في الصباح الباكر، يركب سيف ونوران حافلة الروضة. يخرج إسلام مبكرًا متجهاً إلى منزل سيلا. يدور في ذهنه آلاف الأسئلة. يعلم أنها ربما تكون حزينة منه، لا بل من المؤكد أنها حزينة منه. فهو نفسه غاضب من نفسه، ولكن ما باليد حيلة. يفكر ماذا سيقول لها؟ ماذا ستقول له؟ ولكنه يستقر على شيء واحد وهو أنه يجب أن يصالحها ويطيب خاطرها. يصل إسلام إلى المنزل، يدخل متلهفًا وهو يجول ببصره باحثًا عن سيلا. يجدها في غرفة الأطفال ترتبها.
إسلام بلهفة، وهو يتقدم في اتجاهها: صباح الخير. مقدرتش أروح الشركة قبل ما أجي أصبح عليكي وأفطر معاكي. تنظر له سيلا قليلًا، لا تعلم ما الشعور الذي تشعر به الآن. تريد أن تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتريد أن تصرخ عليه غاضبة منه. تظل تنظر له بجمود ولا تتحرك أو ترد عليه، حتى يصل إسلام ويصبح واقفًا أمامها. تظل تنظر له ولا تستطيع أن تفعل شيئًا. وهل يحق لها أن تفعل شيئًا؟ هو لم يخطئ. كان في بيته الآخر مع زوجته وأبنائه، و...
وتركها. هنا تماسكت سيلا جيدًا حتى لا تظهر له ضعفها تجاهه أو حتى تأثرها من مبيته عند شيماء. سيلا بجمود: صباح الخير. ثواني والفطار يبقى جاهز. يحاوط إسلام خصر سيلا بذراعيه وهمس لها في أذنيها: وحشتيني أوي. سيلا وهي تبتعد عنه في ضيق:
تعلم أنه يقول هذا لأنه شعر بغضبها. غضبت من نفسها كثيرًا لأنها أصبحت أمامه مثل الكتاب المقروء. أصبح يعلم أنها غاضبة من ذهابه إلى شيماء. تعلم أنه يطيب خاطرها فقط، وربما لا يحبها، وما يحدث بينهما مجرد واجب، لا حب. عند تلك النقطة بالذات، لم تتحمل سيلا نفسها. ابتعدت عنه وكأنها تعاقب نفسها، لا تعاقبه هو. سيلا: هحضر الفطار عشان متتأخرش على الشركة، وأنا كمان متأخرش على المستشفى. إسلام، قاطبًا حاجبيه بغضب:
بلاش الشغل في المستشفى بقى يا سيلا. سيلا بغضب شديد وبنفاذ صبر: لا تعلم ماذا حدث لها. تريد أن تتشاجر معه أم أنها تريد أن تتشاجر مع نفسها فقط. سيلا: اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، ومش هسيب الشغل يا إسلام. يحاول إسلام أن يمتص غضبها فيقول: طب لو قلت لك عشان... تقاطعه سيلا وهي تبتعد عنه واضعة يدها على أنفها: ابعد يا إسلام. مش قادرة أشم ريحة البرفان بتاعك ده. إسلام بدهشة: هل كل هذا يسبب البرفان أم هناك سبب آخر لهذا الغضب؟
ربما لأن تركها ولم يحضر على الغداء. لم يدرِ إسلام أن سيلا تشعر بالغيرة عليه. هي كأنثى تغار على زوجها. تعلم أنها زوجة ثانية، ولكنها ماذا تفعل في هذا الشعور المسيطر عليها. إسلام بشعور بالغضب والدهشة من تصرف ونفور سيلا منه: ماله البرفان؟ يستنشقه من على ملابسه ويكمل: ما هو حلو أهه. سيلا بحده: بيخنقني يا إسلام. معلش. أنا آسفة، بس فعلًا مش طايقة ريحته. إسلام معللاً: ما ده اللي عندي في الشقة هناك، و...
