تترُك هاجر المكتب وهي في حالة غضب. تخرُج وتتفاجأ بوجود نور أمامها، وبدون مقدمات، أفرغت حنقها عليها. هاجر: كنتِ تتصنتين علينا يا لعيّبة! نور: لم أتصنت، هذا مكاني الذي أجلس فيه. هاجر: وتردين عليّ هكذا؟ أنتِ واحدة حقيرة. ومن تكونين من الأصل؟ نور: لو سمحتِ، لا تهينيني. أنا أقوم بعملي فقط. هاجر: عملكِ التنصت؟ نور: عملي مديرة مكتب. هاجر: سكرتيرة بعين! نور: مديرة مكتب. هاجر: أنتِ وقحة! نور: وأنتِ متسلطة!
ترفع هاجر يدها لكي تضرب نور، وقبل أن تقوم نور بأية ردة فعل، ردّ مكانها محمد الذي أمسك يد هاجر وهو يقول: محمد: لقد فقدتِ عقلك؟ تحاولين ضرب موظفة عندنا، عيب! هاجر: أمسك يدي يا محمد كي تمنعني من تأديب خادمة! نور: أنا لستُ خادمة. أنتِ كيف تحاولين رفع يدكِ عليّ؟ والدي الذي ربّاني لم يفعلها، وتفعلينها أنتِ؟ محمد: (معتذرًا من نور) أعتذر يا آنسة نور على تصرف السيدة غير اللائق. هاجر: لااااا! أنت فقدت عقلك؟
تصرفي بات غير لائق. هذا كثير. تحمين خادمتك بدل زوجتك التي من المفروض أن تحميها بنفسك وروحك؟ محمد: أحميكِ من نفسكِ، وأمنعكِ من التجبر. أنتِ لم تعودي تسيطرين على غضبك. عودي للبيت، وعندما أعود نتحدث. هاجر: لا لبس قبل أن تطردي هذه الحقيرة! نور: أوووف! أنا لستُ حقيرة، احترمي نفسك! تهاجم هاجر عليها، وهذه المرة دفعتها بسرعة وقوة. تتراجع نور للخلف وتقع على جانب المكتب الحاد، فتصطدم رأسها به. وقعت مغمى عليها وهي تنزف بغزارة.
محمد: قتلتي الفتاة يا مجنونة! هاجر: (تنظر نحوها بدون اكتراث) الله لا يرحمه. يسرع محمد نحو نور، يحملها وهو يصرخ على الموظفين: محمد: اطلبوا الإسعاف! هي تتنفس. دخل عمر الذي جاء من الخارج، وقد أخبرته إحدى عاملات الشركة أنه هناك ضجة كبيرة داخل مكتب المدير. صعد مسرعًا وتفاجأ بوجود نور بين ذراعي محمد، لا تتحرك وتنزف دمًا كثيرًا من رأسها. عمر: نور! نور! ما الذي حدث؟ محمد: حادث. اتصل بالإسعاف. عمر: حاضر. (يتصل)
آلو، لو سمحتم، عندنا حالة طارئة، تعالوا بسرعة. (يغلق الخط بعدما لقّنهم العنوان) نصف ساعة ويكونون هنا، الطريق مزدحم في هذا الوقت. محمد: نصف ساعة كثير، تموت الفتاة وقتها. هي ساعدني. (وقام وحمل نور وتطلق بها للخارج) وكانت هاجر تراقب كل ذلك ببرودة أعصاب، لكنها ثارت عندما شاهدت زوجها يحمل نور وهو يبدو قلقًا عليها وخائفًا. هذه إشارة منه أنها مهما عنده. وزادت شكوك هاجر حول تغير زوجها المفاجئ في الآونة الأخيرة.
