الفصل 16 | من 20 فصل

رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل السادس عشر 16 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي

المشاهدات
22
كلمة
5,603
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

بعد أسابيع تمضي، كان إسلام في عمله بالشركة يتابع المشاريع، وسيلا في عملها بالمستشفى، وشيماء تتابع أخبار الجميع عن كثب. أثناء العمل، جاء اتصال هاتفي لسيلا يخبرها أن نوران قد أصيبت في الحضانة. فارتجفت سيلا ونهضت تلملم متعلقاتها بسرعة. وقع ما وقع وأخذت ما تبقى معها في الحقيبة. رآها الدكتور أحمد، فتقدم منها بسرعة يسأل في لهفة: "مالك في إيه؟ قالت سيلا ببكاء وهي ترتعش: "نوران...

بنتي. الحضانة كلمتني وقالت إنها وقعت واتعورت. أنا رايحة لها حالا." قال أحمد بلهفة: "أنا جاي معاكي." قالت سيلا وهي تسير: "شكراً ليك، ملوش لازمة." أحمد بإصرار وهو يراها ترتعش أمامه: "متخافيش، إن شاء الله خير. أنا جاي معاكي. هتسوقي إزاي كدا؟ قالت سيلا مستسلمة: "ماشي." ركبت سيلا سيارتها بجوار أحمد وهو يقود، وهي تفكر في نوران وما قد يكون حدث لها. وأحمد ينظر لها وللطريق وهو يشعر بالحزن عليها.

وصلا للمستشفى وصعدا معاً بسرعة. بحثت سيلا بأعينها عن ابنتها، وسأل أحمد الاستقبال وعرفهم بنفسه، فأخبروه أن الحالة في غرفة الطوارئ. انطلقا لغرفة الطوارئ ودخلا بسرعة، فوجدا إسلام جالساً بجوار نوران. وقف إسلام ونظر لهما معاً بدهشة: "مغادرا انتما الاثنين معا؟ لماذا؟ دخل الطبيب وتحدث معه أحمد وسط نظرات إسلام الغاضبة، ومتابعته للحديث بينهما، ونظرات سيلا الزائغة وهي تنظر إلى نوران وإسلام وأحمد والطبيب.

قال أحمد بهدوء: "هما هيعملوا لها أشعة على المخ لأنهم شاكين في ارتجاج بالمخ. بس إن شاء الله خير، دا مجرد شك. والجرح خلاص اتخيط تجميلي، متخافوش." شهقت سيلا وانهار آخر قوتها وهي تردد: "ارتجاج بالمخ!! تقدم منها إسلام ورتب عليها وسط أنظار أحمد المرتبكة. قال أحمد بسرعة: "طب أنا هروح معاهم في الأشعة وأتابعها، عن إذنكم."

جلست سيلا بإنهيار تبكي. وسرت في جسدها رتعاشة كلما فكرت أنه كان من الممكن أن تفقد ابنتها. حاوطت نفسها بذراعيها لتطمئن نفسها وتهدئ رتعاشها. رآها إسلام وهو يجلس بجوارها، فحاوطها بذراعيه. فاستسلمت له سيلا واستكانت بينهما وبكت خوفاً. قال إسلام هامساً: "خير، إن شاء الله خير. متخافيش يا سيلا."

لحظة ضعف منها واستسلام لقلبها له أشعرته بمدى قربها منه واحتياجها له. أسعد هذا قلبه كثيراً. استكانتها معه جعل غضبه يهدأ قليلاً من حضور أحمد معها. اعترف لنفسه وهي بين ذراعيه أنه لا يريد شيئاً آخر من هذه الدنيا سوى أن تبقى سيلا بين ذراعيه... ومعه فقط... وهي فقط دون سواها.

مر الوقت، وأتى الدكتور أحمد مع نوران وهما يتحدثان معاً، وتضحك نوران. فرأى أحمد من بعيد إسلام وهو يحتوي سيلا. للحظة شعر بالغضب أو الغيرة، ولكن ذكر نفسه أنه زوجها. لا يزال هناك بقايا حب لها نعم، ولكنه لم يكن ليصرح لها أو حتى أن يشير لها من قريب أو بعيد بهذا. احترامه لنفسه، ولها أيضاً. يكفيه أن ينعم بقربها كصديق. ألجأت له وقت حاجتها. قال أحمد بمشاكسة لنوران: "يلا يا سيتي، تعبتينا وخضتينا عليكي بس."

