في الليل يرن جرس الباب. "بلال... أهلاً، عامل إيه يا دكتور؟ "الحمد لله." "اتفضل." ثم غلق الباب وقال: "مش هينفع نقعد هنا، تعالي فوق في أوضتي." "في إيه يا بلال؟ مالك بتتكلم بصوت واطي ليه؟ "تعالى بس وهقولك بعدين." ثم دخلا الغرفة. "ها يا سيدي اتكلم، سيبتلي أعصابي." "والله ما أنا عارف أبدأ منين، بص يا دكتور أنا متجوز من كام شهر كده." قاطعه الدكتور: "إيه يا عم تتجوز مرة واحدة كده من غير ما تعرفنا؟
لا لا أنا زعلان أوي، ده إحنا صحاب يا جدع." "مهو مش جواز أوي يعني." ولسه هيكمل... نظر له الدكتور بعدم استيعاب. "نعم! ده اللي هو إزاي متجوز ومش متجوز؟ يعني ولا يوم مرتبط والتاني سنجل هههههه." "بالله يا دكتور الموضوع ما مستحمل هزار، سيبني أكمل." "طب احكي، في إيه؟
"أنا متجوز واحدة اسمها مسك، هي صغيرة شوية بس طريقة تفكيرها أكبر من سنها بكتير وعاقلة جداً، والصراحة كنا مجبورين على الجوازة دي بسبب وفاة ماما كريمة والدتها، وأنا غلطت في حقها كتير أوي لأن كنت دايماً خايف أكون بحبها لحد ما اتأكدت إن أنا فعلاً بحبها، واتخانقنا النهارده و... "كمل يا بلال." "وضربتها بالقلم وأنا متعصب." ثم جلس ووضع يده على وجهه والدموع تنزل من عينيه.
ثم أكمل: "وهي تعبت وفقدت وعيها، ولما فاقت مبتكلمنيش، وبقالها كام يوم مبتفتحش الأوضة، وأنا خايف عليها أوي... وخايف تتعب وهي لوحدها." "الدكتور: متخافش يا بلال، إحنا ممكن نخرجها من اللي هي فيه بطريقة كويسة لحد ما." "بلهفة: إيه هي يا دكتور؟ "لو هتجيب نتيجة فأنا موافق يا دكتور، بس أهم حاجة ميأثرش على نفسيتها وصحتها."
"إن شاء الله خير، بس حاول من وقت للتاني تخبط عليها يمكن تفتح، ولو زعقت سيبها تزعق واستحمل عشان متدخلش في مرحلة هيبقى صعب علاجها." "لا يا دكتور... أنا هخلي بالي منها." "أهم حاجة الراحة النفسية يا بلال، ومعظم الأمراض بتكون بسبب التراكمات النفسية، حاول تحتويها وتطمنها بوجودك، اللي أنا فهمته من كلامك إنها فاقدة الحب في حياتها، محتاجة حد تحكي معاه، فكون أنت الشخص ده." "بتنهيدة حزن شديد: حاضر."
"متبينلهاش إنك زعلان أو ضعيف عشان ده هيأثر عليها، خليك ثابت قدامها مهما بالغت برضه الفعل." هز رأسه بالموافقة. "خير يا دكتور، متخافش، يلا سلام عليكم." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." وغادر الدكتور. دخل بلال يتوضأ ثم صلى وظل يدعي ربه بدموع. ثم ذهب إلى غرفة مسك بتردد. "م... مس... مسك." ".... "مسك عشان خاطري ردي." "...... "طب بلاش عشان خاطري، علشان خاطر ماما كريمة."
سمعت مسك اسم والدتها فظلت تبكي بصوت مرتفع وشهقاتها تتوالى وراء بعضها. حتى سمع بلال صوت بكائها. "لو بتحبيها فعلاً افتحي." قامت مسك وفتحت الباب وكان وجهها شاحب كالوردة التي ذبلت. كادت دمعة بلال تخدعه حينما رأى مسك على هذا الحال، ولكن تظاهر بالثبات. "بصي يا مسك، جبتلك معايا إيه." وطلع غزل البنات. ومسك ضامة رجليها إلى صدرها وجالسة على حافة السرير وتنظر لصورة والدتها وتنزل دموعها، ولم تلتفت له ولا تتحدث.
"طب بلاش دي، فاكرة لما كنتي تزعلي مني وإحنا صغيرين وكنت أوديكي الملاهي. يلا عشان عايز أصلحك بقى ونروح الملاهي تاني." "...... ثم جلس أمامها ومسح دموعها ومسك يديها وقال: "مسك، أنا عارف إنتِ بتمرّي بإيه وأنا قسيت عليكي أوي، خلينا نفتح صفحة جديدة وأوعدك مش هزعلك تاني أبداً." "...... فقام بلال وخرج من الغرفة ومسك على نفس الوضع، ولم تلتفت حولها ولم تنظر إلا لصورة والدتها وتبكي.
وبلال دخل المطبخ وأحضر أكلتها المفضلة وذهب إليها. "بصي يا مسك، عملتلك إيه." لم تنظر، وكأنها لم تسمعه. "على فكرة دي أول مرة أدخل المطبخ ودخلته عشانك، مش هتاكلي." "...... ثم قرر أنه يأكلها هو. "خدي يا مسك يلا عشان خاطر ماما كريمة." فازدادت الدموع وأخذت منه. "طب كملي أكل عشان ماما، هي أكيد مش حابة تشوفك كده، ولو إنتي بتحبيها فعلاً هتاكلي." وكأنه يراضي طفلته.
