صباح يوم جديد في منزل جميلة. والعجب ثم العجب مما تفعله قدرية هذه الأيام. دَلَفَتْ غُرفة هشام، فهي تنام في غرفة بعيدة عنه. "صباح الخيرات." سَعَتْ حدقة عينيه بجمود دون أن يبدي رد فعل، وهي تدلف عليه الغرفة بكل هدوء وبساطة. تبتسم له، كان لم يكن شيء حدث في السابق. تبتسم بكل ثقة، وكأنها جميلة وليست بقدرية. نفض رأسه وكأنه في حلم. "مني هذه؟ هل هي قدرية النكدة؟
ألقت عليه كلمة الصباح فقط ببساطة، وتحركت بديناميكية وكأنها مميكنة مثل الآلات. فتحت الستائر التي لم تفتح منذ مدة، ووضعت صينية الفطور التي لم تعده منذ فترة. وناولته الدواء، حتى أنه استغرب لأنها لا تعلم ما هو دوائه وما هو موعده. حتى الماء ناولته إليه دون النطق ببنت شفة. *** على الجانب الآخر، عند أكمل في مكتبه.
جاءه ضيف، أو كما قال للمحامية الصغيرة، إن لديه قضية. ليدلف القاتل غسان. ينظر إلى أكمل نظرات يود أن يفتك به ويقتله هو الآخر، وكأنه يوجه لأكمل رسالة أنه لن يتركها لها مهما حدث. أشار له أكمل بالجلوس. "اتفضل يا دكتور غسان، اقعد. رغم إني مش بستقبل حد من غير ميعاد. خير، إيه نوع قضيتك؟ مخدرات ولا سلاح ولا قتل ولا تعويض ولا مافيا؟ أومأ غسان برأسه له قائلاً:
"شكراً يا متر أكمل، بس أنا مش جاي في أي قضية من دول. إيه هو لازم آجي هنا بقضية؟ أنا لما أحب أوكل، أوكل واحد تقيل شوية. وبعدين أنا مش بتاع مشاكل." "تحب تشرب إيه؟ ولا عايز مشروب تقيل شوية زي ما هتوكل محامي تقيل شوية؟ بس عارف إنت صح، أصل القضايا الكبيرة عايزة محامي من العيار التقيل."
"أنا جاي في موضوع أكبر من القضايا دي كلها. جاي أقولك إنك مجرد ضيف في حياة جميلة وملوش لزوم تطول معاه أكتر من كده، وبلاش تشويه صورتي قدامها." "أنا سمعتك، اتفضل من غير مطرود. ومش أنا اللي هشوه صورة واحد زيك قدام جميلة عشان تسيبك. أنا واثق في حبيبتي جداً إنها جت جاية تقولك فركش." "يوم ما جميلة جت تستقبلني، ظهورك خوفها. إنت عامل زي أخوها، بس أيامه أنا كنت ضعيف، دلوقتي أقدر أصفيك إنت وأي حد هيقف ما بينا."
"ممكن أعرف عملت كده ليه؟ وصفيت أخوها؟ وتفتكر حاجة زي دي لو هي عرفتها هتقبلك مهما كان أخوها قاسي عليها؟ إنت شايف إنك كده صح؟ "محدش عرف يقدر ظروفي ولا يقدر حبي ليها. حتى هي كانت سلبية. حاولت كتير أهرب بيها، كانت كل مرة ترفض. أنا عارف إنك عرفت، بس ولا يهمني." "قلت لك اتفضل من غير مطرود. أنا سمعتك، وهي عرفت كل حاجة. وبعدين أنا مش أخوها. أنا أقدر عليك وعلى اللي وراك. حطي دي في بالك." رفع غسان كتفيه بحيرة وأنزلهما ثانياً:
"هيجيلك يوم تيجي تتاسف ليا على اللي انت بتقوله دلوقتي، وأنا ساعتها ليا الحق أقبله ولا لأ. بس ساعتها متلومش إلا نفسك. أنا جميلة حقي." تعالت ضحكات أكمل بشر قائلاً: "إنت جاي تهددني؟ يا أسيب جميلة ليك، يا أما هكون زي أخوها؟ كده اسمه تهريج يا غسان. إنت متعرفش إنت بتلعب مع مين، وأنا محدش يهددني." "ليه محدش يقدر يهددك؟ إنت في الأول والآخر حتة محامي فاشل بتدعي النزاهة، وما خفي كان أعظم. أكيد ليك نقط ضعف، بس مش جميلة."