يقطع كلامه عندما جحظت عينا سيلا وهي تنظر له. فقد فهمت ما يريد قوله وآلمها كثيرًا. شعر بألمها وصمت. لم يكمل حديثه. كان يريد أن يضمها إليه ولكنه تذكر رائحته. أخذ يسب نفسه في سره لأنه نسي أنها ذكرت له أن يغيره. ذهبت سيلا بسرعة لإعداد الفطار وهي تشعر بغصة في حلقها. تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، في حين أنها تفر منها دمعة لئيمة بين الحين والآخر. فتسرع سيلا بمسحها بسرعة حتى لا يراها إسلام. وتحاول أن تتماسك أمامه.
تناولا الفطور بدون أي كلمة، فقط نظرات متبادلة بينهما. نظرات تحمل الكثير الكثير من الحديث والمعاني. تعاتبه، فيهدهدها. تؤنب نفسها، فيحامى لها. تشعر بالضعف، فيحاول أن يسندها بقوة. يلوم نفسه، فتخفف عنه. يخبرها بمدى عشقه، فتفرح لذلك، ولكنها تخاف أن يخدعها. حوار كبير بين العيون، بلغة لم تنطقها الحناجر، ولكن نطقتها الجفون.
خرجا معًا، فركبت سيلا سيارتها وذهبت للمستشفى مباشرة. وركب إسلام سيارته للشركة وهو غاضب من نفسه. أراد أن يصالحها ولكنه أغضبها أكثر. لا يعرف ماذا يحدث بينهما. كل منهما بداخله شيء ولا يريد أن يبوح عنه للآخر. أو بالأصح، هو لا يعلم ما في داخل سيلا، فهي لم تفصح عنه بعد. يريدها أن تتحدث، أن تنفض غضبها هذا وتخبره عن سره، فهو زوجها وهي حبيبته.
تذكر نسيانه لرائحته وغضب أكثر من نفسه. أخذ يوبخ نفسه. كيف ينسى أنها ومنذ ساعات قليلة طلبت منه أن لا يضع هذا البرفان، ثم يأتي يعدها ويضعه لها، ومن أين؟ من عند زوجته الأولى؟ اعتقد إسلام أنها غاضبة منه لذلك، أو ربما لبقائه عند شيماء، أو ربما لسبب آخر هو لا يعلمه وهي لم تفصح عنه. زفر إسلام بقوة وضرب مقود سيارته بيده، يتنفس عن غضبه. طب وأنا أعرف اللي مضايقها إزاي وهي مش بتتكلم؟ لو اتكلمت بس تريحني.
يتلقى إسلام اتصالًا هاتفيًا ويجده من شيماء. يرد عليها بفتور. شيماء وهي تشعر بالغيظ من ذهابه مبكرًا هكذا، ولكنها تماسكت وتصنعت الهدوء: صباح الخير يا حبيبي. إسلام باقتضاب: صباح الخير. شيماء بتساؤل: انت في الشركة؟ إسلام: لسه في الطريق. شيماء بسرعة: طب أنا اللي هعمل الغدا النهارده. سا... إسلام: متتأخرش على الغدا. شيماء: احتمال معرفش و... شيماء تقاطعه له بسرعة حتى لا يعطي لها حججًا واهية ويذهب للغداء عند سيلا:
الولاد مش هياكلوا غير لما تيجي تتغدى معاهم. وبراحتك بقى جوّعهم أو أشبعهم. يتنهد إسلام في غضب منها. فهو يعلم أنها تحاول أن تبعده عن سيلا وتستخدم أبناءه كورقة للضغط عليه. ويعلم أنها من الممكن أن تمنعهم عن الطعام في سبيل تحقيق ما تريده وإشعاره بالذنب تجاه أبنائه. فيرد بغيظ منها: طب خلاص، هحاول آجي على الغدا.
تغلق شيماء الهاتف وهي تشعر بالانتصار والفرحة. تتجه إلى الخدم وتطلب منهم الأصناف التي تريدها على الغداء وأن لا أحد منهم يقول إنهم من صنعوا الطعام، لأنها ستخبر الجميع أنها من صنعته لهم. في سيارة سيلا، وبعد أن شعرت أنها ابتعدت عن إسلام، أطلقت لدموعها العنان. فقد جاهدت كثيرًا لتتحكم في دموعها. إنها تشعر بالغيرة عليه!
