المحطة الخالية كانت محاطة بالأشجار. الفتاة التي نزلت معي كانت تعرف طريقها، انطلقت بسرعة الريح غير مبالية بي ولا بضياعي. إن أشد حماقات النساء هي اختيار مصلحتهن الخاصة وسرعة الهرب. وقفت دقائق أتلفت حولي، في أي لحظة أتوقع ظهور جان ضخم يقبض عليّ ويطير بي في الهواء، لكن ولا شخص ظهر، لا استقبال، لا حفلة شاي، لا دليل يقودني في هذه البلاد الغريبة.
كان عليّ أن أسير وهذا ما فعلته، بالخارج امتدت أمامي صحراء يقطعها طريق ممهد، بقعة قاحلة لا حياة بها. تبعت التميمة التي كانت تشير بوصلتها للأمام، الشمس تسلخ عنقي ووجهي، حقيبتي الباكية فوق ظهري، لا أنكر أنني فكرت في العودة مرة أخرى، لكن المحطة اختفت فور أن خرجت منها. واصلت سيري مرغمًا، كان العطش قد بلغ مني مبلغه، الضيق والرعب.
بعد ساعة من السير لاحت منازل كثيرة، منتظمة في صف كلها من طابق واحد، أسرعت خطوتي حتى بلغت تلك القرية الصغيرة. رغم حاجتي للراحة إلا أن التميمة كانت تشير للأمام، في منتصف منازل القرية أشارت التميمة لبناية قديمة من طابقين ثم توقفت عن الاشتعال. دلفت خلال الباب المفتوح كان هناك ما يشبه رواق خالي، لا مقعد، لا أريكة، لا سرير، مجرد أرض صلبة. ناديت بنبرة متزنة: "هل من أحد هنا؟
حتى هذه اللحظة ومنذ خروجي من القطار لم أرَ سوى تلك الفتاة البشعة التي تخلت عني. ارتقيت سلالم مكسرة وأنا على وشك إخراج سيجارة لأدخنها، بالطابق العلوي كان هناك باب مفتوح لغرفة وحيدة، عندما لمحت سرير بشري ارتاح قلبي. كل ما أرغب به الآن النوم ولا شيء غيره، خطوتين وكنت داخل الغرفة. أدخن لفافة تبغ وأنظر لفتاة شابة متعربة راقدة على السرير بوضعية طائر البطريق. أو ليتها ظهرت لي بسرعة، سحبت من لفافة التبغ حتى تعبأت خياشيمي.
قلت: "أنتِ؟ "إذا كنتِ بشرية على ما أعتقد استيقظي من فضلك." لا حياة لمن تنادي. استدرت مرة أخرى نحوها وسمحت للشيطان داخلي أن يتملى قسمات جسمها، بحذر اقتربت، ولكزتها في كتفها العاري. فتحت عينيها بكسل، قالت وهي ترفع البطانية: "أخيرًا وصلت؟ "انتظر خارج الغرفة حتى أرتدي ملابسي! أطعتها ووقفت على باب الغرفة أنهي سيجارتي. "ادخل! دخلت، جلست على طرف السرير، قلت بشك: "أنتِ بشرية؟ قالت: "أنت غبي؟
"لو كنت جنية كنت شعرت بك قبل أن تعاين جسدي العاري." "المهم، من أنت؟ قلت: "فهد." قالت: "أول مرة؟ قلت: "أول مرة؟ قالت: "إليك التعليمات، ستظل هنا بهذه القرية، تعالج المرضى الذين يأتون إليك حتى يحضر شخص آخر لاستبدالك، هذا في الظروف العادية." "في الحالة الأخرى، سيحضر هنا ولا أتمنى ذلك، جنية عجوز أو شابة تأخذك لمملكتها لتسديد دينك." قلت: "أولًا من سأعالج؟ قالت:
"مرضى، بشريين في العادة من الذين حضروا معك وفي حالات نادرة جان." قلت: "الجان يمرضون؟ قالت: "أحيانًا." "الطعام سيصلك كل يوم، طبعًا دون أن تشعر، إذا كنت محظوظًا لن يزعجك أحد، ستمر أيامك هادئة حتى موعد عودتك." "منذ متى وأنتِ هنا؟ قالت: "ربما شهر." قلت: "وأنا؟ قالت: "الرحلة الأولى شهرين، بعدها أنت وحسن سلوكك وكفاءتك." "سأرحل الآن، أخيرًا سددت ديني، أنا حرة." "أنتِ أيضًا ابنة جان؟ قالت:
"نعم، لكن لا أحد يعرف ذلك، الجان يطمسون الحقائق خلفنا." "عند عودتك ستفاجأ أن لا أحد شعر بغيابك." "لا تحاول الخروج من القرية، لا تتذاكى، أدِ عملك بضمير، اقضِ وقتك وارحل." "إذا مرت عليك خمسة أيام، بحلول منتصف اليوم السادس ستنتهي فرصة المطالبة بجسدك." "يعني أن صاحبة الدين في حالتك تنازلت عن حقها فيك." "القطار ينتظرني، مع السلامة." "مع السلامة." ألقيت بجسدي على السرير، أليس هذا حلم مقيت؟ أفتح عيني بعده في منزل أبي؟
كنت متعبًا جدًا ونمت، ربما مرت ليلة كاملة إذا كانت حساباتي صحيحة لأن الشمس أشرقت مرة أخرى. وجدت طعامًا على باب الغرفة تناولته بصمت وجلست بالشرفة أراقب القرية المهجورة. مضى يوم آخر قبل أن يظهر لي شاب من العدم، كان يعاني من توعك في معدته، كان أول مريض يحضر إليّ وبدا سعيدًا في حياته. عندما سألته: "كيف تمضي حياتك؟ وكنت أتوقع حجم البؤس الذي يعيشه إنسان بعيد عن عالمه. قال:
"أنا بأحسن حال، بعد أن رفضتني الفتاة التي كنت أحبها تم طلبي لسداد ديني، تزوجت جنية شابة عشت معها أجمل أيام حياتي." "الجنيات لا تكبر هل تعلم ما يعني ذلك؟ قلت: "لا." "يعني أنها متجددة، إنها نفس المرأة لكن كل ليلة تشعر أنها أول مرة." "لقد تضخمت ثروتي بعد أن عدت لعالم البشر مع زوجتي." "الآن أنا هنا في زيارة، ديني انتهى منذ مدة طويلة." سمعت صوتًا رقيقًا جدًا ينادي من بعيد: "محسن! حينها ابتسم الشاب، قال:
"يجب أن أرحل، زوجتي تناديني." انطلق تجاه الطريق، من الشرفة قبل أن يصل لمحت فتاة خرافية الجمال تنظر تجاهي. "لماذا تشكلتِ؟ " سألها محسن قبل أن يصل إليها. بعد أن رمقتني بتركيز قالت لمحسن: "هيا بنا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!