عاد بعد فترة قصيرة يعترض طريقهم، ولكن ليس في أي مكان كان، في زفاف كمال وكاميليا بعد الانتهاء. وفي طريق العودة، في ظلام الليل الدامس، هبط أكمل من سيارته بعد أن خلع جاكيت بدلته وشمر عن أكمام قميصه يستعد له.
تشبثت جميلة بقميصه، تخشى أن ينتصر غسان هذه المرة ويجرحه. ومن اقتراب غسان منها، كادت جميلة أن تفقد وعيها، بينما أكمل يقف ثابتاً. يعرف جيداً أن غسان لن يجرؤ على إطلاق الرصاص، لأنه ما زال جزء من الجبن باقياً ومتأصلاً في دمه. أخذ أكمل يستفزه بنظراته الساخرة، لتلمع عينا غسان بانتفاضة صامتة، ثم حرك مسدسه حركة سريعة في وجه أكمل، ثم أردف محاولاً أن يكون حاسماً، ولكن لم يقدر، حيث كان البطء في كلماته وهو ينطق قائلاً:
"طلقها دلوقتي، يا أما هقتلك، وهقتلها، وهحسّركم على شبابكم." على الجانب الآخر، عند كمال وكاميليا. كانت تريد معرفة مدى حبه لها، فبدأت تشاكسه قائلة بنعومة: "مكانك كان ديما في قلبي، بس انت غبي، كنت هتسيب مكانك لغيرك. يالا البركة في ظهور جميلة في حياتنا، كان فاتك أخرس ومش بتنطق." نظر لها كمال بغضب قائلاً: "انتي عارفة كويس إن مكنش في إيدي حاجة أعملها، ولولا أكمل وحسمه للموضوع، كان فاتنا مش لبعض. احمدي ربنا على النصيب ده."
نظرت له بلؤم قائلة: "كان ممكن أكون لغيرك، علشان بس اتفاق قديم بين بابا الله يرحمه وبابا، وتقولي مكنش في إيدك حاجة؟ يعني ما قولتش لأكمل على الموضوع ده." "لو كان حد غير أكمل، كنت قتلته. لكن أكمل يستحق إن الكل يضحي عشانه. ومن غير ما أقوله يا كاميليا، هو كان حاسس بيكي وبيا، وأهو حلها." احتضنت كاميليا وجهه وهي تبتسم له قائلة:
"أنا كنت بموت في اليوم ميت مرة، وانت متجاهل مشاعري. عارف لو كنت قلت لي اعترضي، كنت هعترض وهريحك وهريح نفسي." "وأنا مكنتش عايز منك ده، لا يمكن كنت أخلي بابا يغضب عليك، ولا يمكن كنت أحسس أخويا إنه منبوذ منك. عارف إني سلبي، بس أنا كده." طوقت كاميليا عنقه بحب قائلة: "علشان كده انت بقيت جوزي. كون إنك متتهورش وتصبر وتدعي إن أكون من نصيبك، حتى لو كل الأبواب مقفولة، ده كان حاجة كبيرة عندي."
دفن كمال وجهها في عنقها وهو يشدد على احتضانها قائلاً: "وأنا كمان كنت بسمع دعواتك ساعة صلاة الفجر وأنا معدي من جنب الملحق، بعد ما أكون سهرت طول الليل جنبك بدعي تكون ليا من غير مشاكل." نظرت كاميليا له باندهاش، ثم ابتعدت عنه قليلاً قائلة: "أنا مش زعلانة على فكرة من سلبيتك، يمكن لو كنت اعترضت وأنا اعترضت معاك، كنا خسرنا إحنا الاتنين. بابا الله يرحمه علمني الصبر."
"طيب بيتهيأ لي إحنا صبرنا كتير، وده مش وقت كلام يا كوكو، وقت أفعال بقى. تعالي بس ناخد نتيجة صبرنا، وبكرة نحكي في الموضوع تاني." عودة إلى أكمل وجميلة في مواجهة غسان. انحنت شفتي أكمل في سخرية طفيفة، وجميلة ما زالت متشبثة به، وهو يحتويها بذراعيه، لا يريد التخلي عنها. "لا مش هطلقها."
ببساطة، تحرك غسان لينشر سمه بينهم. لتبتسم جميلة بلطف، غير مدركة لمغزاه القبيح، حيث ظنت أنه سيتركهم بسهولة بعد رفض أكمل لطلبه، الذي منحه حقداً أضعاف ما يكنه له، لأنه سرق المرأة التي ستكون ملاذه، امتص رحيقها قبله، كل شيء اغتنمه قبله، وهي في قانون عقله بحقه هو فقط. ولكن هو لم يأت اليوم قاصداً إياها فقط، بل قاصداً إفساد ما بينهم، ومعه الدليل.
