سمع صوت قادم من خارج الكهف يقول: فريستي الجديدة أين أنتِ؟ مروان وإسراء في وقت واحد: مش هنا. نظر كل واحد منهما إلى الآخر وهو يلعن غباءه وغباء الآخر. ابتلعا لعابهما بخوف وظلا جالسين في مكانهما. مرت دقيقة وكان الوضع هادئ. إسراء بهمس: مشيت؟ مروان: مش عارف. انتظرا قليلاً والصمت يعم المكان. وفجأة ظهر صوت ميدوسا قريبًا منهما وهي تقول من بين فحيح الأفاعي: وجدتكماااا. صرخت إسراء بقوة. مروان وهو ينهض من مكانه: قومي بسرعة.
نهضت إسراء وركضا معًا إلى داخل الكهف. اختبئا خلف صخرة كبيرة وقلباهما ينبضان بخوف وعنف كبيرين. مروان: قلبي هيقف. إسراء: أنت تعبان؟ عندك مرض تنفسي ولا حاجة؟ مروان وهو يومئ برأسه: أيوه عندي ضيق تنفس بيجيلي في الأماكن المغلقة وأظن قلتلك قبل كده. إسراء: مش فاكرة الصراحة، آسفة. مروان: ولا يهمك. نظرت إسراء حولها ووجدت الكهف به فتحة في السقف يدخل منها الهواء ونور القمر الخافت. إسراء: المكان مش مغلق، اهدأ.
مروان: حاسس إننا مش هنخرج من هنا يا إسراء. إسراء: أنت بتخاف من ميدوسا؟ نظر لها بعينين تملأهما الخوف: من ساعة ما شفت فيلم وأنا صغير عنها إنها بتحول اللي بيشوفها لحجر وأنا خايف، بقى عندي فوبيا... فوبيا من ميدوسا. إسراء بحزن: كله هيبقى تمام، مش أنت كنت بتقولي متخافيش؟ مروان بحزن: أنا طول حياتي عايش في خوف يا إسراء... عشت حياتي لوحدي...
دايما كان العيال في المدرسة بيتريقوا عليا، كنت تخين وأنا صغير ولابس نضارة. *نزلت دموعه* كانوا بيتريقوا عليا ويقولولي يا أبو أربع عيون، كانوا دايما بيضربوني ويكسروا النضارة بتاعتي وياخدوا مني السندوتشات ويرموها في الزبالة، كنت بفضل جعان طول اليوم لحد ما أروح، بعديها بعدت فكنت بسمعهم بيقولوا متوحد وكئيب، بس كان كل همي إني متأذيش تاني عشان كده عمري ما كان عندي صحاب، كنت عايش لوحدي، كتبي هي الونس الوحيد ليا، كرهت حياتي وشكلي وكنت بدعي إن ربنا ياخدني عنده عشان أرتاح...
كل واحد وليه قدره، بس كنت تعبان من اللي بشوفه وبسمعه.
إسراء: حاسة بيك يا مروان وفاهمة اللي مريت بيه، أنا كمان اتعرضت للمضايقة وأنا صغيرة لحد ما بقيت ببعد وبختار الوحدة عشان متأذيش نفسيًا. بس عارف أكتر حاجة فهمتها لما كبرت إن الناس اللي بتتريق على حد تاني هي أكتر ناس عندها نقص ومشاكل في حياتها وبتحاول تتخلص من النقص ده بأذية اللي حواليهم. ممكن يكونوا شايفينك أحسن منهم ومش عندهم اللي عندك، فهم بيحاولوا يكرهوك في اللي عندك عشان يرضوا غرورهم. الناس نفوسهم بقت مريضة ومحدش بيحب يشوف حد مبسوط إلا من رحم ربي.
مروان وهو يمسح دموعه: عارفة أنا مكنتش متوقع إني هلاقي حد يفهمني كده. إسراء وهي تمسح دمعة هربت من عينيها: وأنا كمان. ابتسم مروان: هنعمل إيه دلوقتي؟ إسراء: هنغلبها ونرجع، مش هنستسلم يا مروان. مروان: عارفة ساعات بحس إن كل ده حلم وبخلصه كل ليلة وأصحى تاني يوم أرجع لحياتي الروتينية تاني. إسراء: لو كده فعلاً يبقى ده أحلى حلم حلمته في حياتي. نظر إليها مروان بابتسامة لم تفهمها هي، ولكن عندما أطال النظر أخفضت رأسها خجلًا.
إسراء بخجل: أنت باصصلي ليه كده؟ مروان بابتسامة: معجب. إسراء بصدمة: إيه! مروان بضحك: إيه يا بنتي في إيه. إسراء بغيظ: أنت بتتريق عليا. مروان: تؤتؤ مقدرش. إسراء: يا سلام. مروان: تعالي بس نشوف هنعمل إيه. إسراء وهي تنظر حولها: الكهف ده هيساعدنا طيب؟ مروان وهو ينهض من مكانه: أكيد، تعالي نشوف. قاما باستكشاف الكهف ربما يجدان شيئًا يساعدهما في هذه المغامرة. إسراء: بص هناك كده.