انتفضت سيلا من جلستها ونظرت إلى نوران وجرت عليها، حملتها وقبلتها بلهفة، ونظرت له بعينيها تسأله. وإسلام ينظر لها مستمعاً. قال أحمد بهدوء وابتسامة: "الحمد لله مفيش حاجة، كله تمام وتقدروا تروحوا كمان." قال إسلام: "يعني كله تمام يا دكتور؟ قال أحمد: "تمام. هي تستريح النهارده وبلاش لعب وشقاوة." قال هذا وهو ينظر إلى نوران مشاكسًا لها، فضحكت له بسعادة. قال إسلام شاكراً له: "شكراً يا دكتور أحمد، واسفين على إزعاجك."

ابتسم له أحمد ليطمئنه، فعينا إسلام تفضح غيرته عليها، وقد قرأها أحمد جيداً. قال أحمد: "تعبك راحة، المهم إننا اطمنا على نوران. سيلا كانت هتقع من طولها لما جالها الخبر، عشان كدا خفت عليها تسوق، فقلت أوصلها." أراد أحمد طمأنة إسلام، ولكنه لم يكن يدري أن ذكره لسيلا مجرداً من أي ألقاب قد أثار غيرته أكثر وأكثر. فتلألأت عينا إسلام بغيرة، ولكنه حاول أن يخفيها. قال إسلام

بابتسامة جاهد في رسمها: "فيك الخير، وألف شكر ليك مرة تانية." ثم التفت إلى سيلا وحمل نوران وقال لهما: "مش يلا بينا؟ أومأت سيلا برأسها موافقة وخرجت معه. وقفت أمام سيارتها، ولكن إسلام أصر أن تترك سيارتها ويرسل من يأتي بها للمنزل، وركبت معه هي ونوران. جلست سيلا بجوار إسلام، ونوران جلست في الخلف، واتجهوا إلى شقة سيلا.

أثناء الطريق، كان إسلام ينظر إلى سيلا نظرات معاتبة، قلق. بينما سيلا كانت شاردة تنظر على نوران في مرآة السيارة تارة، وتشرد في الطريق الجانبي تارة أخرى، وتختلس النظرات إلى إسلام في خوف من ردة فعله من رؤية أحمد تارة ثالثة. تعلم من نظراته لها أنه غاضب منها، ولكنها حاولت أن تثني أحمد عن الحضور، ولكنه أصر. في شقة سيلا... تتوقع سيلا أن يصب إسلام جام غضبه عليها، ولكنها لا تعلم متى؟

وضع إسلام نوران في سريرها بعد أن نامت من آثار الدواء. واتجه لخارج الغرفة مع سيلا، التي كانت تبتعد عنه وتتلاشاه. لحق بها إسلام بسرعة ولفتها له بحدة وسألها: "إيه اللي جابك مع أحمد؟ قالت سيلا بتوتر وقد آن أوان المواجهة: "زي... ما قال لك... خاف أسوق وأنا متوترة." تحولت عيناه عليها في غضب، وسرعان ما تحول إلى شوق جارف لها. قاطع كلامها، وتهدج صوته: "سيلا... ليه يتعملي كدا؟ قالت سيلا بتوتر وبدون فهم: "ب... بعمل إيه؟

مش فاهمه." اقترب منها إسلام حد الالتصاق وهمس لها: "كفاية بعد بقى... فعلاً خلاص... صبري نفد، مش قادر أبقى في مكان وانتي في مكان." نظر لها في عينيها وانفاسهما تختلط معاً. تلمست سيلا في كلماته ونبرة صوته صدقه، وصدق إحساسه. شعرت بمدى تأثرها بكلامه. ورأى إسلام مدى تأثرها بكلامه، فتابع: "أنا جبت شقة كبيرة لينا كلنا." تنهد بتعب وتابع: "أنا تعبت... تعبت من الشد والجذب... عايز نبدأ حياتنا بقى يا سيلا.... أنا...

أنا محتاجك أوي... أوي." غمضت سيلا عيناها عنه، تحاول أن تخفي مدى تأثرها بحديثه، ولكن سرعة انفاسها كشفتها له. تجلى صوتها ولكنه خرج واهن متأثراً بوضوح: "تشرب شاى؟ قال إسلام مبتسماً ومشاكساً لها وهو يحرك أنفه على أنفها: "لا... أنا عايز اتغدى." قالت سيلا وهي تبتعد عنه لتتمالك نفسها: "إنت جاى على طمع بقى." قال إسلام وهو يزيح خصلة من شعرها وراء

أذنها ويتأمل وجهها ويقول: "أنا لحد دلوقتي، طمعان في غدا بس. في شقتنا هطمع في حاجة أكبر." نظرت سيلا بخجل له ولا ترد، ولكنها ابتعدت عنه واتجهت للمطبخ بسرعة. وسط ضحكات إسلام المعجبة بها وبخجلها هذا، الذي يزيده تعلقاً بها وحباً لها. أتى سيف وأكل الجميع وسط سعادة ترفرف عليهم.