"تمام، مطلقهاش، وبالشفا عليك. جميلة بنت أخوها بصحيح، نجحت إنها تدخل قلبك وعقلك وبيتِك ومكتبك وتوصل للورق اللي إحنا عايزينه. لو مش مصدقني، دي نسخة منه. أنا مجتش هنا عشان سواد عينيها، هي معدتش تلزمني. مبحبش آخد حاجة حد أكلها قبلي. نصيحة مني، ارميها قبل ما ترميك، زي أخوها ما رمى أبوها. نسيت أقولك، كان لازم تستغرب كمان يا ثعلب، إزاي واحدة زي قدرية تهدي من ناحيتك؟
ما هو كله تخطيط وانتقام بقى لأجل المرحوم ما يهدي في تربته. الحمد لله إنك ما سبتش واحدة زي دي ليا. عرفت ليه بقى هي وافقت تكون معاك؟ عشان تحمي نفسها، وتبقى انت كبش الفداء. حتى تليفوناتك للبيج بوص، هي اللي دفعته يستقبلها. سوري يا جيمي، مش كل مرة تسلم الجرة، ومش أنا اللي هكون ديما الضحية. مش انتي بتعرفي تمثلي دور الضحية؟
اشربيه بقى لوحدك. وانت يا متر، وحياة أخوك، متبقاش تدافع عن واحدة وأنت متأكد إن عمر قلبها ما هيميل ليك، وملهاش خير في اللي قبلك." انتهى غسان من حديثه، وأكمل طيلة الحديث يتفحص الأوراق ويفكر كيف أتتها الجرأة لتوصيل هذه الأوراق لهم، وما هو الدافع لذلك. وهي منتبهة على صمته وجموده بعد رحيل غسان، لتسدير تواجهه، تجده يبتسم أمامه بسخرية قائلاً:
"متلخبطة طبعاً ومش لاقية كلام تقوليه. إيه يا جميلة، مش هتقوليلي إيه الدافع إنك تسرقي ورق من مكتبي وتبعتهيه ليهم؟ طبعاً الدافع الخوف يا أكمل." "مرة تانية بتشك فيا؟ انت عمرك ما هتنسى مين أخويا، ولا أنا أخت مين. عارف لو الكلام ده على جدائل أختك، مش هتصدقه أبداً. انت عايز مني إيه دلوقتي؟ يريد أكمل أن تصارحه جميلة بالحقيقة لكي يتخذ قراره المطلق.
"عايزك تقولي على كل حاجة. قاعدة في وسطنا بقالك شهر، ولا باين عليكِ أي حاجة من اللي سمعته النهاردة. طب ليه تعملي كده؟ أنا مش مصدق." "من غير دليل وبينِة بتتهمني؟ أنا قعدت معاكم، ويشهد ربنا أنا مكنتش أعرف أصلاً انت بتدخل أوضة المكتب بتعمل إيه. عارف لو بابا اللي جم، قالوا له بنتك سرقت، عمره ما هيصدق." زفر أكمل بنفاذ صبر قائلاً:
"طلبت منك الصراحة من يوم ما ارتبطنا. من شوية كنتِ بتترعشي لما شفتي غسان. ولما جه يمشي، فرحتي، كل دي حاجات تخليني أشك فيكي." صدمت جميلة من مراقبته لانفعالاتها وردت قائلة: "بتقول إيه؟ انت مراقبني؟ طب ماهو ده ما يدينيش بحاجة، بالعكس. أنا كنت مفكراه هيفرقنا، مكنتش متوقعة إنه جاي عشان شوية الورق اللي أنا معرفش فيهم إيه." ذهب أكمل إلى السيارة، لتذهب وتجلس بجواره.
"انزلي يا جميلة، طريقنا مش واحد. انتي متخيلة بعد اللي عملتيه ده، هقبل ترجعي تقعدي وسطنا تاني؟ أنا مقدر ظروف، وعارف انتي عملتي كده ليه، بس مش حل." أدارت جميلة وجهه، ليبقي في مقابلتها: "أنا عايزة أتكلم، وانت هتتفضل زي المحامي اللي بيسمع أي قضية بصدر رحب، لأن ده شغله. أنا معرفش الورق ده بتاع إيه، ليه مش قادر تصدق؟
"لأني حبيتك. مش جواز حماية زي ما انتي فاهمة. حبيت جميلة البريئة الصادقة، اللي لا يمكن تبيعني حتى لو شايفة ده في مصلحتها. عارف لو كنت قلت الكلام ده قبل كده، عمرك ما هتصدقيني." ياله من اعتراف بالحب، ولكن ليس بوقته ومحله. انهارت مشاعرها، وهو يستطرد قائلاً: "أنا اتقدمتلك، وانتِ فكرتي إني بخلص مهمة. قررت كتير إني أصارحك بمشاعري، بس ديما كنت خايف، إنك تستهتري بيها، والحمد لله خوفي في محله." انتفضت جميلة بغضب قائلة:
"واللي بيحب واحدة، بيصدق فيها. تفتكر أنا ممكن أسلم ورق من ورقك ليه؟ هستفيد إيه؟ ما أنا عارفة إنهم هياخدوا الورق ويكون ضدك." "ليا صاحب زمان قالي، اختار صح. اختار واحدة لا يكون ليها لا أب ولا أم، ولا أخ ولا أخت فيهم غلطة. النهاردة عرفت حقيقة كلامه. محدش بيتغير."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!