لا تعرف قدره حتى تخسره. بعض البشر يظلون أوغادًا، فلا تحاول تغييرهم. انطلق المبصر في الظلام، ناصر، نحو سفح تلة قريب، ظن أن من الممكن أن يجد الأعشاب التي يحتاجها هناك. كان سفح التلة مخضرًا، نمت خلاله أعشاب وحشائش كثيرة إلا أن عينه المتمرسة انتقت بمساعدة يده ما يحتاجه: عشبة السارنخاسون المقوية للمناعة، عشبة انطاحسه الملتوية المغذية للجسد، مجموعة عشبة قيق الوديعان المحفزة لضربات القلب.
ملكة الأعشاب سولانتيكون المضادة للالتهابات، وعشبة سلانس التي تخلط بعشبة طانوس فتداوي الجراح وتساعد على التئامها. جمع كل ذلك في خرقة وضعها على كتفه وعاد في صمت وظلام مرهب يشعرك أن البشرية انتهت نحو الخيمة. الفتاة الزرقاء كانت راقدة على جانبها الأيمن، وكانت قد فتحت عينيها بإعياء تعاين المكان الذي وجدت نفسها فيه. عندما دلف ناصر داخل الخيمة رمقته بعيونها الزرقاء باستسلام ميت خرج من القبر بعد وفاته بأسبوع.
ارتعش جسدها عندما اقترب ناصر منها. قال ناصر: لا تخافي، بيني وبينك عهد الله، ما أحضرتك هنا إلا لمساعدتك وليس لي غرض آخر. دوت كلمة الله في الخيمة وعم سلام وسكينة. جلس ناصر جوار الفتاة الزرقاء، وضع رأسها على ركبتيه، طلب منها أن تفتح فمها ووضع فيه بعض الأعشاب لاكتها الجنية الزرقاء ثم فقدت الوعي مرة أخرى.
دهن ناصر جراحها بمنقوع عشبة سلانس وطانوس ثم خرج ليتمدد أمام الخيمة على ظهره ساندًا رأسه بيديه محملقًا في السماء الصافية. كان قلقًا من تأخر كيرا وفقطاحه، شرد لبعيد حيث اللا شيء، ولم يوقظه من شروده إلا صراخ الجنية الزرقاء والتي كانت تنهش جسدها بأظافرها من الوجع. هناك شيء خاطئ، ناصر مدرك جدًا أنه لم يخطئ في علاجه لكن الفتاة تصرخ كأنها على وشك الموت.
استقبل ناصر القبلة، حضر الدائرة بيديه بعد أن ألصقهم ببعضها، ظهرت سانتا على يده في صورة مصغرة كانت مبتسمة لرؤيته. ناصر بسرعة: سانتا أرغب بمساعدتك؟ سانتا: أنت لم تخطئ يا ناصر لكن الفتاة مسحورة، تعرضت لتعويذة سوداء، السحر يقاوم العلاج. ناصر: ماذا بيدي أفعله؟ سانتا: الفتاة ستموت. ناصر: لا بد أن هناك حل؟
سانتا: لا أعلم علاجًا للسحر الأسود إلا عشبة قنفقاع، هذه العشبة نادرة وبالغالب لا يحتفظ بها إلا الساحر الذي ألقى التعويذة في حال رغب برفع تعويذته. عليك أن تجد الساحر الذي ألقى عليها التعويذة وتحضر العشبة منه، ولا أعتقد أنك قادر على ذلك. الفتاة لن تصمد جسدها يتآكل من الداخل. ناصر: ساعديني من فضلك سانتا، امنحيني معلومة مفيدة؟ سانتا: الذي ألقى عليها التعويذة ساحر من الجان وهؤلاء يقطنون المدينة المهجورة.