في المساء، رفض إسلام أن ينام بجانب الأولاد، ونام على الأريكة في الصالة حتى الصباح، وعيناه معلقتان بباب غرفة سيلا. بينما تنام سيلا بملء جفنيها لشعورها بالأمان في وجود إسلام بالمنزل. في الصباح... اتجه إسلام مع سيلا والأطفال إلى الشقة الجديدة، ورفض أن يحضروا أي شيئاً معهم من متعلقاتهم. وجد الأطفال كل ما يحتاجون إليه من لعب وهدايا وملابس...

كما طلب إسلام وشدد في طلبه عدم إحضار سيلا لأي شيء من متعلقاتها معها. انصاعت سيلا لرغبته دون فهم منها، ودون تفسير منه. في المنزل، نظرت سيلا بدهشة وهي تقف في غرفة نومها تتفقد كل شيء بها بدهشة بالغة، وسط ابتسامة إسلام اللاهية والمستمتع بدهشتها لحد الثمالة. قالت سيلا: "الشقة فيها كل حاجة! حتى الأكل... إنت جبت دا كله إمتى؟ وحتى حاجاتي... جبتها إمتى؟

قال إسلام وهو يتقدم منها، وفي كل خطوة يخطوها قريباً لها تتسع ابتسامته، ويقول وهو يقف أمامها ولم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة: "كنت كل يوم بعد ما أشوفكم مروحين البيت؛ آجي هنا أضب وأشوف إيه اللي ناقص وأجيبه، حتى حاجتك دي؛ أنا اللي مختارها بنفسي، كل حاجة شفتك فيها جبتها." ظل ينظر لها ويتأملها، ونظرت له وتأملته، متأثرة بكلامه ومشاعره.

مد إسلام يده وأمسك يدها، ووضع دبلته في إصبعها مرة أخرى، وسط صمت سيلا، وتعلق عينيها به، وهو يقبل باطن يدها، وينظر لها، لتلفحه أنفاسها على وجهه. اقترب منها وقبلها باشتياق بالغ. ابتعد عنها وهمس: "دلوقتي بس أقدر أقرب منك." نظرت سيلا له بعدم فهم، فيوضح لها إسلام حديثه. قال إسلام: "طبعاً كنتي بتسألي نفسك ليه نمت في الصالة؟ وليه مبقربش منك في شقتك؟

جال بعينيه على وجهها وأزاح جانب من شعرها خلف أذنها، وجال بيده على وجنتها هامساً: "علشان دي كانت مش شقتي.. لكن هنا شقتي؛ وكل حاجة هنا أنا اللي جايبها، هنا مفيش حاجز بيني وبينك يا سيلا." اقترب، فابتعدت سيلا بخجل: "هاااا... هروح أحضر الغدا." وتفر من أمامه مسرعة متجهة إلى المطبخ، وإسلام يضحك بملء فاهه، ويتجه ليجلس في الردهة ويتابعها بشغف وهي في المطبخ.

لعب إسلام مع سيف ونوران وظلوا يلعبون حتى موعد الغذاء، وبعد ذلك نام الصغار. قال إسلام وهو يقترب من سيلا: "من بكرة في واحدة هتيجي تشتغل في البيت الصبح، وتمسي الضهر." اعترضت سيلا: "ملهاش لازمة.. أنا.... قاطعها إسلام وهو يضع يده على فمها: "شششش.... أنا اللي عايز كدا." لا تنكر سيلا تأثرها بلمساته لها، ولا ينكر هو تأثره بقربها منه. تمعن إسلام في النظر في قسمات وجه سيلا، اقترب منها واستنشق أنفاسها وهمس: "وحشتيني...