نظر له أكمل بحيرة وأردف قائلاً: "بعد كل الحرب اللي بحارب فيها عشانها، تعتقد إنها مش نقطة ضعفي؟ يمكن تكون صح، بس عارف الذكي اللي يوظف نقطة الضعف نقطة قوة." "أنا كنت متفق معاها بعد موت أخوها إنها هتبدأ حياتها معايا. وعلى فكرة هي بنفسها حكت ليا على موضوع خطوبتكم التطفلي، بس أنا مثلت قدامك إني مش عارف."
"على فكرة جميلة عمرها ما حبتك. ولو لسه بتحبك، كانت عملت المستحيل عشان تكون ليك بعد ما رجعت، والعقبة اللي كانت بينكم انتهت." "إنت مفكر إنها ممكن تحبك بالعشرة؟ جميلة مبتقدرش تعيش من غير حب، وكانت دايماً تقول مش هتجوز غير اللي بحبه، وأنا الوحيد اللي هي بتحبه." تعالى غضب أكمل ورد عليه قائلاً: "وإنت هتتجوز واحدة إنت قاتل أخوها؟ إزاي؟
خاف على نفسك. المنظمة لو شمت خبر هتصفيك إنت شخصياً. والست الشقرا لو عرفت باللامور بتاعك، متضمنش حياتك." "جميلة عندي بالدنيا. أضحي بروحي في سبيل ساعة واحدة أقعدها معاها. ولعلمك هي رجعالي، سواء دلوقتي أو بعدين. وبعدين صديقتي عمرها ما هتصدقك." ضرب أكمل على سطح المكتب بقبضته وأردف بغضب قائلاً:
"لو سمحت لنفسك تقرب من جميلة، أنا ساعتها هتحالف مع المنظمة وهصفيك. وشوف بقى المحامي الفاشل هيعمل إيه في واحد زيك. أكيد في يوم هيبقوا يحبوا يخلصوا منك." استفزه غسان أكثر قائلاً: "خد بالك. إنت كمان مستهدف زيها. بس ملكش دية. لو حابب تحميها زي ما بتقول، اتنازل عنها زيي، وأنا أضمنلك برقبتي إني هبعدها عن محيطهم." انتفض أكمل من مكانه بغضب قائلاً:
"ساعتها أكون مت فعلاً. مش هيحصل يا غسان. إن أسيب جميلة لواحد حقير زيك. هي خلاص عرفت قذارتك، واستحالة تحط إيدها في إيد واحد زيك." ابتسم غسان بثقة قائلاً: "الأيام بينا يا متر. كمل إنت في حمايتها، وأنا هكمل في استهدافك. ونشوف بقى مين فينا اللي كسب. ده أنا حاسس إن المستشار هشام ممكن يتحالف معايا." اتجه أكمل إلى باب المكتب يفتحه ليقوم بطرد غسان، متحكماً في غضبه حتى لا يتهور ويقتله.
"لو قربت منها، انتظر مني رد فعل غير متوقع. وزي ما إنت قلت، الأيام بينا. وأنا عمر أيامي طويل، مش زي غيري. أنا أكمل الزيات، ومكمل للآخر." *** انتهى اللقاء الحار بينهم. بينما هاتفته جدائل ليستقلها إلى المنزل بعد العمل. تفاجأ بمن تدلف السيارة بجواره، وهي جميلة تجلس بكل هدوء، بينما جدائل استقلت السيارة من الخلف. وإذا في منتصف الطريق عربية دفع رباعي تعترضهم، لتصرخ جميلة وتلعن حظها.
أشار لها أن تصمت حتى يتبين هوية المواجه. وإذا به غسان، يريد أن يروعهم حتى تتركه وترحل معهم. في هذه اللحظة، جهز أكمل سلاحه لإطلاق الزناد على غسان بدون رحمة وبدون خوف من أي شيء.
وقف أمامه غسان بثبات دون اهتزاز، لدرجة أدهشت جميلة. ليس هو غسان الذي تعرفه بالأمس، كان يرتعش لحضور شقيقها. والآن هو متغير بالكامل. فقط احتل الغضب مقلتيه وملامحه. مال برأسه ببطء تام نحو أكمل، حتى الشيطان نفسه لا يعرف ما ينوي فعله أبداً، وكان لديه حبكة شيطانية تتفوق على الشيطان نفسه.