ناصر بيأس: كيف أجدها؟ سانتا: المدينة المهجورة غير موجودة وموجودة، يقول البعض إنها في أعلى تلال سنيبس التي لم يصلها أحد من قبل، بينما يقول البعض إنها توجد في قعر البحر تحرسها ملكات الأوغوندات. سانتا وقد لمحت الفتاة الزرقاء خلف ظهر ناصر عندما تحركت على جانبها: ناصر هذه الفتاة غريبة، أنصحك بالابتعاد عنها، لماذا توقع نفسك في المشكلات؟ ناصر: كيف غريبة؟
سانتا: حتى من مكاني هذا وصلتني منها طاقة قوية، إنها ليست جنية عادية يا ناصر. ناصر وهو ينظر تجاه فتاة الجان الزرقاء بحزن: لكنها ستموت. سانتا وقد ضايقها حزن ناصر: ربما هناك حل آخر. ناصر بلهفة: انطقي سانتا. سانتا: عشبة حورية الغابة قد تعطل السحر وتمنحها بعض الوقت، إذا كنت محظوظًا ستجدها على سفح التلال. ناصر: سأبحث عنها.
سانتا بعد صمت: هناك شيء آخر ناصر، عليك أن تمنح عشبة حورية الغابة للفتاة ثلاثة أيام متواصلة، ويكون القطاف يوم بيوم. ناصر: لن أتركها حتى لو ظللت شهرًا هنا. سانتا وهي تختفي بعد أن سمعت صراخًا قريبًا من كهفها: الوداع ناصر. اختفت الدائرة. كانت الفتاة الزرقاء لا زالت تصرخ من الوجع وتقطع جسمها بأظافرها مما اضطر ناصر لتقييدها حتى لا تؤذي نفسها. قال ناصر للفتاة: سأذهب للبحث عن العشبة ولن أعود إلا ومعي علاجك.
الفتاة الزرقاء تومئ برأسها وهي تكتم ألمها. انطلق ناصر للبحث عن العشبة بعد أن نسي كيرا وفقطاحه تمامًا، عاد قبل الفجر وبيده عشبة حورية الغابة. عندما مضغتها الفتاة الزرقاء شعرت ببعض الراحة ونامت. ولا وجود لكيرا والحشرة. ناصر وهو يفكر بقلق: كيرا تستطيع الاهتمام بنفسها، ما يعنيني الآن تلك الفتاة المسكينة. عندما حل الليل خرج ناصر مرة أخرى لإحضار العشبة ووفق بذلك، أيقظ فتاة الجان ومنحها العشبة لتمضغها بامتنان.
شعر ناصر أن حالتها تحسنت، سألها عن اسمها وسبب الإصابات في جسدها لكن الفتاة لم تبدِ رغبة في الكلام ونامت مرة أخرى. نام ناصر خارج الخيمة ولم يلحظ أن الجنية الزرقاء استعادت وعيها واستطاعت الوقوف والحركة. في لمح البصر نامت الجنية إلى جوار ناصر وهي تتأمله لبعض الوقت، قبل أن تختفي فجأة. فتح ناصر عينيه صباح اليوم التالي ودلف داخل الخيمة للاطمئنان على الفتاة الزرقاء لكنه لم يجدها.
أسف ناصر لرحيلها فقد كانت تحتاج لجرعة أخرى، لكن الذي شغله فعلًا اختفاء كيرا والحشرة. فك مرابط الخيمة وحملها فوق كتفه، فكر أنه لا فائدة من البقاء هنا وأن عليه البحث عن كيرا. وهو ينفض جسده من الرمال سقط منها خاتم أزرق، لم يعلم ناصر من أين أتى. تأمل ناصر الخاتم الجميل بنقوشه الغريبة قبل أن يضعه في إصبعه إلى جوار خاتم الحميمة ماغ.
انطلق ناصر في طريقه نحو الشمال حتى انتصف النهار حينها رأى مجموعة من الفرسان قادمين نحوه وغيمة من التراب تحلق في الهواء. توقف ناصر في مكانه بعد أن وضع الخيمة على الأرض. التف الفرسان حول ناصر وقبل أن يفلح في مقاومتهم شلوا حركته وقاموا بتقييده بالحبال، سمع أحدهم يقول: سنجني مبلغًا جيدًا من بيع ذلك العبد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!