أُلقي بجسد ناصر على أحد الأحصنة. في الجهة المقابلة، وجد جنيًا صغيرًا مقيدًا من يديه يركض خلف جواد مسرع، وكان يتعرض لضرب مبرح بالسوط، وبجراب السيف، وجانب الحربة. لاحظ ناصر أن الجني يتعرض لضرب وإهانة أكثر من الطبيعي، وأنه لو تعرض لنصف ذلك الضرب، لمات من فوره. لكنه اندهش أكثر من صمت الجني الذي لم يحاول النظر تجاه ناصر ولا مرة واحدة.
واحد فقط من ضمن أفراد القافلة لم يتعرض للجني، لم يقم بضربه أو توجيه الإهانات له؛ فارس ملثم يركب أقل الأحصنة سرعة ولا يتحدث كثيرًا. بعد مسافة من السير، قرر قائدهم أن يقضوا ليلتهم في بقعة خالية تسمح لهم بمراقبة الطريق. كان يوجه كلامه للفارس الملثم كأنه ينتظر رده، والذي انطلق بجواده بسرعة خيالية واختفى لبعض الوقت قبل أن يظهر مرة أخرى. القائد يسأل الفارس: ما رأيك؟
الفارس الملثم: بقعة جيدة ولا خطر فيها، لكني لست مرتاح لذلك الشاب. القائد: تقصد الإنسي؟ الفارس الملثم: نعم. القائد: سأتولى أنا حراسته لا تقلق. ظل الفارس الملثم يرمق ناصر بارتياب قبل أن يغادر مكانه. "لن أبقى مع هذا البشري."
كانت هذه الكلمات الأولى التي سمعها ناصر من فم الجني المقيد، بعدما زُجَّ بهم في خيمة واحدة وقيدوهم بالأوتاد. لم يرفع الجني عينه بعد تلك الكلمات لأنه تلقى عددًا من الضربات والصفعات التي أجبرته أن ينحني أرضًا، قبل أن يرفع وجهه مرة أخرى وعلى شفتيه الدامية بقايا ابتسامة. ناصر الذي كان قد تعب من الصراخ طوال الطريق على أفراد القافلة من أجل تحريره، جلس بصمت يفكر.
بالخارج، كان أفراد القافلة اصطادوا مجموعة من الأرانب البرية وبدأوا في شويها بسرعة حتى وصلت الرائحة لمعدة ناصر الخاوية. "لا تنظر تجاهي." سمع ناصر كلمات الجني المقيد إلى جواره وقد تحول لفتاة شابة جميلة. ناصر بصدمة: أنت فتاة؟ "اصمت،" همست الجنية، "لا تجعلهم يعرفون أنني فتاة، قد يقومون بالاعتداء علي. لقد تعبت من التشكل بهيئة جني." ناصر وهو يشيح بوجهه للجهة الأخرى: لا تقلقي لن أنظر إليك.
ظل ناصر محدقًا بطرف الخيمة بعدما تذكر الجنية الزرقاء وأنها لم تأخذ جرعتها الأخيرة من العلاج مما قد يتسبب في موتها، وراح يفرك يديه ببعضهما ثم ما لبث أن لاحظ الخاتم الأزرق فابتسم وهو يلمسه بأصبعه.
هبت عاصفة ترابية، سمع صراخ أفراد القافلة خارج الخيمة، وصلت إليهم رأس مقطوعة، تلطخ قماش الخيمة بالدماء ثم توقف كل شيء فجأة، لا صوت، لا همسات، لا حركة، القيود التي كانت في أيديهم وأقدامهم منزوعة. وبين ساقي ناصر الذي كان يحتضن ركبتيه عشبة غريبة المظهر، إلى جوارها وردة زرقاء. زحفت الجنية الصغيرة بعد أن تشكلت في هيئة جني شاب لخارج الخيمة ليجد كل أفراد القافلة موتى والدماء سائلة على الأرض. "ماذا فعلت بهم؟
" سألت الجنية بشكلها الذي عاد طبيعيًا ناصر وهي تقف على باب الخيمة. نهض ناصر من مكانه إلى خارج الخيمة، تناول ورك أرنب ينز دهن قبل أن يرتقي ظهر أحد الأحصنة ويلكزه في بطنه ليركض الحصان المرتعب بسرعة نحو الشمال. الفتاة وهي تركض خلف ناصر: انتظرني. ناصر وبوادر قلق على وجهه: ماذا تريدي؟ الجنية: أن تقبلي رفقتي معك. ناصر: متأسف يا سيدتي، من لم يتقبلك من البداية لن يرضى بك مهما فعلت. "الوداع،" قال ناصر، "أتمنى لك رحلة سعيدة."
