده، بيبص حوالين البيت بعيون غريبة... مش زائر، لا... ده راجع لبيته. اتصدمت. أنا مش مصدّقة. ده... هو. كريم. رجليا اتلجت، ودماغي لفت. لفيت وشي بسرعة، ودخلت أوضة مدام سميحة. كنت هاقفل الباب، بس صوته جه أسرع من إيدي: "إنتي؟!!
"استنى عندك. انت مين؟ وقفت. لفيت وأنا زي التمثال. زيّنا احنا الاتنين. هو شايفني، وأنا شايفاه. كل حاجة حواليّ اختفت، مفيش غيرنا احنا في الدنيا دي. كل حاجة وقفت في اللحظة دي. وشه اتقلب... مش مصدّق. مش متأكّد. مش فاهم. "إنتي إزاي هنا؟! " و "بتعملي إيه؟ كلامه طلع باندفاع، وأنا ببص له كأني بشوف شبح... شبح اللي كان السبب في موتي الأولى. رديت بصوت مبحوح، كأن الحروف مش راضية تطلع: "أنا... كنت عايشة هنا مع مدام سميحة...
قاطعني، وبص لي بنظرة فيها مزيج من الذهول والخوف والذنب: "مدام سميحة؟ هي... راحت فين؟ دموعي نزلت قبل ما أنطق، وبصيت له بوجع: "ماتت." سكت. قعد على الكرسي اللي جنب الباب. مفكرتش. مقدرتش. ولا حتى سألني ماتت إزاي ولا أنا وصلت هنا إزاي. سأل سؤال واحد: "إنتي... ليه ما اختفيتيش للأبد؟ بصيت له بكل الشهور ولايام اللي قضيتها مكسورة، وقلت بهدوء: "مكنتش ناوية أرجع... بس اللي في بطني... رجّعني للحياة."
قرب مني، بص عليا من فوق لتحت، وبص على بطني... ضحك ضحكة كلها سخرية: "ما شاء الله... يعني جايبة العيال وتربيهم هنا؟ قلت له بغضب: "العيّل ده ابنك يا كريم... وشه اتبدّل... اتنفخ... واتحول لصخر: "ابني؟ هو أنا شفتك تاني بعد ما مشيتي؟ جايه بعد شهور تقولي لي ابني؟ صرخت: "إنتَ اللي ضيعتني! إنتَ اللي بهدلتني! أنا ما جيتش برجليا... أنا كنت بدور على أمان! قال: "إنتي كنتي شحاته... وأنا بس ساعدتك...
مش مسؤول عن العيال اللي تطلع منك. وبعدين، البيت ده بتاعي... أنا الوارث الوحيد لـ عمتي، مش هسيبك تسكني فيه وتورّثي العيل كمان! قلت له وأنا بعيط: "أنا مش طالبة منك حاجة... مش عايزة ورث... سيبني بس أكمل حملي هنا... أولد في أمان... بعد كده أمشي... "لأ... إنتي هتمشي دلوقتي. وبالعيّل كمان. أنا مش عاوز فضايح، ولا عاوز حد يقول لي إن ليا ابن من واحدة كانت في الشارع." بصيت له وأنا مرعوبة: "ده مش زنبه! الطفل ملوش ذنب!
ده ضناك يا كريم... قال: "أنا قولت اللي عندي... قدامك ساعتين... وإلا هكلم البوليس وأقول إنك اقتحمت البيت بعد موت عمتي." جمعت هدومي، ولفيت بطني بشال قديم. والشغالة رجعت. كانت واقفة بتبص لي. وقالت لي بصوت خافت: "أنا آسفة... بس مقدرتش أعمل حاجة." قلت لها: "أنا خلاص... ما بقيتش مستنية من حد حاجة." وخرجت من باب البيت. بس المرة دي...
ما كنتش ماشية في الشارع زي زمان. كنت ماشية وأنا شايلة روحي وابني في بطني، شايلة كرامتي اللي ما فضلش منها غير فتافيت، وشايلة ذكريات ستّ طيبة... كانت آخر حضن في الدنيا. ومشيت... ومفيش غير دموعي بتسلّك الطريق. مكنتش عارفة أنا رايحة فين وهل هقدر أكمل تاني. وإيه مستنيني في الحياة دي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!