أشارت إسراء لمكان ما فنظر مروان إليه وهو يتقدم نحوه. كان مكان منخفض عن أرض الكهف كأنها حفرة غير عميقة في أرضية الكهف وينير هذه الحفرة ضوء القمر الذي يأتي من فتحة في سقف الكهف فوق تلك الحفرة. نزل مروان ليستكشف هذه الحفرة فوجد فيها صندوقًا يبدو عليه صندوق كنز. فتح مروان الصندوق فوجد درعًا وخوذة وسكينًا. نظر مروان إلى إسراء ثم نظر إلى الأغراض مرة أخرى. ظهر ضوء من الكتاب فقام بفتحه وقرأ الكلمات التي بدأت في الظهور.
مروان: نجح البطل اليوناني بيرسيوس بحذائه المُجنح وخوذة هاديس ودرع أثينا وسكين هيرمز في قطع رأسِ ميدوسا، وذلك بمراقبة تحركاتها بالصورة المنعكسة في الدرع، فتجنب نظراتها القاتلة. إسراء: يعني إحنا هنستخدم الدرع زي ما استخدمه بيرسيوس عشان نتجنب عينيها ونقتلها بالسكين. مروان وهو يغلق الكتاب: أيوه. إسراء: بس الحذاء مش موجود. مروان: آه... تقريبًا هنستخدم دول بس.
إسراء: طب عرفنا هنعمل إيه بالدرع والسكين، الخوذة دي بقى فايدتها إيه؟ مروان: قرأت قبل كده عنها وإنها عاملة زي طاقية الإخفاء كده. إسراء: الله، يعني اللي بيلبسها هيختفي. مروان بقلق: آه. جلست إسراء بجانبه: هنعملها، متقلقش. نظر إليها قليلاً وقبل أن يتكلم سمعا صوت فحيح الأفاعي. جمع مروان الأغراض وأمسكت إسراء بالدرع وتحركا للاختباء خلف صخرة كبيرة.
كان صوت تنفسهما عاليًا من الخوف ولكنهما حاولا جاهدين حتى لا يظهر وتسمعهما ميدوسا. ميدوسا: هل تظنان أنكما تستطيعان الاختباء مني؟ أشتم رائحة خوفكما. إسراء بهمس: هنتحرك إمتى؟ ولكن مروان كان في عالم آخر فقد تملك الخوف من قلبه ولم يعد يستطيع الحراك. إسراء: مروان، فوق. نظر لها في صمت. فحاولت تهدئته. إسراء: كله هيبقى تمام، متخافش. مروان: مش قادر بجد.
إسراء: كل واحد فينا عنده حاجات بيخاف منها بس لازم نواجهها ونتغلب عليها كمان، وفى موقفنا ده لازم يا مروان عشان نخرج وإلا هنتحبس هنا للأبد أو هنموت. فكر مروان قليلاً ثم نظر إلى الأغراض التي معه. أمسك الدرع وهو يضعه أمامه ويحركه بخفة حتى يرى انعكاس ميدوسا وأين تقف، ولكنه لم يجد شيئًا. مروان: هي راحت فين؟ وقفت ميدوسا فوق الصخرة التي كانا يختبئان خلفها وقالت بفحيح: وجدتكمااا.
صرخت إسراء بفزع وهي تخبئ عينيها وكذلك مروان ثم نهضا بسرعة وركضا وهي خلفهما. إسراء: بسرعة يا مروان. كانا يركضان داخل الكهف ولكن تعثر مروان في حجر وسقط أرضًا. إسراء: مروااان. تقدمت ميدوسا منه وهي تنظر إليه بتمعن. أغلق مروان عينيه وقلبه يكاد ينخلع من الخوف. ميدوسا: حالتك ميئوس منها تمامًا. *اقتربت منه وبدأت تلمس وجهه بأصابعها* زاد تنفس مروان وزادت دقات قلبه وهو يرتجف. ميدوسا: افتح عينيك أيها البطل، ألا تريد أن ترى عيني؟
بدأ الخوف يتملك منه كليًا وعيناه ترتجفان وهو على وشك أن يفتحهما. انطلقت إسراء بسرعة وهي تحمل الدرع ودفعت ميدوسا بقوة فأبعدتها عن مروان. غضبت ميدوسا كثيرًا ونظرت نحوها بشرًا. أما إسراء فسقطت أرضًا وكان الدرع تحتها فشعرت بألم كبير في جسدها. اقتربت منها ميدوسا وأمسكتها من رقبتها ورفعتها لأعلى. ميدوسا: لا بأس أن نبدأ بوجبة خفيفة قبل الوليمة الكبرى. كانت إسراء تضغط على عينيها حتى لا تفتحهما.
