نظر إلى حياة وقال: ها قولتي إيه؟ هتفضلي عشان تطمنّي على ابنك، ولا هتمشي؟ نظرت حياة إلى آدم بكسرة ودموعها تتسابق على وجنتيها وقالت: هفضل أطمن على ابني. ظلت تنظر إلى آدم، عينيها تتجاهله أن يأخذها معه، تخبره أن لا يتخلى عنها ويسمح بتفريقهم.
كان آدم ينظر إلى عينيها، يفهم كل كلمة قالتها، يجيبها بنفس اللغة، يخبرها أنه عاجز عن فعل شيء الآن. كم يتمنى أن يقتلع عيون ذلك البغيض ويخبره أنها ملكة وحده، لن يسمح له أن يأخذها منه، لكنه لا يمكنه التهور، فحياة وطفله بين يديه. قاطع شرودهم صوت إياد وهو يقول بخبث: تقدروا تمشوا انتوا. ثم جذَب حياة من يدها، أوقفها بجانبه، نظر إلى آدم وقال وهو ما يزال يمسك يدها: حياة هتطمن على ابنها وأنا هوصلها بنفسي.
عجز وضعف وحزن وكسرة، الكثير من المشاعر السيئة تجمعت في قلب آدم. هو الآن يرى حبيبته ونبض قلبه مع شخص آخر، لكنه عاجز عن انتزاعها منه. يرى دموعها وتوسلاتها له بأن ينقذها، لكنه مقيد، لا يستطيع فعل شيء. يا له من شعور مؤلم! إنه حقاً أصعب شيء يمكن أن يحدث لإنسان، أن ترى حياتك تدمر وأحلامك تتحطم وتذهب وأنت عاجز عن فعل شيء، مستسلم للمعاناة والألم.
أغمض آدم عينيه بألم وحسرة واتجه للخارج. توقف أمام باب المنزل، نظر لحياة، ثم ضرب الباب بقبضته بقوة ورحل. شعر راضي بمعاناته وعجزه، لحق به خشية أن يصيبه مكروه. كانت حياة تنظر إليه وهو يرحل ويختفي من أمامها، تفكر: هل هذه النهاية؟ هل سيفترقان حقاً؟ ألن تستطيع رؤيته يومياً؟ أن تسمع صوته متى تريد؟ ألن تكون جزءاً من حياته بعد الآن؟ إذاً، لما هي حية؟ ما الفائدة من حياتها إن كانت ستمضيها بعيداً عنه؟
مستحيل أن تسمح بذلك، ستعود إليه بالتأكيد بعد أن تنقذ طفلها. أيقظها من شرودها صوت إياد وهو يقول بسعادة كبيرة: تعالى يلا عشان تطمني على أحمد، أنا واخد بالي منه كويس، في النهاية ده ابنك، وأنا بحبك بقدر كل حاجة. رمقته بغضب وغيظ، أنها حقاً تمقته، لا تطيق النظر إليه، ذلك الشخص الأناني المريض الذي لا يحب ولا يهتم إلا بسعادته. لقد دمر سعادة ثلاثة أشخاص من أجل أنانيته وغروره.
كانت نظراتها تمزق قلبه، كم تمنى أن تنظر له بحب مثل آدم. يفكر: لماذا لا تحبه هو؟ ما الذي ينقصه؟ هو شاب وسيم وثرى، يمتلك النفوذ والهيبة. لماذا إذاً لا تحبه؟
إياد محق، هو شاب ثري وسيم ذو هيبة طاغية، لكنه نسي شيئاً مهماً وهو الحنان، الشعور بالأمان، الثقة، التضحية من أجل سعادة الآخر. تلك الصفات التي لم تجدها إلا في آدم، لهذا عشقته، بل أصبحت مجنونة بحبه، وأصبح هو أهم عندها من كل كنوز العالم. لكن كيف لشخص مثله اعتاد أن يأخذ لا أن يعطي، أن يفهم ذلك؟
أخذها إلى إحدى الغرف الموجودة في الطابق الثالث. ما أن دلفت إلى الغرفة حتى وجدت طفلها نائماً مثل ملاك صغير على الفراش. ذهبت إليه مسرعة وحملته بين يديها برفق، تقبله ودموعها تأبى التوقف عن النزول. كان ينظر إليها بسعادة، هي الشخص الوحيد الذي يسعد بقربه، يتقرب منها من أجل سعادته، ليس من أجل مصلحة كباقي الموجودين في حياته. اقترب منها إياد وقال بابتسامة: قلت لك أنا بحبك وبحب كل حاجة تخصك. رمقته بغيظ وحقد وقالت:
مهو باين قوي إنك بتحبني. إياد بحزن: أنا عارف إنك بتكرهيني ومش طيقاني، بس أوعدك إني هخليكي أسعد إنسانة في الدنيا. رمقته بغيظ وقالت ببرود: السعادة بالنسبالي هي آدم. أشعلت كلماتها الغضب والحقد في قلبه، أخذ الطفل من أحضانها ووضعه على الفراش، ثم أمسكها من يدها وجذبها إلى خارج المنزل وقال بغضب: أظن اطمنتِ على ابنك، تقدري تمشي وبعد تلت شهور نتجوز، والولد يرجع لأبوه.