تغار عليه من زوجته الأولى، أم أبنائه. أصبحت تحب وتغار ولا تستطيع أن تتكلم. يجب عليها التماسك أمامه حتى لا يشعر بهذا. يا قلبي المسكين. ماذا يحدث لك؟ هل أحببت؟ هل عشقت؟ أتغار الآن على الحبيب؟ بلى. إنه لطريق طويل مليء بالأشواك والشوق والحنين والغيرة القاتلة. فرفقًا بي. رفقًا يا قلبي. فأنا إنسانة ضعيفة.
تصل سيلا إلى المستشفى. تعمل بجد واجتهاد. تفرغ ألمها وغضبها في العمل. يلاحظ أحمد الإرهاق الباديء على محياها، ومكابرتها في العمل. تريد إنهاء كل شيء ولا ترفع وجهها عن الأوراق والكمبيوتر. مكابرتها على نفسها تلك بالإضافة إلى مسحة الحزن التي تعلو وجهها. يعلم أن هناك شيئًا بداخلها يضايقها. وكيف لا وهو طبيبها النفسي. يقترب منها ويقف أمام مكتبها وهي لا تشعر بوجوده حتى. وبصوت هادئ يقول لها:
كفاية شغل كده يا سيلا. انتي تعبتي النهاردة. روحي على البيت. سيلا وقد فزعت منه، فرفعت عيناها له، ثم وضعتها ثانية وبسرعة في جهاز الكمبيوتر، وتحدثت معه بدون النظر له. فهي لا تريد لأحد أن ينفذ إلى داخلها. لا تريد لأحد أن يشعر بما تشعر به. لا تريد لأحد أن يراها في لحظات ضعفها. سيلا: لسه ورايا شوية حاجات أخلصها وهمشي. يضع أحمد يده على الأوراق التي تنظر فيها وتتطابقها بما على الجهاز بحده:
أنا بقول كفايه كده. روحي بقى، باين عليكي التعب. سيلا باعتراض: هراجع البيانات و... أحمد مقاطعًا: حالا يا سيلا. روحي حالا. باين عليكي الإرهاق جدًا. رفعت سيلا عيناها له، تجده ينظر لها في عطف شديد وتأثر بحالها. فتخفضهما ثانية وتهز رأسها موافقة وبإستسلام: حاضر. يتابعها أحمد وهي تغلق الجهاز وتلم أشياءها وتنهض من على مكتبها. وعندما بدأت في السير متجهة للخروج من المكتب ومرت بجواره، همس لها: انتي كويسة؟
سيلا وهي لا تنظر له، اكتفت أن تهز رأسها بنعم. أحمد وهو غير مقتنع بما قالته: لو في حاجة مضايقاكي هتقولي لي؟ نظرت له وفكرت: هل حقًا من الممكن أن أخبره أم سيظل ما أشعر به محبوسًا بداخلي؟ وهل أنت من يجب أن أخبرك أم إسلام؟ ولكنها تذكرت أنه طبيبها ويمكنها الاعتماد عليه. فهزت رأسها موافقة أيضًا. أحمد وقد شعر ببعض الطمأنينة: تمام يا سيلا. وأنا منتظر الوقت اللي تحسي فيه إنك عايزة تتكلمي. أنا موجود في أي وقت.
شبه ابتسامة ظهرت على وجهها وانصرفت. وتابعه بعينيه حتى اختفت. فذهب للنافذة يراها وهي تركب سيارتها وتختفي وسط الزحام، وهو قلق عليها، ولا يعرف سر حزنها. طوال الطريق كانت سيلا تفكر في شيء واحد: هل سيأتي إسلام على الغداء كما وعدها، أم سيذهب إلى شيماء؟ تجهز سيلا الطعام، ويأتي الأطفال، ولكنهم يرفضان الطعام إلا في حضور إسلام. في ذلك الوقت، كان إسلام يعمل في شركته وذهنه مشغول. ماذا سيقول لسيلا؟
بالطبع سوف تغضب، ومعها حق في ذلك. ولكن أبناءه، ما ذنبهم في عدم حصولهم على الطعام؟ يعلم أن شيماء قد تمنع عنهما الطعام كعقاب له وليس لهما. لن تأخذها رحمة بهما.