أما مروان فركض واختبأ خلف صخرة وهو يتنفس بسرعة ويشعر أنه سيفقد وعيه. أخذ ينظم تنفسه ثم أخرج رأسه قليلًا ليرا ميدوسا تمسك بإسراء. حاول تهدئة نفسه لمساعدتها، أمسك بالسكين وقام بارتداء الخوذة التي جعلته غير مرئي. إسراء: أنا مش خايفة منك، إنتي متقدرش تعمليلي حاجة. ميدوسا: فتاة شجاعة ولكن حمقاء، فأنتِ في موقف لا تحسدين عليه. إسراء بهمس: مروان هينقذني زي ما بيعمل كل مرة. ميدوسا: ماذا تقولين أنتِ؟
إسراء وهي تقلد لهجتها: وما دخلك أنتِ؟ غضبت ميدوسا منها ووقفت الثعابين التي تعلو رأسها وكادت أن تلدغ إسراء، ولكنها قامت بتحريك قدمها فضربت ميدوسا في بطنها. تألمت ميدوسا وتركت إسراء فوقعت على الأرض وقامت ميدوسا بإمساك بطنها بألم. نهضت إسراء وركضت بعيدًا. غضبت ميدوسا أكثر وصرخت بقوة وفي أثناء ذلك جاء مروان من خلفها وقام بقطع رأسها. تنفس مروان باضطراب ووقع السكين من يده وخلع الخوذة وقام بإلقاء الدرع ووقع هو أرضًا.
ركضت إليه إسراء: أنت مت ولا إيه؟ أشار إليها أن تجلس فجلست على الأرض. مروان: لو كل مرة بتبقى أصعب من اللي قبلها يبقى هنموت المرة اللي جاية. ضحكت إسراء وقالت: يا عم ما أنت خلصت على طول أهو وعمال تقول فوبيا ومش فوبيا ومخدتش في إيدك غلوة. مروان: يا شيخة اسكتي أنا قلبي كان هيقف.
ضحكا الاثنان على ما حدث ثم قامت إسراء بإغماض عينيها وقامت بتغطية عين ميدوسا بقطعة من ملابسها ثم أخذ مروان السكين وقطع جزءًا من شعرها الذي كان مازال يتلوى حتى الآن. مروان باشمئزاز: بكره التعابين. إسراء بضحك: معلش معلش. فتح مروان الكتاب ووضع الجزء الذي قطعه أمام صورة ميدوسا، ظهر ضوء قوي وبدأت القطعة تختفي من يده وتظهر في الكتاب. نظر إلى إسراء: العريس هيجي الصبح.
إسراء: لا بابا قال على خمسة كده وقال هيتغدى معانا هو وعيلتهم. مروان: إسراء هو إنتي موافقة؟ نظرت إليه باهتمام وشردت قليلاً ثم همت بالإجابة ولكنها وجدت نفسها في غرفتها وتجلس على سريرها. نظرت حولها فوجدت والدتها نائمة على سريرها كما قال مروان. ابتسمت ووضعت قُبلة على خدها ونهضت لتبدل ملابسها ثم عادت ونامت بجانب والدتها. *عند مروان* كان يُدخل الكتاب في الحقيبة ثم وضع الحقيبة في الخزانة الموجودة في غرفته في المستشفى.
جلس على السرير بحزن تملك قلبه وهو لا يعرف السبب أو ربما يعرف ولا يريد أن يصدق أو ينصاع خلفه. نهض من على سريره ووقف أمام النافذة وكانت السماء تمطر. فتح النافذة وأخرج يده منها لتبتل بالمطر. رفع نظره لينظر للسماء وقال بنبرة مختنقة بعض الشيء: يارب ما توافق. ثم سقطت دموعه على خده ونزلت بعض قطرات المطر الباردة على وجهه فتمنى أن تصل هذه القطرات لقلبه لأنه يشعر بأنه يحترق ألما. لماذا هذا الشعور؟ لماذا يهتم لأمر إسراء هكذا؟
لماذا يريدها بجانبه؟ لماذا أصبحت رؤيتها شيئًا رائعًا بالنسبة له؟ هل من الممكن أن يكون... لا لا، نفض هذه الفكرة من رأسه فهو لا يريد أن يُخْذَل مرة أخرى. كان لا يزال تحت تأثير الكتاب المسحور أو الملعون كما يقول ولكن عندما زال التأثير شعر بألم قدمه وجسده فبدأ يتسند على الحائط ثم تحامل على نفسه حتى وصل إلى السرير. عدل من جلسته على السرير بألم حتى نام على ظهره وهو ينظر إلى السقف. وضع يده على قلبه وقال: لا أنت محبتهاش صح؟
*نزلت دموعه* طب أنت بتوجعني ليه دلوقتي؟ إن شاء الله مش هتوافق. بدأ تنفسه يضيق شيئًا فشيئًا وهو يمسك صدره بألم. أمسك بمفتاح المساعدة بجانب السرير وضغط عليه حتى تأتي الممرضة. سقطت يده وسقطت رأسه على الوسادة وهو يغلق عينيه ببطء. في أثناء ذلك سمع صوت الممرضة وهي تصرخ باسم الطبيب حتى يأتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!