بجد وحشتيني... شهرين بعيدة عني.. موحشتكيش؟ أغمضت سيلا عيناها خجلاً منه ولا ترد، بينما يزداد وجهها احمراراً، وتتسارع أنفاسها. قال إسلام بهمس: "متقوليش حاجة؛ سكوتك، ونفسك قال لي كل حاجة." اقترب منها وقبلها وذهبا معاً في بحر من الحب. عند نشوى وهند. قامت نشوى بزيارة هند للاطمئنان عليها وعلى صحتها. قالت نشوى بابتسامة: "أخباركم إيه؟ قالت هند بهدوء: "الحمد لله بخير." قالت نشوى: "وأخبار البنت خطيبة صادق دي إيه؟ بتكلمك؟

قالت هند: "آه بتكلمني بس مش كتير." قالت نشوى بقلق: "وأنا كمان برده مش بتكلمني كتير، خايفة تكون شايفة نفسها علينا." قالت هند ببراءة: "يمكن مكسوفة مننا وليه مخدتش علينا." تمنت نشوى ذلك: "يا ريت تكون كدا، ومتكونش ناوية تبلف الواد وتضحك عليه؛ أصل صادق ده طيب ويضحك عليه." قالت هند باستنكار: "ليه هو عيل... دا راجل يا نشوى." قالت نشوى: "هم كلهم عيال صغيرة." شعرت هند بالدوار وهي تتحدث مع نشوى.

قالت هند: "فطرتي ولا تفطري تاني معايا؟ قالت نشوى: "لا فطرت مع رمزي. بس عايزة قهوة." قالت هند بتعب: "طب نشوى معلش، إعمليها انتي؛ أصلي مش طايقة ريحته." سألت نشوى: "ليه؟ قالت هند بتعب واضح: "باين إني واخده برد. وعايزة أنام، وريحة القهوة بتجزع نفسي." قالت نشوى: "خلاص أعملك معايا شاى." هزت هند رأسها نفياً: "لا... مش عايزة." قدم خالد من الخارج. قال خالد مرحبا بنشوى: "نشوى هنا.. دا البيت منور. أوعى تكوني عامله مصيبة."

لوحت نشوى بيدها رافضة: "لا والله؛ جاية زيارة وبس وماشية اهه." قال خالد وهو يضحك: "طب خليكي نتغدى سوا." قالت نشوى وهي تتهض: "لا.. أنا كنت جاية أشوف هند وأقعد معاها حبة، ويا دوب أروح أعمل الغدا لرمزي. يلا سلام عليكم." خرجت نشوى ليفاجئ خالد بهند وهي تجري للحمام. قال خالد بخوف وهو يمشي ورائها: "مالك يا هند، إنتي تعبانة." بعدما فرغت من القيء، وبوجه شاحب قالت هند: "باين التكييف جاب لي برد. ثواني أجهز الغدا."

منعها خالد: "لا... استريحي انتي وأنا أحضر الغدا." دهشت هند: "تحضر إيه!! ليه يعني، أنا طابخة يعني أغرف بس." قال خالد وهو يتجه بها بعيداً عن المطبخ: "طب وماله... هجهز الأكل أنا وانتي. روحي ارتاحي.. روحي بقى انتي مفكراني صغير ولا معرفش أعمل يعني... يلا روحي." ذهبت هند لتنام، وجهز خالد الطعام، ووضعه على صينية وأخذها إلى غرفة النوم. ظل ينظر على هند النائمة ووجهها شاحب. وضع الصينية على

المنضدة واقترب منها وهمس: "اصحي يا هند... الغدا جاهز." فتحت هند عينيها بإرهاق: "أنا قايمة اهه." وجدت هند جالسة بجوارها وصينية الطعام على المنضدة صغيرة بجوارها. دهشت هند وهي تشير إلى الطعام: "إيه دا... الغدا هنا!! قال خالد بحنان: "هو أنا عندي كام هند عشان أخاف عليها دي واحدة بس. يلا بقى كلي أصلي جعان أوي."

شعرت هند بالامتنان لخالد ولرقة قلبه عليها، وشكرت الله في سرها على نعمة الزوج الصالح. نعم، فالزوج الصالح نعمة من الله. عند سيلا في منزلها.

عاد إسلام للمنزل، وجد الأطفال نائمين، فاتجه إلى سيلا في حجرة نومها. وجدها تجلس أمام المرآة، تنظر له وهو يقف على الباب ساندًا عليه يراها ويتأملها وهي تنشط شعرها، فاعتزل في وقفته وتقدم لها في خطوات ثابتة وعيناه مثبتتان عليها، وعيناها معلقتان به، حتى وصل لها وانحنى يقبل رقبتها ويستنشق عطرها.