ذهب إسلام إلى شقة شيماء مجبرًا. كان يجلس على المائدة يدعي تناول طعامه ولكنه لم يأكل شيئًا. كانت شيماء في داخلها فرحة الانتصار لقدومه لها وتفضيلها على سيلا. ولكنها ما إن وجدت أنه لا يأكل، حتى ازداد الغضب في داخلها. وكرهت سيلا كثيرًا. بل فرحت أنها جعلت إسلام يعاني الحرمان في بعده عن سيلا، كما تعاني هي في بعده عنها. نظراتها له كانت نظرات تشفي منه. ونظراته الزائغة كانت لبعده عن سيلا وتوقعه أن يزداد غضبها منه. مما جعله يشعر بغصة في قلبه.
في ذلك الوقت، كانت سيلا وأبناؤها ينتظرون إسلام. وانتظروا طويلًا، حتى تأكدت سيلا من أنه لن يحضر لهم. كانت تريد أن تهاتفه، ولكن كرامتها وكبرياؤها منعها من ذلك. بعد انتهاء الغداء، اتجه إسلام إلى المكتب بسرعة. يشعر بالاختناق من وجوده واستسلامه لشيماء، وضغطها عليه بأبنائه. يجد اتصالًا من سيف بدون علم سيلا. سيف ببراءة: عمو مش هتيجي تتغدى معانا؟ أنا مستنيك. إسلام وهو يتألم من صوت سيف ومن معاناتهم معه:
معلش يا سيف يا حبيبي. عندي شغل. اتغدى أنت ونوران وماما، وأنا إن شاء الله هتعشى معاكم. سيف بخيبة أمل: طب ماشي. مع السلامه. يشعر إسلام بمدى حزن سيف وانكساره. يشعر بالألم لأنه كسر بخاطر طفل صغير يريده معه، طفل يتيم وهو في نفس الوقت ابن أخيه. يلقي إسلام هاتفه على الأريكة في غضب، وهو يزفر بقوة. يريد أن يزيح ذاك الجبل الجاثم على صدره ويجعله يشعر أنه لا يستنشق الهواء.
في خارج الغرفة، كانت شيماء تقف وتتتأصت على إسلام وهي فرحة لعدم خروج إسلام لهم. بل جعلها ذلك تخطط لعدم خروج إسلام اليوم وبقائه لديها. في ذلك الوقت... يذهب سيف إلى سيلا ويقول لها ببراءة. سيف بحزن: يلا يا ماما ناكل. سيلا بدهشة: أخيرًا رضيت تاكل! سيف: عمو إسلام مش هيجي يتغدى معانا. هيجي في العشا. سيلا بتساؤل: عرفت منين؟ سيف ببراءة: منا كلمته يا ماما. سيلا بجدية وغضب: ليه؟ ليه تطلبه؟ معتش تطلبه تاني؟
هو عنده شغل لما يفضى هيجي. فاهم؟ لا تعلم سيلا لماذا ظهر كل هذا الغضب. هل نفثت عن غضبها من إسلام في سيف؟ كل ما علمته أنها ندمت أشد الندم لأنها صرخت على سيف هكذا، ولكنها أصرت على عدم الاتصال به أبدًا. في داخلها لا تريد أن يظن أنها تستخدم الأبناء من أجل أن يأتي لها. كان ذلك مسألة كرامة. فإن أرادها أتى هو لها. لن تطلب منه المجيء مهما يحدث، لن تطلبه. سيف بأسف: ماشي يا ماما مش هطلب عمو تاني.
تطعم سيلا الصغيران ولا تأكل شيئًا لآلام معدتها. عند شيماء... تنجح شيماء في جعل عز الدين ورنا يخبران والدهما بإصطحابهما إلى الملاهي والعشاء بالخارج. يستسلم إسلام لهم. كان معهم جسدًا بلا عقل. يضحك مع أطفاله وعقله يفكر في سيلا وأبنائها. يفكر في سيف ونبرة صوته، ويشعر أنه خذله. يعلم أنه لم يفِ بوعده له. أمام نفسه هو غاضب من نفسه كثيرًا.