كانت تنظر إليه بغضب وغيظ، تتمنى لو تقتله بيدها ليشفى غليله. نادى على بعض الرجال وقال بحقد: خدوها ووصلوها. متنسوش، غموا عينيها. ثم أغلق الباب في وجهها. ******** كانوا جالسين في شقة آدم يتحدثون، يبحثون عن حل للمشكلة. قطع حديثهم رنين جرس الباب. سامي: روح يا عادل شوف مين اللي بيرن. عادل: حاضر. ذهب فتح الباب، بمجرد أن فتحه حتى وجد حياة منهارة تبكي بحرقة، عيناها منتفخة من كثرة البكاء.
شعر بالحزن الشديد عندما رأى شقيقته بتلك الحالة، عجز عن الكلام، لم يعرف ما الذي عليه قوله لتهدئتها ومواساتها، اكتفى بالإشارة بيده لها لتدخل. بمجرد دخولها حتى ركضت وقامت بضم آدم وهي تبكي بحرقة. قام آدم بضمها بقوة، تعالت نبضات قلبه، كم تمنى لو يخبئها بداخله حتى لا يصل إليها أحد. نظر إليهم سامي وقال بحزن: مينفعش كده، متنسوش إنكم مبقتوش متجوزين.
رفعت حياة رأسها، نظرت إلى آدم بحزن وهي ما تزال تضمه. لم يكن حالها أفضل منه، كان العجز والحزن ينهشان في قلبه. بالرغم من الحزن والعجز الذي يشعران به، إلا أنهم كانوا واثقين أنهم سيتحدان مجدداً. راضي بغضب: انت بتقول إيه يا سامي؟ بعدين دول طلاقهم باطل لأنهم مش عايزين يطلقوا، دول مجبورين ومفيش شرع يقبل الغصب يابني. سامي بحزن: بس يا بابا، دول راحوا المحكمة واطلقوا. راضي بغضب: مش حتة ورقة اللي هتخليهم يسيبوا بعض.
ثم نظر إلى حسين الذي كان صامتاً يجلس بحزن شديد وقال: ولا انت إيه رأيك يا حسين؟ نظر إليه حسين وقال بثقة وجدية: عندك حق يا عمي، حتى لو حياة اتجوزت إياد، ده مش هيغير حاجة. هناخد أحمد منه ونخلص عليه، يعني مفيش مشاكل، المسألة مسألة وقت مش أكتر. ******** بعد مرور يومين. كان إياد جالساً في مكتبه في الشركة يراجع أوراق الصفقات التي أجروها مؤخراً. صك على أسنانه بغضب وبرزت عروقه. خرج من مكتبه يحمل أحد الملفات
والغضب يعميه وقال بجهير: شوقي! يا شوقي! تجمع الموظفين، جاء شوقي وقال بخوف وتوتر: خير يا باشا؟ رمقه إياد بغضب وقال: بقى انت يا كلب تعض الإيد اللي اتمدتلك وتخونّي؟ شوقي بتوتر وخوف: أخونك إزاي يا باشا؟ إيه اللي انت بتقوله ده؟ قذف إياد الملف في وجهه وقال بجهير وغضب: فكرت إني مش هدور وراك وأعرف إنك بتعمل صفقات من ورايا، وبتاخد فلوسها ليك. بقى بعد ما لميتك من الشارع تعمل فيا كده؟ بس متقلقش، هرجعك للشارع اللي خدتك منه.