همس إسلام: "سيلا.. ممكن بقى ترجعي للشركة وبلاش تروحي المستشفى عند أحمد." هو في قراره نفسه يشعر بالغيرة القاتلة من تواجدها مع أحمد في نفس المكان، بل من مجرد رؤية أحمد لها في عدم وجوده. يريدها أمامه هو فقط، لا عين تراها سواه، لا ينطق اسمها أحد سواه. قالت سيلا بدهشة وهي تنظر له في المرآة: "ليه كدا يعني؟! قال إسلام

وهو ينظر لها في المرآة: "متنسيش انه كان متقدم لك قبل كدا، والوضع دا مضايقني جدا." للمرة الأولى التي يشعر فيها إسلام بأنه يكشف نفسه وغيرته أمامها، ولكن لا يهمه ذلك في مقابل أن تبقى سيلا له. قالت سيلا بأسف؛ هي لا تريد أن تبقى في سيطرة إسلام وشيماء عليها، لا تريد أن يتحكما فيها، تريد الشعور بالاستقلال عنه في عملها. تشعر بغيرته عليها، ولكنها تعلم جدياً أنها لا تفعل ما قد يثير غيرته، فهي تحفظه في وجوده وغيابه.

قالت سيلا: "معلش يا إسلام؛ أنا مستريحة في الشغل هناك، وبعدين مش كل حاجة أنا بعملها عشان راحتك، إعمل انت دي عشان راحتي أنا." شعر إسلام بالغضب من رفضها وإصرارها على العمل في المستشفى، ولكنه يتحامل على نفسه من أجل راحتها، فقد طلبت ذلك بنفسها وهذا أول طلب لها منه، فأصبح مجبراً على القبول. قال إسلام مستسلماً ومتنهداً: "ماشي." ابتعد وجلس على طرف السرير. نهضت سيلا

واتجهت له وجلست بجواره: "يا ريت تبقى تجيب عز الدين ورنا هنا؛ سيف ونوران مفتقدينهم أوي." قال إسلام وقد شعر أنها تريد لم شملهم جميعاً، فابتسم ونسي غضبه ومسد على شعرها وقال: "أنا بفكر أجيبهم هنا على طول والله، بس مش عايز مشاكل مع شيماء. ولو إن الهانم مش فاضية ليهم. ولادها ومش فارقين معاها أساساً." قالت سيلا بدهشة: "انت إزاي تقول كدا! مفيش أم ولادها مش فارقين معاها. بلاش تيجي عليها كدا." قال آخر جملته بسخرية لازعة.

قال إسلام بدهشة أكثر منها ومن تفكيرها الطفولي، جذبها نحوه لكي تجلس على قدميه، وهو لا يزال يمسد على شعرها ويشملها بنظراته ويقول: "شوفي انتي بتدافعي عنها أوي إزاي..! إنما هي بقى لو تطول تموتك والله تعملها. عارفة لما كنتي في البلد عند الحاج وكنتي بتنامي كتير... كان من إيه؟ قالت سيلا ببراءة: "إرهاق." نفى إسلام: "لا... كانت الهانم بتخلي واحدة من الخدم تحط لكِ حبوب منومة في الأكل... ها لسه هتدافعي عنها؟

هنا يريد إسلام أن يصل لها فكرة، أن لا تنظر للجميع ببراءة وتعلم أن هناك من يتمنى الأذى لها. شعرت سيلا بمدى كرهه شيماء لها؛ وخافت. نعم خافت من الآتي، فشيماء بشخصيتها التملكية؛ لن ترضى بوجود سيلا منافسة لها عند إسلام، إذا ستحاول التخلص منها أو حتى من أبنائها. قالت سيلا بخوف: "ربنا يهديها... ويهدينا جميعاً."

اقترب إسلام منها ليقبلها، فابتعدت سيلا عنه بسرعة ونهضت. انذهل إسلام من ردة فعلها تلك، وظل ينظر لها في محاولة لتفسير تصرفها؛ فسره أنه خوف من الحوار عن شيماء، أو ربما يسبب خجلها الدائم منه. نعم هو يعلم كم هي خجولة، ولكن تلك المرة ابتعاد ونفور. نعم نفور. هنا تحدثت سيلا ووضعت لفكره السبب. قالت سيلا بتعب ونفور: "إنت ريحتك إيه يا إسلام؟ قال إسلام مندهشاً فقد صدق تخليله. نفور ولكن لماذا وما السبب؟

قال إسلام بدهشة: "ريحة إيه يعني؟ مش فاهم!! قالت سيلا وهي تبتعد أكثر: "مش عارفة؛ ريحة البرفان بتاعك دي خانقاني أوي... يا ريت لو تغيرها." قال إسلام بدهشة أكثر وهو يفكر: "ماشي أغيرها... بس أنا كل عمري بستخدمها؛ إيه جد يعني؟ قال سيلا وهي نفسها لا تدرك السبب، فهي فعلاً أصبحت لا تطيق رائحتها: "جدد... غير يا سيدي.. ماشي." قال إسلام وهو ينهض: "ماشي." قالت سيلا وهي تراه ذاهباً للحمام: "إنت رايح فين؟