يعود متأخرًا، فيبيت عند شيماء. التي كانت في منتهى السعادة لتنفيذ مخططها. كانت مدركة أنها بهذا الشيء قد وضعت بذور الفراق والشجار بينهما. كانت تعلم أنه معها رجل بلا عقل، جسد بلا روح، إنسان بلا قلب. تعلم تمام العلم أنها لا مكان لها لديه، ولكنها كانت تدافع عن مكانها ووضعها أمام المجتمع حتى لا تصبح زوجة منبوذة، ولا تفرح فيها صديقاتها أو أي أحد من أعدائها. عند سيلا...
تظل تنتظره طوال الليل. على أمل أن يأتي أو حتى أن يهاتفها. ولكن لم يأتِ ولم يهاتفها، فتشعر بالسأم والإحباط منه وبالحنق من نفسها. معاقبتها لتصديقه. تظل تفكر حتى تنام والغيرة والغضب يأكل قلبها. وإسلام يظل يفكر بها وكيف مصالحتها. في الصباح، يذهب إليها بسرعة ويقابل سيف ويعتذر منه ويوعده بأن يقضي اليوم معه. يحاول أن يتحدث مع سيلا ولكنها لا تعطيه وجهًا وتذهب لعملها.
يظل إسلام واقفًا أمام البناية وهو غاضب من نفسه. يشوط الحصى أمامه وهو يشعر بالغضب الشديد. وتبتسم شيماء بانتصار فقد شاهدت كل شيء من بعيد بعد أن خرجت وراءه. وتابعته ورأت نفور سيلا منه. ركب إسلام سيارته وذهب إلى شركته وهو في غضب شديد. وسارت وراءه شيماء حتى اطمأنت أنه دخل الشركة ثم عادت إلى المنزل.
في الشركة كان إسلام غاضبًا من نفسه أشد الغضب. يصرخ على الجميع لأتفه الأسباب. خرج بنفسه يتابع العمل في المواقع كي يفرغ غضبه في العمل ولكن دون جدوى. يجد اتصالًا من عز الدين يخبره أنه ينتظره على الغداء ويضطر أن يذهب له.
تستمر شيماء في الضغط على إسلام بأبنائه. ويستسلم إسلام لها، فقط حتى لا يرى أبناءه يعانون معها. استمر الوضع سبعة أيام. يخرج في كل يوم من الفجر ليذهب إلى سيلا. يخل الشقة ويرى سيف ونوران نائمين في غرفتهم. يذهب لغرفة سيلا، يقترب منها وهي نائمة، ويجد دموعها تسيل بجانب عينيها. يهمس لها بألم: غصب عني والله. بعمل كده عشان خاطر ولادي. شيماء واخداهم ورقة ضغط عليا. سامحيني يا سيلا، لأني مش قادر أسامح نفسي.
لا يقدر إسلام على البقاء ومواجهتها ورؤية دموعها التي هو سبب في وجودها. يخرج بسرعة من الشقة ويقف أمام البحر في جو بارد. لعله يطفئ بعضًا من اللهيب المشتعل بداخله. يشعر بالسخط من نفسه. يحبها ويعشقها ولكنه في نفس الوقت يضحي بها من أجل أبنائه. ويكون السبب في تعاستها. يعلم أنه جرحها بسلبيته تلك، ولكنهم أبناؤه. أي إنسان هذا؟ أي حب هذا؟
لا يشعر إسلام بنفسه إلا وهو في البحر يحاول أن يغسل نفسه من ذنوبه. لا يشعر ببرودة الماء ولا ببرودة الجو. كل ما يشعر به هو تلك البراكين الغاضبة المشتعلة بداخله. ولكنه أبدًا ما هدأ وما شعر بالراحة قط. يذهب إسلام إلى الشركة ويسير وسط دهشة العاملين في البوفيه. فلم يأتِ الموظفون بعد. يدخل إسلام مكتبه ويستحم ويبدل ثيابه بأخرى، ويشرب قهوته يليها العديد والعديد من فناجين القهوة والسجائر. عند سيلا في المستشفى...
