العالم شاسع جدًا، إذا كنت لا تستطيع أن تفهم نفسك، فكيف باعتقادك تستطيع أن تفهم ما يحدث حولك. نزلنا الدرب الجبلي، كنت أشعر بقشعريرة وأن الأمور لن تمضي بطريقة جيدة، لطالما اعتقدت ذلك قبل كل خطوة أتخذها بحياتي. في الأيام الأخيرة، منذ أن سمعت صوتًا ينادي باسمي: "ناصر، ناصر"، ولم أرَ شيئًا، تعوّدت أن أتقبل كل الأشياء بغرابتها دون فهم.
لذلك كان عليّ أن أتقبل فكرة ظهور قطار من العدم يسير على قضبان حديدية وسط الصحراء، كانت عربات القطار ملونة، كل عربة تحمل لونًا مختلفًا عن الأخرى. كانت العربة الأولى حمراء اللون، والتي تليها زرقاء، ثم خضراء، صفراء، بني، أبيض، أسود. استقبلنا رجل نحيل، أسنانه بارزة، له هيئة عجيبة كأن الزمن نسيه، يبتسم بطريقة مخزية، رأسه صلعاء لم يتبقَ عليها سوى أحد عشر شعرة سُرّحت على جانب. قال: "تذاكر؟
حدّقت في الفتاة بغرابة، نحن لا نحمل تذاكر. أخرجت الفتاة عملة مذهبة وضعتها في كف يده، بعد أن عاينها منحها تذكرة زرقاء وأشار للعربة. أخرجت أنا الآخر عملة مذهبة، وضعها في جيب بنطاله ومنحني تذكرة سوداء. افترقنا، بدا هذا واضحًا جدًا، أنا والفتاة لن نجلس في عربة واحدة. تساءلت: "لماذا اجتمعنا إذا كنا سنفترق بتلك الطريقة؟ لوّحت لي الفتاة بيدها قبل أن تختفي داخل عربتها، بدت مستسلمة بطريقة مخيفة، بينما كان الشك يلتهمُني.
صعدت العربة سوداء اللون، بالداخل القطار شاسع، في كل ناحية مقعد واحد فوقه حامل حقائب، الرقم سبعة كان مقعدي. وضعت حقيبتي على الحامل وجلست ألملم سترتي الصوفية على جسدي حيث شعرت بالبرودة. بالجهة المقابلة كانت تجلس فتاة ذات ملامح شريرة، مستغرقة بالنظر أمامها بلا اهتمام. قلت: "مرحبًا!
كنت أرغب بخلق حديث مع أي شخص ربما يرحل ذعري. التفتت الفتاة ناحيتي فرأيت النهر والخضرة داخل عينيها، كانت بشرية لكن قسماتها وحركاتها مرعبة، لم تكن مثلنا أبدًا. قالت: "مرحبًا." قلت بتلعثم: "أنتِ أيضًا حضرتِ لتسديد الدين؟ نظرت الفتاة للعربة الخالية ولاحظت لأول مرة أننا وحدنا داخل العربة ولا يوجد غيرنا. صوّبت نظرها نحوي وشعرت أن عينيها تخترقني. قالت: "لا تتحدث عن الدين هنا، لن تعجبهم تلك الكلمة."
قالت بفخر: "إنها الرحلة الأخيرة لي، بعدها أصبح حرة." قلت: "ماذا تعني بأنها رحلتك الأخيرة؟ حضرتِ هنا من قبل؟ أطلقت ابتسامة مقيتة كأنها تنوي أكلي: "أنت مستجد؟ لم أرد، كنت أفكر بشيء آخر، تيشا الفتاة التي كانت جالسة معي، ربما الأصح أن أبحث عنها بأنها مثلي. قالت الفتاة: "جرب أن تذهب، لن تفلح بالوصول إليها، مصيرك محدد." "لن تغادر تلك العربة إلا لوجهتك المحددة." قلت: "أنتِ تقرأين أفكاري؟
قالت: "اكتسبت تلك المهارة لأن والدي من الجان قارئي الأفكار، سريعي البديهة." قلت بتلعثم: "التقيتِ والدك؟ تجهم وجهها، قالت بنبرة ساحقة: "لا أحد يقابل والده أبدًا." قلت: "ماذا يعني ذلك؟ " وأشرت لها بيدي بلا فهم. قالت الفتاة: "هناك محكمة تقام لكل جان تزوج بشرية، أحكام القضاة فيها قاسية جدًا." "الحرق، النفي، السجن، في الغالب لا يرى الجان الذي تزوج ببشرية أبناءه."
"لا تحزن، قبل أن يتخذوا تلك الخطوة يعرفون ما ينتظرهم، الزواج الطبيعي يتطلب إذن مسبق من ملك القبيلة." أطلق القطار صافرته وتوقف للحظة، نظرت من النافذة، من العربة الحمراء نزل شخصان، تركهم القطار وانطلق. انتظرت محطتي بفارغ الصبر أتخيل الوحوش التي ستقابلني، الأشباح والجان بأشكالهم المرعبة، نزلت تيشا قبلي بمحطة. لوّحت لي وهي تبتسم وتمنت لي رحلة سعيدة. لاحظت الفتاة اهتمامي بتيشا وقلقي عليها،
قالت بغل: "معظم الفتيات والشبان الذين يحضرون هنا لا يعودون مرة أخرى." قلت: "سيموتون؟ قالت: "لا، الفتيات يتخذهم بعض الجان زوجات لهم، والشبان أيضًا." "لأن الجان ليسوا مثلنا لا يقبلون الدية." كشرت فمي، لم أفهم ولا شيئًا. قالت الفتاة باستمتاع: "أحيانًا تتخذ الجنيات الذين تعرضوا للخيانة من أزواجهم أبناء زوجاتهم أزواجًا لهم إن كانوا ذكورًا." "أو لبناتهم." "بينما الفتيات بالغالب يتزوجهن آباء الخائنين أو ملوك الجان."
قلت لها: "هذا ليس حقيقة، أنتِ مختلة." ابتسمت الفتاة بحقد، قالت: "أعتقد في حالتك ستتزوجك الجنية التي خانها زوجها مع والدتك، أو تزوجك لابنتها حينها لن تعود مرة أخرى." حاولت أن لا أصدقها بينما قلبي يتلوى من الوجع على تيشا، أطلق القطار صافرته بلا رحمة ولا شفقة بألمي. كنت قد وصلت محطتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!