عربية عز انطلقت بأقصى سرعة، وليل المدينة مضاء بأنوار الشوارع والمباني. قدر نايمة بين إيدين عز في المقعد الخلفي، ووشها عليه آثار الدخان وبعض الجروح البسيطة. عز مش قادر يشيل عيونه عنها، كل نفس بيأخده بصعوبة بيحس إنه بيخنقه. إيديه بتتحرك لا إرادياً تمسح على وشها كإنه بيحاول يتأكد أنها لسه معاه. بصوت واطي لكنه مليان ألم: "استحملي يا قدر... قربنا نوصل." فارس ضغط على الكلاكس بقوة بيزعق للعربيات اللي قدامه تتحرك.
عز عينيه مش بتتحرك من على وش قدر. فجأة قدر بتحرك صوابعها بخفة، وفتحت عينيها بصعوبة. قدر بهمس ضعيف: "عز." عز بلهفة وهو بيمسك إيديها: "أنا هنا... متخافيش... أنا معاكي... خلاص إنتِ بأمان." عينيها قفلت تاني، وخوف رهيب اتملك عز. حضنها وشدد عليها. حس بدقات قلبها الضعيفة وهمس ليها كإنه بيترجاها تبقي معاه. عز بصوت متحشرج من الغضب والحزن: "لو جرالك حاجة يا قدر... أنا مش هسامح نفسي أبداً."
العربية وقفت قدام المستشفى، وقبل ما فارس ينزل يفتح الباب، عز شال قدر ونزل من العربية وجرى لجوا بصوته الهادر وهو بيصرخ في المستشفى. بصوت مليان غضب وخوف: "حد يساعدني... محتاج دكتور فوراً." الممرضين جريوا ناحيته وخدوا قدر منه، لكنه مش قادر يسيب إيديها لحد ما الدكتور جه وفصل إيديهم عن بعض. عز واقف أنفاسه متلاحقة وعيونه مبتتحركش عنها وهي داخلة غرفة الطوارئ. ولأول مرة من سنين عز السيوفي حس بالعجز الحقيقي.
فارس كان واقف جنبه وبيطمنه على قدر. وفجأة بيجيله اتصال من فهد. فبعد عن عز علشان يعرف يرد عليه وفتح الخط وقال: "أيوا يا فهد." فهد بلهفة: "وأخيراً رديت... قولي انتوا كويسين؟! وقدرتوا توصلوا للأنسة قدر؟! فارس بص على عز وشاف حالته الصعبة وخوفه على قدر وقال: "لقيناها... واحنا دلوقتي في المستشفى." فهد بص على ياسين وسيف وأمينة ورضوي بقلق وخفض صوته علشان محدش يسمعه وسأله بقلق: "مستشفى إيه اللي انتوا فيها؟! حد فيكوا اتأذى؟
بدأ فارس يقص عليه كل اللي حصل. فهد بصدمة: "كل ده حصل وإنت متقوليش... يعني لو مكنتش اتصلت كنت حضرتك مش هتقولي... واحنا هنا هنتجنن علشان نتطمن عليكم." فارس بتنهيدة طويلة: "خلاص يا فهد متزعلش... والله الموضوع شغلني ومفتكرتش أقولك." فهد: "خلاص مش زعلان... شوية وهيجي مع عيلة الآنسة قدر... سلام دلوقتي علشان أشوف هقولهم إزاي." فارس: "سلام." رجع فارس وقعد جنب عز وحاول يواسيه ويطمنه على قدر. *** في فيلا السيوفى. سيف بلهفة:
"ها يا فهد وصلوا لقدر؟! فهد بتوتر من ردة فعلهم: "أيوا." أمينة بفرحة: "بجد! طب هما فين... أكيد جايين على هنا... مش كده؟! فهد مش عارف يرد عليهم ولا يكسر فرحتهم. لاحظته رضوي وسألته بشك: "إنت مخبي علينا حاجة." الكل بيلاحظ توتر فهد. فقرب منه ياسين بقلق وسأله: "إيه يا فهد هما كويسين.. حد فيهم اتأذى؟! فهد قرر يقولهم من غير تردد. في الحالتين هيعرفوا منه أو من غيره: "وصلوا للآنسة قدر... بس هي تعبانة شوية...