قال إسلام وهو يتجه للحمام: "هشيل الريحة اللي مضايقاكي يا سيلا... خمس دقايق وراجع لك. وأه.. ابقي هاتي لي البرفان اللي يعجبك وميخنقكيش." قالت سيلا ببراءة وحزن: "إنت زعلت يا إسلام؟ قال إسلام وهو يلتفت لها: "لا طبعاً. .. دا حقك على فكرة." قالت سيلا بابتسامة: "طب روح هات العيال بقى على ما أعمل لكم حاجة حلوة." قاطعها إسلام: "هجيبهم بعدين." غمز لها وابتسم وذهب للحمام. بعد فترة من الوقت، ذهب إسلام إلى شقته ليحضر ابنيه.

في شقة إسلام. دخل إسلام وبحث عن ابنيه، ووجدهما جالسين في ملل في غرفتهما. طلب إسلام منهما أن يتجهزا للخروج معه. سأل إسلام عن شيماء ووجدها في الخارج، كالعادة. كلمة نطق بها إسلام بسخرية. على باب المنزل، تأهب إسلام للخروج ومعه عز الدين ورنا وهما ينظران بلهفة للخروج لسيف ونوران. ما أن فتح إسلام الباب حتى فاجأه شيماء أمامه تتأهب لتفتح الباب وتدخل وهي تحدق عبر الهاتف.

نظرات مندهشة منها وهي تتطلع لهم وهم يتأهبون للخروج. جالت بنظرها على إسلام وابنائها وهي تفكر بسرعة أين يذهبون الآن؟ وبخاصة وجود إسلام في المنزل، بعد هجره لها قرابة الشهرين. ونظرات مصاحبة بخيبة أمل للأبناء؛ وهم يرون ضياع ذهابهم إلى سيلا بوجود شيماء.

أما إسلام، فكانت نظراته تجمع بين السخرية والغضب؛ السخرية من حديثها في الهاتف وإهمالها للجميع، والغضب من وصولها في هذه اللحظة بالذات، ومعنى ذلك مواجهة بينهما حتى يخرج مع الأولاد. قالت شيماء بلهفة: "إسلام.. حمد الله على السلامة. أخيراً جيت على بالك." قال إسلام بابتسامة ساخرة: "مهو واضح إنك كنتي قاعدة مستنياني." قالت شيماء: "لو أعرف إنك جاي كنت استنيتك، بس معرفش." تعال وضع يدها على كتفه، فابتعد إسلام يدها. قالت

شيماء بصدمة وغضب مكبوت: "مالك يا إسلام... للدرجة دي." قال إسلام وهو ينظر في ساعته: "معلش أصلنا خارجين." قالت شيماء: "طب خلاص اخرج معاكم ونتغدى سوا." اعترض عز الدين: "إحنا رايحين عند سيف ونوران يا ماما." قال إسلام في نفسه غاضباً من عز الدين مما قاله: "فيهذا أصبح من المستحيل أن تتركهم شيماء يذهبوا لسيلا." قالت شيماء بحدة وهي تنظر لهم: "عند سيلا... لاء." قال إسلام بحدة: "لاء ليه؟ ولاد عمهم ومن حقهم يشوفوا بعض."

قالت شيماء بكره شديد: "ولادي ميروحوش عند سيلا يا إسلام." دخلت المنزل وأغلق إسلام الباب والتفت لها وهي تقف في الردهة تستعد لمعركة كبيرة معهم. قال إسلام بحدة: "دول ولادي أنا كمان، ورايحين بيت أبوهم برده مش بيت حد غريب." عند كلمة بيت أبوهم تلك، فقدت شيماء الجزء الباقي من عقلها، فجحظت عيناها بشدة؛ فمعنى ذلك أن إسلام أصبح يعتبر منزل سيلا منزلاً له هو أيضاً، وهذا يدل على شدة قربه منها وهذا خطر كبير عليها. قالت شيماء

وهي تخطف الأولاد من يده: "ولادي معايا... اللي عايزهم، يقعد معاهم، وبعدين مش دا بيتك برده، ملوش حق عليك ولا بيت سيلا بس اللي ليه حق عليك؟ نظر إسلام لها مفكراً في كلماتها، يحاول أن يجد لها تفسيراً، ثم سألها: "يعني إيه بقى؟ فسرت له شيماء وهي تتخصر له: "يعني انت كمان مش هتخرج." نظر لها إسلام بمنتهى الغضب والعند، فلحقت نفسها بسرعة وأكملت: "أظن دا حقي ولا إيه؟ ولا لازم أقول للحاج رشدي؛ يعني عشان يعرفك تعدل بينا."