نزل محمد حاملًا نور، وتجمع حوله عمال المصنع. محمد: ابتعدوا عن طريقي! خرج ومعه عمر، ركب إحدى سياراته الفخمة وانطلق يسابق الريح. وصل للمستشفى الخاص بصديقه الدكتور عياش، حمل نور بين يديه ودخل بها بسرعة. لتلتف حوله الممرضات والطاقم الطبي. محمد: بسرعة، لماذا تتفرجون عليها؟ هي تموت! الطبيب: هاتوا النقالة بسرعة. الممرضة: سيدي، وضعها عليها. وضعوها وأسرعوا بها لغرفة الاستعجال. وقف محمد يقلب بصره حيران، وعمر يضرب كفًا
على كف وهو يقول: عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كيف سأخبر أهلها؟ هم ليس عندهم غيرها، هي كل ما طلعوا به من الدنيا. محمد: اتصل بهم، لكن بعدما نطمئن عليها، وليس قبل. عمر: لا، لو لم نتصل بهم بسرعة وحدث لها مكروه، والدها سيقلب الدنيا. عمي عبد الرحمن طبيب كذلك، ربما يحب أن يشرف على ابنته بنفسه. محمد: اتصل به ولا تعطيه تفاصيل، فقط اعرض له الحالة وقل هي متعبة قليلاً فقط.
عمر: نعم، سيد محمد. أنا في الأصل لا أعرف ما الذي حدث. اتصل عمر بعبد الرحمن الذي ترك العيادة وجاء مسرعًا مع زوجته، وهما يضربان أخماسًا في أسداس، وقد كاد الخوف يأخذ منهما مأخذه. ولما لا، ونور ابنتهم الوحيدة التي تنير لهما الحياة وتملي عليهما حياتهما الرتيبة.
في هذا الأثناء، كانت هاجر قد بدأت التحري والتحقيق عن نور. هاجر توصلت لكل المعلومات في دقائق، والذي اكتشفته يزيد من شكوكها حول محمد وسبب تغيره المفاجئ. امرأة تمتلك الحاسة السادسة، والتي تجعلها تستشعر وجود حب ثانٍ أو امرأة ثانية في حياة زوجها أو حبيبها مهما حاول أن يخفي ذلك. وهي الحدس الأنثوي الذي قلما يخطئ. وصل عبد الرحمن وفتحية ومعهما بثينة، عمر يستقبلهم في الممر. عبد الرحمن: ما الذي حدث لابنتي؟ عمر: حادث بسيط.
فتحية: حادث؟ ماذا؟ عمر: وقعت على رأسها وهي تحت العناية الطبية. عبد الرحمن: (يقتحم الغرفة بصفته طبيب) فتحية: (وبثينة تجلسان مع عمر في الممر) آه يقلب أمك، ما الذي حل بك يا عمري؟ أنتِ صغيرتي الجميلة، مدللتي الحبيبة، كيف حدث لها يا عمر؟ كيف؟ عمر: لا أعرف. كانت خارج المكتب في مهمة، وعندما وجدتها ملقاة على الأرض تنزف من الرأس. فتحية: ما الذي تقوله؟ تنزف من الرأس؟ لم تقل لنا ذلك على الهاتف.
عمر: نعم. حالة. فتحية، لم أود إخافتكم، لكنها بخير على ما أعتقد. بثينة: تباً لك! كنت قلت من الأول. محمد: (يتدخل) أعذروه يا جماعة، أنا من قلت له أن لا يخبركم عن الوضع الذي كانت فيه الآنسة نور حتى لا تقلقوا زيادة. فتحية: (تتفحصه بعينيها وتقول) ومن أنت؟ عمر: هذا السيد محمد أحمد منصور، المدير وصاحب الشركة التي أعمل فيها مع نور. بثينة: (آهلاً سيد محمد) قالتها وهي تنظر إليه بتمعن. فقد آثار إعجابها.
قالت في نفسها: وسيم وجذاب جدًا. هذا نور تتحدث عنه بكل تلك المودة وربما المحبة؟ ههههههه. نور معجبة به. فتحية: (تنظر إلى بثينة وهي تتحدث مع نفسها وتبتسم وتقول لها) يا مثبت العقل والدين! يا بنت، هل فقدتِ عقلك؟ تتحدثين مع نفسك؟ بثينة: لا، كنت فقط أفكر بصوت مسموع. فتحية: حسنًا. محمد: (يتقدم من فتحية ويقول) أنا آسف على الذي حدث. فتحية: وأنت ما دخلك سيدي؟ في الحادث. محمد: لا تقولي سيدي، بل محمد فقط.