الجنية: لكن أنت لا تعرفني حتى ترفضني. ناصر: حتى لو كنتِ إحدى ملكات الجان لن أسافر مع شخص يحتقرني. الجنية بصوت أزعج سكون الصحراء، وبنبرة معتذرة: أعتذر، أنا آسفة. ناصر بعد أن أوقف جواده وهو ينظر تجاه الجنية: ماذا تنتظري إذًا؟ الحقي بي! الجنية الشابة وقد بدأت بالبكاء: لا أستطيع. أنزل ناصر جسده ووقف إلى جوار الجنية، قال: لماذا؟ الجنية: والدي لا يعلماني ركوب الخيل.
ابتسم ناصر، وضع يده على وسطها ورفعها على الجواد، "تمسكي بي جيدًا" قال ذلك وهو يرتقي الفرس وينطلق شمالًا. "إلى أين تذهب الآن؟ " سألته الجنية وهي تضم جسده برعب. ناصر: للبحث عن أصدقائي. الجنية الشابة وهي تضحك بسخرية: تقول ذلك كأنك تلعب كرة قدم في الشارع أمام منزلكم. ناصر وهو يهدي سرعة الجواد: كيف عرفتِ ذلك؟ "ألم تسأل نفسك لما لا أستطيع الطيران أو الاختفاء وأنني مضطرة لركوب الحيوانات للانتقال؟ ثم أردفت: "أنا مثلك."
ناصر: تقصدين أنك نصف؟ الجنية: نعم، لكني حفيدة وهذا يفسر قرب مظهري وقدراتي من الجان. ناصر: هل هناك كثير مثلك؟ الجنية: أعداد لا يستهان بها، الذين يسعفهم الحظ يعملون خدم في بيوت الجان، الآخرين يتعرضون للذبح والاغتصاب. قال ناصر: لماذا لا تقاومون إذًا؟ "لأنه لا يوجد قائد، كل شخص يتبع رغباته." ناصر وهو يلكز جواده لينطلق: سينتهي كل ذلك قريبًا.
بعد يوم من الركض وصل ناصر للمكان الذي أسقط فيه خيمته ورأى أن ينالا قسطًا من الراحة. نصب ناصر الخيمة وطلب من الجنية أن تحضر بعض الطعام وحذرها من الابتعاد عن الخيمة أو العودة بيد فارغة. الجنية بتذمر: حاضر. قبل أن تتمتم وهي مبتعدة: بدأنا في التحكمات. ألقى ناصر بجسده على الرمال داخل الخيمة وسرعان ما ذهب في النوم.
كان جالسًا على الأرض رأس الجنية الزرقاء التي كان يعالجها في حجره، لم يكن يضع الأعشاب في فمها لتلوكها، بل كان يتأمل ملامحها الجميلة وهو يمسد شعرها الأصفر الطويل ويمرر كف يده على جبهتها وهي تنظر إليه بابتسام. عندما أيقظته الجنية النصف كان ناصر ينادي على الجنية الزرقاء في نومه. الجنية النصف وهي تبتسم: يبدو أن لديك عشيقة؟ ناصر: أين الطعام؟ الجنية النصف وهي تتناول العشبة التي سقطت من جيب ناصر: قينقاع؟ أين وجدتها؟
ناصر وهو يرمقها بتركيز: تقصدين أن هذه العشبة هي التي تعالج السحر؟ الجنية النصف: أجل، إنها نادرة جدًا عندما كنت أخدم ساحرًا لعينًا كان يتحدث عنها دومًا ويصفها. ناصر وهو يبتسم: يبدو أنها وجدت علاجها بطريقتها. لم يكمل كلماته حتى شعر بجسده تشل حركته والجنية النصف ساقطة على الأرض تصرخ من الألم. من باب الخيمة ظهر الفارس الملثم الذي كان يرافق القافلة. قال وهو يحدق بناصر: قلت إن خلفك سر ولم يصدقني أحد. اقترب
من ناصر فحص جسده وهو يهمس: لا شيء غريب بك. قبل أن يصطدم بالخاتمين في يد ناصر. حملق الفارس الملثم بالخاتم الأزرق مبهورًا بنقوشه الجميلة وناصر يحاول استخدام سحره لفك الطلسم الذي ألقاه عليه الفارس، لكن يديه لم تستطع الحركة من مكانها. نزع الفارس الملثم الخاتم الأزرق من يد ناصر رفعه تجاه السماء ثم قال وهو يقربه من إصبعه: لنرى الجميلة التي تخدمك وقامت بقتل أفراد قافلتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!