يأتي لها اتصال هاتفي من أخيها محمد. يخبرها بمرض والدتها وذهابها إلى المستشفى في حالة خطرة وأنها بين الحياة والموت. تخرج سيلا بسرعة للمستشفى. في حجرة هناء بالمستشفى... تدخل سيلا للغرفة وهي ترتعش بشدة. ترى والدتها وتبكي. ترمي عليها وهي تجثو على ركبتيها: الف سلامة عليكي يا ماما. هناء وهي تحاول أن تطمئنها تربت عليها، وتقول في وهن: أنا كويسة يا سيلا، متخافيش. فين إسلام؟ إسلام وهو يصل للغرفة بعد أن اتصل عليه محمد:
أنا هنا يا ماما. هناء وهي تشير له بأن يتقدم. يقترب منها إسلام، وتهمس له بعض الهمسات وإسلام يهز رأسه بالموافقة، ثم يبتعد. سيلا متسائلة: عايزة حاجة يا ماما؟ هناء وهي توجه حديثها لمحمد: خلي بالك من أختك يا محمد. شقتي إنت عارف أنا كاتباها باسم سيلا. وكل حاجة أنتم عارفينها. سيلا وهي تبكي بشدة: ربنا يخليكي ليا يا ماما. محمد معترضًا: ليه بس الكلام ده يا ماما؟ هناء وهي تحاول أن تبتسم لهم:
بأكد بس عليكم. وإسلام وإيمان واللي في الأوضة دي شهود علينا. تغمض جفنيها وتتشهد وتصمت. لم تتحمل سيلا الصدمة. ظلت جاحظة العينين غير مصدقة لما حدث أمامها. يحوطها إسلام بذراعيه وهي تنتفض غير مصدقة، ثم تطلق صرخة تفقد الوعي.
يمر أسبوع على وفاة هناء. وسيلا في منزل محمد أخيها تتلقى واجب العزاء. وهي في عالم آخر. لا ترى أحدًا أمامها. جسد بلا روح أو عقل. لا تعلم من يتحدث أو من يسلم عليها. وإسلام كان في الشركة نهارًا، ويخرج على سيلا ويذهب لشيماء عند النوم، ثم يعود صباحًا لها. وسيلا لا تراه. بل يخيل لها أن شبح إسلام تراه أمامها. في حين ترى كل من أطياف هناء وماذن حولها، يتحدثون لها.
يأتي أحمد ليقدم واجب العزاء لسيلا ومحمد ويرى حالة سيلا. يجفل من رؤيتها وهي بعالم الأموات لا تعلم شيئًا مما حولها. خرج بسرعة وأتى ببعض الأدوية المنومة. وأعطاها لها وظل بجوارها حتى نامت وطلب من محمد أن يتابعها أو يرسلها للمستشفى. يخبر محمد إسلام بالأمر، فيرفض رفضًا باتًا ذهابها لمستشفى أحمد ويخبرهم أنه سيكمل علاجها في منزلها. يأخذ إسلام سيلا إلى شقته ويحضر ممرضة لتتابعها وخادمة للمنزل.
يتابع إسلام سيلا بالهاتف. يتصل عليها ولكنها لا تجيب. يتصل ثانية، يرد عليه سيف الذي يخبره أنها نائمة. تمر عدة ساعات ويتصل إسلام مرة أخرى بعد أربع ساعات ويجد نفس الإجابة. نائمة. يشعر إسلام بالقلق عليها. يترك الشركة ويذهب لها بسرعة ومعه طبيب. إسلام ومعه الطبيب بعد الكشف على سيلا التي كانت وكأنها في غيبوبة. الطبيب: هبوط حاد من قلة الأكل والحزن. يا ريت تغير جو وتسافر عشان حالتها النفسية. إسلام شاكرًا الطبيب:
الف شكر ليك يا دكتور. يذهب الطبيب وينادي إسلام الخادمة والممرضة للمكتب. يصرخ فيهما: يعني شفتوها مش بتاكل ونايمة مش تتصلوا بيا؟ يلتفت إلى سيف معاتبًا ولكن بصوت منخفض: وانت يا سيف، ليه مكلمتنيش تقول لي؟ سيف بحزن: ماما قالت لي مكلمكش تاني أبدًا أبدًا عشان أنت مشغول ومش أعطلك. إسلام وكلمات سيف تنزل عليه كالصاعقة: ألهذا الحد يصل غضب سيلا منه؟ ألهذا الحد لم يعد لها رغبة في الحياة؟ ألهذه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!