فتحية: لا، الناس مقامات. وأنت سيد محمد. محمد: لو سمحت لي برفع الكلفة أكون ممنون جدًا. فتحية: كما تشاء. محمد: سيدي. فتحية: اعذرني، أنا متوترة بسبب خوفي على ابنتي. محمد: لا بأس، لا عليك. يجلس الجميع وهم قلقين حتى خرج عبد الرحمن. ركض الكل نحوه، وأولهم محمد، وسائل بخوف ولهفة وهو يقول: محمد: كيف حالها؟ عبد الرحمن: الحمد لله، لقد كان الجرح سطحيًا، واستعادت وعيها. فتحية: الحمد لله. هل يمكنني الدخول إليها؟ عبد الرحمن: نعم.
بثينة: وأنا كذلك. دخلا، وبقي الباقون عند الباب. نظر عبد الرحمن نحو محمد وقال: عبد الرحمن: كيف سقطت ابنتي على المكتب؟ هل لك علم؟ تردد محمد للحظات وقال: محمد: نعم. بصراحة وبدون لف ولا دوران، زوجتي من دفعها. عمر: ماااذا؟ السيدة هاجر؟ عبد الرحمن: والسبب؟ محمد: للأسف، بدون سبب. بداية، زوجتي فقدت أعصابها بسببي. وعندما خرجت من المكتب ووجدت الآنسة نور أمامها، ظنتها تتصنت على كلامنا وتصادمت معها، وحدث ما حدث.
عبد الرحمن: ام. حسنًا، ابنتي والحمد لله بخير رغم الضربة القوية التي أخذتها على رأسها. ونحن عائلة مسالمة، ولن نفتعل مشاكل ولن نشتكي على زوجتك. لكن ابنتي لن تعمل معكم من بعد اليوم. محمد: (بعدم قبول للوضع يرد) لاااا! إلا هذا، أرجوك. أنا لن أتخلى عنها. عبد الرحمن: ما الذي تتحدث عنه سيد محمد؟ ابنتي ليست موظفة عندكم في مجال حساس حتى تتمسك بها وهي جديدة، لم يمر على عملها غير عدة أيام فقط. فقد يستدرك الأمر بقوله:
محمد: نعم، لكن تركها للعمل سيكون فيه إجحاف في حقها. عبد الرحمن: لا عليك، ليس هناك ظلم بعون الله. هي ستجد عملًا ثاني. أساسًا، ابنتي عملت في شركات كثر وتركت، وكانت تترك العمل لأتفه الأسباب. هي بصراحة مدللة جدًا ولا تحتمل أن يتحكم فيها أحد. محمد: وتضح جدًا أنها مدللة جدًا. بعد عدة ساعات، غادروا المستشفى، وقد أصرا محمد على إيصالهم البيت بسيارته. وكانت عينه طوال الطريق على نور، وقد كانت بثينة تتبعه باهتمام. محمد:
(يعتذر من نور عن تصرف زوجته) وهي قلبت اعتذاره. وصلوا للبيت وطلب عبد الرحمن من محمد الدخول، ومحمد لبى الدعوة. جلسوا في غرفة الجلوس، ونور معهم رغم شعورها ببعض الألم في رأسها، لكنها فضلت الجلوس معهم. كانت نظرات محمد لها تحرقها وتشعل فيها شعورًا جديدًا لم تختبره من قبل. وجوده كان يسعدها ويشعرها براحة. هذه بداية الحب.
محمد شعر مع هذه العائلة البسيطة وذات المستوى العادي بالنسبة لمستواه العالي، شعر براحة بال، شعر بدفء العائلي والحب الحقيقي. تناول معهم الكعك وشرب القهوة وغادر مع عمر، وهو يشعر بشعور مختلف. لقد وجد أخيرًا سعادته. عمر: لقد تعرفت على العائلة التي تعتبر عائلتي الثانية. نحن أكثر من مجرد جيران وأصدقاء، عائلة عمي عبد الرحمن في منتهى الطف.