كان الموظفون ينظرون إليهم ويتهامسون. اشتعلت نيران الغضب والحقد داخل شوقي وقال: كل ده عشان شوية صفقات تعبانة؟ بس أنا مش هنسى إهانتك ليا قدام الناس. بقى بعد ما أخلصت ليك وكنت مستعد أضحي بحياتي عشانك تعمل كده؟ قام إياد بلكمه في وجهه، لكمة قوية أسقطته أرضاً وقال بغضب: اطلع برا شركتي ومش عايز أشوف وشك تاني. نهض شوقي وهو ممسك وجهه وقال بحقد وتوعد:
هامشي يا باشا، بس خليك فاكر إنك انت اللي بدأت، وحياة السنين اللي ضيعتها في خدمتك لتندم. ثم غادر والشر يتطاير من عينيه ويتوعد بالانتقام. ******** بعد مرور خمسة أيام. يجلسان في أحد مقاهي فرنسا المشهورة يتحدثان بالإنجليزية. مشيل بغضب وحقد: أريد أن أعلم لماذا استدعيتني، كيف تتجرأ على التحدث معي بعد الذي فعلته؟ شوقي بابتسامة خبيثة: أعترف بخطئي وأنا هنا لأساعدك على الانتقام واسترجاع ممتلكاتك. مشيل بعدم تصديق: هل تمزح معي؟
شوقي بجدية: أنا لا أمزح، أنا أتحدث بصدق. ألا تريد استرجاع ممتلكاتك والانتقام؟ مشيل: بلى أريد، لكن لماذا ترغب في مساعدتي الآن؟ أليس هذا سيدك الذي تحبه ومستعد التضحية بحياتك لأجله؟ شوقي بغضب: كان هذا في الماضي، لكن الآن بعد أن أذلني من أجل بعض الصفقات الصغيرة، تغير كل شيء وسأدمرهم. مشيل بابتسامة خبيثة: إذاً، ما هي خطتك لتدميره؟ أخبره شوقي بخطته ثم قال بابتسامة خبيثة: ما رأيك بخطتي؟ مشيل بسعادة:
إنها حقاً خطة رائعة، لا أستطيع الانتظار لتنفيذها. شوقي بخبث: لا تقلق، تبقى شهران وثلاثة أسابيع وننفذها. ******** تمر الأيام ويأتي الموعد المحدد، يوم زفاف حياة وإياد. تضمه بقوة تبكي بحرقة تقول من بين شهقاتها: آدم، أنا خائفة. متسبنيش. ربت على ظهرها محاولاً تهدئتها وقال: متخافيش، أنا معاك ومش هسمح لحد يفرقنا. أخدت أحمد في حضني وساعتها مفيش قوة في الكون هتمنعني من قتله. راضي بجدية:
حياة، متخافيش. إحنا كلنا معاكي. زي ما قولتلك، أول ما ناخد أحمد هنقتله وترجعي لآدم. حسين بثقة: انتي مرات ابني ومستحيل تكوني ملك حد تاني. بالرغم من ثقة الجميع، إلا أنها ما تزال تشعر بالخوف والقلق. تفكر: ماذا لو فشلت خطتهم؟ نفت الفكرة من رأسها بسرعة، مستحيل أن يحدث هذا، لن يفترقا مهما حدث، هي واثقة من ذلك. قلبها يخبرها، ستشيخ وتموت في أحضان آدم وليس غيره.
قطع تفكيرها رنين جرس الباب. ذهب عادل وفتح، كان إياد وبرفقته ثوب زفاف وبعض الأشخاص لتجهيز حياة. إياد بسعادة: الناس دي هتجهزك يا حياة عشان فرحنا. هاجي الساعة ستة عشان آخدك. نظر إلى الباقين وقال بسخرية: طبعاً، انتوا كمان هتيجوا تحضروا الفرح. كان آدم ينظر إليه والشرار يتطاير من عينيه. حاول تهدئة نفسه قليلاً، ففي النهاية حياة لن تكون ملك لغيره، وكل ما سيحصل عليه هذا الشيطان هو نهايته التي ستوصله للجحيم.
مر الوقت وجاء موعد قدوم إياد. حضر إياد ومعه المأذون. دخلوا وجلسوا في غرفة الجلوس. إياد بسعادة: فين العروسة؟ حاول راضي أخفاء غضبه وقال: فين أحمد؟ إياد بخبث: أخدت حياة وانتوا تيجوا معانا عشان تودعونا واحنا مسافرين وتاخدوه. حسين بغضب: إيه؟ مسافرين فين؟ مين اللي قال إننا هنسمح بكده؟ إياد بثقة: وأنا مش محتاج إذنكم، ولا نسيت إنها هتبقى مراتي. أمسك سامي يد حسين وقال له بهمس: اهدأ يا حسين، مش هيلحق ياخدها ويروح في حتة.
هدأ حسين قليلاً. نظر راضي إلى عادل وقال: روح هات حياة. عادل بحزن: حاضر. وقف أمام غرفتها ودق الباب. كانت حياة جالسة بالداخل وهي ترتدي ثوب الزفاف. كان آدم يجلس بجانبها يضمها يحاول تهدئتها وبث الأمان بداخلها. عندما سمعت طرق الباب انتفض جسدها خوفاً، أمسكت يد آدم، نظرت إليه بعينان تملؤها الدموع وقالت بحزن: آدم، أنا خائفة. متسبنيش. نزلت الدموع من عينيها.