وهما دلوقتي في المستشفى." سيف بخوف على أخته: "قدر كويسة؟! وهما في أي مستشفى؟ إحنا لازم نروحالها بسرعة." أمينة بخوف على بنتها: "خدوني لبنتي أطمن عليها." رضوي بتحاول تهدي أمها: "اهدي يا ماما هنروحالها دلوقتي... وبتوجه كلامها لفهد: ممكن تاخدنا المستشفى." فهد: "أكيد... أنا هخرج أجهز العربية لحد ما تخرجوا." وبعد مدة اتحركت عربية فهد للمستشفى، مع دعاء أمينة ورضوي وسيف وياسين لقدر. ***
بعد مدة خرج الدكتور وطمن عز على صحة قدر وأنها بقت كويسة. وعز طلب منه إنه يدخلها. ومع إصراره وافق الدكتور. راح عز لأوضة قدر. الهدوء كان مسيطر على الأوضة إلا صوت جهاز نبضات القلب. قدر نايمة على السرير ووشها شاحب، لكنها بخير. عز واقف عند الباب و عيونه متثبتة عليها، كإنه خايف يقرب، خايف يكسر اللحظة اللي استناها.
خطواته كانت تقيلة وهو بيتقدم، قرب من السرير ببطء، قعد على الكرسي جنبها، وإيده لا إرادياً مسكت إيديها. كانت دافية، كانت حقيقية. وأخيراً بقت قدامه ومفيش حد هيقدر يبعدها عنه مرة تانية. فجأة قدر اتحركت، وفتحت عينيها ببطء وبصت ليه. وللأحظة كانت نظراتها تايهة، بس ارتسمت على وشها نظرة راحة. قدر بصوت ضعيف لكنه دافي: "عز إنت لسه هنا؟! عز بابتسامة حزينة وهو بيضغط على إيديها: "عمري ما هسيبك تاني يا قدر."
قدر بصتله باستغراب وكأنها حاسة بحاجة غريبة في كلامه. حاجبها معقود وعينيها مليانة مشاعر مش مفهومة. حاولت تفهم نظراته وقالت: "في إيه ليه بتبصلي كده؟! خد نفس عميق كإنه بيحارب مشاعره وقال: "في حاجة لازم تعرفيها." حاولت تقعد لكنه مد إيده وسندها. عينيها كانت بتراقبه بحذر، حست إن فيه حاجة كبيرة هيقولها. عز بصوت مبحوح لكنه واضح: "أنا مش بس عز السيوفي يا قدر... مش عارف هتقدري تفتكريني إزاي وإنتِ فاقدة الذاكرة بس...
قاطعته قدر وقالت بسرعة: "بس أنا رجعتلي الذاكرة." بصدمة وفرحة في نفس الوقت: "إيه! إزاي وامتى؟ قدر بابتسامة: "من شوية لما فوقت افتكرت كل حاجة. بابا ونور افتكرت كل حياتي... وبتكمل كلامها بحذر: سيبك من الموضوع ده... وكمل كلامك." عز قرر يقولها الحقيقة دفعة واحدة قبل ما يتراجع وقال بهمس مليان شوق وألم: "أنا... أنا مهد... مهد صديق طفولتك يا قدري."
الوقت زقف وكأن العالم انتهى عند الجملة دي. قدر بصتله جامد، انفاسها بتتقطع، مش مصدقة اللي سمعته. فقالت بصوت مرتجف من الدموع: "مهد... دموعها بدأت تلمع في عينيها. مشاعر كتير جواها، جواها أحاسيس متضاربة، خوف، سعادة، صدمة. بس أهمهم إحساس إنها أخيراً لقت اللي ضاع منها من سنين. عز بابتسامة مختلطة بالحزن: "أنا هنا يا قدر ورجعت عشانك." قدر مقدرتش تتحكم في دموعها وإيديها ارتجفت وهي بتمسك إيديه كأنها خايفة يكون حلم ويختفي.
فقالت بهمس ودموع: "كنت مستنياك طول عمري... كنت مستنياك يا مهد." عز شدها لحضنه بحنان وضمها بقوة. وأخيراً رجع مهد لقدر وقدر لمهد. *** فارس واقف برا أوضة قدر وبيتكلم في التليفون مع أمه. فارس بأسف: "أنا عارف إني مقصر معاكي من وقت ما رجعت من السفر... بس غصب عني... الشغل فوق راسي... وفوق كل ده مشكلة عز."