بدأت مسك في الأكل ولم تأكل كثيراً، وبعدت عنها الأكل وحضنت وسادتها وظلت تبكي. "بلال... جلس بجانبها وأبعد عنها الوسادة ومسح دموعها ثم أخذها في حضنه. مسك لم تبعده عنها لأنها تحتاج أن تبكي في حضن أحد، وخاصة بلال لأنها تشعر بالأمان بجانبه، ولكن كانت دائماً تتذكر وهو يضربها فتتألم وكأنه يضربها من جديد. مسكت قميصه ووضعت رأسها على صدره وظلت تبكي، وكاد بلال أن يبكي هو الآخر ولكن تظاهر بالقوة أمامها.
ثم ضم يديه الاثنتان عليها وأسند ظهره على السرير ويملس على رأسها حتى نامت في حضنه. كان بلال مرتاحاً جداً وهو ضاممها ونام بجانبها وظل يتحدث: "أول مرة أدقق في ملامحك كده، إنتي جميلة أوي، أنا نفسي تسمحيني عشان أنا بحبك والله." وخدعته دمعته. ثم جلس لوقت غير قصير ونام. في صباح اليوم التالي... استيقظ بلال ووجد مسك مازالت نائمة على صدره، فأبعدها عنه ووضع رأسها على الوسادة. الجرس يرن... فنزل بلال وفتح. "مين حضرتك؟
"حضرتك الدكتور بلال كامل زوج المدام مسك." "آه." "أنا تبع الدكتور أدهم." "أيوه أيوه اتفضلي." "شكراً، ممكن تكلمني شوية عن حالة زوجتك؟ فقال لها مثل ما قال لصديقه أدهم. "طب هسألك كام سؤال." "اتفضلي." "إنتوا متجوزين من إمتى؟ "مكملناش أربع شهور." "في نفسها: أربع شهور وحصلها كل ده؟ صحيح رجالة هم." ثم قالت: "وهي اتعرضت لصدمة قبل الجواز؟ "أيوه والدتها اتوفت وحصل شوية تغيرات في حياتها كده أثرت عليها."
"تمام، ممكن أقعد معاها شوية؟ "اتفضلي." ثم دخلت إلى غرفتها وجدتها تصلي، فوقفت خلفها حتى انتهت من الصلاة وقالت: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا مدام مسك." تنظر مسك لها باستغراب فوجدت بلال واقف بجانبها. فقالت: "الحمد لله." "ممكن أدخل؟ هزت رأسها بالموافقة. ثم دخلت وغلقت مسك الباب كي لا يدخل بلال. ووقفت مسك أمامها ولم تنطق بحرف وجلست على الكرسي. "إزيك يا مسك." "الحمد لله."
"أعرفك على نفسي، أنا إيمان صديقة بلال في الجامعة، عرفت إنه اتجوز فقلت لازم أتعرف على سعيدة الحظ." "....... "وعرفت إنك بتحبي غزل البنات فجبتهولك، ممكن تاخديه مني." أخذته وقالت بابتسامة: "شكراً جزيلاً." "الشكر لله وحده، ممكن نبقى صحاب عشان بصراحة معنديش صحاب أحكي معاهم وأنا حبيتك أوي." هزت رأسها بالموافقة. قامت وأخذتها في حضنها. "خلاص، إحنا من النهارده أصدقاء." "تعالي بقى ننزل تحت نقعد مع بلال."
رفضت مسك بشدة وتغيرت ملامحها. "ليه؟ "ثم قالت ببكاء: عشان مش عايزة أشوفه." تحدثت وكأنها لم تعرف شيئاً كي لا تلاحظ مسك. "إيه، إنتوا كويسين مع بعض؟ بكت مسك وقصت لها كل ما فعله بلال وعن واقعها المؤلم. وهذا هو التي كانت تريده. ثم جلست بجانبها تواسيها ببعض الكلمات... وتركتها لترى بلال. كان بلال جالس متوتر في الصالة حتى نزلت إيمان. "ها يا دكتورة، هي عاملة إيه؟
"متقلقش، هي بس محتاجة حد يواسيها زي ما الدكتور أدهم قالك. مراتك يا دكتور بلال فاقدة الشغف ناحية كل حاجة ومحتاجة حد تطمن وهي جنبه، ويا ريت بلاش ضغوطات نفسية. وأنا وعدتها إني هاجيلها كل يوم عشان أشوف صحتها وأتمنى المرة الجاية تكون اتحسنت عن كده. هو شوية اهتمام بيها وهتتحسن إن شاء الله." "ماشي، شكراً يا دكتورة، مع السلامة." وغادرت. طلع بلال لمسك ودخل عليها وحاول أن يذكرها بأيام طفولتهم.
"فاكرة يا مسك لما كنتي بتعيطي وتجيلي... ولما كان حد يزعلك مكنتيش تتكلمي مع حد ولا تخرجي من أوضتك إلا لما أجي... ولما كنا بنخرج الملاهي وأجبلك غزل البنات." نظر إلى مسك ووجدها شارده وتبتسم وكأنها تتذكر هذه الأيام. ثم خرج ودخل غرفته واتصل على صديقتها زينة. "آلو." "إزيك يا بلال." "الحمد لله، عايز أقابلك." "دلوقتي! "لا، دلوقتي الوقت متأخر، الصبح عايزك تقفي في المكان اللي هبعتهولك ومش عايزك تتأخري." "حاضر."
ثم أغلق الهاتف وأخذ نفس عميق ونام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!