كان يجاهد الحزن والخوف بداخله ويمنع دموعه من النزول كي لا يخيفها أكثر ويجعلها تطمئن. مسح دموعها بيده ونظر إلى عينيها بعشق جارف وقال: انتي ملكي يا حياة، مش هسمح لحد ياخدك مني. هفضل معاك، مش هسيبك حتى لو رحتي آخر الدنيا، بردوا هجيلك وأجيبك. مدت حياة خنصرها وقالت: توعدني؟ أمسك خنصرها بخنصره وقال: أوعدك. ثم قبل رأسها.
خرجت حياة وتبعها آدم. عندما رآها إياد لم يستطع أن يبعد عينيه عنها، تلك الحياة توقعه بغرامها أكثر في كل مرة يراها فيها. تم زواج إياد وحياة. رمق آدم إياد بغضب وقال: فين ابني؟ نهض إياد وأمسك يد حياة وقربها إليه وقال بابتسامة خبيثة: أنا هاخدكم دلوقتي عندي. نزلوا جميعاً وركبوا السيارات. بعد مرور ساعة ونصف توقفوا أمام ميناء منعزل يوحي شكله أنه تم بنائه قريباً. كان يوجد أيضاً سفينة عملاقة للغاية.
كان الجميع ينظرون بدهشة ويدور في رأسهم الكثير من الأسئلة. نظر إياد لهم وقال: هجاوب عليكم طبعاً، انتوا مستغربين إحنا جينا هنا ليه، والسفينة دي بتعمل إيه هنا؟ آدم بغضب وحقد: بطل ألاعيبك دي، أنا عايز ابني. إياد بابتسامة خبيثة: حالاً هجيب ابنك، بس مش هتلمسه إلا لما أركب أنا وحياة السفينة ونمشي. حياة بخوف وفزع: سفينة إيه اللي هركبها وهمشي؟ أروح فين؟ نظرت إلى آدم بخوف وقالت: آدم. جذبها إياد من يدها وقال بغضب: إياد!
مش عايز أسمعك بتقولي غير إياد. أغمض آدم عينيه بغضب، حاول تهدئة نفسه كي لا يتهور، يتوعد لـ إياد ويقول بداخله: فاكر لما تركب السفينة وتمشي مش هعرف أوصلك؟ دا أنا هنط في البحر وأوصلك وساعتها محدش هينجدك مني. رمق آدم إياد بغضب وقال بجهير: ابني فين؟ إياد بجهير: هاتوا الولد. خرج بعض الرجال المسلحين من السفينة ومعهم الطفل. إياد بابتسامة خبيثة:
ابنك أهو. نركب السفينة ونمشي، تاخده بس خلي بالك، أي حركة غدر السلاح اللي مع الرجالة هيتفضى فيكم. تنظر حياة إلى طفلها بلهفة وشوق وقالت: أنا عايزة أشوف ابني. إياد: روحي شوفيـه انتي بس اللي تروحي، طبعاً عشان إحنا هنروح رحلة بحرية طويلة وانتي مش هتعرفي تشوفيه في المدة دي. ذهبت حياة وحملت طفلها وظلت تقبله بلهفة واشتياق. إياد: يلا عشان منتأخرش.
أعطت الطفل لأحد الرجال وقلبها يتمزق من الحزن. صعدت هي وإياد إلى السفينة. انطلقت السفينة وما أن أوشكت على الاختفاء، أعطى الرجال الطفل لآدم وذهبوا. حمل آدم طفله باشتياق وقبله، ثم أعطاه لجده راضي وخلع سترته وحذاءه. أمسكه حسين وقال له: انت هتعمل إيه؟ آدم بحقد وكره: هروح وراه أقتله وأجيب حياة. سامي: كده في خطر عليك، إحنا هنتصل بشرطة السواحل وهيا هتمسكه. آدم على أسنانه بغضب وقال: محدش هيجيبه غيري.
قاطع حديثهم صوت انفجار ضخم. نظروا إلى مصدر الصوت بصدمة وخوف، لقد انفجرت السفينة التي تركب بها حياة، وأصبحت كتلة من النيران. كان آدم ينظر بصدمة وخوف، ويفكر: هل ما يراه حقيقي؟ هل انفجرت السفينة حقاً؟ مستحيل أن يفقدها، لا، هي بالتأكيد ما زالت على قيد الحياة. صرخ آدم صرخة مدوية تعبر عن ما بداخله من حزن وخوف وصدمة وقال: حياااااااااااة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!