كانت صباح والدة فارس في بيت نور، وكانت قاعدة جنب حنان ونور اللي كانت بتتفرج على صورها مع قدر بحزن واشتياق ومتجاهلة مكالمة خالتها لفارس. صباح بحنية: "عارفة يا حبيبي... بس أنا خايفة عليك... لإنك ضاغط على نفسك في الشغل وكمان موضوع عز... والبنت اللي بيدور عليها." فارس حط ايده على راسه بتعب وقال: "عارف إني ضاغط على نفسي الفترة اللي فاتت علشان عز كان مشغول بموضوع قدر وإزاي يلاقيها... بس خلاص هو لقاها...
وبكده هرتاح من الشغل شوية." صباح بفرحة: "بجد عز لقي قدر." انتبهت نور لخالتها لما قالت اسم قدر وشدت تليفون خالتها وفتحت الاسبيكر وسألته بلهفة: "فارس قدر مين اللي بتتكلم عنها؟! فارس إتفاجئ بصوت نور وقال باستغراب: "قدر صديقة طفولة عز وكان بيدور عليها من سنين وأخيراً لقاه." نور بتفتكر قدر وكلامها عن صديق طفولتها مهد وبتسأله بسرعة وبتقول: "فارس هو عز ده ليه اسم تاني؟! فارس بص للتليفون بدهشة وقال بصدمة: "وإنتِ عرفتي منين؟!
نور اتأكدت من شكوكها من رد فارس وقالتله: "بص مش وقت إني أشرحلك الموضوع... بس قولي دلوقتي مكان قدر فوراً." فارس باستغراب: "ليه؟! استغفرت ربها في سرها علشان متتعصبش عليه وعلى غبائه وقالتله بضيق: "فارس مش وقت أسئلتك... بس هقولك قدر اللي بتتكلم عنها دي هي نفسها... صحبتي اللي مختفية من مدة. اخلص وابعثلي العنوان." فارس: "خلاص اهدي احنا في مستشفى... لما عرفت إنهم في المستشفى خافت على قدر وسألت فارس بقلق: "مستشفى ليه...
قدر كويسة؟! فارس عرف إنها خافت على صحبتها فحاول يطمنها: "آهدي متقلقيش عليها هي كويسة." حطت إيديها على قلبها واتنفست براحة وقالت: "الحمد لله إنها بخير... وأنا هجهز وأجي المستشفى على طول." فارس بابتسامة بسيطة: "وأنا مستنيكي... خلي بالك على نفسك." *** خرج عز من أوضة قدر بعدما نامت من التعب. لقي فارس قاعد على الكرسي. فقرب وقعد جنبه. انتبه عليه فارس وسأله بهدوء واستغراب: "خرجت ليه من عندها... مش دي اللي كنت هتتجنن عليها؟!
ابتسم عز بحب وقال: "ولسه هتجنن عليها... دلوقتي بوجودها قدام عيني حاسس إني مالك الدنيا وما فيها."
ابتسم فارس لكلام عز وحبه لقدر اللي باين في عيونه وكلامه. أما عز كان بيتكلم عن حبه لقدر وخوفه عليها لما النار كانت محاوطاهم وإنه كان مستعد يفديها بروحه وقتها، وكثير من الأحاسيس اللي كانت جواه كان بيحكيها لصاحب عمره وأكتر حد فاهمه في الدنيا. أما فارس كان مبسوط وهو شايف فرحة عز وإنه أخيراً لقي البنت اللي كان هيتجنن ويلاقيها وكان بيسمع كلام عز بابتسامة فرحة لفرحة صاحبه. ***
وصل فهد مع عيلة قدر وياسين ودخلوا المستشفى. سألوا موظفة الاستقبال عن أوضة قدر. وبعد ما بتقولهم الموظفة عن مكان أوضتها اتوجهوا بسرعة لأوضة قدر. ولما وصلوا لقوا عز وفارس قاعدين بيتكلموا، وعز انتبه ليهم وبصلهم باستغراب لإنه ميعرفش أهل قدر الحقيقيين، هو عارف بس ياسين اللي رباها. جرى عليه ياسين وسأله بلهفة وخوف على بنته: "قدر يا عز كويسة؟! عز لاحظ خوف ياسين على قدر ف حط إيده على كتفه وقاله بابتسامة هادية:
"قدر كويسة وزي الفل... وقال بغرور مصطنع لتلطيف الجو: طبعاً لإني أنقذتها." ابتسم ياسين لكلام عز وقاله بابتسامة: "وأنا كنت متأكد إنك هتحميها وهترجعها لي سالمة... لإني شوفت خوفك عليها وحبك ليها في عينيك." ابتسم عز لياسين بسبب ثقته فيه وإنه كان متأكد إنه هينقذ قدر وده خلاه يفرح من جواه ويطمن إن محدش هيقف في طريق حبه لقد. بص على سيف ورضوي وأمينة باستغراب. ولسه هيسأل ياسين عنهم بيقاطعه سيف بالتعريف عن نفسه
لإنه فهم نظرات عز ليه: "أنا سيف أخو قدر... ودي أمي ودي رضوي أختي." قال كلامه وهو بيشاور على أمينة ورضوي. عز بص لياسين بصدمة وتساؤل. وياسين فهم نظرات عز وقاله: "دول عيلة قدر الحقيقية." بص لياسين باستنكار وقال: "عيلتها الحقيقية... وجه أنظاره لسيف وأمينة ورضوي وشاور عليهم وقال بسخرية: دول عيلتها... ودلوقتي افتكروا إن عندهم بنت علشان يطمنوا عليها." سيف اتضايق من كلام عز وظنه السيء فيهم وقال بدفاع:
"أنا عارف إن قدر اتربت في دار الأيتام ومستر... ياسين اتبناها ورباها طول السنين اللي فاتت... بس ده مكنش بإيدنا... احنا لو كنا نعرف إن قدر في دار الأيتام كنا خدناها... بس للأسف أبويا خدها من ورانا وحطها قدام دار الأيتام... من غير ما نعرف." عز بهدوء مريب: "وإيه اللي يخليني أصدق القصة دي؟ سيف ببرود: "وأنا مش محتاج أثبتلك قدر أختي غصب عن الكلام." أمينة بتدخل لتهدئة الوضع بتوجه كلامها لعز:
"بص يابني احنا هنستفاد إيه من الكذب... كل اللي قاله سيف حقيقة... واحنا أول ما عرفنا إن قدر بنتي جينا على طول... واحنا مش عايزين أي حاجة غير إننا نطمن عليها." عز من جواه مصدقهم بس عايز يتأكد من كلامهم علشان قدر وخوفه عليها منهم لإنه لو الموضوع يخص قدر ميقدرش يتساهل مع حد. وقال لأمينة: "وأنا مصدقكم بس هي هتصدق... أكيد مش بالسهولة دي هتصدق... وأنا من خوفي عليها ومن ردة فعلها...
عايزكم تستنوا فترة على الأقل لحد ما تخرج من المستشفى... ووقتها هنعمل تحليل DNA علشان نثبتلها الحقيقة... ها إيه رأيكم؟! ياسين باقتناع: "عز معاه حق... قدر راسها ناشفة ومستحيل تصدق إنكم عيلتها بسهولة." رضوي باعتراض: "بس معقول هنستنى أكتر من كده... من يوم ما اتولدت وأبويا خدها واحنا هنتجنن علشان نلاقيها وخصوصاً أمي." عز محاولاً إقناعها: "طب لما تدخلي وتقوليلها الحقيقة ومصدقتكيش هتعملي إيه...
بلاش تسرع احنا هنعمل التحليل علشان ميبقاش عندها مجال للشك." اقتنع سيف بوجهة نظر عز وقال بضيق: "وإحنا معندناش حل غير ده... بس مش هنقدر نستنى كتير علشان نواجهها بالحقيقة." عز بهدوء: "متقلقش مش هتستنوا كتير هما يومين تلاته لحد ما نتيجة التحليل تطلع... وأنا هتصرف النهاردة وآخد عينة من قدر علشان منأجلش الموضوع أكتر."
وفعلاً الكل بيقتنع بكلام عز، وبيطلب عز منهم إنهم يرجعوا بيتهم لأن وجودهم في الوقت ده مش هيفيدهم. طبعاً رفضوا في الأول بس مع إصرار عز وافقوا على مضض. أما أمينة طلبت من عز إنها تدخل تشوف بنتها وهتخرج على طول. ولإن عز عارف إن قدر نايمة سمحلها تدخل. وفعلاً دخلت أمينة اطمنت على بنتها وخرجت قبل ما قدر تصحى. واضطر سيف ياخد أمه وأخته على البيت، وعز طلب من فهد يوصلهم على البيت وياخدهم فهد في عربيته علشان يوصلهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!