قال إسلام بغضب شديد: "وإيه دخل بابا في الكلام دا؟ قالت شيماء بمكر شديد: "عشان يعرفك تعدل بينا؛ مش هو اللي جوزهالك، يبقى يخليك تعدل بينا. زي ما قعدت عندها شهرين ومجتش، هتقعد هنا شهرين ومش هتروح لها." قال إسلام بصرامة: "أنا مكنتش عندها الشهرين دول، واعتقد أن خط سيري كان عندك أول بأول؛ سواء كان هناك في الشركة أو في البلد." ارتبكت شيماء من حديثه أن أخباره تصل لها من البلد، ولم تعلم هل يقصد هدى أم نشوى.

ولكنها تملكت نفسها: "مليش فيه، هتقعد معايا، يعني هتقعد معايا." نظر لها إسلام ويفكر في حديثها، يريد أن يتركها ويأخذ الأولاد ويخرج، ولكن حديثها عن العدل بينهما يحجمه. أصبح لا يريد البقاء معها ولكنه يجب عليه أن يعدل بينهما، فهو حقاً قضى لدى سيلا أسبوعاً، ومن حق شيماء أن يعدل. تنهد إسلام وهو يشعر بالضيق منها وأراد أن يضايقها هي أيضاً: "طب خلاص... خشي اطبخي لنا الغدا." قالت شيماء بسرعة: "هطلب دليفرى." قال إسلام بحدة وغضب

وهو يتحدث من بين أسنانه: "وأنا عايزك تطبخي لنا يا شيماء. يا إما همشي." قالت شيماء مستسلمة له: "ماشي... هدخل أطبخ وأنتم كلكم خشوا جوا." دخل عز الدين ورنا إلى حجرتهم وهما يشعران بالإحباط لعدم ذهابهم إلى سيف ونوران. كذلك إسلام يشعر بالإحراج من سيلا، فما كان منه إلا أن دخل غرفة مكتبه واتصل بسيلا وشرح لها ما حدث، وتفهمت سيلا الموقف، أو بالأصح تظاهرت أنها فهمت الوضع وأغلقت الخط بسرعة حتى لا يشعر إسلام بمدى ضيقها وحزنها.

أغلقت سيلا الهاتف وهي تشعر بغصة في حلقها، تريد البكاء ولكنها تتماسك أمام نفسها. لا تعلم لماذا شعرت بالحزن أو الغضب، هذا حقه أيضاً؛ أن يبقى مع شيماء حقاً لها وله، إذاً لماذا شعرت بالحزن أو بالأصح بالغيرة. هنا لم تصدق سيلا نفسها أنها تشعر بالغيرة. ينتشلها من دهشتها وتوترها دخول سيف إليها. قال سيف: "مالك يا ماما زعلانة ليه؟ قالت سيلا وهي تحاول أن تبتسم له: "مفيش يا حبيبي."

قالت نوران: "هو عز الدين ورنا لسه عليهم كتير بما يجوا؟ قالت سيلا: "مش هيجوا النهارده؛ عندهم واجب كتير ولسه مخلصوش. يلا إحنا بقى نتغدى ونعمل واجبنا إحنا كمان....

أغلق إسلام الهاتف، وجلس على الأريكة في مكتبه وهو يشعر بالاختناق الشديد، يشعر أن سيلا حزنت من عدم ذهابه إليها. لم تصرح له؛ ولكنه شعر بذلك. تنهد بقوة وأشعل لفافة تبغ، زفرها بقوة وغضب. قلبه يخبره بحزنها، يريد أن يذهب لها، فهو في قراره نفسه يشعر أنه ينتمي لها لا لشيماء، ولكن شيماء أمسكته من ناحية الشرع والعدل بينهما. انتهت لفافته وأشعل أخرى ثانية وثالثة ورابعة، حتى أصبح يجلس وسط سحابة من الدخان ينفث فيها غضبه.

بعد وقت لا يعلم هل كثر أم قل، دخلت عليه شيماء وأخبرته أن الغذاء أصبح جاهزاً. نهض إسلام بتكاسل شديد. أكل الجميع. وشيماء تنظر لإسلام بين الحين والآخر، وهي تشعر بالانتصار عليه وعلى سيلا؛ لبقائه معها وليس مع سيلا.