محمد: نعم، العائلة طيبة، ونور فتاة لبقة. رغم ما فعلته السيدة هاجر معها، هي لم تتجاوز في الكلام عنها احترامًا له. عمر: أكيد، نور فتاة متربية جدًا. محمد: واضح جدًا. مر اليوم، عاد محمد للبيت، وكانت له محاضرة كبيرة مع هاجر، التي لم تعترف بالخطأ الذي ارتكبته في حق نور، بل حملت نور كل شيء. هاجر: تلك الفتاة بدون أخلاق وقليلة أدب. عليك طردها من الشركة. محمد: لا، هي لم ترتكب أي غلط، بل الغلط منكِ أنتِ.
هاجر: تدافع عنها بدون مراعاة لمشاعر زوجتك؟ برافو سيد محمد. محمد: ليس الأمر كذلك، بل أنا مع الحق. والحق يقول أنتِ من أخطأتِ، لا هي. الفتاة كانت تقوم بعملها لا أكثر، وأنتِ من هاجمت عليها بدون سبب. هاجر: عليك طردها. هذا كل ما عندي. محمد: وأنا قلت لكِ لا. لن أطردها بدون سبب. وانتهى الكلام. وقام وصعد للغرفة، وترك هاجر تغلي.
مرت عدة أيام، وكان محمد فيها يزور عائلة نور يوميًا، وتحولت العلاقة بينه وبينهم الصداقة، وزيارته باتت من المسلمات، لا لزيارة واجب وطمئنان على نور فقط. نور: تعلقت به، وهو كذلك. بثينة: لاحظا ذلك. بثينة: محمد أحمد معجب بكِ، صح؟ نور: آوووف منك ومن كلامك. لا طبعًا، هو مديري فقط. بثينة: نعلم أنه يحبك، وأنتِ كذلك. فلا تتلاعبي معي. نور: تلاعب ماذا؟ هو رجل متزوج وأكبر مني، كيف تتوقعين مني أن أحبه؟
بثينة: الحب لا يعترف لا بسن ولا بمركز، ولا بمتزوج أو مطلق أو أرمل. وأنتِ ومحمد مغرمان. نقطة انتهى. نور: هههههه، مجنونة والله. بثينة: ها، مجنونة أو عاقلة، أنتما كما قلت. وغادرت، وتركت نور في حيرة. هي تعرف أن كلام بثينة صحيح، هي وقعت في حبه، لكنه متزوج وأكبر منها. كيف تورطت في حبه؟ بعد مدة، عادت نور للعمل بعدما أقنع محمد والدها بذلك. نور: حاولت وضع حاجز بينها وبين محمد، وجعلت العلامة رسمية قدر الإمكان. حتى هذا اليوم.
نور: لقد تأخر الوقت والليل دخل عليّ وأنا ما زلت هنا. آوووف تب لك. عمر: تذهبين وتتركين العمل كله عليّ. كانت تتحدث لنفسها. الحارس: آنسة نور، لقد تأخر الوقت وغادر جميع الموظفين ولم يبق غيرك. نور: أعرف، سوف أنهي عملي وأغادر. الحارس: خذي وقتك، وأنا موجود في الخارج لو احتجتِ لشيء. نور: شكرًا لك. الحارس: العفو.
غادر، وبقيت هي تعمل لبعض الوقت. واتصلت بوالدتها وأخبرتها أنها سوف تتأخر قليلاً. أنهت عملها وحملت الملف ودخلت به للمكتب حتى تجده ليجد محمد عند مجيئه صباحًا. ولما دخلت ووضعته والتفتت لتعود، وجدت محمد خلفها، بل أمامها. والتفتت لتكون بين أحضانه. نور: أفزعتني. متى جئت؟ محمد: (وهو ينظر في عينيها) لقد عدت لأنني نسيت هاتفي في الدرج. لكن يبدو أنه حظي السعيد الذي أعادني، وربما هو قلبي الذي شعر بوجودك. نور:
(وهي تحاول التهرب منه) حسنًا، لقد أنهيت عملي وعليّ المغادرة. محمد: معقول تغادرين وقد جئت من أجلك؟ نور: ما الذي تعنيه أنك جئت من أجلي؟ أنت جئت لتأخذ الهاتف. محمد: لا، جئت لأخذ هذه. (وقرب منها وأمسكها بكلتا يديه من خدودها وقبلها وهو يضمها بقوة إليه، وهي لم تقاومه بل استسلمت له بكل رضا نفس) هو الحب الذي بدايته قبل ونهايته؟ يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!