شحب وجه جميلة وخرجت من السيارة تقف بجواره. أكمل ويدها الثلجية تحتضن يده، ليتفاجأ من رد فعلها الذي جعل غسان يبصق على الأرض بسببها. بينما جدائل خلفها تماماً ترفع رأسها نحو السلاح الموجه إلى غسان. بينما حاجبيه ارتفعا في بديهية، وكأنه وجد مبتغاه فيها. وسط ذهول وغضب أكمل.
تركهم ورحل. ليعود كل فرد منهم في مكانه في السيارة دون النطق ببنت شفة طيلة الطريق. ذهبوا إلى منزل جميلة لتدلف مسرعة ومعها جدائل إلى غرفتهم، بينما دلف أكمل ليجلس مع هشام. "إزييك يا عمي؟ أسف إني جيت من غير ميعاد، بس كنت رايح أروح جدائل، قلت أروح جميلة بالمرة. أخبار صحتك عامل إيه؟ شكلك متوتر، في حاجة؟ "أهلاً يا أكمل. إيه الأخبار بينك وبين جميلة؟
أنا حاسس إن بقى عندها مزاج متقلب زي أمها. تصور إنها صحتني الصبح بنفسها وفطرتني." "جميلة عملت زيها النهارده وأكتر شوية. جت بنفسها وركبت جنبي في العربية. لأ، وكمان غسان اعترض طريقنا. نزلت ووقفت جنبي وحطيت إيدها في إيدي." "على كده بقى البت استوت زي ما كنت حاسس. أيوه كده، تسلم يا أكمل يا ابني إنك سبتها لغاية ما هدت وجت لك بنفسها. برافو عليك. بس إيه حكاية غسان؟ أكمل بمزاح:
"جه النهارده المكتب يهددني إنه لو اتجوزت جميلة هيقتلها ويقتلني. بس أنا ما سكتش وهددته إني هبلغ المنظمة. أكد لي إن جميلة هتبيعني." "سيبك منه لغاية ما يتفاجأ بالجواب اللي بعته للمنظمة. بس أهم حاجة إن جميلة نفسها متعرفش اللي إحنا بنخطط له. جميلة مهما كان ممكن تخاف عليه." "يا عمي كده كتير، بالراحة شوية على جميلة. عمالة تنصدم فينا واحد ورا التاني. وبعدين اللي إنت بتعمله دلوقتي غير اللي عملته زمان أيام ابنك."
"هو اللي راح اتحالف معاهم ضدي من غير ما أعرف. اللي بعمله دلوقتي مش كتير على جميلة. أنا بضحي بكل حاجة عشانها. بكرة تفتكروا." "حاسس إن الخوف بقى في كل محيطه. الخوف له حدود. المفروض تعيش في السلام النفسي اللي هي عايزاه يا عمي. حرام اللي هي عايشاه." "جميلة لما رفضت الرجوع لغسان تاني، اتخطبت ليك. جميلة رافضة غسان من زمان. بتعتبره نذير شؤم، عشان كده لما رجع كانت رايحة تنهي كل شيء." "طب وهنعمل إيه مع المجرم ده؟
اللي عمله النهارده ممكن يعمله معاها فردي من غير وجودنا. غير إني شفته بيبص على جدائل. الموقف راعبني." "بعد كده غسان ده أنا اللي هتولى أمره، متخافش. أنا بس عايزك تستغل فرصة إنها حطت إيدها في إيدك وروحت معاك. استغل ده لصالحك." "لما جت قعدت جنبي حسيت إننا اتوفقنا مع بعض، لكن ظهوره دمر كل حاجة. بتمنى أنا وهي نعيش حياة زي ما هي حابة، مش زي ما اللي اتفرض علينا." "يا ابني إنت إزاي حبيت يا أكمل؟
مش عارف أفرحلك ولا أشكرك إنك حبيت جميلة من كل قلبي. حقيقي إحساسي إنك ابني مكنش غلط، بل صح الصح." "بتمنى إن والدتها كمان تعتبرني زي ابنها. ربنا يبارك لنا فيكم انتوا الاتنين. ويا رب الصراعات دي تخلص قبل ما طاقتي تخلص، لأني مبقتش لاقياها." "فاكر لما كنت بدعيلك ربنا يرزقك ببنت الحلال؟ تمنيت في دعوة منها ودعيتها إن تكون بنت الحلال دي جميلة، بنتي، وربنا استجاب عشان نيتها."