أما إسلام، فكان يأكل بدون نفس وعقله عند سيلا، يفكر بها، هل تناولت طعامها أم لا. بالطبع لا، فهي حزينة وهو من تسبب لها في هذا الحزن بعد أن وعد نفسه أن لا يكون مصدراً لحزنها، أصبح الآن من يحزنها بأفعاله. شعور بالغضب من نفسه جعله لا يكمل طعامه. نظرت شيماء على ابنائها حتى انتهوا من تناول غذائهم، وهي تشعر براحة كبيرة لبقائهم معها. أمرت الأبناء بدخولهم للنوم بسرعة وأمرت المربية بأن تبقى معهم في غرفتهم.

دخل إسلام للجلوس في غرفة مكتبه. بعد مرور بعض الوقت، فاجأته شيماء تدخل عليه المكتب، ترتدي مئزرها. ظل إسلام ينظر لها مشدوهاً، فقد فهم ما تريده منه. ولكنه آثر الصمت. تقدمت منه شيماء وبأعين قوية تنظر له وجلست ملاصقة له وهمست له: "هتفضل في المكتب كتير، تلمس شعره ووجهه وتكمل: طالما مش بتشتغل استريح شوية."

نظر لها إسلام ولا يتحدث، ظل صامتاً، وظلت شيماء صامتة أيضاً، ولكنها مدت يدها وأمسكت يده وقفت، فوقف معها إسلام وسارا معاً إلى غرفتهما.

في ذلك الوقت، كانت سيلا تجلس في غرفتها، تحاول أن تنام ولكن بدون فائدة. تظل تسير في غرفتها وهي تشعر بالتوتر. أمسكت هاتفها للمرة المائة لترى هل اتصل بها إسلام أم لا، فوجدت أنه لا يوجد أي اتصال منه. تركت الهاتف وذهبت لتصلي قيام الليل. وبعد انتهائها، جاء اتصال أخير بها. جرت للهاتف بسرعة وما إن رأت الشاشة مضاءة باسمه حتى ردت بسرعة. همس إسلام: "لسه صاحية؟ قالت سيلا وهي تجلس على السرير: "أيوة... انت مش قلت لي هتتكلم تاني."

اعتذر إسلام: "معلش معرفتش أكلمك غير دلوقتي." أغمضت سيلا عينيها بألم وشعرت بغصة في حلقها ولكنها تتماسكت والدموع في عينيها وظلت طامته. قال إسلام بقلق: "سيلا.. سيلا." قالت سيلا بهمس مختنق: "أيوة." قال إسلام: "إنتي نمتي؟ قالت سيلا باقتضاب: "لاء." قال إسلام: "زعلانة؟ بكت سيلا والدموع انهمرت في صمت ولكنها قالت بتماسك: "لاء." قال إسلام: "بس أنا حاسس إنك زعلانة و...

قاطعته سيلا بهدوء مصطنع: "أنا مش زعلانة، دا بيتك وليه حق عليك زي ما هنا بيتك برده." قال إسلام: "أنا... قاطعته سيلا: "تصبح على خير يا إسلام." قال إسلام بدهشة منها: "هتنامي دلوقتي! قالت سيلا بسرعة وقد اختنق صوتها: "أيوه." قال إسلام وهو يشعر أنها حزينة جداً ولم يرد أن يغضبها أكثر من ذلك: "تصبحى على خير." قالت سيلا بسرعة: "وانت من أهله مع السلامه."

أغلقت سيلا الهاتف بسرعة فقد انهارت مقاومتها، ورمت الهاتف وأخذت تبكي غاضبة من نفسها ومن شعورها الذي تشعر به الآن.

أما عند إسلام، فقد شعر بمدى حزنها، وغضب من نفسه كثيراً. ألقى الهاتف على منضدة بجواره وهو يزفر بقوة وغضب. فتح نافذة غرفة المكتب وأخذ هواء البحر على صدره، لعله يطفئ تلك النار التي يجش بها صدره الآن. يريد أن يذهب لها الآن، نظر في الساعة ليجدها الثالثة فجراً. أشعل لفافة تبغ، وظل ينفث هوائها للخارج وكأنه يرسل لها أنفاسه لتحيط بها لحين ذهابه إليها في الصباح. ظل هكذا حتى شروق الشمس فقد عزم أن لا ينام إلا لديها...

ولديها هي فقط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...