"طب هستأذن أنا بقي، عندي جلسة الصبح ولازم أرجع المكتب عشان أراجع الورق مع البنت الجديدة اللي جميلة هتولع فيها قريب، ويمكن أنا كمان." "يا حبيبي ربنا يعينك. يعني البت مش بس استجابت لمشاعرك، لا دي بتغير عليك كمان. ربنا يستر متكونش شبه قدرية في الغيرة دي، ممكن تولع فيك." "اللهم احفظنا. لأ، كل شغلي ومش بحب كده. الست لما بتتدخل في الشغل بتجيبه الأرض. ربنا يستر. أنا هحاول أتكلم معاها قبل ما أمضي." ***
ظلت طيلة الليلة تتذكر غسان وفعله الذي أفسد ما كانت ترتب له. تتساءل أي ريح هبطت به فوق رأسها. كان المشهد أمامها كإنسان مختل لا يليق به إلا القاع. هو كان بالأمس شمس حياتها، ولكنها غربت منذ استسلامه لتهديدات شقيقها ورحيله. لحظة عودتها كانت أشبه بالإعصار جعلها تعيسة بائسة. أصبح رجل، وجه فوهة سلاحه في وجه شقيقها وقتله عمداً مع سبق الإصرار والترصد، ولم يثبت عليه شيء. ثبت على شخص آخر وأُعدم مكانه. حتى لو كانت لا تعتبر
شقيقها مثل بقية الأشقاء، ولكنها عصبها ودمها. آه لو تعرف أمها أن القاتل غسان، لتقف ذاهلة. لن تستوعب أن هذا الضعيف يفعلها. عاد ليستخدم سلاح جديد عليها، فهي ورقة للعب رابحة، وكأنها روليت يلعب على منضدة دائرة. ولكن لو لم يكن وجود أكمل، لكانت وجهت سلاحها نحو رأسها وقتلت نفسها، ولا تكون لهجائها.
هاتف فأجابت بصوت مختنق: "أيوه يا غسان. أنا قلت لك ميت مرة متبقاش تتصل بيا تاني. عايز مني إيه؟ ولا حابب تشرح لي إنت ليه ظهرت في طريقنا النهارده؟ ريح نفسك، مش حابة أسمع." رد عليها غسان بغضب قائلاً: "افسخي خطوبتك بيه حالا. اللي اسمه أكمل ده استحالة ياخدك مني. أنا هخليها زفت واطيران فوق دماغه. مش أنا اللي يتعمل فيا كده، فمهما." ردت عليه جميلة بكل حزن تملكها، وهي تلعن نفسها أنها أحبته يوماً ما:
"يا غسان كفاية اللي إنت عملته فينا كلنا. أرجوك ابعد عني. هتعمل إيه فينا تاني؟ مش كفاية إنك أخدت روح من عندنا بدون وجه حق." "هتسبيه يعني هتسبيه؟ استحالة أخليكي توافقي تتجوزيه. لو حصل يبقى خلاص يا جميلة. ويعني إيه يعني لما أريحك من أخوكي البعبع بتاعك؟ بكت جميلة قائلة: "إنت عملت إيه؟ إنت كسرت قلب عيلة بحالها، وأنا عمري ما أوافق ارتبط بواحد زيك. الموت أهون لي، ومش على إيدك، على إيدي أنا هخلص من نفسي."
"أنا معايا المنظمة كلها وهنحاربكم، وأنا اللي هكسب مش أنتم. هخليكي تيأسي وتتمني الموت، ومش هتعرفي توصلي له. إنتي نسيتي لما عيطت لي وأنا طفشان بسببه." "إنت مقدرتش عياطي وهربت يا جبان. وأنا مقدرش أكون لواحد زيك جبان ومجرم. إنت بأي حق راجع وعايزني؟ ولا دي أوامر المنظمة." "لو صممتي على الجوازة دي، هنفذ أوامر المنظمة بحذافيرها. يعني الأمر في إيدك. حابة أهلك يتحسروا على عمرك، ولا حاببهم يفرحوا بيكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!